|
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة
المؤمنون :
على أبواب الصيف يتجدد الحديث عن
مجتمعاتنا والصيف .. ذلك أن أموراً وأحوالاً وأوضاعاً كثيرة ربما يقع
فيها كثيرون وهي مما ينبغي أن ينتبه له المسلم وأن يحذر منه المؤمن ذلك
أنه لا يليق به ولا تناسب مع غاياته وأهدافه ومع سماته وصفاته .
وكثيرٌ من الأخوة قد أشار إلى التنبيه
إلى بعض هذه الأمور لأهميتها ، وحرصاً على أن نكون بإذن الله - عز وجل
- في موضع طاعته سبحانه وتعالى ، وفي أسباب طلب العز والنصر والقوة
لهذه الأمة التي لحق بها كثيرٌ من الضعف ، وتمزّقت أوصالها ، واختلفت
آرائها ، وحل بها كثيرٌ من غضب الله - سبحانه وتعالى - بسبب تفريطها في
طاعته وتقصيرها في التزام منهجه .
إن هناك ظواهر كثيرة أحب أن أقف على
بعضِ منها بشيءِ من الوضوح والصراحة وبتسليط الضوء على الأسباب التي
تؤدي إلى هذه الظواهر ومن خلال رؤيةِ إلى بعض صور العلاج لها .
أولاً : تعطل العم
والعمل
وكثيراً ما يرتبط بالأذهان أن إجازة
الصيف هي خلو عن أي عمل وتركن لأي طلب أو أخذ أو زيادة في العلم ، وهذا
يظهر أكثر في صفوف طلاب وطلبة المدارس و الجامعات الذين تتوقف دراستهم
، فيرى أحدهم أن نظره في كتاب أو أن مطالعته في مسألة أو أن مراجعته
لمنهج من المناهج كبيرةٌ من الكبائر ، وعظيمةٌ من العظائم ، وتسلّق في
أذهان كثيرٍ من أبنائنا وشبابنا أن هذه الفترة رغم امتدادها وطولها ،
ورغم وجود الفراغ فيها ورغم تهيأ كثيرِ من الأسباب النافعة خلالها .
أنه ينبغي لهم أن يكونوا عطلاً من كل
علمٍ وعمل ، ونجد ذلك يتمثل في صورٍ عملية وظواهر اجتماعية كثيرة منها
:
أ - السهر والعبث
فنحن نرى كثيرون في هذه الأوقات لا
ينامون إلا بعد الفجر ، أو ربما بعد انبثاق النور وبداية النهار وذلك
ليناموا بعد ذلك سحابة يومهم لأنه ليس ورائهم عمل .
ونجد هذا السهر عابثاً ليس فيه شيء
ينفع ويفيد في غالب الأحوال ، بل فيه لغوٌ باطل ، وكلام لا نفع فيه ،
ربما فيه اجتماعٌ على بعض صور وأعمال من معاصي الله - عز وجل - ربما
يكون فيه كثيرٌ من أسباب الأذى .
ولذلك نجد هذه الصورة تبرز لنا لتدل
لنا على هذا التعطل والبطالة .
وصورةَ أخرى نراها أيضاً تابعةَ لها
وهي
ب- النوم والكسل
ولا انشغال بعمل ، ولا ارتباط بهدف ،
ولا سعي لإنجاز مهمة ، بل لو كان هناك وقتٌ غير النوم ؛ فإنه يقضى في
الفراغ الذي لا جدوى فيه ولا نفع فيه .
ونجد أيضاً صورةً ثالثة وهي :
ج - صورة التفاهة
والأذى
التي نجد فيها كثيراً من الشباب
والشابات رغم سهرهم وعبثهم ورغم نومهم وكسلهم يفيض الوقت لكثرته فلا
يقضونه إلا في أمورِ تافهة يفكر أحدهم في ملا بسه أو في سيارته وتفكر
الأخرى في زينتها أو في أسواقها أو غير ذلك .
