صحيفة الخليج الإماراتية 20/4/2006
تندّر أحد العدميين - وما أكثرهم في أيامنا - على خطاب رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية، لأنه قال إن الفلسطينيين يفضلون الحياة على الزيتون والزعتر إذا كان هناك من يريد إذلالهم، وتنقيع رغيفهم في حساء هو مزيج من دمهم وعرقهم ودموعهم.
وقال هذا المتندر إن أغنية قديمة لصباح تكفي لحل الأزمة، وهي أغنية تقول بأن البساطة هي أصل الحب، وأن كانت صباح قد أضافت البطاطا إلى ما قاله إسماعيل هنية. ونحن إذ نتفهم الشروط الموضوعية والاقتصادية التي تحاصر الناس بعامة والفلسطينيين بخاصة، وندرك متطلبات الحاجة، ولا نتجاهل الإرادة البشرية التي تدفع الإنسان إلى الصوم مقابل الحمية، ولم يكن إضراب الأحرار عن الطعام في سجونهم إلا التعبير الرمزي عن تفضيل القليل من الحرية على الكثير من الطحين والثريد! وقد يوصف من يرى بأن عقاب الشعب الفلسطيني على هذا النحو الأورو-أمريكي الجائر لا يبرره سوى الانحياز الأعمى للدولة العبرية بأنه راديكالي يريد أن يقاوم حتى آخر طفل فلسطيني.
وما كنا ننتظر ذات يوم أن القضايا الكبرى والنبيلة ستنزلق إلى سجال كهذا، وأن تصبح مقولة المسيح المعكوسة عن الحياة بالخبز وحده شعار مرحلة.
والاختلاف مع حماس فكراً أو برنامجاً وممارسة سياسية يجب ألا يتحول إلى ذريعة لتبرير المواقف الدولية المشبوهة منها ومن فوزها في انتخابات لم يطعن بها أحد حتى الآن، اللهم إلا إذا اعتبرنا التحفظ على فوز حماس هو طعن بأثر رجعي. وليس من المهم الآن أن نفاضل بين قوائم الطعام سواء كانت فولكلورية شعبية أم من العسل الصافي والكافيار، فثمة نماذج بشرية تفضل الحياة حتى لو كانت على سلسلة من الخوازيق وليس على خازوق واحد، وهناك بالمقابل أناس يؤمنون بأن الحرة تجوع ولا تأكل بثدييها.
وما أسهل على ذوي النيات السيئة أن يقولوا إن حماس هي سبب تجويع الفلسطينيين، وحجب رواتبهم، وبالتالي تردي أحوالهم المعيشية، وذلك لجريمة واحدة اقترفتها حماس وهي أنها فازت في انتخابات نزيهة.
إن المطلوب من الناخب الفلسطيني الذي اختار هذا الطرف السياسي أن يدافع عن اختياره، وأن يقدم الرد العملي على من يبحثون عن سبيل لتهجير أسباب الشقاء من الاحتلال إلى من تولوا مقاومته. ويبدو أن ما جرى للناس خلال العقد الماضي بالتحديد كان كارثياً، فقد اختزلوا إلى معدة وموبايل ووجبة سريعة مسمومة، واستؤصل منهم ذلك النتوء الغامض الذي كان اسمه ذات يوم الكرامة أو الكبرياء القومي واحترام الذات.
إن من حق الفلسطينيين أن ينتظروا برنامجاً سياسياً يخفف من شقائهم، لكن ليس من حق أحد أن يضللهم مجدداً ويقول لهم إن حماس هي السبب في فقرهم وحصارهم. السبب المعروف والذي يبطل العجب هو أن من يربتون على كتف القاتل ويدينون القتيل ينتجون شقاء كونياً قد تكون حصة الفلسطينيين منه هي الأكبر. ولا يحق لأحد أن يبدأ العد من رقم ألف أو مليون مثلاً، لأن البداية من الصفر تفرض على الشهود الذين لم تفسد ضمائرهم الرشى وأن يعترفوا بأن الاحتلال هو الحاضنة الشيطانية لتفريخ كل أنماط الشقاء والبؤس، وأن من ينحاز إلى المحتل ضد ضحية احتلاله هو متحالف مع القاتل وشريك له في نهاية المطاف.
لنختلف مع أطروحات حماس، ومع خطاب رئيس الوزراء المنتخب إسماعيل هنية، لكن بالحدود التي لا تتيح للعدمي أن يستخف بالدم، فالقول بأن شعباً قد يفضل الحياة بالزيتون والزعتر على الكافيار والعسل والسلمون المدخن دفاعاً عن استقلاله ليس أغنية لصباح أو لمايكل جاكسون أو حتى لفرانك سيناترا. ما نخشاه ونضع أيدينا على قلوبنا وليس على بطوننا رعباً من حدوثه هو الخلط بين الحرية والطحين على نحو يحول الاستقلال إلى نوع مطور من المعجنات.