ليس سياسة بل عقيدة
153 الأحد 16 / رمضان 9 / 1438

26 يوليو, 2016 - 21 شوال 1437هـ

 

عناصر الخطبة:

 

* حمزة بن عبدالمطلب.

* حزنه (ج) على مقتل القراء.

* الفرح بفضل الله.

* الفرح بما تعود فيه المصلحة على الإسلام وأهله.

* أعداء الإسلام يفرحون بكل سوء يصيب المسلمين.

* وجوب محبة أهل الإيمان ونصرتهم.

* بواعث ودواعي الفرح والسرور.

 

 

الخطبة الأولى

إخوة الإسلام والإيمان

وصية الله سبحانه وتعالى لكم في كتابه المبين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران: 102).

معاشر المسلمين

* حمزة بن عبدالمطلب:

لعلكم تعذروني في حديثي اليوم، فإنه مليء بالمقابلات التي يرى فيها الشيء الشيء ونقيضه، وأبدأ بومضة من أحد، وأجعل مقدمتها وصفاً ساقه الإمام الذهبي رحمه الله، فقال: (الإمام البطل الضرغام أسد الله أبو عماره وأبو يعلي القرشي المكي ثم المدني البدري الشهيد عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخوه بالرضاعة، حمزة بن عبدالمطلب، استشهد يوم أحد وبقرت بطنه وقطعت كبده) وجاء في مسند الإمام أحمد وسنن أبن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم إثر أحد، مر بنساء بني عبدالأشهل يبكين هلكاهن في أحد، أي من استشهد من أزواجهن وأخوانهن، فسأل فقيل هؤلاء يبكين أزواجهن وأبناءهن فقال صلى الله عليه وسلم: (لَكِنَّ حَمْزَةَ لاَ بَوَاكِيَ لَهُ)، فسمع سعد، فقال لنساء الأنصار أبكين عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى بعد ذلك أن يكون مثل ذلك، وفي رواية لهذا الحديث فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (لَكِنَّ حَمْزَةَ لاَ بَوَاكِيَ لَهُ) حزنٌ على أسد من أسود الإسلام، قضى نحبه شهيداً في ساحة المعركة مدافعاً عن الإسلام، تلك المشاعر فطرية من جهة لكنها إيمانية إسلامية شرعية من جهة أخرى.

 

* حزنه (ج) على مقتل القراء:

 

 

وأنتقل بكم إلى ومضة أخرى فيها صورة لحزن شديد، وألم عظيم، مر برسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم فيما روى أنس رضي الله عنه وهو يخبر عن قصة الحي الذين جاءوا وطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرسل إليهم من يعلمهم أو يدعوهم إلى الإسلام، فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم سبعين من صفوة أصحابه من القراء حفاظ القرآن الكريم، فغدروا بهم وقتلوهم عن آخرهم، قال أنس: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد على شيء ماوجد عليهم، أي ماحزن على شيء ماحزن على هؤلاء، وفي الصحيحين من حديث أنس أنه عليه الصلاة والسلام لما بلغه خبر مقتل أصحابه وغدر بني سليم بهم، قنت شهراً يدعو في الصبح على أحياء من العرب رعل وذكوان وغيرهم يسميهم، هكذا هي مشاعر المسلم المؤمن إذا ألم بأهل الإسلام كرب في قليل أو كثير في بعيد أو قريب، أصابه الحزن ولجأ إلى الله مولاه سبحانه وتعالى.

* الفرح بفضل الله:

مشاعر الحزن والفرح عند أهل الإسلام والإيمان المدركين لحقيقة دينهم المنطلقين تشبثاً بكتاب ربهم وتأسياً بهدي رسولهم صلى الله عليه وسلم يدركون ذلك، فيما ورد كذلك عند الإمام أحمد بسند حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَوْثَقُ عُرَى الإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ ، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ) وانظروا إلى المشاعر كيف تكون مرتبطة عند المسلم مايحبه الله بما فيه مرضاة الله بما يكون متصلاً بطاعة الله، كما جاء في كتاب الله: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (يونس:58) وذكر أهل التفسير أن فضل الله هنا هو كتابه وشريعته وهدايته لهذه الأمة وللبشرية كلها، هو خير مما يجمون من متاع هذه الدنيا، كانوا يفرحون به ويتسابقون إليه، ويجعلونه مقياساً للتفاضل بينهم كما في صحيح ابن حبان من حديث أنس رضي الله عنه كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد في أعيننا أي على في نظرنا وارتفعت مكانته، وانظر رحمك الله إلى صور الفرح الكثيرة وهي مرتبطة بهذا أي الركن الركين والأساس المتين من هذا الدين والاعتقاد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} (الرعد:36) وفرح أصحاب الهجرة إلى الحبشة يوم أن رجعوا في العام السابع، وجرى حديث بينهم وبين إخوانهم المهاجرين فقال الفاروق عمر: نحن كنا مع رسول الله وجاهدنا معه وفعلنا وفعلنا فنحن خير منكم، فقالت أسماء وكانت من مهاجرات الحبشة: نحن كنا في أرض البعداء الغرباء وذلك في الله وفي رسوله فما يكون ذلك، ثم مضت إلى رسول الله، تخبره عن هذه المفارقة بذلنا وضحينا لأجل ديننا وإسلامنا وإيماننا فكيف تكون هذه منزلتنا، فلما أخبرته قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لِلنَّاسِ هِجْرَةٌ وَلَكُمْ هِجْرَتَانِ) ففرحت بذلك، وما فرح أهل الحبشة بمثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلوا يفدون إلي أرسالاً يسألونني عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* الفرح بما تعود فيه المصلحة على الإسلام وأهله:

وننتقل إلى الرؤية الأوسع والأشمل في كل هذه المشاعر لنأخذ صورة فريدة نادرة قل أن يجود الزمان بمثلها إلا لأهل الإيمان والإسلام، وقد سجلتها ووثقتها آيات القرآن التي تتلى إلى الوقوف بين يدي الديان، في قصة الذين أرادوا الجهاد يوم تبوك وليس عندهم مايخرجون به لا من مركب ولا من مال ولا غيره {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ} (التوبة:92) حزنوا لماذا؟ حزنوا لفوات سفر طويل في حر شديد لقتال عظيم، حزنوا لأنهم سيفوتهم فرصة لنصر دين الله، وللبذل في سبيل الله، وللصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا سنجد باقة المشاعر متحركة، ولننظر إلى الدائرة الأوسع فيما يتصل بهذه الدائرة الإسلامية،{الم{1} غُلِبَتِ الرُّومُ{2} فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ{3} (الروم) ما قصة الآية؟ ماقصة الفرس والروم؟ قال ابن عباس رضي الله عنه كان المشركون يحب أن يظهر الفرس على الروم أي ينتصروا عليهم، لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلون يحبون أن تظهر الروم على الفرس، لأنهم وإياهم أهل كتاب، فلما انتصر الفرس على الروم فرح مشركوا قريش، ونزلت الآيات بأن جولة قادمة ستكون، وسيفرح المؤمنين وقد حان، ذلك فلما انتصر الروم على الفرس فرح المسلمون لذلك، وإن كان بين ذلك الحدث وذلك الحدث نحو تسع سنوات أو سبع، لكن وعد الله لايتخلف وسنته الماضية لابد أن تنفذ، وقدره الذي قضاه وكتبه بما يقوم به العدل والحق في الدنيا وفي الآخرة يمضى كما أراده سبحانه وتعالى، قال السعدي في تفسيره: (ويوم يغلب الروم ويقهرونه يفرح المؤمنون بنصر الله، أي يفرحون بانتصارهم على الفرس وإن كان الجميع كفاراً، ولكن بعض الشر أهون من بعض ويحزن يومئذ المشركون) وهنا موقف آخر عجيب ترويه أم سلمة كما ورد في كتب السيرة في قصة المسلمين وهم في الحبشة، قالت أم سلمة : (خرج رجل من الحبشة ينازع النجاشي في ملكه، فوالله ما علمنا حزناً قط هو أشد منه فرقاً من أن يظهر ذلك الملك عليهم، فيأتي ملك لايعرف من حقنا ماكان يعرفه، فجعلنا ندعو الله ونستنصره للنجاشي، ثم قال: من يخرج فيحضر الواقعة ويأتينا بخبرها، فقال الزبير وكان أشب القوم أنا، فخرج على قربة وكأها أي ربطها وقطع بها النيل، حتى جاء إلى الشق الآخر فسأل قالت فجاء يليح لنا بثوبه أي يشير بثوبه من بُعد، ويقول ألا أبشروا فقد انتصر النجاشي، قالت: فوالله ماعلمنا أننا فرحنا بشيء قط فرحنا بظهور النجاشي)، هذا هو فقه الإيمان في النظر لما تعود المصلحة فيه لأهل الإسلام، ما يحفظ حقوقهم ويحقن دماءهم ويقيم شعائرهم، ويتيح لهم من الخير ما لايكون في غير ذلك، وهنا لابد أن ننتقل إلى الصورة الأخرى، ثم سأعود بكم إلى الواقع الذي نعيشه لأننا لانعيش من صفحات التاريخ بل نأخذ من السيرة ومن الآيات القرآنية مانسير به على هدى في يومنا هذا، وما نعرف به وقائع اليوم في ليلتنا هذه وفي كل وقت وآن.

