إن من السنن الكونية التي تنتظم الحياة سنة التدافع، والتي ذكرها الله في قوله{ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج،40)، ومن المعاني التي تحملها هذه السنة معنى الاختلاف والتضاد بين منظومتين، بحيث يؤدي ذلك إلى أن يعمل كل منهما إلى دفع الآخر عن مركز القيادة ليحل محله، وبالطبع لن يستسلم الآخر بسهولة لمن يحاول إزاحته عن مركزه وقيادته، بل سيعمل بكل جهده لتثبيت نفسه ودفع الآخر، ومن هنا ينشأ الصراع بين المتناقضين والمتضادين سواء كانا فكرتين أو قوميتين أو دولتين.
ويتخذ الصراع أشكالاً عديدة تبدأ بالصراع الفكري والثقافي، وتنتهي بالصراع العسكري المسلح،ومن أمثلة هذا الصراع والتدافع ما يحدث على أرض فلسطين، من مقاومة للاحتلال الصهيوني والذي يحمل مشروعاً فكرياً وحضارياً غربياً، ليواجه المشروع الفكري الحضاري الإسلامي انطلاقاً من عمق الأمة وقلبها النابض "فلسطين".
إن الصراع بيننا وبين إسرائيل ليس صراعا عسكريا فقط، بين شعب تحت الاحتلال وشعب يمارس أبشع أنواع الاستعمار الاستيطاني بل هو صراع صور ذهنية، صورة في مقابل صورة، قيمة في مواجهة قيمة، حضارة في مقابل حضارة.
ولذلك نجد المحتل الصهيوني يعمل دوماً على رسم صورة حضارية له تميزه عن الوسط العربي المحيط به، ويؤازره الغرب في ذلك، فيصفونها بأنها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط، وجزء من الحضارة الغربية المتقدمة، حضارة العلم والتكنولوجيا، والحريات والقوة النووية الضاربة، إلى غير ذلك من الصور الدعائية التي يروج لها الإعلام الصهيوني وظهيره الإعلام الغربي.
والمحلل لواقع المقاومة الفلسطينية بصورة خاصة، يجد أنها انطلقت من الأوساط المثقفة والتي استطاعت أن تدير المعركة مع الاحتلال ضمن رؤية ثقافية منتمية للعمق العربي والإسلامي، ومثلت المدارس والجامعات والمساجد محضناً ومنطلقاً لكل الثورات والانتفاضات في التاريخ الفلسطيني الحديث، مما يدل على أن المثقف هو أول من يقاوم الاحتلال، وهو الذي يقود ويثبت ويوجه المقاومة.
ويمكن القول أن كل مقاوم هو مثقف ابتداءً وخاصة على مستوى الشريحة القيادية، لكن ليس كل مثقف مقاوم، بل هناك من يدعون الثقافة ويمثلون عقبات كأداء في طريق المقاومة، بل ويتآمرون مع العدو ضد المقاومة، فالمثقف المقاوم " هو الذي يحاول جاهداً تجديد وتحديث آليات ثقافة المقاومة بفروعها المتعددة، وأشكالها المتنوعة، ومنح المقاومة عمقاً ومعنى عالمياً، إنسانياً مستنداً إلى القوانين الدولية التي تبيح له حق المقاومة بأشكالها كافة".
لا يمكن للمقاومة الفلسطينية أن تشق طريقها نحو تحقيق أهدافها، إلا إذا كانت مقاومة مستبصرة واعية، تعرف ما تريد، وكيف تصل إلى ما تريد؟، وهذا يستلزم نشر الوعي بأهداف المقاومة واستراتيجياتها، ورؤيتها من الأحداث المتجددة، لتضمن اصطفاف الجمهور الفلسطيني وراءها، والتحامها بها ليشكلوا درع حماية ومورد إمداد دائم لا ينضب.
وحتى لا يكون التأييد الجماهيري تأييداً عاطفياً تخبو جذوته كلما ضعفت المقاومة، أو أصابتها المحن وضاقت بها السبل، فلابد من التربية على ثقافة المقاومة، حتى تصبح قناعة ذاتية وانتماءً وجدانياً وسلوكاً ميدانياً في يوميات الحياة العادية ومنعطفاتها المصيرية.
ومن وسائل التربية على ثقافة المقاومة التربية الأسرية من خلال حديث الآباء والأمهات لأولادهم عن المقاومة، والمشاركة في تشييع الشهداء،وتعليق صور الأقصى ورموز المقاومة،وتوفير الوسائل الإعلامية التي تتناول المقاومة كالإذاعات والفضائيات وبرامج الحاسوب والأشرطة وغيرها،ودعوة الأبناء ذوي المواهب للمشاركة بكتابة المقالات وإلقاء الأناشيد والكلمات والمسرحيات المقاومة.
ويأتي دور المؤسسات التعليمية مكملاً لدور الأسرة من خلال دمج ثقافة المقاومة في المناهج الدراسية، وتفعيل هذه الثقافة من خلال الأنشطة اللاصفية كالإذاعة المدرسية والاحتفال بالمناسبات الوطنية، وترديد النشيد الوطني، وإجراء المسابقات الثقافية التي تركز على ثقافة المقاومة.
من جهة أخرى لا بد لوسائل الإعلام والمؤسسات المجتمعية الأهلية كالنوادي والجمعيات والمراكز الثقافية والفرق الفنية المختلفة أن تكون ظهيراً مسانداً للأسرة والمدرسة في تعزيز ثقافة المقاومة، ومن هنا نصنع المجتمع المقاوم الذي تتجه بوصلته نحو هدف واحد ألا وهو تحرير فلسطين من دنس المحتلين.