ليس غريباً على الولايات المتحدة الأمريكية والعديد من الدول الأوروبية أن تشرع بحصار الحكومة الفلسطينية التي شكلتها حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، عقاباً للشعب الفلسطيني على انحيازه لخيار المقاومة وبرنامجها السياسي.
فهؤلاء خبرناهم منحازين وداعمين لدولة الاحتلال تلبية لمصالحهم في الشرق الأوسط وإن على حساب شعوب المنطقة وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني الذي يعاني منذ قرن من الزمان، منذ الاحتلال البريطاني وإصدار وعد بلفور الذي مهد الطريق لإنشاء "إسرائيل" وشرّد الفلسطينيين في أصقاع الأرض.
ولكن الغريب أن نجد البعض من أبناء جلدتنا من يتعاون مع أو ينساق مع الحصار والتجويع للشعب الفلسطيني وكأنه يريد أن ينتقم ويعاقب هذا الشعب على خياره الديمقراطي الحر، أملاً في دفعه إلى التراجع تحت سيف الجوع والحرمان.
لقد كان من الأجدى بالبعض أن يقف شكلاً وجوهراً للدفاع عن خيار الشعب، وليس ادعاءً ومن ثم وضع المزيد من العراقيل أمام سير الحكومة الفلسطينية التي لم تكمل الشهر من عمرها!
وكنا نعتقد أن وجود الرئيس محمود عباس "أبو مازن" على رأس السلطة والذي عهدناه واضحاً وصريحاً ومدافعاً عن الديمقراطية الفلسطينية، سيشكل ضمانة لخيار الشعب الفلسطيني وسيحمي حريته، ولكن للأسف الشديد وجدنا اختلافاً ومفارقات غير متوقعة من سياسة الرئيس "أبو مازن" قبل الانتخابات التشريعية وبعد تشكيل الحكومة الفلسطينية بقيادة حركة حماس.
فالرئيس محمود عباس الذي ناضل وقاتل من أجل تعزيز صلاحيات الحكومة الفلسطينية عندما كان على رأسها في عهد الرئيس الراحل عرفات، انقلب على مواقفه وأصبح يسعى للعكس فيما عرف بالتنازع على الصلاحيات بين الرئاسة والحكومة، وكأنه أصبح مقتنعاً بآراء بعض المتنفذين داخل حركة فتح، الداعين أو المراهنين على إسقاط أو إفشال الحكومة الفلسطينية التي شكلتها "حماس" أملاً في عودة هؤلاء إلى الوزارة من جديد بعد أن غنموا منها وخبروا طرق الغنى الفاحش من خلالها حتى ولو على حساب قوت الشعب الفلسطيني.
فما زلنا نسمع من قبل وبعد تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة عن قرارات وإجراءات تعزيز صلاحيات الرئيس، ونقل مسؤوليات جديدة للرئيس بحجج وذرائع مختلفة وبشكل تدريجي يثير القلق والشك حول أهداف هذه الخطوات التي أصبحت تفسر لدى العديد من المراقبين على أنها مزيد من الحصار للحكومة والتفريغ لصلاحياتها إيذانا بتحجيمها وإفشالها كأحد افرازات الديمقراطية الفلسطينية.
وحتى لا نكون مدعين دون شاهد، سنورد مجموعة من الإجراءات والقرارات منذ إعلان نتائج الانتخابات التشريعية في 27/1/2006 تشير إلى ما ذهبنا إليه، ومنها على سبيل المثال:
-
28/1/2006، أي بعد يوم من إعلان نتائج الانتخابات التشريعية - عقد الرئيس أبو مازن اجتماعاً لنقل مسؤولية ثلاثة أجهزة أمنية من الحكومة إلى الرئاسة. مع العلم أن الأجهزة الأمنية الثلاثة وهي الأمن الوقائي، والشرطة، والدفاع المدني كانت أصلاً من صلاحيات وزارة الداخلية في الحكومة السابقة.
-
13/2/2006، انعقد المجلس التشريعي المنتهية ولايته في جلسة استثنائية!! لنقل مجموعة من الصلاحيات للرئيس أبو مازن، وقد تم ذلك بإصدار قانون يمنح الرئيس محمود عباس صلاحية إنشاء المحكمة الدستورية برئيسها وقضاتها، وكان الوضع السابق يشترط تصديق البرلمان على ذلك التشكيل، الأمر الذي يعني أن القرار سلب المجلس التشريعي اختصاصه ووضع الأمر كله بيد الرئيس!
كما شملت المراسيم الرئاسية أيضاً - التي صادق عليها المجلس التشريعي - مرسوماً يقضي بتعيين رئيس لديوان الموظفين تابع للرئاسة، وهو ما يمنح الرئيس- ومن خلفه حركة فتح- السيطرة على قطاع الموظفين. ومن المفارقة أن الرئيس محمود عباس خاض صراعاً مع الرئيس الراحل ياسر عرفات عام 2003 لتحويل منصب رئيس ديوان الموظفين من سلطة الرئيس إلى سلطة رئيس الوزراء!
كما قضى مرسوم رئاسي ثان بتعيين أمين عام للمجلس التشريعي، ليحل محل أمين سر المجلس الذي يشغله نواب منتخبون في العادة. وبموجب التعيين الجديد، يكون الأمين العام للتشريعي - المعين ـ مسئولاً عن جميع موظفي المجلس، وهو ما يحول دون تمكين حركة حماس التي تحوز على الأغلبية من إحداث أي تغيير في بنية المجلس التشريعي.
