لَمْ يعد هناك حاجة لكي يستدعي المحلل السياسي قراءاته للمواقف والتصريحات والأحداث المتتالية المتقاطرة من كل العواصم ذات الشأن بالقضية الفلسطينية؛ حتى يُشير إلى اختلالات واعتلالات مشهد السلام المزعوم؛ فقد أضحى المدافعون عنه عربيًّا يؤكدون ذلك، كتصريح صائب عريقات وإعلان محمود عباس وغيرهم -بل وبالنص- أن سبعة عشر عامًا هي حصاد الهشيم، هكذا نطقوا, وما اضطرهم للخضوع للحقيقة بعد أن استهلكوا المشهد العربي ووقفت معهم أركان رئيسية في النظام الرسمي العربي في حقبة ليست من الفشل وحسب بل من التداعيات السلبية التي سببوها للقضية وما فعلوه من حروب داخلية على الطرف المقاوم، والذي كان يعلن لهم ذلك بأن المصير سيقود إلى ما أعلنوه الآن.
هذا الإعلان الاضطراريّ كما أشرنا إليه دفعهم له موقف حكومة نتنياهو وتشدُّدها في الامتناع عن تقديم أي مسار ماراثوني في حصان طروادة جديد يكفل لهم ولأنظمة الرعاية الرسمية قدرةً من التحرك والدوران الكوميدي في نفس الحفرة حتى يُبرّر لهم الوقوف والذهاب والمجيء عند آلات التصوير وصوالين الدبلوماسية، والأهم أن لا يتخلوا عن خيار السلام الاستراتيجي الذي سُحق كل مبرّر له ونقضت كل حجة لما يسمى بإعلان مبادرة السلام, لقد كان نتنياهو واضحًا في التعاضد مع وزير خارجيته ليبرمان بأن تل أبيب لن تعطي حتى حق المناورة لعرب المبادرة، بل عليهم هم أن يتقدموا إلى جدولها الذي أعلنت صراحةً أنه يهودية الدولة، ويتفاعلوا معه في رام الله وفي العواصم ذات الشأن لمهمات تل أبيب الخاصة, ورغم أن هذا الإصرار الوقح قد جاء في قالب جديد لعرض السلام العربي الهزيل من جديد بحجة العهد الجديد بقيادة أوباما إلَّا أنَّ موقف واشنطن جاء من جديد لكي يؤكد حقيقة الرعاية المطلقة للكينونة الصهيونية ولا يعطي سلطة رام الله ولا الأنظمة الرسمية العربية الراعية أي فرصة لالتقاط العُذر, مع كل ما يُقال من عتب أوباما والتعلق بالقشة الهشة, إلَّا أنَّ الموقف الثابت على الأرض لواشنطن أنَّ العرب عليهم أن يتعاملوا وفقًا لقاعدة الدين اليهودي في هوية الأرض، ولا يكفي فقط أن يجحدوا دينهم, إنَّها هزلية التاريخ أن تجرّ إسرائيل عرب السلام إلى الكنيست ثم تبصق عليهم عمليًّا وتقول لا يكفي حتى تقسموا على العهد القديم.
ورسالة كلينتون لبكائية عباس جاءت معزِّزةً لهذا المعنى ولم يكن هناك من حرج لديهم من إعادة التذكير بمقولة الأولوية الأولى، وهي رعاية ودعم إسرائيل, لكن الإشكال العميق هو ورطة النظام الرسمي العربي المبشِّر بمبادرة السلام، وقد سقطت ورقة التوت ولم يعد الأمر أن تل أبيب لا تقبل بالمبادرة بل هي تزدريها، وهي التي تقرر نفيها وسحبها لا أصحابها الذين وقفوا مع هذا المشهد كأنهم لا يعقلون، وكأن المبادرة التي أعلنت جاءت كعرض ممتدّ لا مشروط كما قيل في أصلها، ومع ذلك فقد لوَّحت بها تل أبيب وأسقطتها وهم لا يزالون ينتظرون.
