خواطر حول ترشيد العمل الدعوي
أقلام دعوية

خواطر حول ترشيد العمل الدعوي


بقلم : أبو عمار الأسيف




لا يخفى على أحد فضل الدعوة إلى الله عز وجل ومكانتها العظيمة في خيرية هذه الأمة وسيادتها على سائر الأمم ، كيف لا وهي وظيفة الأنبياء والمرسلين الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل تبليغ دين الله عز وجل ، وعلى ذلك سار ورثة الأنبياء من الصحابة والسلف الصالح أجمعين وبعدهم من الخلف يدعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة على خطى أولئك الأنبياء عليم السلام .


وعندما نستعرض نصوص المنهج الدعوي الرباني ، والذي يعلّمنا الله عز وجل إياه في كتابه الحكيم ، وفي سنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم ، والتي تحقق في مجملها { بالحكمة والموعظة الحسنة }؛ نعرف أننا بحاجة ماسة للنظر والتفكر في طرق دعوتنا للناس ، ونضعها في ميزان ( إن الله يحب أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه ) ، فترجح الطريقة الحكيمة في أسالبيها العظمية في أهدافها السهلة في أدائها .


وطرق الدعوة عبر تاريخ الإسلام تنوعت واختلفت وتطورت عبر الأزمان باختلاف القدارت والطاقات العاملة وكذلك الوسائل المتوفرة والظروف المصاحبة لها في مجتمعات أمة الإسلام .


فكانت المساجد قديماً وإلى عهدٍ قريب هي من أبلغ الوسائل وأقواها في تبليغ الناس ما يهم دينهم ويؤثر في حياتهم بمنظور إسلامي نابعٍ من الكتاب والسنة ، أما اليوم فتنوعت الأسباب وكثرت الوسائل من طرق الاتصال المختلفة مروراً بالتقدم العلمي المتسارع ودخول مرحلة الفضائيات والشبكة العالمية وغيرها من وسائل الإعلام ، وأصبح توظيف هذه الإمكانات وتوجيه مسارها في الدعوة إلى الله من الأهمية بمكان كي تتناسب أساليب الدعوة و روح العصر ولا تبقى مقتصرة على خطبة الجمعة وتوزيع ذلك الكتاب أو تلك الأشرطة .


لا يُفهم مما سبق دعوتنا لترك الأساليب المعتادة وهجرها ؛ لأن ذلك يعني هجر شيء من سمات هذا الدين ولكن ندعو إلى التوسع في الوسائل والطرق بما يتفق ويناسب ويواكب مفاهيم ومعالم ديننا الحنيف .


إذن نحن ندور حول " ما هيَّة الأساليب والطرق الفاضلة " في دعوة الناس مع احتفاظنا وممارستنا للطرق الأولية ، لأن الهدف واضح للجميع ، لكن تبقى الوسيلة تحتاج لشيء من الحكمة وبعد النظر والاختيار المناسب من بين الطرق والوسائل المتوفرة .


لكن للأسف لا زال البعض من الدعاة وأهل الصلاح والخير - والذين اجتمع همهم على تبليغ الدين - يجهلون فقه الوسائل وتقديم بعضها على بعض ، وبالتالي انعدام ترشيد استخدام هذه الوسائل بما يخدم الدعوة في حاضرها وفي مستقبلها ، وبالمثال يتضح المقال :


بركانٌ من الحماس والهمة في الدعوة إلى الله لدى ذلك الداعية يجعله يقوم بجمع كل ما يستطيع جمعه من الأشرطة والكتيبات النافعة ، والمطويات والنشرات وغيرها ، ولا شك أن هذا عملٌ نبيل ناتج عن غيرة لدين الله وتحمل لمسؤولية تبليغه ، فالهدف واضح ورشيد لكن للنظر إلى طريقة التنفيذ ، يقوم بتوزيعها بطريقة شبه عشوائية وغير منظمة ، فتوزع بعضها في أيدي بعض الصالحين وبعضها في المساجد وبعضها في الحلقات القرآنية وقليلٌ منها للفئة الأهم وهم لم يروا نور الإيمان من جلساء الأرصفة ورواد المقاهي والنوادي ، وبالتالي في إن ثمرة هذه القُدارت - الأشرطة والكتبيات والمطويات والنشرات -ليست ناضجة وظاهرة كما لوكان توزيعها بعناية في صفوف المجتمع ، هنا نتحاج لترشيد توزيع تلك الدعويات بما يناسب حاجة المدعوين وقربهم أو بعدهم من طريق الصلاح والثبات على الدين .. ولكن لماذا ؟


من يلاحظ عصر الصحوة المباركة وخاصةً في العقد الأول من القرن الخامس عشر الهجري ، نرى أنه - من وجهة نظري - كان يفتقد للطاقات في بدايته مع وجود شيءٌ لا بأس به من " الكم " الوافر من القُدرات في أرض الواقع ، ووجود ظروف مساعدة كثيرة تدعم كل الأنشطة والأعمال الدعويه الهادفة في بدايته لا مجال لذكرها .


أما الآن فتغيرت تلك الظروف من حسن لأسوء تبعاً لتغيرات دولية و تطورات محلية ألقت بظلالها على واقع الأمة المرير ، وما نراه ونسمعه من الحصار الإعلامي والحكومي في عالمنا الإسلامي للعمل الخيري والدعوي هو خير شاهدٍ على ذلك تحت مظلة الإرهاب المزعوم والذي رمانا به الغرب كمحاولة لإطفاء نور الله { والله متم نوره ولو كره الكافرون } .


كذلك ما يحدث مع مرور الأيام من زيادة التشديد والتضييق على العمل الدعوي وسنَّ الأنظمة والقوانين والحجج لمراقبته تحت المجهر وتوجيهه قدر المستطاع حسب ما يخدم مصالح أنظمة حكوماتنا العربية والإسلامية .


لذلك كله كان لا بد من الحكمة في تنفيذ أي عمل دعوي مهما كان حجمه ، حتى تزداد الطاقات قوةً ومهارةً ومسؤولية ، وتغدو وسائلنا في الدعوة إلى الله واضحةً سهلةً تتوافق مع ظروف عصرنا وتتحسب لمتقلبات المستقبل وتغيراته ، ويمضي جيل الصحوة ويداه متمسكتان بكتاب ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وعينيه تنظر لمستقبل وضاءٍ مشرقٍ لديننا العظيم .

أرسلها لصديق  |  نسخة للطباعة 


 جميع الحقوق محفوظة لكل مسلم بشرط ذكر المصدر 
تطوير وإدارة الموقع:
نوافذ المعلومات