من أنتم؟؟
46 الأحد 16 / رمضان 9 / 1438

03 أبريل, 2016 - 25 جمادى الثانية 1437هـ

 

 

عناصر الخطبة:

 

* أهمية وحدة الأمة واجتماع كلمتها.

 

* التحذير عن الفرقة والاختلاف.

 

* المحبة والتسامح.

 

الخطبة الأولى:

 

إخوة الإسلام والإيمان..

 

وصية الله جل وعلا لنا ولكم في القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران:102).

 

* أهمية وحدة الأمة واجتماع كلمتها:

 

إخوتي الكرام، من أنتم؟ جملة شهيرة لها سمعة غير حميدة، أوجهها اليوم إلينا بصيغتها من أنتم؟ أو بصيغة من نحن؟ لأن لنا وصفاً وصورة مرسومة مكتملة واضحة نريد أن نقارن واقعنا بها، {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} (المؤمنون:52) {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء:92)، قال ابن عباس وغيره إن هذه أمتكم أي دينكم وملتكم واحدة فالأصل أن تكونوا وحدة مجتمعة وأمة متوحدة متآلفة، ورسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم وصف فقال: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم:«الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ» ليس هناك تفريق، كيان واحد مرتبط وفي الحديث أيضاً عند أبي داود والترمذي في سننهما (الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ, والْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ, يَكُفُّ عَنْهُ ضَيْعَتَهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ).

 

هل ترون صورة أوضح وأجمل وأفضل من هذه الصورة، ترسمها الآيات وتحدد ملامحها الأحاديث ويقولها أهل العلم، فمن كلام ابن تيمية أن من القواعد العظيمة التي هي جماع الدين تأليف القلوب واجتماع الكلمة وصلاح ذات البين {فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} (الأنفال:1) {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} (آل عمران:103) {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (آل عمران:105) هل ثمة خطاب أوضح وأوامر أكثر مباشرة نحو الهدف وأعظم تحذيراً من الخلل من مثل هذا الذي ذكرته؟ ولذا دعونا نكمل الصورة بأن نرسم المنهج الإسلامي الذي يبين لنا أن أمر الوحدة والائتلاف والألفة والاجتماع أمر عظيم، ومقصد أكبر، وهدف أعظم، حشدت له -لو تأملنا- كثير من الأحكام والتشريعات والآداب، إذا تأملنا فيها وجدنا أن محورها الرئيس هو أن تحافظ على صفاء القلوب، هو أن تحافظ على تماسك الصفوف، هو أن تحافظ على وحدة الأمة، هي أن تقطع الطريق على كل أمر يوغل الصدور ويثير الحفائظ ويقطع الأوصال ويبت العلاقات، فتصبح الأمة التي من المفترض أن تكون أمة واحدة أوزاعاً متفرقة، وفرقاً متناحرة أعاذنا الله وإياكم من هذ الحال.

 

هذا رسولنا صلى الله عليه وسلم يقرر لنا أمراً عظيماً، مراعاته تحفظ هذه الألفة، وتقيم تلك الوحدة: (كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ ، دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) كم من اعتداء على الأعراض والأموال والدماء ليس في ساحات القتال ولا في البلاد التي ابتليت بهذه المحن، بل في مجتمعاتنا، بل في عقر دورنا، بل في معاملتنا لأبنائنا، ولمن لنا ولاية عليه بحال أو بصورة أو بأخرى.

 

وهذا كتاب الله وحديث النبي صلى الله عليه وسلم يجعل لنا سياجاً لو التزمنا بهذه الآداب لما اخترق هذا السياج الذي يحفظ هذه الوحدة والألفة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ} (الحجرات:11،122) تأملوا هذه الأوامر والنواهي والزواجر التي تقول لنا  خطر ممنوع الاقتراب، لأن هذه السخرية سوف تؤدي إلى فرقة لأن هذا الظن السيء سيؤول إلى شيء من النزاع والشقاق، ويأتينا حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم متطابقاً مع هذه الآية العظيمة (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا) فكأننا إذا لم ننتبه لذلك فتدابرنا أو تباغضنا أو تنابزنا أو تحاسدنا أو تشاجرننا أو شيء من ذلك فلن نكون على الصورة المرادة وهي (كونوا عباد الله إخوانا) لن نكون محققين لتلك الأخوة ونحن نقتحم هذه النواهي في لحظات كثيرة وفي أوضاع كثيرة.

