لكن الدنماركيين لا يحترمون الإسلام!

جريدة الرياض 

 د. عبدالواحد خالد الحميد

 


عندما يقول السفير الدنماركي في المملكة هانز كلينغنبيرغ في إعلان نشرته الصحف السعودية تحت عنوان «الحكومة الدنماركية تحترم الإسلام» إن رئيس الوزراء الدنماركي «أدان في خطابه السنوي بمناسبة العام الميلادي الجديد أي تصريح أو عمل أو تعبير عن رأي يُقصد به تشويه صورة مجموعة من الناس بناءً على انتمائهم الديني أو العرقي»، فهذا لا يعني - بالضبط - ان الدنماركيين يحترمون الإسلام.. فالحقيقة أن استطلاعات الرأي العام التي نشرتها وسائل الإعلام تدل على أن أغلبية الدنماركيين (حوالي ثمانين بالمائة) يرفضون أن يعتذر رئيس وزرائهم عن جرح مشاعر المسلمين بالنيابة عن الدنمارك.. وهذا الاستطلاع لم تقم به مؤسسة إسلامية بل معهد أبينيون لصالح الاذاعة الدنماركية، وفقاً لما بثته وكالة الأنباء الفرنسية. ماذا يعني ذلك!؟ انه يعني أن الشعب الدنماركي - كالحكومة الدنماركية تماماً - لا يعتقد أن التطاول على رسول يؤمن برسالته أكثر من مليار إنسان يستحق إبداء الاعتذار.. وسبب ذلك - برأيهم - هو انهم يحترمون حرية الرأي وأن الصحافة تستطيع أن تنشر ما تشاء.

لكن حرية الصحافة هي المشجب الرخيص الذي يبدو مناسباً كي يعلق عليه الدنماركيون هذه الخطيئة التي تم ارتكابها بحق ألف مليون إنسان عبر مشارق الأرض ومغاربها.. وبالطبع نحن لا نصدق، ولا نقبل، هذا الكلام.. لأن حرية الصحافة لديهم لا يمكن أن تتسع - على سبيل المثال - لرأي مؤرخ أو مفكر يرى أن بعض ما يقال عن المحرقة اليهودية «الهولوكست» ليس دقيقاً!.

إن من يتجرأ على كتابة رأي مخالف عن محرقة اليهود لن يجد من ينشر له رأيه.. ولو وجد الوسيلة التي يعبر بها عن رأيه المختلف فسوف يجد نفسه مطارداً محاصراً وقد ينتهي به الحال إلى فقد مصدر رزقه وربما إلى المحاكمة.

نحن لا نناقش هنا موضوع المحرقة.. فالناس لا يحبون النقاش في هذا الموضوع بالذات.. وهم يمتنعون عن ذلك إما خوفاً أو اتقاءً لمعاقبة أو لأنهم يصدقون كل أو بعض ما قيل ويقال عن المحرقة. وسوف يكون من السذاجة و«قلة العقل» أن يتورط الإنسان بالحديث عن موضوع صارت أمريكا تقيِّم موقفها من الدول ومن الأفراد بناءً على مواقفهم من ذلك الموضوع.. الذي هو موضوع المحرقة اليهودية.. ولا شيء سوى المحرقة اليهودية!.

ونحن لا نعتقد أن الدنماركيين أقوى من الأمريكيين، وبالتالي نحن لا نتوقع منهم أن يمتد تقديسهم لحرية الرأي كي يشمل الحديث عن أمور كالمحرقة.. لكننا فقط نود أن لا يقل احترامهم لمشاعر ألف مليون مسلم عن احترامهم لمشاعر الستة ملايين أو عشرة أو عشرين مليون يهودي ممن يتأذون من إنكار بعض المؤرخين لبعض التفاصيل المتعلقة ببعض جوانب المحرقة اليهودية.. وهذا كل ما نريده من الدنمارك التي تؤمن بحرية الرأي والتي ينشر سفيرها بالمملكة اعلانات غالية الثمن تغطي صفحة كاملة من العديد من الصحف السعودية تحت عنوان «الحكومة الدنماركية تحترم الإسلام».

إن من حق سفير الدنمارك علينا أن نصارحه.. ولا أعرف إن كان سعادته يتحدث اللغة العربية، فإذا كان يتحدث العربية فهو يعلم أن العرب يرددون المثل الشائع الذي يقول إن «الصراحة راحة».. وتحت هذا العنوان تجدهم كثيراً ما يكسرون تقاليد الإتيكيت والمجاملات السائدة في الغرب.. ومن هذا المنطلق نقول للسفير: لا يا سعادة السفير.. أنتم لا تحترمون الإسلام.. ولو كنتم تحترمون الإسلام لما رفضت حكومتكم أن تعتذر عن شتم رسولنا ولما أيدها على الموقف السلبي ثمانون بالمائة من الدنماركيين الذين تم استطلاع آرائهم.. أنتم لا تحترمون الإسلام ولا تحبون المسلمين.. وهذه هي الحقيقة العارية دون أي رتوش.. ولن يغير قناعة السعوديين والعرب والمسلمين هذه الإعلانات التي تمت صياغتها بطريقة دبلوماسية مدروسة وموجهة.

نحن المسلمين - أيها السفير المحترم - نحب عيسى وموسى وكل الأنبياء.. أما أنتم فلا تحبون نبينا ولا تحبوننا فلماذا لا نتصارح وننتهي من هذا الموضوع الذي حسمه السعوديون بأن أعلنوا المقاطعة لمنتجاتكم بعد أن رفضتم مجرد تقديم اعتذار عما حدث!؟

يا سيدي السفير.. لقد اضطر مؤخراً القائمون على المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) إلى تقديم اعتذارهم الشديد لمجرد أن مجلة المنتدى نشرت مقالاً طالب فيه كاتبه بمقاطعة إسرائيل إلى أن تنتهي من اساءة معاملة الفلسطينيين.. فأين هي حرية النشر وحرية الرأي في ثقافتكم الغربية الانتقائية!؟

يبدو أن هذه الحرية لا تأخذ مداها الواسع إلا في شتم نبي الإسلام.. وأمة الإسلام.. هذه الشتائم التي تعتقدون أنها لا تستوجب تقديم الاعتذار إلى ألف مليون مسلم

 

عودة للصفحة