ويلحق من وراء ذلك أذىً والظمأ بما يقع
من الأذى للناس أو بما يقع من التجريح لهم أو بما يقع من آثار
الاجتماعات والتجمعات التي يقضون فيها أوقاتهم فنجد حينئذِ تجسداً لهذه
الصورة التي لا تليق بالمسلم فضلاً عن شباب الأمة الذين هم أملها
المرتقب .
ونحن نرى ذلك تدفعه أسبابَ وتهيأه
أوضاع ذلك أن هناك تربيةَ أسرية تكرس هذه المعاني .
فنجد كثيراً من الآباء والأمهات يغرسون
في نفوس أبنائهم هذا المعنى أنه لا ينبغي أن يقرأ ولا أن يتعلم ولا أن
يعمل شيئاً ولا أن تسند إليه المهمة ولا أن يقوم بأي شيء وكذلك نجد
أمراً آخر يساعد على ذلك وهو :
د - البيئة
الاجتماعية
أي
الأوسع من دائرة البيئة الأسرية ، فنحن نرى حديث الناس في الصيف عن
قضاء الأوقات أو عن قتلها أو عن اتفاقات اللهو والعبث أو عن ذلك من
الصور التي تكرس هذا المعنى .
وأمرٌ أيضاً وهو :
هـ - الدعاية
الإعلامية
التي تعمق هذا المفهوم فهناك دعوةَ دائما للسياحة ولقضاء أوقات الفراغ
ولتنزه ولغير ذلك من الأمور التي قد يكون أصلها ليس محضوراً ولا
محرماً لكن تعميقها وجعلها غايةً وصرف الأوقات والأموال فيها هو الأمر
الذي ينبغي أن يترفع عنه المسلم .
إننا حينما نتصور أو نجسد هذه الصورة
نقف على خطرٍ عظيم ، ذلك أن هناك وقتاً طويلاً يمتد إلى أشهر وأعداداً
من شبابنا وشاباتنا وطلابنا وطالباتنا تصير إلى الملايين ، وهناك
أوضاعاً وأحوالاً متنوعة متعبدة كلها تكون بلا جدوى ولا ثمرة .
ونحن أمةٌ نحتاج إلى مزيدٍ من مضاعفة
الجهد والعمل ، وإلى مزيدٍ من تحصيل الثقافة والعلم لندرك من سبقنا في
أبواب كثيرةٍ من أبواب التقدم والعلم ونحو ذلك ، ولنحصل كثيراً مما
فاتنا ومما سبقتنا إليه أمم أخرى ، ومع ذلك نجد هذا على هذا النحو بل
إننا نجد شكوى نعومةً من بعض الشباب في أوقات الدراسة وهم يأملون
ويطمحون ويؤجلون كل آمالهم وطموحاتهم إلى هذه الفترة ، فتجد أحدهم لا
يجد فرصةً للعبادة والطاعة بحجة انشغاله بالدراسة ، وآخر لا يجد متسعاً
من الوقت للثقافة والإطلاع وزيادة المعلومات بسبب الانشغال بالتحصيل
والاختبارات ، وثالث أيضاً لا يرى فرصةً لتنمية المهارات أو ممارسة
الهوايات فأين هذا كله في هذه الفترة .
نحن نسأل عن الليل أين قيام الليل من
هذا السهر العابث واللهو التافه الذي يقضى فيه كثير من الأوقات .. أين
قول الله عز وجل : { وبالأسحار هم يستغفرون
} ؟ .
أين أنت أخي المسلم أخي الشاب من قول
الله عز وجل : { إن ناشئة الليل هي أشد
وطئاً وأقوم قيلاً } .
ألا تذكروا صحب النبي – صلى الله عليه
وسلم - صغار الصحابة الشباب كيف كان يقضي ليله وهو في النهار من
المجاهدين ومن العاملين ! لا من النائمين والكسالى الذين تتاح لهم فرصة
للراحة .. نعلم قصة ربيعة بن كعبِ رضي الله عنه لما سأله النبي – صلى
الله عليه وسلم - عن أمينته ليدعوا له بها فقال : " أسألك مرافقتك في
الجنة " . قال : ( أو غير ذلك ؟! )
، قال : " ليس إلا هو " ، قال : ( فأعني
على نفسك بكثرة السجود ) .