* أعداء الإسلام يفرحون بكل سوء يصيب المسلمين:

أنظروا إلى المواقف الأخرى {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ} (التوبة:50) من هؤلاء؟ منافقون، يفرحون بما يصيب المسلمين من أذى، تلك سمة النفاق وتلك مناقضة ما أخبر به النبي من أوثق عرى الإيمان، وقد ورد في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم مقسماً (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) قال ابن حجر في شرحه على الحديث: (ومثله لايؤمن حتى يبغض لأخيه من الشر ما يبغضه لنفسه) هذا هو مقياس الإيمان، وهذه هي مقاييس المشاعر الإيمانية المدركة لحقيقة إسلامها وإيمانها وخوفها من ذلك المزلق الخطير الذي يؤدي إلى أحد أمرين مشاكلة ومشابهة وموافقة وربما حكماً، إما أن يكون في صفوف المنافقين الذي أخبر الله جل وعلا: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} (النساء:145) وإما أن يكون مع أعداء الله المحاربين للإسلام والمسلمين فإنه لايفرح بما يصيب المسلمين من أذى إلا أهل عداء أو نفاق أعاذنا الله وإياكم وسلمنا وإياكم، وهنا نجد كلاماً نفيساً في تفسير هذه الآية، رواه الطبري وغيره عن قتادة رحمه الله كلاماً لو أنني قلت إنه اليوم يقرأ في نشرة أخبار لقلنا جميعاً إنه يتحدث عن حدث الأمس أو حدث اليوم قال رحمه الله: (إذا رأوا من أهل الإسلام ألفة وجماعة وظهوراً على عدوهم غاظهم ذلك وساءهم وإن رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافاً أو أصيب طرف من أطراف المسلمين سرهم ذلك وأعجبوا به وابتهجوا به)، ثم انظر إلى ما قال وسبحان الله كم من شواهد قال فيما مضى وعلى يقين بأننا سنرى شواهد أكثر فيما يأتي، قال رحمه الله: (فهم كلما خرج منهم قرن أكذب الله أحدوثته، وأوطأ محلته، وأبطل حجته، وأظهر عورته، فذاك قضاء الله فيمن مضى منهم وفيمن بقي إلى يوم القيامة) يهتك الله أستارهم ويفضح أسرارهم وينكس رؤوسهم عاجلاً أو آجالاً، ينبغي أن يكون هذا يقيننا، وأن لاننساق مع هذه الأطروحات التي تروج في الإعلام، فإن استجبت لها ابتعدت عن القرآن وفارقت هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأوشكت أن تشابه أهل النفاق أو تكون في صف أهل العداء للإسلام.