 

بل إن هذا الإسلام العظيم يدخل إلى ماهو أدق وأرق في مراعاة النفوس والقلوب حتى لايصيبها شيء من الكدر والغضب، فيأتينا حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم المتفق عليه من حديث سيد الخلق عليه الصلاة والسلام قال: (إِذَا كُنْتُمْ ثَلاَثَةً فَلاَ يَتَنَاجَ اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْزُنُهُمجرد شعوره بهذا الأمر الذي قد يحزنه نُهي عنه، بل جاءت الآيات {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ} (المجادلة:10) وجاءت ببيان العلة {لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} وبين الحق سبحانه وتعالى {وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} ، بل حتى في أحكام البيع والشراء المراعاة للنفوس والقلوب حفاظاً على الوحدة في حديث ابن عمر عند البخاري عن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم (لاََ يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) إذا اتفق البائع والمشتري فلا يأتي بائع آخر بعد الاتفاق فيقول أعطيك بأقل، لأن هذا يغير الصدور ويثير الحفائظ، قال ابن حجر رحمه الله في شرح الحديث: (والجمهور أنه لافرق في ذلك بين المسلم والذمي، وذكر الأخ في ذلك للغالب فلا مفهوم له) أي حتى لو كان مع غير المسلمين من الذميين الذين لهم عهد وذمة لاينبغي أن يعامل بما يحزنه ويغضبه ويفوت مصلحته، وإذا أردتم أن تقفوا على خطورة الأمر فإنه جد عظيم، لأن شريعتنا وهدي نبينا صلى الله عليه وسلم جاء إلى أمور قد نراها سهلة ويسيرة وليست بذات أهمية، لكن الشارع الحكيم الذي يريد أن يرى أهل الإيمان الهدف الأعظم لكل أمر يسير كيف قد يؤدي إلى تحقيق هدف عظيم أو أن الإخلال به قد يؤدي إلى خلل كبير.

 

صور كما قلت نراها صغيرة مروية في السنة والسيرة من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه وهو عند أبي داود في سننه وعند الإمام أحمد في مسنده: (قَالَ كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلاً - قَالَ عَمْرٌو كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْزِلاً - تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلاً إِلاَّ انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بعض)، صورة عابرة قد لاتكون مهمة لكن الشارع الحكيم يبين.

 

انظروا إلى ماهو أظهر وأقرب إلينا من ذلك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر الذي نكرره كل يوم، حديث أَبِى مَسْعُودٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلاَةِ وَيَقُولُ (اسْتَوُوا وَلاَ تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ) رواه مسلم، الصورة المادية لها انعكاسات قلبية، إذا اختلفنا في الصفوف فسيكون ذلك سبباً قد لايكون مباشراً قد لايكون ظاهراً لكنه بالغ مبلغه في اختلاف القلوب والعياذ بالله، وننظر إلى ماهو أعظم في بيان شناعة هذه الأمور وإن كانت تبدوا لنا يسيرة –كما قلت- فهذا الحديث العظيم الذي نذكره دائماً وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه في المتفق عليه عند الشيخين عن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم قال: (أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ ، أَوْ لاَ يَخْشَى أَحَدُكُمْ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ) لم هذا الوعيد؟ لم هذه الصورة المستبشعة؟ لتقول لنا أننا نحن أمة الإسلام أمة وحدة جامعة، أمة قيادة واحدة، أمة صفوف متراصة، أمة أيد متشابكة، أمة قلوب متآلفة، أمة أنفس متصافية، أمة لاتفرقها الصغائر ولايكون ذلك سبباً لتناحرها واختلافها.