فلم يكن - رضي الله عنه - يدع قيام
الليل بعد ذلك وهو في الرابعة عشر من عمره .
وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله
عنه كما في الصحيح البخاري جاءه النبي عليه الصلاة والسلام
فقال له : " ألم أخبر أنك تصلي فلا
تنام وتصوم فلا تفطر وتقرأ القرآن في كل ليلة ؟! " ، قال : نعم يا رسول
الله .
هذا الخبر الذي بلغ النبي - عليه
الصلاة والسلام - عن حال عبد الله بن عمر الشاب الذي كان في مقتبل
العمر كان يصلي فلا ينام يصوم فلا يفطر يقرأ القرآن في كل يوم مرة حتى
رده النبي - عليه الصلاة والسلام - للاعتدال فذكر له صيام يومِ وإفطار
يوم وأن ينام نصف الليل وأن يقوم ثلثه وأن سدسه الأخير كما علمه النبي
عليه الصلاة والسلام - وأن يختم القرآن في خمسِ أو في سبعِ كما في بعض
الروايات .
نحن نقول لإخواننا ولأنفسنا ولآبائنا
أيضاً : إن هذا الوقت الذي يفرغ فيه الإنسان أو يفرغ فيه الشاب من هذا
الارتباط بالدراسة أو التحصيل أو غير ذلك .
ينبغي أن يقابله هذا الاستثمار في
العبادة والطاعة أين الذكر والتلاوة كثير من الشباب لا يجدون كما
يقولون وقتاً في تلاوة القرآن وذكر الله - عز وجل - في أوقات الدراسة
أفليس جديراً بهم أن يقرأوا جزءاً من القرآن في أول نهارهم وجزءاً في
آخر يومهم أو أكثر من ذلك كما كان شباب صحابة النبي – صلى الله عليه
وسلم - يفعلون .
أين المسارعة إلى الخيرات والمسابقة
إلى المساجد والصلوات ؟ أين هذا كله الذي كان يترك بعضه أو كثير منه
بحجة الانشغال بالدراسة والتفرغ لها ؟ .
فما بالنا نشكوا هذه الشكاوى المزعومة
وندعي هذه الدعاوى الموهومة ثم إذا جاء الوقت وحانت الفرصة لم نجد لهذه
الدعوة الصورة الحقيقية الصادقة لها .
وأمرٌ آخر غير العبادة
والطاعة أمر الثقافة والاطلاع
لماذا لا يستثمر الوقت في مثل هذا
المجال لتحصيل مزيد من العلم أو تهيأ للعام القادم أو مراجعة مما مضى
من التحصيل ، أو توسيعاً للمدارك أو زيادةً في أبواب من الفهم أو العلم
يميل إليها الشاب أو الشابة كأنه كما أشرت من قبل ينبغي أ لا يكون خلال
هذه المدة الطويلة في الإجازة الصيفية أي لا قراءةِ ولا إطلاع ولا كتاب
ولا مقال ولا حتى سطراً واحداً ، نجد ذلك كأن الإنسان إنما جعل له هذا
الوقت ليبدده من غير فائدة .
ونحن نعلم ما كان من سلقنا - رضوان
الله عليهم - كيف نقلوا لنا سنة النبي - كيف نقلوا لنا القرآن الكريم
؟ كيف نقلوا لنا هذه الثروة الهائلة من العلوم الإسلامية والمؤلفات
الضخمة ؟ لم يكن أحدهم ينام ملء عينيه ، ويأكل ملء ماضغيه ، ويطمئن إلى
الدنيا ، وينشغل باللهو والعبث بل كانوا على جد وعمل .
