د. منذر عرفات زيتون
لا أظن أن هناك سبباً يدعو محمود عباس -رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته- إلى وصف غزة بإمارة الظلام إلا إحساسه بالعجز أمام كل المحاولات التي قادها هو وفريقه وقادتها إسرائيل لإستعادة أمجادهم المتوهمة الغابرة في غزة.. عباس يشعر بالأسى لفشله في نيل مأربه في غزة فيستعيض عن فشله بكلمات صارخة يظن أنها ستعيد له هيبته ومكانته التي اهتزت كثيراً خلال الأشهر المنصرمة سيما بعد فضيحة غولدستون..
أصلاً.. لم يكن من المنطق أبداً أن يضع عباس نفسه في هذا الحرج، فغزة في أيدي الفلسطينيين بغض النظر عن كونه في خصومة معهم، وما كان ينبغي عليه ولا على فتح أن يصطنعوا معركة أخرى مع أخوة الدم والأرض ويتغافلوا عن المعركة الحقيقية مع الأعداء الذين لن يرضوا عنه ولا عمن حوله رغم كل ما يقدمونه لهم، لو كان عباس صريحاً عادلاً مع قضية وطنه لأجل خلافاته مع أبناء شعبه من حماس وغير حماس إلى ما بعد خلاصه من الاحتلال الجاثم على قلب الجميع، لكن كل هذا الكلام يبدو لغواً أمام ما يعرفه الجميع من حقائق على الأرض تتجاهل كل المنطق والمعقول، حقائق مشوهة تصيغها آمال السلام ومفاوضاته المزعومة والتي لم تنتج ولن تنتج إلا كسباً للوقت من جانب إسرائيل لفرض نفسها على الأرض والتاريخ والمستقبل..
إسرائيل بكل ما أوتيت من قوة وجبروت وبمساندة القريب والبعيد لم تنجح في تقويض غزة ولا حتى مجرد إضعاف عزيمتها، فكيف سينجح عباس ضعيف الإرادة والمنطق في أقل من ذلك.. لو كان قادراً على شيء لقدر على مواجهة فضائح الإسرائليين له حينما هددوه بكشف حقيقة موقفه إزاء الحرب في غزة..!
لم يكن جديراً بالرئيس الذي يتجاهل العالم بأنه فاقد لشرعيته وما زال يصفه بالرئيس الفلسطيني، أن يصف من يسعى للتصالح معهم تحت رغبات تهدئة الوضع بأنهم إمارة الظلام.
غزة التي صمدت تحت قصف عنيف، وتمنعت أمام همجية رعاع صهيون..
غزة التي توحدت تحت إرادة المواجهة والمقاومة..
غزة التي استعصت على كل محاولات نبش الفتنة من الداخل والخارج..
غزة التي لم تنتفض ضد حكومتها –كما كان مؤملاً- بعد وصفها بأنها من جلبت الهم والحصار..
غزة التي تقوم على توفير لوازم الحياة لأكثر من مليون ونصف مواطن رغم حصارات الجو والبر والبحر..
غزة التي ما زالت تضخ الحياة في مدارسها وجامعاتها، وأسواقها، ومنتدياتها، وشوارعها رغم محاولات خنقها..
غزة التي تستطيع أن تلبس أطفالها أثواب الفرح والسعادة رغم رائحة الموت والحزن في أنحائها..
غزة التي قضت على تجارة المخدرات والآفات التي رُوج لها بلا انقطاع في السابق..
غزة التي تخرج سنوياً آلافاً من حفاظ كتاب الله تعالى بكل فخر واعتزاز..
غزة التي يرأس حكومتها رجل يخطب الجمعة ويؤم الصلاة بما يحقق فيه إمامة الدنيا وإمامة الدين..
غزة التي أضاءت ليل الهزيمة والخذلان الذي اعتدنا عليه.. وغزة التي ستكون منطلقاً للنصر والتحرير..
غزة تلك.. تستحق أن تلقب بإمارة النور والتحرير.