 

ولعلي أشير أيضاً إلى صور عملية حتى نرى أننا نمارس هذا ونقع فيه، لست أتحدث الآن عن ساحات قتال بل أتحدث عن قعر بيوتنا وأتحدث عن مجالس منتدياتنا وأتحدث عن سلوكياتنا اليومية وما يدخل فيها من هذا.

 

* التحذير عن الفرقة والاختلاف:

 

قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الجابية خطيباً في الصحابة وقال لهم: (إني قمت فيكم مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، فخطبنا فقال: (عَلَيْكُمْ بالجَماعَة، وَإِيَّاكُمْ وَالفُرْقَةَ؛ فَإِنَّ الشَّيطانَ مَعَ الوَاحِدِ، وَهُوَ مِن الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، وَمَنْ أَرَاد بُحْبُوحَةَ الجنة، فَلْيَلْزَم الجَمَاعَة)، تأمل كل سبب من الفرقة له نسب للشيطان، وكل سبب من الألفة والوحدة على المنهج الصحيح هو مفض إلى رضا الرحمن، وصورة من صور الاقتداء بالرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم، تأمل وتأمل وتأمل مقولات أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين تربوا في مدرسة النبوة، هذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: (كدر الجماعة خير من صفو الفرد) لو كنت ترى أنك تريد صفاءك وحدك وترى الآخرين كلهم على كدر فتفترق ويفترق هذا ويفترق هذا، اجتماعكم مع شيء من خلل خير من افتراقكم مع ما تظنونه من خير، وابن مسعود رضي الله عنه يضرب مثلاً عملياً في أمور نحن نمارسها اليوم وتمر بنا ونقول إننا نريد الحق والحق أحق به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، لما قال ابن مسعود وكان يرى ما كان عليه أبوبكر وعمر في شأن الجمع في الحج وأن عثمان رضي الله عنه قال أفعل غير ذلك، فلما بلغ ذلك ابن مسعود استرجع أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فلما جاء الموسم وحانت الصلاة وأمهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه صلى ابن مسعود مع الجماعة لأنها صحيحة، وإن كان على خلاف رأيه الفقهي فقال له بعضهم استرجعت ثم صليت؟ أي قلت إنا لله وإنا اليه راجعون ثم صليت، قال: الخلاف شر الخلاف شر.

 

كانوا يفقهون كليات الإسلام، كانوا يعرفون روح هذا الدين، كانوا يعرفون نبض الإيمان في القلوب، وأنه نبض محبة وألفة، مع ماستمسكوا بكتاب الله واعتصموا به وتمسكوا وتشبثوا بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله يخاطبنا في وصيته العظمى: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (الشورى:13)، عجباً كيف يكون الدين الذي هو أساس الوحدة والألفة يجعله بعضنا سبباً للفرقة والاختلاف على اجتهاد في مسائل ربما تكون فرعية أو على خلاف ليس من أنواع اختلاف التضاد بل من اختلاف التنوع الذي يصح فيه هذا وهذا، ولذا كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يعلمنا فيقول: (ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ, فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أنبيائهم) ما أشد ضرر هذه الصورة التي تكثر فيها الأسئلة الجدلية والحوارات الشديدة القاسية، التي ليس مناطها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويغيب عنها محور أساسي وهو ابتغاء رضوان الله، والخضوع للحق، فتتنازعها الأهواء وتتجاذبها العصبيات، فتؤدي -بالقرآن والعياذ بالله- إلى افتراق واختلاف، ولما خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه وقد جرى بينهم شيء من الخلاف وهم يتلون القرآن فقال: (اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فاذا اختلفتم فقوموا عنه) ماجاء ليكون سبباً في الفرقة والاختلاف، إذا كنت تتكلم بغير علم فأمسك، إذا كنت تتكلم ورأيت من هو أعلم منك فخذ منه، إذا لم تكن بدا لك ذلك فلا تجعل الشقة تتسع، ولا الفرقة تعظم، فإن مراد القرآن أن تأتلفوا وتأتلفوا وتتوحدوا، ويكون مرادكم رضوان الله واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، كيف يمكن أن تسمحوا لكل هذه الأسباب أن تفرق وتشتت، والله واحد والقرآن واحد والرسول واحد وهذا الدين كل شرائعه تقول لنا إننا أمة واحدة.

