للحرية قيود وللصبر حدود !

جريدة الوطن 

 أ.د. حسن بن علي الزهراني* 


صدق من قال: " الحرية روح الحياة ولكن القيود هيكلها " ، و أول تلك القيود هو احترام حرية الآخرين التي تتوقف عندها حرية أي فرد أو مجتمع ، فلا يوجد عاقل –في أي مجتمع كان- يمارس الحرية المطلقة ، ولا يدعو ذو بصيرة –بصرف النظر عن معتقده أو موروثه الحضاري- إلى التحلل من كل القيود لممارسة حريته الخاصة أو حرية مجتمعه ، ففي الحرية المطلقة -بإجماع ذوي الألباب من بني الإنسان- فساد ذريع ، ولو ترك لكل أحد أن يمارس حريته المطلقة كيفما أتفق ودون مراعاة لحقوق ومشاعر الآخرين لقضى أقوام حوائجهم الطبيعية من إخراج وتناسل وتكاثر على أبواب البيوت وعند نواصي الطرق كما تفعل البهائم!.
ليست هناك حرية مطلقة في الماضي والحاضر بل ولا حتى المستقبل، ويكذب ويعلم أنه يكذب من زعم بأن هناك حرية مطلقة لفرد أو مجتمع تبيح له أن يمارس ما يراه دون مراعاة لمصالح و أنظمة و أعراف وتقاليد مجتمعه التي ارتضاها لنفسه، فلكل حرية قيود تحدد سقفها ، قيود –معلنة أو مضمرة!- تحددها معتقدات وحضارة ذلك المجتمع وفي مقدمتها إرثه الديني وعقده الاجتماعي ومدى احترامه لنفسه واحترامه للغير، بل إن للذوق العام دور هام في تحديد ملامحها.
لا شك بأن الحضارات والثقافات تتفاوت في المدى المسموح به من الحرية ، إلا أنها تتفق جميعا على عدم التسامح مع الإهانة المقصودة لمشاعر الغير ، ولو يعطى الناس بدعواهم لأعطيت الحضارة الغربية المركز الأول في التشدق بإعطاء القدر الأكبر من الحريات لمواطنيها ، و لكن الحق بأن هناك بونا شاسعا بين النظرية والتطبيق ، خاصة إن كان التطبيق على غير أرضها ولغير شعوبها ، وتأمل ما حدث ويحدث منذ الحادي عشر من سبتمبر وحتى تاريخه لترى مكيالي الزور التي يكتال الغرب بها ، تأمل الفرق بين مكيال يكيل به لنفسه –ومن أحب- ومكيال حشف وسؤ كيلة يكيل به للمسلمين ومن أحبوا ، فيحرم معاداة السامية ومناقشة الهولوكوست من جهة ، ويتسامح ويتغاضى بالمقابل عن نشر رسومات ساخرة لأعظم رمز( رسول الله صلى الله عليه وسلم )لأمة يزيد عددها عن المليار والنصف بدعوى تقاليد حرية النشر المسموح بها في دولة كالدنمارك وغيرها من دول الغرب المسيحي ، تلك الدولة التي لا يزيد عدد سكانها مجتمعين على نصف عدد سكان عاصمة إسلامية واحدة كالقاهرة أو اسطنبول ، ليس هذا فحسب بل يطالب مليار ونصف مسلم بتقبل تلك الإهانة لنبيهم الكريم بصدر رحب ، ويحثوا على التحلي بروح رياضية مع هذه الممارسة الفجة ، فالواجب عليهم أن يحتفوا بهذه الإهانة باعتبارها درسا مجانيا في ممارسة الحرية التي تأخروا في اعتناق مبادئها ، بل و يذهب بعيدا فيحدد البعض للمسلمين - وبكل صفاقة وعنجهية- سقف حرياتهم فينهاهم عن التعبير عن سخطهم ويحذرهم من التصرف في أموالهم -بهمجية وبربرية!- ، فيقاطعوا منتجات الدولة أو الدول التي أساءت لنبيهم ورفضت الاعتذار لهم .
لقد تفاجأ الإعلام العالمي عامة والغربي خاصة بحجم الغضب الذي تفجر في نفوس المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، وردة الفعل القوية التي عبرت بها الشعوب المسلمة نصرة لنبيها والمتمثلة في المقاطعة الاقتصادية ، وحق لهم أن يندهشوا! فلقد تعودوا من المسلمين الصبر الجميل على الإهانات المتواصلة بحق أنفسهم وبحق دينهم و حضارتهم ، عودهم المسلمون على التسامح والصفح والتماس العذر وقبول الاعتذار ، عودوهم على إدارة الخد الأيمن بعد صفع الأيسر ، قبلت الشعوب المسلمة سلسلة من الإهانات المتلاحقة منذ أن ُأخذ مليار ونصف مسلم بجريرة بضع مئات منهم ، فوصم دينهم بالإرهاب تصريحا وتلميحا ، ووصم كتابهم المقدس بالتحريض على الكراهية ، وعومل الكثير منهم على أنهم متهمون بالإرهاب بناء على لون بشرتهم أو ارتداء نسائهم للحجاب ، فالتمسوا العذر لمنتهكي حقوقهم! بل وتسابقوا لإعطاء كل ما يستطيعون من تنازلات لإثبات حسن سلوكهم وسلامة طويتهم ، ومع ذلك فلم يشفع لهم ذلك عند شانئهم ولم يغني عنهم شيئا ، وأستمر مسلسل إذكاء الكراهية والحقد تجاه الإسلام ، فتم تمزيق و تدنيس المصحف في المعتقلات الأمريكية وهدمت المساجد وانتهكت حرمات وأعراض ، واستمرت الصفعات من كبار القوم ، ثم فعلوا بنبينا الأكرم كما فعل به رؤوس الكفر عند دعوته لأهل الطائف فأغروا به سفهاءهم ، فتولى كبر الإساءة سفهاء تلك الصحيفة الدنماركية ، ثم تبعهم في ذلك سفهاء آخرين في أوروبا ، وهنا طفح الكيل وبلغ السيل الزبى وأعلنها المسلمون صريحة " إلا رسول الله!" وهو شعار معبر لا يفهمه إلا من تأدب بالوحي المنزل القائل ((النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم))، فجاء العذر متأخرا وقبيحا !