بين محطم الأصنام والباكين عليها

جريدة الرياض

 

 

(إسرائيل ابني البكر، هكذا يقول الرب) آية رقم 22 من سفر الخروج..!! من يستطيع أن يعترض على هذا الكلام ويعتبره تخريفاً أسطورياً وهرطقة..؟ لا أحد يستطيع وبالذات في أوروبا، وأمريكا، التي تتحدث عن حرية الفكر، وحرية الرأي، وزمن العولمة. لا أحد يستطيع أن يقول كيف لرب عظيم يصنع هذا الكون الهائل العظيم.. كيف له أن يتخذ ولداً اسمه إسرائيل، وأن بني إسرائيل من ذريته..؟ وأن أحفاده هم ابن غوريون، وغولدا مائير، وبيغن، وشارون..!!

٭ بعض مثقفينا «المحترمين»..!! يجرؤون على أن يقولوا كل شيء، في كل شيء، وأن يجادلوا، ويحاوروا، ويَكْفُروا، ويُلحدوا، ويطعنوا في دينهم.. ولكنهم يقفون ربما بإجلال، أمام هذا النص العبراني المقدس، وتخونهم هذه الهرطقة..!!

لكن أن يشتم نبي أمة كاملة فأمر أهون في نظرهم من أن يناقش، أو يثار، لأن المسألة مسألة حرية الرأي..

أنا لن أتحدث هنا عن رأي الغرب فينا، ورأيه في الحرية، والديمقراطية، ولا النزاهة، ولا العدالة، فقد عشت في الغرب أكثر من عشرين عاماً، وقرأت، وسمعت، وحضرت ندوات، ومؤتمرات، ولست محتاجاً إلى من يقنعني، أو يحاول تغيير موقفي من نظرة الغرب نحونا، ولاتجاه قضايانا، ولا من مفهومه للعدالة، والديمقراطية، التي تراد بنا، فالموقف بالنسبة إليّ واضح، ومحسوم، وهذا ما كتبت، وأكتب عنه بشكل مستديم، لا عن كراهية، أو بغضاء، ولكن عن تجربة وخبرة، فليس من طبيعة الحر النزيه، أن يغلب عاطفة الكراهية على قول الحق، ولا نزعة الشر على نزعة الخير، فأشهد أن في الغرب من الإيجابيات ما لا يعد، ولا يحصى، ولكن حينما يكون الأمر يخصنا، ويعنينا، فإن الأمور والموازين تتغير. وها هو اليوم يعلنها صريحة.. يعلن عن تكتل أوروبي ضد المسلمين، وذلك بإعادة نشر الصور في معظم البلدان الغربية، في موقف شبه موحد..

أقول لست أتحدث عن هذا، ولكنني أناقش، وأنادي، وأسأل أصحاب المبادئ، والعقول، والمخلصين من المثقفين، ومن أصحاب الرأي، والفكر، عن تلك الفئة التي تمارس على فكرنا وصاية، وتحكماً، بل وتمارس اضطهاداً قسرياً علينا، وعلى أجيالنا، في محاولة سمجة للدفاع عن مواقف الغرب حول قضايانا، وثقافتنا، ومعتقدنا..

أتحدث عن أولئك الذين ضجوا، وناحوا، وصاحوا في الصحافة، والإذاعات، عندما حُطّم صنم في أفغانستان، وطلبوا من الصغير، والكبير، أن يقف بخضوع، واعتذار، وانحناء، أمام تلك الحادثة..!!

وعندما يهاجَم مُحطمُ الأصنام الحجرية، والبشرية، ومُخّلص الإنسان من الأوثان، وعبادة الأوثان، الذي أخرج البدو من بيوت الشعر، ليعمروا الأرض بالجمال، والسلام.. عندما يشتم نبي أكثر من مليار مسلم، نراهم يلوذون بالصمت، ويغلقون أفواههم، ويصمون آذانهم، ويوارون أقلامهم، وهم أكثر الناس حديثاً عن الحرية، وحقوق الإنسان، بل وحقوق الحيوان..!! ولو افترضنا جدلاً، أن هؤلاء لا يؤمنون بمحمد، ولا بإله محمد، فلا أقل من الدفاع عنه من منظور ثقافي، فهو رمز ثقافة هذه الأمة، وهو معلمها الأول..

أذكر أن معظم هؤلاء رثوا الراهبة ماما «تريزا» وذرفوا عليها الدموع عند وفاتها، واعطوها من التبجيل، والتقدير، والتهويل، والتعظيم، ما لا ينطبق على بشر، ولا غضاضة في بكائهم، غير أني لا أعتقد أن ذلك كان عن قناعة بقدر ما كان إرضاءً لشهوة التمجيد لكل ما هو غربي..

