زراعة الكراهية ماذا تحصد؟

صحيفة الوطن السعودية

  عبدالرحمن الحبيب

 
 

 

 "ما تؤمن به تراه" مقولة نفسية أكثر ما تنطبق على موقف الأنا من الآخر في عالمنا المتأجج بعد الحادي عشر من سبتمبر. فرغم أن غالبية البشر تميل للتسامح والسلام باحثة عن حياة ودية وهادئة مع النفس والآخرين، إلا أن هناك رواجاً هائلا في عالمنا لفكرة اتهام الآخر، فثمة مروجون للحقد تجاه الآخر، وثمة أوهام تشاع ضد الآخر.. الآخر في الداخل والآخر في الخارج. هؤلاء المروجون يغذون مشاعر الكراهية المدفونة في نفوس الناس، موقظين فتناً نائمة بين الشعوب، فهم لا يتوانون عن استغلال الحوادث السيئة وتصيد الأخطاء لدى الآخر لتأجيج تلك المشاعر السقيمة... فما الذي جرى لهذا العالم؟
في النصف الثاني من القرن الفائت كان عنوان الصراع العالمي إيديولوجياً بين الغرب الرأسمالي والشرق الاشتراكي، عبر حرب باردة وتوازن للقوى.. وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي مرت فترة التسعينات من ذاك القرن بنشوة النصر الغربي، وظهرت مقولة "نهاية التاريخ" وصفاء البشر من الحروب العالمية؛ وقيل إن الحرب الكونية هذه المرة ستكون ضد الفقر والاستبداد والتلوث.. ثم قيل كثيراً عن بهاء المستقبل السلمي بين الشعوب ونجاح العولمة الوديعة.. وسجل المتابعون أن نظرية انتصار اللبرالية الغربية أثرت في الفكر الغربي الذي يتوق إلى السلام.. فتوسعت الحكومات الغربية في العلوم والرفاه على حساب العسكرياتية، فمثلاً قامت الولايات المتحدة خلال العقد الماضي بخفض ترسانتها الحربية، وأُفسح المجال بشكل هائل للتكنولوجيات وخاصة الحيوية منها.. ومن خلال ذلك عززت عالمياً قيم الديمقراطية واقتصاد السوق والعولمة.

وعلى النقيض، فمع نهاية الصراع الإيديولوجي ظهر صراع الهويات.. وظهر من بين المفكرين الوطنيين القوميين أشهر المعارضين الغربيين لنهاية التاريخ والعولمة، أستاذ الفلسفة في جامعة هارفرد صموئيل هونتنجتون، معلناً أن نهاية الحرب الباردة ليست سوى بداية صراعات طاحنة تنشأ من اختلاف الثقافات.. إنها صراع الحضارات. لم يكترث مفكرو الغرب والعالم بتطرف رأي وحيد من مفكر كبير، بل إن جلَّ الكتاب الغربيين لم يتوانوا في تفنيد سذاجة فكرة صراع الحضارات.. وظل الرأي العام السائد يتعامل مع المروجين لها كأقليات متطرفة يتسامح معها النظام الديمقراطي الغربي، ويتجاوزها إلى الأمام!

ولكن بعد كارثة 11 سبتمبر المشؤومة، بدت لمروجي الكراهية - هنا وهناك - وكأنها طوق نجاة، وكأنه كان منتظرا أن يقع حادث ما مؤثر كي يهبَّ جناح من اليمين المتطرف ويتفتق تحت مسمى المحافظين الجدد في الغرب يقابله متشددون في الجانب الآخر من مجتمعاتنا العربية والإسلامية .. لتعلو فكرة صراع الحضارات لمآرب أخرى، ليس من بينها الجدل الفكري أو الثقافي، ولا الحرص على مصالح الشعوب..