فهذا بن عقيل الحنبلي يقول : " إنه ما
يترك إلا وهو ينشغل بالقراءة ؛ فإن لم يكن فبي كتابه فإن تعب تمدد وشغل
فكره في مسألةً من المسائل وكان بعض السلف وبعض علماء الأمة من أمثال
إمام الحرمين الجويني لا ينام إلا مغلوباً ليس له وقت في النوم وإنما
يقرأ ويطالع ويدرس ويعمل حتى يرهق فينام ، فإذا نام نومةً قصيرةً كانت
أو طويلة إذا استيقظ واصل عمله جدَ ودأبَ واستثمارَ واستغلال " .
فما بالنا نحن في هذه الظروف اليسيرة
التي هيأ الله فيها أسباباً من النعم كثيرة نفرط مثل هذا التفريط وندع
مثل هذه الفرص دون اغتنام .
ونجد أيضاً أن هناك ضعفاً فيما ينبغي
أن يقدم للشباب في هذه الأوقات فلا نرى كثيراً من البرامج التي تحثهم
على القراءة والإطلاع لا نجد المسابقات الثقافية التي تتناسب مع وقت
الفراغ حتى يشغل فيما ينفع ويثمر .
لا نجد أيضاً التوجيه الإعلامي المناسب
الذي يعمق هذا التوسع الفكري والإطلاع الثقافي لدى شبابنا ، حتى إننا
نجد صوراً منسوخةً لا يعرف فيها أحدهم حتى ما درسه من المناهج بل لا
يعرف أحدهم أن يجيد كتابة اسمه فضلاَ عن أن يكون صاحب علمِ ومعرفة .
وأمر آخر أيها الأخوة
الأحبة الهوايات والمهارات :
كسب العمل والتدرّب على المهن للفرص
التي تتاح في هذا الوقت للشباب .
لماذا لا يُستغل العمل والجد وتحمل
المسؤولية ؟ لماذا يبقى شبابنا حتى التخرج من الجامعة وهو كما يقولون
لا يزالوا غير قدرِ على تحمل المسؤولية .
ألم يكن من صحابة المصطفى – صلى الله
عليه وسلم - من قادوا الجيوش وهم في السابعة عشر من عمرهم ؟ ألم يكن
منهم من تولّى الأمارة ومن عمل أعمالاً وقام بمهماتٍ عظام كمهمة نقل
القرآن وكتابته - كما قام به زيد بن ثابت وهو شابٌ غضٌ طري - ما لا
نعود أبنائنا على تحمل المسؤولية لم لا يشتغلون ويعملون ؟لم يعيشون على
كد آبائهم وحسب دون أن يتهيئوا لحمل المسؤولية والقيام بالعمل .
لقد كان عمر بن الخطاب ينظر إلى الرجل
فتعجبه عبادته وتعجبه طاعته فيسأل عن عمله وعن نفقته فيقال له :
" إنه لا عمل له وإن أخاه أو أباه ينفق
عليه " فيسقط من عينه ؛ لأن الإنسان بلا عمل بلا مسؤولية بلا مهمة لا
قيمة له كيف يعيش بل هذه الأمور التي هي كدح الحياة والتي هي استثمارها
، والتي هي التهيؤ وأخذ الأسباب التي تعينه على طاعة الله عز وجل بها
.
والنبي - عليه الصلاة والسلام - يقول :
( ما أكل ابن أدم طعاماً قط خيرٌ من أن
يأكل من عمل يده ) .
ونعلم توجيهه - عليه الصلاة والسلام -
عندما جاءه الرجل الذي يسأله فأعطاه ثم جاء يسأله فأعطاه ثم قال له :
أليس عندك من شيءِ من مال ؟! ، قال :
لا إلا قصعة ، قال : فأتني بهما فنادى بهما النبي – صلى الله عليه
وسلم - للبيع فبيعا بدرهمين فقال : كل بدرهم واشتري بدرهمِ فأساً أو
قدوماً ثم اذهب فعمل فاحتطب ، فذهب فعمل فدعا له النبي عليه الصلاة
والسلام .
وبيّن شرف العمل وقيمته في هذا الدين
والإتقان فيه ، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام : (
إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاَ أن يتقنه
) .