لقد مجدوا سلمان رشدي، ودافعوا عنه باسم حرية التعبير، متجاهلين ما أثاره في قلوب ملايين الناس من حرقة، وألم، وكأن أولئك المسلمين لا مشاعر لهم، ولا أحاسيس لهم، بل وكأنهم كائنات نجسة يجب قمعها، وإذلالها.. ثم هللوا له عندما استقبله البيت الأبيض مكافأة له على قهر هذه الأمة وتكبيتها..

ورجموا المفكر، والفيلسوف روجيه جارودي بحجارة الحقد، ورموه بكل أنواع السباب، والشتائم، والصقوا به أوسخ التهم، ووقفوا إلى جانب أولئك الذين حكموا عليه، وقادوه إلى السجن، وهو في التسعين من عمره، لمجرد أنه تساءل عن صحة رقم محرقة «الهولوكوست»، مستنداً إلى وثائق، وكتب، وجرائد، ومجلات رسمية، وإحصائيات موثقة، إبان الحرب الثانية، تشير إلى أن عدد اليهود في أوروبا كلها كان لا يتجاوز الثلاثة ملايين.. فكيف يكون عدد المحروقين ستة ملايين..؟

بل لقد «زغرد» احدهم لفرنسا في زاويته «المتصهينة»، لأنها منعت المرحوم المفكر المسلم أحمد ديدات من دخولها.. كل هؤلاء لم يحركوا بنت شفة عندما شتم رئيس وزراء ايطاليا الإسلام، ودعا إلى حرب صليبية تنور المسلمين.. بينما لم يندد أحد من أولئك بمذابح شارون، ولا بقتل محمد الدرة، والشيخ أحمد ياسين، ولا الرنتيسي، أو ياسر عرفات.. لم يكتب من أولئك واحد مندداً بالمعتقلات الأمريكية في غوانتانامو، ولا في أوروبا، أو أبو غريب..

لم يستنكر واحد منهم عملية حرق ومحو الثقافة العربية، وتدميرها، بكراهية، وحقد، على يد الجيش الأمريكي في بغداد. ورأيناهم في بداية غزو العراق، يجادلون بصفاقة حول استحالة سقوط طائرة «اباتشي» أمريكية برصاصة بندقية «بيرنو» قديمة، اطلقها فلاح عراقي!! أو يتندرون في مقالات طويلة، عريضة، على كلمة «علوج»، التي استعملها الصحاف، بينما بغداد تعتلجها الطائرات، والقنابل الجهنمية الملعونة، وكانوا بذلك يمارسون اتفه أنواع السفاهة، واحتقار عقل المثقف العربي وكرامته. بل نجد أنهم أمام تلك المشاهد، والجرائم البشعة، يدعون إلى الحوار مع الآخر، والتسامح، ونبذ العنف - المقاومة - ، بينما تاريخ الغرب يشهد أنه ما كان متسامحاً معنا ولو للحظة واحدة. فمنذ ما يقارب المائتي عام - إذا تجاوزنا محاكم التفتيش، والحروب الصليبية - وأرضنا، وشعوبنا، لم تنج يوماً واحداً من احتلال، أو ذبح، ويكفي أن بلداً عربياً واحداً أبيد من شعبه قرابة المليون ونصف المليون، في سبيل تحرير نفسه. ولا تزال طائرات الغرب، ودباباته، تصب حممها، ونيرانها على أطفالنا، وبيوتنا في العراق، وفلسطين، في الوقت الذي لا تزال طائرات الغرب، وسفنه، وسياراته، وقطاراته، ومكائن كهربائه، ومدافئ بيوته، تعمل بالنفط العربي..

أعتقد أنه طفح الكيل، وآن الأوان، لكي نواجه هذه الطغمة البذيئة التي تقف جنباً إلى جنب، مع أعداء هذه الأمة، كخصم لدود لطموحاتنا، وبناء أنفسنا، واستقلالنا، بل نراها تتطاول مع المتطاولين على لغتنا، وقوميتنا، وهويتنا، وديننا..! كل ذلك إرضاءً لنزوة العشق، والمظهر الشكلاني للثقافة الأمريكية، الامبريالية، الشوفينية، ذات البعد الواحد..

ويح هذه الأمة ألف مرة، ليس من أعدائها ولكن من أبنائها أو ممن ينتمون إلى ثقافتها وينسبون إلى جلدتها..!!

٭ وبعد: فلا بد لكل قارئ شريف، ومثقف شريف، أن يعي خطرهم، وأن يقف متوجساً، ومرتاباً، وحذراً، أمام كل طروحاتهم المغلة، الكارهة.. فوالله إنه ليشفي صدورهم، أن تتحطم هذه الأمة، وتحترق هذه الأوطان، وتنهدّ على رؤوس أهلها، حكاماً، وشعوباً..! فهل نحن متنبهون..؟!

 

 

عودة للصفحة