، فالمشكلة في المسلمين –المتخلفين- الذين لا يتفهمون تقاليد بلادهم التي تبيح لهم السخرية من كل أحد –زعموا!- ، وعلى الرغم من متابعتي لعشرات المقالات والتصريحات –وما سمي بالاعتذارات- من المسئولين الدنمركيين إلا أنني لاحظت المراوغة والتهرب البين من إعطاء إجابة مباشرة حول حرية التعبير عند مناقشة موضوع حدوث المحرقة النازية لليهود أو السماح بالحديث عن السامية أو التشهير بأحبار اليهود ، فكل أولئك يعلو سقف الحرية المزعومة .
للغربيين أن يحددوا لشعوبهم سقف حريتهم كيفما أرادوا طالما تعلقت تلك الحرية بأفرادهم ومجتمعاتهم ، للأوروبي الحق في ممارسة ما يشاء من سخرية برموزه وزعمائه ، بدء برجال –ونساء البلاط الملكي!- مرورا برجال الكنيسة وانتهاء بمشاهير الفن والرياضة ، وله كل الحق في سن ما شاء من قوانين تسعى لتحطيم قيم الأسرة فيبيح زواج المثليين والشواذ ، ويغض الطرف عن زنا المحارم ، ويمنح التراخيص الرسمية لبيوت الدعارة ونوادي التعري(الستربتيز) ، ويبيح تعاطي الحشيش ، فذلك شأنه وتلك مشكلته ، كما أن له أن يقرر احترام مشاعر اليهود فلا يجرحها بتصويرهم كنصابين أو مرابين أو جواسيس أو حتى بخلاء انتهازيين! ، وله أن يحدد لمجتمعه قواعد الذوق أو ما يسمونه بالاتيكيت فيرى بأن الأفضل في تحية المرأة هو تقبيلها على خديها بينما يستهجن تقبيل الرجل للرجل عند اللقاء ، وله أن لا يرى في تعدد العشاق والعشيقات بأسا ثم ينتقد تعدد الزوجات ، بل إن الغربي يشترط التهذيب في التلفظ فيتوقع من مخاطبه أن يسبق أي طلب بكلمة"Please" أي من فضلك و أن يختم حديثه بالشكر ولكنه لا يرى بالمقابل أن في السخرية من مقام نبي مرسل أي دليل على عدم التهذيب بحق ذلك النبي و بحق أتباعه ، لأن منظري الأتيكيت قد طبقوا قواعد الذوق –فقط- على وضعية الشوكة والملعقة على مائدة الطعام وعلى استهجان التجشؤ أو فتح الفم أثناء الأكل وهو مملؤ بالطعام ، وما عدا ذلك من إساءات يدخل ضمن الحريات الشخصية وحرية التعبير ولا علاقة له بالتحضر!.
ومن هنا فلا بد من أن نسعى جميعا شعوبا و حكومات إلى التنادي إلى ميثاق أو معاهدة "ذوق" يحدد لقليلي الذوق وعديمي الأخلاق سقفا لحرياتهم الشخصية في عالم أنكمش حجمه وتشابكت مصالحه ، ميثاق يجرم الإساءة لكافة أنبياء الله و كل الأديان السماوية الثابتة -لا اليهودية فقط!- ، إن ميثاقا من هذا النوع قد يكون أكثر أهمية من معاهدات كثيرة يتحدث عنها العالم اليوم.
لكم آلم أمة محمد تطاول وسائل الإعلام الغربية على أنبياء بني إسرائيل حين صوروا بصور مقيتة ، ومع ذلك فإن المسلمين قد سكتوا عن تلك الإهانات –اجتهادا من بعضهم- حتى لا يتهموا بدس أنوفهم فيما لا يعنيهم ، أما وقد وصل الأمر إلى نبيهم الخاتم فلا يسع مسلم أن يسكت ، لقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى ، ووجب على قادة العالم الإسلامي التحرك لإيقاف هذه الحملة الجائرة و المنظمة ضد الإسلام ونبيه وأتباعه ، فالإسلام دين لأكثر من ربع سكان الأرض وهو بذلك يستحق نفس المعاملة التي نالتها اليهودية من لدن ما يسمى بالشرعية الدولية التي منعت التحريض على معاداة السامية ، وحادثة الصحيفة الدنماركية قد طرحت سؤالا طالما رواد الكثير من المسلمين ، و هو السؤال الذي عنون به الأستاذ فهمي هويدي مقالة له مؤخرا " من يكره من؟!" ، فيا ليت بعض قومي يجيبون أو ليتهم "يختشون" فيصمتون! .


*أستاذ جراحة الأوعية الدموية
-alzahrani@alwatan.com.sa


 

عودة للصفحة