فقه تزكية النفوس
8 الأربعاء 19 / رمضان 9 / 1438
25 يناير, 2011 - 21 صفر 1432هـ

 

مفهوم فقه تزكية النفوس

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. وبعد: فنحمد الله أن يسر لنا هذا اللقاء، ونواصل ما كنا بدأناه من الدروس العلمية -العامة- وهذا هو الدرس التاسع عشر، وهو بعنوان: (فقه تزكية النفوس). وهذا الموضوع ربما كان مناسباً في مثل هذا الوقت الذي لم يطل فيه البعد عن شهر رمضان المبارك، الذي كان -ولا يزال- موسماً عظيماً من مواسم العظة والتذكرة والإيمان، فيه تحيا القلوب، وتطمئن النفوس، وتنشرح الصدور، ولابد لنا -ولكل مؤمن- أن يسعى إلى هذا الخير العظيم، وهو: تزكية النفس، وتطهير القلب. مرادنا بالفقه هنا معناه العام: الفهم والإدراك، وليس مرادنا الخاص المتعلق باستنباط الأحكام الفقهية من أدلتها التفصيلية، وإنما المراد: الفهم الذي يشمل المعاني المعنوية، وكذلك الأحكام العملية، كما قال الله سبحانه وتعالى: { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } [الإسراء:44] أي: لا تفهمونه ولا تعقلونه، وقال النبي عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيح-: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) لم يقل: يعلمه الدين، وإنما قال: (يفقهه) لأن الفقه أعمق من العلم، إذ إن العلم هو أخذ الأمور حفظاً وإدراكاً، ويزيد الفقه على ذلك: بمعرفة ما يتصل بهذا من المعاني الإيمانية والقلبية وإدراكها ضمن تصور عام يبين منزلتها وموقعها. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا) أي: إذا أخذوا الفقه والفهم في هذا الدين، والمشكلة الكبرى التي تعترض المسلم اليوم هي: النأي والبعد عن الفقه، إما جهلاً به، أو جنوحاً ومخالفة له، وهذا الفقه الذي نعنيه هو: (الفهم)، فقد يجنح بعض الناس في فهمه لمسألة من مسائل الدين فلا يقع على الخير والبصيرة أو قد يغفل عنها فيفوته خير كثير. ولذلك فإن الآيات القرآنية تبين أن المشكلة الكبرى إنما هي عدم الفقه، كما قال سبحانه وتعالى: { لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } [الأعراف:179]. فالمراد أن نفهم هذه التزكية للنفوس، وكيف تكون وأهميتها وآثارها وما يلحق بذلك. فهذا هو فقه التزكية، ويأتي -إن شاء الله تعالى- فقه الدعاء، وفقه السجود، وفقه السؤال والجواب، وفقه الهجر والعتاب، وربما موضوعات أخرى يكون فهمها وإدراك معانيها الظاهرة والباطنة فيه خير كثير، وربما كان هناك بعد أو غفلة عن فهم مثل هذه الأمور، فنشرع فيما يتصل بتزكية النفوس.

 

فوائد وثمار التزكية

لماذا الحديث عن تزكية النفوس؟ وما أهمية هذه التزكية وفائدتها؟ قد يقول قائل: إن مثل هذه الموضوعات إنما يُذكَر بها العوام، دون طلاب العلم! وإنما تصلح للغافلين المعرضين دون الذاكرين المقبلين، أو إنها تصلح للعاصين دون الملتزمين، وهذا من الخطأ في فهم التزكية وفقهها؛ إذ إن أولى الناس بالتزكية هم المقبلون الطائعون، بل لا تتم طاعتهم -معرفة وثمرة وجنياً لخيرها- إلا بهذه التزكية. فنقول: أهمية التزكية تكمن في نقاط مهمة ومتعددة كما يلي:

 