 

فما بال القلوب -نسأل الله السلامة- قد زاغت عن هذا، ورضيت بغيره، وتهيأت في كثير من تفاعلاتها للاستجابة لأي داعي من دواعي الخلاف والنزاع، فما أن تطرح كلمة حتى تثار حولها كلمات، ويصبح هناك نزاع وشقاق، ولاتكاد تسمع من يقول مثل ماقال رسولنا صلى الله عليه وسلم بل يحذّر ويقول: (لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) من رأى أن أسباب الفرقة مؤذنة بشر يتوالى ويعظم حتى يصل -والعياذ بالله - إلى القتال التي نرى صوراً منه كثيرة وهكذا وهكذا.

 

ونجد الأمور في القضايا التي نتجادل فيها، وهذه صورة لعلي أقدمها كذلك من جيل الصحابة رضوان الله عليهم، في مسألة فقهية تتعلق بالصلاة في ثوب واحد، فقال أبي إنه -أي الصلاة- في ثوب واحد إنه لحسن جميل، وقال ابن مسعود إنما كان ذلك من قبل لما كانت الثياب قليلة والآن يحسن غير ذلك، ولما بلغ هذا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال صدق أبي، ولم يألوا ابن مسعود -أي مجانبة الصواب- ولكن لا أسمع أحداً يختلف فيه بعد ذلك إلا فعلت به كذا وكذا، مسألة ذكرت وانتهت وهذا صحيح وهذا صحيح فلا تثيروا غبار الجدال ولاتثيروا معارك في طواحين الهواء في أمور من الدين لكنها معروفة ولكل واحد فيها دليله ومسائله، وإذا أردنا أن نكمل فإننا سنرى أن هذا السياج الذي يمنع فثمة أبواب أخرى جاءت في شريعتنا لاتكتفي بهذا المنع، بل تمدنا بأسباب عظيمة من القوة في الوحدة، ومن القوة في الألفة، ومن القوة في صفاء القلوب، فلو أخذنا بها –وسيأتي حديثنا عنها- واجتنبنا تلك لما رأينا الصفوف في أحيان كثيرة مؤتلفة ظاهرياً ولكنها مختلفة باطنياً.

 

نسأل الله عزوجل أن يقيم صفوفنا وأن يؤلف بين قلوبنا وأن يزيل عنا أسباب الشحناء والبغضاء وأن يرزقنا حسن النية والنقاء والصفاء، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

معاشر المسلمين..

 

* المحبة والتسامح:

 