الغريب أن الغالبية الساحقة من المفكرين والسياسيين يتراوحون بين معارض بامتعاض لفكرة صراع الحضارات وبين ناء عنها أو متحفظ.. لن تجد بسهولة مفكراً أو سياسياً يعتد به يوافق أو يتفهم فكرة صدام الثقافات.. لأنها مفهوم عداوة لا علاقة له بالثقافة. فلماذا تجد هذه الفكرة التناحرية رواجاً في عالمنا العربي والإسلامي وفي العالم الغربي؟ وهل هناك مفكرون وسياسيون كبار يؤيدون ويدعمون فكرة صراع الحضارات ويخشون من البوح بها لما قد يتعرضون له من هجوم الصحافة اللبرالية أو ما قد يعتري سمعتهم من تشويه، مثلما يحصل لبعض اليمينين المتطرفين في الغرب، ومثلما يحصل لدعاة التطرف في بلداننا؟

ربما يعود رواج فكرة صراع الحضارات إلى نفوذ المؤسسات العسكرية الغربية التي فقدت كثيرا من مصالحها في التسعينات، وتريد تكريس مبدأ العسكرياتية وخدمة السيطرة الإمبريالية البالية.. ثمة مصانع حربية ستقام، وشركات مدنية غربية ستنقل مواقعها من بلدان شرقية لتزداد الفرص الوظيفية في بلدانها الأصلية.. ثمة مصالح سياسية لنجاح متطرفين يمينيين في انتخابات بلدية وعامة..

وكما أن الصراع يدعم مصالح متطرفة في الغرب فهو كذلك يحافظ على مصالح فئات متطرفة لدينا وفئات مهمشة تنمو مع التناحر. فهنا، ومن خارج العالم الغربي يقوم متهورون عاطفيون من بني جلدتنا بمساعدة الغرب اليميني بطريقة غير مباشرة.. متهورون لا معرفة لهم في فنون السياسة ولا قِبل لهم بالمعارف الغربية والعلمية.. يندفعون في أعمال إرهابية ويظنونها بطولية.. فتكون كارثة علينا وعليهم وعلى الناس أجمعين. وهنا في مجتمعاتنا وهناك في المجتمعات الغربية، ثمة قلة من الدعاة والمفكرين المسكونين بهاجس الهوية المنغلقة يبشرون بالصراع بين الشعوب والحضارات يغذون كراهية الآخر وتمجيد الذات كعنوان للبقاء والتميز الحضاري والدفاع عن الهوية الدينية أو العرقية..

وفي كل الأحوال، لا يعدم دعاة الصراع وقادة الحروب وتجارها من التقاف المبررات التلفيقية المناسبة لصدام الحضارات، وخلق المسوغات لإشعال أوار المعارك سواء كانت من مغامرين انتحاريين، أو كانت - على العكس - بزعم القضاء على الإرهاب بحرب وقائية للدفاع عن النفس كما يُروج ضد العراق.. لكن هل الحرب على الإرهاب تتم بالجيوش أم بمعالجة جذوره؟ لا أحد يمكنه أن يبارك حرباً عسكرية على المدن وسكانها أو حتى على أنظمة مستبدة بزعم القضاء على إرهابيين لا عنوان لهم سوى الشتات ولا غاية لهم سوى الموت!! وليس غريباً أن يختلف الحلفاء على حرب لا عنوان لها، لا مسوغات لها، لا أهداف واضحة لها.. حرب تتوجه نحو المجهول ، أوضح ما فيها الدمار...

إن التبصر الهادئ يبين لنا أن ما يحدث ليس صدامات حقيقية لحضارات عالمية إنما صراعات بين مجموعات صغيرة فرعية أو ناشزة عن سياقها الحضاري وبين قوى عظمى.. ولكن إذا تمت تغذية فكرة الصراع مع الآخر في عقول الناس عبر تصيّد أخطائه ودعمت بأحداث صدامية مفتعلة أو عفوية طارئة، فإنها يمكن أن تكون مدمرة.. أو كما أوضح غراهام فولر أحد أبرز أخصائيي المخابرات الأمريكية حول الإسلام أنه إذا كانت أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من تأثيرات محزنة جراء السلوك الأمريكي السلبي أقنعت المسلمين بأنهم هدف للحرب، فإن ذلك يجعل من فكرة هونتنجتون حول صدام الحضارات نبوءة منجزة فعلاً، ويكون بن لادن أتم مهمته التخريبية بامتياز.


 


 

عودة للصفحة