الأمر أيها الأخوة ليس قضية اجتماعية، وليس موقفاً سياسياً، وليس مسألة وطنية، الأمر دين وإيمان وعقيدة، الأمر تشهد له الآيات وتنطق به سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ونرى شواهده عبر التاريخ قديماً وحديثاً، فلا يغرنك ماترى من هذه المواقف المخزية، التي تناقض بشكل واضح وصارخ كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، فنسأل الله عزوجل أن يجعل قلوبنا محبة لأوليائه، مبغضة لأعدائه، وأن نكون مع أهل الإسلام مسالمين ومناصرين، ومن أهل الولاء والمحبة والمودة لهم في كل شأنهم، وأن نكون لأهل العداء محاربين ومجانبين ومفارقين سواء كانوا ممن يلحقون الأذى بالمسلمين وهم غير مسلمين، أو كانوا ممن ينتسبون إلى الإسلام، لأنننا رأينا فعلهم أشنع في بعض أحوالهم من فعل الكفار المحاربين، ورأينا ذلك في آلاف مألفة تقتل صباح مساء، ويعجب المرء عندما لايتأثر ولايحزن وعندما يحل بالمسلمين سرب فرح لايفرح، وأعجب من هذا من تراه يفرح على النقيض، أعاذنا الله وإياكم.

نسأل الله عزوجل أن يبرأنا من صفة النفاق وأهله، وأن لايجعلنا في صفوف أعداء الإسلام، وأن يجعلنا من المناصرين لكتابه ولهدي نبيه صلى الله عليه وسلم ولعباده المؤمنين وأوليائه الصالحين.

أقول هذا القول واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

معاشر المؤمنين

* وجوب محبة أهل الإيمان ونصرتهم:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإنها أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من جوهر التقوى والإيمان، محبة أهل الإيمان ومحبة نصرتهم ومحبة مايدخل عليهم الفرح والسرور، وعكس ذلك في ما يغيض أعداء الله سبحانه وتعالى، ولاشك أنكم جميعاً تعرفون الواقع، وهنا لابد أن نشير ولو بالقليل لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حزن على حمزة عمه وشهداء أحد وحزن على سبعين من القراء، وكان يحزنه أي أمر يصيب مسلم و لو يسير، ما بالنا اليوم وطاغية الشام قد قتل أكثر من نصف مليون، وبعض الناس ممن يدعي الإسلام والانتساب إليه، يفرح ويشمت ويعلن ذلك على الشاشات، ويقول في أمر نسأل الله عزوجل السلامة سيكون وبالاً عليه في الدنيا قبل الآخرة ما لم تتداركه رحمة من الله، أين نحن مما جرى ويجري لإخواننا في بورما في ماينمار، وهم يقتلون بالآلف المألفة كذلك، وأين نحن من قبل في فلسطين واليهود الصهاينة وجرائمهم؟ وأين نحن من اليمن ومن العراق ومن مصر ومن غيرها في كل البلاد؟ أين نحن من حزن على أقل تقدير أن نرفع به لله دعوة أو نذرف عليه دمعة؟ وأين نحن كذلك من فرح لمن أصيبوا أي مسلم من خير؟ لماذا نفرح؟ فلنفرح إذا امتلأت المساجد بالمصلين، فلنفرح إذا كان أجيال المسلمين صغاراً حتى قبل الخامسة يتحلقون لتلاوة القرآن وحفظه، وتعجب عندما ترى من يغيظه ذلك ويكتب في صحافة أو يتحدث في تلفاز وهو يشير إلى ذلك بعين الغضب والضيق والتبرم والعياذ بالله، وإذا رأيت ما يقابل ذلك يغيظني يحزنني يؤلمني أن أرى مسلمات متبرجات أو شباباً ضائعين لأن هؤلاء إخوة لنا وأخوات نحب لهم من الخير مانحب لأنفسنا، ومابال آخرين يفرحون كلما زاد الفساد والشر ويستزيدون منه، وكأني بهم يمثلون أو يجسدون لنا صورة النفاق المناقضة لحقائق الإيمان، ينبغي أن ندرك وقد قلت ذلك من قبل، المسألة ليست اجتماعاً ولا اقتصاداً ولا سياسة ولا وطنية ولا قومية، إنها مسألة أصيلة في إسلامنا وإيماننا لابد أن ندرك ذلك، وأحسب أن فيما قلت كفاية ولكني أقول في الختام أن إسلامنا العظيم يجعل هذه المشاعر إنسانية لمن يستحق الإنسانية، فقد نفرح لكلب نجى من الموت، وقد نحزن لهرة حبست دون أن تأكل من خشاش الأرض، وقد حزن النبي صلى الله عليه وسلم لذلك وقد رأى الجمل فقال من صاحبه؟ قال أنا، قال إن هذا الجمل يخبرني أنك تتعبه أي تكد عليه وتجيعه يعني لاتجعله يأكل، سبحانك ربي.