وإن من التقوى التماس محبة القلوب ووحدة الصفوف بين أهل الإيمان والإسلام، مادام رائدهم وقائدهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه ومضات سريعة موجزة من بعض ما دعينا إليه لتزداد المحبة في القلوب، وتقوى الأواصر بين أهل الإسلام والإيمان (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) حديث رسولكم صلى الله عليه وسلم، ونهيه مع بيان الفضل في الحديث الآخر (لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث. يلتقيان فيَصُدّ هذا، ويَصُدّ هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) والشيطان يقول لك لاتبدأ لماذا تكون الأدنى؟ لماذا تعتذر وهو الذي يجب أن يعتذر؟ أخزي الشيطان واتبع رسولك صلى الله عليه وسلم، واعلم أن الناجح والمتفوق هو الذي يبدأ بالاعتذار ولو كان الخطأ عند غيره، كيف تنتصر إن لم تنتصر على نفسك {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} (الشورى:37) أليس محمد صلى الله عليه وسلم قد نال ما نال من كفار قريش ثم جاء بعظمة أخلاقه التي سمت فوق كل الناس وفوق كل البشر، فقال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) أليس هو صلى الله عليه وسلم، الذي قال ابن مسعود في يوم أحد وقد أرادت سيوف المشركين أن تنال منه وتقتله، قال وكأني به يحكي نبياً من الأنبياء يمسح الدمع عن وجهه ويقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لايعلمون) سبحانك ربي ما أعظم هذا الخلق، وهذه النفس الرحبة، وهذا القلب الرحيم الواسع، وهذه المعاني الفياضة، التي تدل على عظمة ديننا بعظمة رسولنا صلى الله عليه وسلم (مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، فَيَتَصَافَحَانِ إلاَّ غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّفَا) لو أن كل مسلم لقي أخاه فصافحه وعانقه هل ستبقى هذه الوجوه المكفهرة، والنظرات الشديدة، والكلمات القاسية، ما بالنا؟ نستحق أن نقيم هذا السؤال فنقول من نحن؟ وأن نقول من أنتم؟ هذا وصفنا في القرآن وهذا وصفنا في سيرة وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم فأين نحن منها (أن رجلا زار أخا له في الله، فأرصد الله على مدرجته ملكا، فسأله أين تريد ؟ قال أزور أخا لي في الله قال هل لك عليه من نعمة تربها عليه؟ قال لا؛ غير أنني أحببته في الله قال فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه) ما بالنا نسعى أحياناً ونخرج لا لهذه الألفة وإنما لنأجج الصراع والعياذ بالله، والقرآن يخبرنا {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (الأنفال:46) في كل أمر على مستوى الأمة، على مستوى المجتمع والدولة والبلد، في أي بلد وعلى مستوى المجتمع الصغير، وعلى مستوى الأسرة، الأسرة اليوم عندما يختلف الزوج مع زوجه أو الأم مع أبنائها أو العكس، ترى أجواء من الفرقة عجيبة، ترى الصورة الجامدة القاسية لارحمة ولا ألفة ولا محبة وتباغض ونوع من الهجران وكلام لايكاد يخرج الا بصعوبة، وابتسامة لاتفتر عنها الثغور إلا نادراً، أين نحن؟ في صحراء جرداء وديننا كله حدائق غناء؟ لماذا نظلم أنفسنا؟ ولو أننا فعلنا ذلك في هذه المجتمعات الصغيرة والدوائر الضيقة لرأينا انتشار ذلك حتى نرى صورة الوحدة العظمى التي جسدتها آيات القرآن في مؤاخاة المهاجرين والأنصار {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر:9).

 

صورة لا مثيل لها في تاريخ الإنسانية من روعة العلاقات الأخوية الإيمانية، لأن صلة الأخوة في الله أرقى وأنقى وأبقى وأقوى من أي صلة مهما كانت، فأين نحن من هذا؟ وفي حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم من رواية ابن مسعود عند البخاري في صحيحه كلمات موجزة من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم: (لاتختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) وهذا الحديث كما قال ابن حجر فيه حض على الجماعة والألفة والتحذير من الفرقة والاختلاف والنهي عن المراء في القرآن بغير حق.

 

تأملوا أيها الأخوة واسألوا هذا السؤال من نحن؟ إذا كنا نحن الأمة الواحدة، إذا كنا نحن أمة الأخوة الصادقة، إذا كنا نحن أمة المحبة الخالصة، إذا كنا نحن أمة الإيثار العملي، فإين نحن من هذا؟ كم نحن بحاجة إلى مراجعة في أدق الأمور، وفي أخصها في مشاعرنا ومعاملاتنا القريبة فضلا عن البعيدة، إن أصلحنا ذلك ستبدأ الأمر في التحسن والتغير لأن الله قال: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (الرعد:11).

 

أسأل الله عزوجل أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد وأن يلهمنا الرشد والصواب، وأن يجعلنا بكتابه مستمسكين ولهدي نبيه صلى الله عليه وسلم متبعين ولآثار السلف الصالح مقتفين.