هنا تُستذكَر حرب الصمود
وأمام هذه الحالة من تعفُّن الموقف العربي وإفلاس مفاوضي السلام لا بدَّ بالمقابل أن نستعيدَ الذاكرة ونستعرض قصة المشروع المقابل الذي حاصره العرب، ولماذا فزعت منه تل أبيب, فإن التحليل السياسي العميق لم يقفْ أمام ذلك الحشد الدولي الذي اجتمع في شرم الشيخ عند أول إعلان الهُدنة التي رضخت لها تل أبيب دون أي تراجع أو إعلان للهزيمة أو حتى التسليم النسبي الضمني من قِبل المقاومة الفلسطينية بقيادة كتائب القسام، بل على العكس مع إعلان تل أبيب اضطرارها لقبول وقف إطلاق النار بعد محرقة تاريخية ثبت فيما بعد أنها كلَّفت إسرائيل كثيرًا , فقد أعلنت المقاومة عن تفاصيل رئيسية في تحقيق إنجاز غير مسبوق عسكريًّا في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي وبدأت عندها قضية مهمة هي التي سعى لتطويقها مؤتمر شرم الشيخ الدولي الذي كان كلُّ أطرافه الرئيسيين ضد غزة ولم يقفوا معها إبان القصف الوحشي.
هذه القضية كانت الارتداد الضخم لحركة الصراع بل والتاريخ العربي الذي أحدثته حرب غزة من حالة من الاستسلام الكامل لما يُسمَّى بزمن العرب الإسرائيلي، حيث فُرغت القضية من محتوى نضالها الأصلي للتحرير والحق الإنساني الطبيعي في عودة المهجَّرين وعودة الأرض لأهلها، إلى بحث عن مخرج لتسوية علاقات سلام بين العرب وتل أبيب دون مقابل يقدمه الإسرائيليون, فشعور المجتمع الدولي المنحاز للكيان الصهيوني والذي استطاع أن يقتطع بعض الشخصيات الفلسطينية ويلحقها بالموقف الدولي الإسرائيلي جعله يفزع من فكرة أن هذا العمل الكبير مع حلفائه العرب في تصفية القضية الفلسطينية لمصلحة تل أبيب أصبح في خطر استراتيجي بعد انتصار حرب غزة وفقًا لتقديرات دقيقة بين إمكانية المقاومة والبرنامج الذي أفرزته نتيجة الحرب، في مقابل حرب وحشية نفَّذت فيها واشنطن رسميًّا جسرًا جويًّا من الذخيرة صُبَّ على هذا الشريط وأهله.
وهو ما يجعل من قضية حرب غزة مفصلًا مركزيًّا لحركة الصراع، وقد ثبت ذلك بعد مرور عام من العدوان، حيث أضحت تبعات تلك الحرب رغم استمرار الحصار مثقلةً على المجتمع الدولي الشريك في الحرب، وارتفعت أسهم القضية في أروقة المجتمع المدني الإنساني وغُربِلَ الموقف العربي الشعبي وبعض من الرسمي المحدود في اتجاه مزعج للخصوم التاريخيين وحلفائهم اضطرهم لمواجهة خيار صعب جدًّا، وهو أن المقاومة في ذاكرة الشعب العربي وقناعة مجتمع العدل الإنساني أضحت هي الواجهة الشرعية من جديد مع جيل حديث تمرَّس على أقسَى درجات الحرب والحصار، وعاد منتصرًا للقضية بمفهوم عملي لا عاطفي يعرف ماذا يعني دحرجة المقاومة لهذا المستوى المتقدم.
ولعلَّ من أهم ما وصلت له تطورات القضية هي الاعتراف العملي الذي أعلنته سلطة أوسلو مؤخرًا من فشل برنامج المفاوضات، إضافةً إلى حشد من المواقف التي باشرتها تل أبيب في تسامح جديد من واشنطن، كلها تعطي دلالة وحيدة هي أنّ برنامج المقاومة الذي ضحت من أجله غزة وقدمت نهر الشهداء هو الدرب المضيء الوحيد لمعركة التحرير واسترداد الحقوق, وكل ما قُدِّم في الفترة الماضية مخالفًا لهذا التوجه قد أسقطه الاحتلال بيده، وهوى على الأطراف العربية الفلسطينية بواقع جديد بدَّد كل ما ادَّعَوْه من قصص وبطولات وهمية على طاولة السلام يعترفون الآن بفشلها.
والسؤال التاريخي: ماذا كان سيصبح عليه الشعب والأمة وأرض فلسطين لو كان بالفعل تَمَّ تصفية المقاومة في غزة والضفة، وهي الحرب التي وُكِّل بها الطرف الفلسطيني والعربي ففشل ثُمَّ باشرت بها تل أبيب وانكسرت كذلك, لينتصر خيار المقاومة في توقيت حسّاس يعطينا دليلًا قويًّا وقاطعًا عن معنى النصر لحرب غزة.... سلام الله على الشهداء ولا نامت أعين الجبناء.