* بواعث ودواعي الفرح والسرور:

ثم انظر إلى الروح الإنسانية على المستوى البشري أيضاً وعلى المستوى الاجتماعي، ومثلنا هو الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وأنقل ومضتين جميلتين مشرقتين في داخل البيت النبوي، لعلنا نقتبس منها أيضاً كيف ندخل الفرح وكيف نفرح، عندما تحل أسباب الفرحة من هنا أو هناك، حديثان صحيحان في ومضتين سريعتين لأمنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تخبرنا بفرح النبي يوم نزول توبتها قالت فجاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (أَبْشِرِى يَا عَائِشَةُ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ عُذْرَكِ) قالت: وإني لأرى السرور في وجهه وهو يمسح وجهه عليه الصلاة والسلام، كان يحب الخير للناس، وقالت في موطن آخر وهو موطن أشد رهافة حس وأسمى في المشاعر الزوجية لما نزلت آيات التخيير {وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ} (الأحزاب:29) المقارنة بين ذلك وبين {فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} (الأحزاب:28) فبدأ بعائشة قال لها: إما هذا وإما هذا، ثم فقال لها استشيري أبويك، فقالت للتو أفيك استشير أبوي، اخترت الله ورسوله والدار الآخرة، ففرح النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وانظروا إلى فرح أخير أذكره لكم الآن واختم لمقولة ابن عباس تذكرون الثلاثة الذين خلفوا يوم تبوك، وأمر النبي أن لايكلموا ومرت بهم خمسون يوماً وليلة لايكلمهم أحد، وكعب بن مالك أشد القوم يخرج ويجول في المدينة قبل عودة الجيش، قال: فكنت لا أرى إلا رجلاً مغموساً عليه النفاق، ولما انقضت الخمسون يوماً ونزلت التوبة {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} (التوبة:118) قال كعب وهو يروي القصة فرقى راقٍ على جبل سلع أحدهم صعد إلى الجبل لماذا؟ ليهتف بصوت عالٍ يبشره بالتوبة، وأحدهم ركب على الفرس، كل يريد أن يسبق، لأنهم يفرحون بالخير، لايريدون أن يلبسوا الناس لبوس المعاصي، ولبوس الآثام، ويجعلونهم من أهل الزيغ والضلال عياذاً بالله، ينبغي أيها الإخوة أن ندرك أن هذا الذي أذكره انتماء وولاء هو من دين الله عزوجل.

نسأل الله عزوجل أن يأذن لأمتنا من بعد ضعفها قوة، ومن بعد فرقتها وحدة، ومن بعد ذلها عزة، اللهم ياحي يا قيوم ارحم الأمة واكشف الغمة وعجل بالفرج وقرب النصر، اللهم يا ذا الجلال والإكرام احقن دماء المسلمين، واحفظ أعراضهم واموالهم وسلم أرضهم وديارهم، ورد عنهم كيد الكائدين ومكر الماكرين، اللهم يا حي يا قيوم نسألك اللهم أن تلطف بعبادك المؤمنين، اللهم إنهم عراة فاحملهم، جائعون فأطعمهم، خائفون فأمنهم، مشردون فسكنهم، اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية ياسميع الدعاء.