لا بد أن نجد هذه فرصة في هذا الوقت
لنشغل أبنائنا ونشغل فتياتنا بما ينفع ويعود عليهم بالفائدة .
ونحن نعلم أن هناك فرصاَ من العمل تتاح
للطلبة على وجه الخصوص ، ليشغلوا أوقاتهم وليكتسبوا بعد الخبرات ، ولكن
أيضاً هناك بطالةٌ مقنعة كما يقولون بعضهم يأخذوا أعمالاً أو وظائف
لمجرد أن يأخذ بعض الأموال دون أن تكون هناك مهمة ولا عمل ولا اكتساب
خبرة هذا أيضاً نوعٌ ليس مرغوباً فيها .
ونجد أيضاً فرصاً أخرى تتيحها معاهد
التدريب المهني لاكتساب الخبرة والتدريب في كهرباء أو ميكانيكة أو في
غير ذلك من الأمور النافعة التي - كما يقولون -تجعل الإنسان عنده صنعةُ
في اليد تدفع عنه إن شاء الله - عز وجل - بعمله الفقر هذا وهو أمرٌ
متاحٌ معروف ، وقد رأيت له إعلانات كثيرة تدعوا الشباب إلى أن يشتركوا
في هذه الدورات المجانية بغير مقابل .
فاذهبوا وانظروا مدى الإقبال عليها
فإنكم واجدون صورةَ أو حالةَ تحتاج إلى إعادة نظر .
وهناك فرصٌ أخرى كثيرة ينبغي أن تستثمر
لأجل العمل والأجل تحمل المسؤولية ، ومن ذلك أيضاً المراكز الصيفية
التي تجمع بين كثيرٍ من هذه المنافع في استغلال الأوقات ، وفي الدفع
والتشجيع على العبادة والطاعات ، وفي زيادة العلم والثقافة ، وفي
اكتساب المهارة وغير ذلك ، ونعرف أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - قد
بيّن لنا أنه ما من نبيٍ إلى وقد رعى الغنم وأخبر عن نفسه أنه كان
يرعاه لأهل مكة على قراريط ؛ ليبين لنا شرف العمل ، وكان علمائنا منهم
الفراء ، ومنهم الخياط ، ومنهم البزاز .. ألقابهم تدل على مهنهم ،
اشتغلوا بالعمل وبالعلم وتحملوا المسؤولية ، فينبغي لنا أن نلغي هذه
الصورة من ترك العمل والعلم خاصةَ في صفوف أبنائنا وشبابنا : {
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله
والمؤمنون } .
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الأخوة
المؤمنون :
وإن من أعظم التقوى الحرص على نعم الله
- عز وجل - وتقيدها بشكرها علماً وعملاً .
وننتقل إلى صورةِ أخرى من صور واقعنا
الاجتماعي وهي صورة تتعلق بتبديد الثروات من مالٍ ووقتٍ وجهد ، ويرتبط
هذا التبديد إلى حدٍ كبيرٍ بوقت الصيف والإجازة التي فيه ونرى لذلك
أيضاً صوراً عديدة :
أولها : كثرة السفر
إلى خارج البلاد .
وثانيها : كثرة
الأفراح وما يقع فيها من إسراف .
وثالثها : بذل
الأموال للأبناء في الهدايا والمصاريف وغيرها .
وأقف وقفاتٍ سريعة ليس المقصود منها أن
نفصل القول في هذه الجوانب ، ولكنها ومضاتٌ يكفي القليل منها ؛ لتنبه
إلى ما يقع من خذلٍ ، وما قد يستتبع من خطر ، فنحن نجد كثيرين يتنادون
إلى السفر من هذه البلاد إلى غيرها من بلادٍ أخرى ، وكثيرون يذهبون
أيضاً إلى بلاد الكفر التي لا تقيم وزناً لخلق ولا ترفع شعاراَ من
إيمان ولا شيئاَ من ذلك .