-
وبالتوازي مع قرارات المجلس التشريعي المنتهية ولايته، تم إصدار مجموعة من القرارات في حكومة السيد أحمد قريع (حكومة تسيير الأعمال في حينه) بترقية وتعيين 19 وكيل وزارة دفعة واحدة ممن ينتمون ويوالون حركة فتح!، وذلك تعزيزاً لسيطرة "فتح" وسلطة الرئاسة على الوزارات من خلال كبار الموظفين والمدراء، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من الموظفين المنتمين والمؤيدين لـ"فتح" الذين تم تعيينهم سابقاً حسب الانتماء السياسي بالدرجة الأولى.
-
24/3/2006، يقرر الرئيس محمود عباس إنشاء هيئة للإشراف على المعابر برئاسة السيد صائب عريقات بعد أن كانت من صلاحيات الحكومة.
-
6/4/2006، يقرر الرئيس محمود عباس تعيين السيد رشيد أبو شباك مديراً عاماً للأمن الوطني، دون التشاور مع الحكومة أو وزير الداخلية. مع العلم أن القانون الأساسي ينص على أن الرئيس يصادق على من ينسبه وزير الداخلية لهذا المنصب، ولا يعطى صلاحية التعيين للرئيس دون موافقة وزير الداخلية والحكومة. الأمر الذي يعني مزيداً من السيطرة على الأجهزة الأمنية التي هي في عمومها مشكّلة من عناصر منتمية أو مؤيدة لحركة فتح، وذلك حسب سياسة التوظيف التي كانت قائمة سابقاً.
-
21/4/2006، يصدر الرئيس أبو مازن مرسوماً بإلغاء قرار وزير الداخلية الصادر في 20/4/2006 والموافق عليه من الحكومة، والقاضي باستحداث وحدة أو تشكيل من المقاومين المنتمين لجميع التنظيمات الفلسطينية لمساعدة جهاز الشرطة في ضبط الأمن المنفلت في الضفة والقطاع. كما يلغي مرسوم الرئاسة قرار تعيين جمال أبو سمهدانة (قائد المقاومة الشعبية) مراقباً عاماً في وزارة الداخلية، وذلك بذريعة أن الحكومة لا تملك الصلاحيات، وأن ذلك من صلاحيات الرئيس فقط. مع العلم أن منصب المراقب العام في وزارة الداخلية لم يكن من ابتكار الحكومة الحالية، بل إن هذا المنصب كان قد استحدث من قبل حكومة فلسطينية سابقة، وشغله سمير المشهراوي عندما كان محمد دحلان (المثير للجدل) وزيرا للأمن الداخلي في حكومة شكلها السيد محمود عباس في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات.
-
وإضافة إلى كل ما سبق فقد جرى هيمنة الرئاسة ومد صلاحياتها لتشمل الإشراف على وكالة الإنباء الفلسطينية (وفا) بالإضافة إلى مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الفلسطيني التي من المفترض أن تكون تحت إشراف وزارة الإعلام، كما كانت في عهد الحكومات السابقة.
-
كما أنه يجري الحديث بين الفينة والأخرى عن تشكيل حكومة ظل أي حكومة موازية تحت سيادة الرئيس محمود عباس الذي تحاول العديد من الأطراف الدولية وحتى الاحتلال ـ كما أعلنت حكومة ايهود اولمرت- حصر اتصالاتها به، وتمرير أي نوع من المساعدات ـ على شحها- من خلاله، إمعاناً في محاصرة الحكومة الفلسطينية وتحويلها إلى هيكل بلا سلطة أو صلاحيات، ونكاية في الشعب الفلسطيني الذي رفض كل التهديدات وأصر على ممارسة حقه الديمقراطي بكل حرية ونزاهة شهد لها الأعداء قبل الأصدقاء.
إنه لمن المجحف والمعيب أن نضع العراقيل الداخلية في وجه الحكومة (المنتخبة ديمقراطياً) في الوقت الذي يتآمر فيه الاحتلال والقوى الدولية عليها ويحاصرها ويحاصر الشعب الفلسطيني ويعاقبه على اختياره لها ولبرنامجها.
فلمصلحة من يتم ذلك؟!
كنا وما زلنا نأمل من الرئيس "أبو مازن" أن يبقى على عهده رئيساً للشعب الفلسطيني وليس رئيساً لفئة أو حركة أو حزب..
وأن يبقى في صف الشعب الفلسطيني يدافع عن خياره الديمقراطي، مبدياً أقصى درجات التعاون مع الحكومة الفلسطينية في مواجهة الحصار الذي يحاول أن يفرضه عليها الاحتلال.
وأن لا ينحاز لأي خيار أو إجراء أو قرار من شأنه إضافة العراقيل أمام الحكومة الفلسطينية التي ورثت ميزانية خاوية تعاني من دين يقدر بـ 1 مليار دولار كدين خارجي و640 مليون دولار أمريكي كدين محلي من البنوك المحلية بسبب سوء الإدارة والهدر والسرقات والفساد التي بلغت 700 مليون دولار في الحكومات السابقة حسب المدعي العام السيد محمد المغني والتي قد تصل إلى مليارات من الدولارات لو فتحت كامل الملفات.
قدرنا كفلسطينيين أننا جميعا مستهدفين تحت الاحتلال، وما زلنا لم نحقق حلمنا ولم نستعيد حقوقنا الوطنية، ولن يكون ذلك إلا بالتوحد والوحدة الوطنية وتعزيز العمل الوطني المشترك بعيداً عن الفئوية والعصبية الحزبية المقيتة.