وهنا يتعرض المسلم في سفره هذا إلى
مخاطر عدة .. إلى المخاطر الاعتقادية حيث يفتن بعض الناس أو بعض
الشباب على وجه الخصوص بأهل الكفر فيعظمونهم ويرون فيهم مثلاً يحتدا
ويرون في صورة حياتهم قدوةَ ينبغي أن تطبق في حياتنا وقد يفتنون في
دينهم فيتشككون في بعض عقائدهم .
وفتنةٌ أخرى في الجانب السلوكي
، حيث يرون صوراً من التحلل والإباحية وشرب الخمور وكثرة الخنا والفجور
ونحو ذلك مما نعلمه ولا يخفى على أحدٍ ولا يحتاج إلى بيان .
وخطر ثالث وهو الخطر الأمني
الذي نسمع عنه في الاعتداء على الأموال أو في الخطف أو الاعتداء بالضرب
ونحو ذلك مما وقع لكثيرين وليم يعتذروا أو ولم يعتبر غيرهم .
وخطرٌ رابعٌ أيضاً وهو الخطر الاقتصادي
الذي يجعل كثيرون من الناس يتفننون في التبذير في الأموال في غير ما
حاجة في أسباب هذا السفر أو ذلك اللهو ونحو ذلك فينفع بذلك أعداء الأمة
ويضعف مواردهم المادية واقتصاد بلادهم .
وهذا أيضاً كله صورةُ مصغّرة عندما
تلتفت ما هي الدعوة في ذلك ؟ هي أننا نريد أن نرفه عن أنفسنا أننا
خلال فترةِ طويلة لم يكن عندنا فرصةُ لهذا الترفيه .
وأقول هذا أيضاً تصورُ غير صحيح فنحن
في كل أسبوعِ عندنا يومان من أيام العطلة والإجازة كما تسمى ، وعندنا
عطلةُ في الربيع عندنا عطلةُ في الأعياد وعندنا عطلةُ في رمضان وثالثةُ
في الحج وكثيرون من الناس يقضون هذه العطل فيما يقولون إن ترفيه عن
أنفسهم أو تجديد لنشاطهم .
فهل يضاف إلى ذلك ثلاثة أشهرِ ربما
تكون ربع العام فيكون ترفيهنا أكثر من نصف العام إذاَ فأين علمنا وأين
عملنا وأين جهدنا وجهادنا ؟
إذا كان نصف عمرنا يقضى فيما نجعله
ترفيهاَ أو نحو ذلك ، وإذا كنا نجد أننا بحاجةٍ إلى ذلك ينبغي ألا
يصاحب ذلك شيءُ من المحرمات ولا الوقوع في معاصي الله عز وجل وينبغي
ألا يكون ذلك سبباً مبرراً لكل هذه التجاوزات والترخصّات بحجة أننا
نريد أن نرفه عن أنفسنا .
وأمورٌ أخرى كثيرة تجيء في هذا الباب ،
ونحن نريد إذا أردنا أن نرفه عن أنفسنا فإن هناك مواضع كثيرة في هذه
البلاد وفي غيرها من البلاد التي يقل فيها هذا الفساد ولا يوجد فيها
مثل ما في بلاد لكفر فإذا كنت ولابد فاعلاَ فاقتصر في الوقت واقتصر في
الإنفاق ؛ لأن هذا كله ينبغي أن يقابل بأمرِ أخر نحتاج إليه ونستفيد
منه أكثر من هذا .
ونعرف أيضاً أحوال إخواننا المسلمين في
بلادِ كثيرة في البوسنة والهرسك وفي كشمير وفي غيرها أفيكون لنا كل
الاطمئنان والسعادة في أن نبذل وننفق ونلهو ونلعب ونمرح ونفرح دون أن
نتذكر إخواننا باقتطاع شيئاً من أموالنا أو باقتطاع شيءِ من وقتنا
لنتفقد أحوالهم أو نزورهم في بلادهم أو غير ذلك مما ينبغي أن نشغل به
أنفسنا وأفكارنا وعقولنا .
أين نحن أيضاً من سفر العبادة لم لا
يكون هذا الموسم موسماً لمجاورة بيت الله الحرام في مكة المكرمة
ولزيارة مسجد النبي – صلى الله عليه وسلم - في المدينة المنورة وقتٌ
هنا ووقتٌ هناك الانتقال والتغير للمكان وللناس هو أيضاً نوعٌ من
التجديد أفلا يكون ترفيهاَ أفلا يكون تجديداَ أفلا يكون زيادةَ للإيمان
أفلا يكون أي صورةِ من صور الانتفاع إلا أن يكون هذا السفر إلى خارج
البلاد .
هذا أيضاً أمرُ ينبغي أن يكون الإنسان
منه على ذكر علماً بأن المسلم ليس عنده في الحقيقة فراغ حتى يقول أريد
أن أبدد هذا الوقت وهو قيمة الحياة :
والوقت أنفس ما عليت بحفظه **** وأراه أسهل ما عليك يضيع
لما تفرط في هذا الوقت والله عز وجل
يخاطب نبيه – صلى الله عليه وسلم - يقول : {
فإذا فرغت فانصب } .
إذا فرغت من شأن الدنيا وأعمالها فانصب
لطاعة الله عز وجل فليس هناك فراغ في الحقيقة فالدنيا مزرعةُ وحرثُ
للآخرة وكل وقتِ يمكن أن تستثمره في طاعة الله - عز وجل - ولذلك ينبغي
أن نتنبه إلى هذا المعنى .
ونجد الصورة الأخرى في الأفراح وما
يصاحبها من إسرافٍ وتبذير بدعوة الأعداد الكبيرة وتهيئة الأطعمة
الوفيرة واشتراط تغير الملابس للناس وغير ذلك من أمورِ ينفق فيها من
الأموالِ ما ينبغي أن يدخر وان يبذل في أبوابِ من الخير أخرى أو أن
ينتفع به لأمورِ أعظم من هذا واشرف وإذا كان يقترن مع هذا محرمات فيكون
الإنفاق في هذا الباب إنفاقاَ محرما وغير ذلك من الصور التي تقترن في
أمور الأفراح وهي كثيرة جداً .
وكذلك الأموال التي يعطيها الآباء
لأبنائهم ليشتروا ويرفهوا عن أنفسهم دون أن يسألوهم في أي شيءٍ صرفاً
هذا المال وقد يصرفونه فيما يضرهم وقد يكون مدخلاَ لهم عدما يكون المال
في أيديهم إلى شيءٍ من المحرمات أو إلى شيءِ كالمخاطر الكبرى كالمخدرات
وغيرها إن الشباب والفراغ والجدة مفسدةُ للمرء أي مفسدة فينبغي الترشيد
والانتباه .
ولذا ألخص قولي في دعوةٍ صادقة لنا
جميعاً - أيها الإخوة - أن نحرص حرصاً أكيداً على طاعة الله ، وأن
نستثمر الأوقات التي أتاحها الله - عز وجل - لنا لا لشيءٍ إلا لذكره
ولشكره سبحانه وتعالى : { تبارك الذي جعل في
السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً * هو الذي جعل الليل
والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً } .
دعوةٌ صادقة أولاً لترشيد الإنفاق
والتبرع في سبيل الله .. رشدوا في السفر .. رشدوا الأفراح وابذلوا
وزيدوا في سبيل الله عز وجل .
ثانياً : المحافظة على الأوقات والعمل
بطاعة الله - عز وجل - أكثروا من الذكر والتلاوة وطلب العلم وانشغال
الوقت في هذه الفرصة المتاحة .
ثالثاً : ترك البطالة والانشغال
بالعمال .
وأخيراً : تقوية الأواصر والتعاون على
الخير ..لما لا تكون فرصةٌ عظيمة لصلة الأرحام والتزاور وتقوية الأواصر
، والقيام المشاريع الخيّرة بين أهل الحي والجيران ؟! لما لا نستثمر
هذه الأوقات في طاعة الله عز وجل !.
|