التزكية غاية عظمى في هذا الدين وخلاصة دعوة المرسلين

التزكية مهمة لأنها غاية عظمى في هذا الدين، وخلاصة دعوة المرسلين، ولنتأمل قول الله سبحانه وتعالى: { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } [البقرة:151]، لم يكن المقصد هو العرض بتلاوة الآيات وإنما أثرها في تزكية النفوس، وتطهير القلوب، وفيما يترتب بعد ذلك من العلم، إذ العلم لا يكون إلا لمن قذف الله في قلبه التوفيق، ولمن أنار قلبه ببصيرة الإيمان، كما قال سبحانه وتعالى: { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ } [البقرة:282] وكم من حامل علم لا أثر لعلمه في عمله؛ لأنه لم يكن لعلمه أثر في تزكية نفسه، فكيف يظهر بعد ذلك في قوله أو في فعله؟! ولذلك قال إبراهيم الخليل عليه السلام كما في دعائه الذي ذكره القرآن: { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ } [البقرة:129] وتقديم التزكية أو تأخيرها له علة تدل على أهميتها، فتقديمها: لأن الإخلاص وتزكية النفس والقلب يؤهل لنيل المعرفة والعلم، كما ذكر عن الشافعي قوله: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي وكذلك تأخير التزكية عن العلم دليل على أن صاحب العلم إنما ينفعه علمه إذا زكى نفسه أولاً، وحينئذ يؤثر بقوله وعمله في الناس؛ ولذلك فأول أمر في أهمية التزكية: أنها غاية عظمى في هذا الدين، وخلاصة دعوة المرسلين.

 

التزكية سبب للسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة

التزكية نجاح الدنيا، وفلاح الآخرة، إذ المدار كله على هذه القلوب، وهذه النفوس كما قال سبحانه وتعالى: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [الشمس:9-10]، وكما قال جل وعلا: { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } [الأعلى:14]. إنما الفلاح والنجاح في الدنيا، والنجاة في الآخرة بهذه المعاناة في تزكية النفوس، فما أجدرها أن تكون لها أهمية عظمى، إذ هي بمثل هذا المكان الذي به يقع الفلاح أو الخسران.

 

التزكية ثمرة العبادات وخلاصة نتائجها

التزكية ثمرة العبادات وخلاصة نتائجها، فليست العبادات في هذه الظواهر من ركوع أو سجود، أو مجرد تلفظ بألفاظ، أو إرهاق النفس بالصوم، أو إجهاد البدن في الحج، وإنما هو ما وراء ذلك كله، مما ينسكب في القلب ويملأ النفس من الروحانية والإيمان، والتي تجعل نفس الإنسان في مراتب عليا من الطهارة والنقاء والصفاء. إذاً: هي غاية هذه العبادات، كما قال سبحانه وتعالى: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } [التوبة:103]، إنما هو محض التطهير والتزكية، وكما قال جل وعلا: { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ } [الحج:37]، وقال في الغاية من الصوم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة:183]. فكل عمل خلاصته وثمرته هي هذه النفس وتزكيتها.

 

التزكية سبب لدخول الجنة والنجاة من النار

التزكية عربون الجنة، وستار من النار كما قال سبحانه وتعالى: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى [طه:75-76]، ويقول سبحانه وتعالى في الوقاية من النار: وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى  [الليل:17-18]. إذاً: التزكية سبب لدخول الجنة وستار ووقاية من النار.

 

التزكية سبب طهارة القلب وصلاحه

هذا جامع لكل ما سبق وهو: أن التزكية مناطها القلب، والقلب هو قطب الرحى، فإن الله جل وعلا قال: { فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } [الحج:46]. فإذا عميت القلوب عميت معها البصائر، وتعذّرت كل أسباب الفلاح، فيضل الإنسان، ويتخبط في عمله -عياذاً بالله سبحانه وتعالى-؛ ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام -كما في صحيح مسلم- : (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم). وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام مبيناً أن الأمور كلها مرتبطة بالقلب وصلاحه: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). أفلا يكون لهذه التزكية الأهمية الأولى والكبرى في حياة الإنسان المؤمن؟ وإن كان فيه خير، وإن كان مصلياً عابداً، وإن كان متقرباً ذاكراً، فإن فقه التزكية هو الذي يقويه على هذه الطاعات، ويجني له ثمرتها على أتم وأكمل صورة بإذن الله سبحانه وتعالى. ولذلك أذكر الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في قصة الرجل الذي بشره الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثاً بالجنة، فصحبه عبد الله بن عمرو رضي الله عنه ليرى فعله، فلم ير منه كثير صلاة ولا صيام، فلما سأله قال: (ليس من شيء إلا ما رأيت، غير أني أبيت وليس في قلبي على أحد من المسلمين غشاً ولا أحسده على خير أعطاه الله إياه) فلما تطهّر من هذه الآفات -كما يقول ابن القيم:- صلُحت سلعته لعقد: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ } [التوبة:111] أما النفوس المليئة بالأكدار، والقلوب المليئة بالأوضار، فليست سلعة تقدم بين يدي الله سبحانه وتعالى. فلذا كانت التزكية مدار الأمر وأوله وآخره، وعليها -بإذن الله سبحانه وتعالى- المدار في الفلاح والنجاح، نسأل الله جل وعلا أن يزكي نفوسنا، وأن يطهر قلوبنا.

 

أهمية تزكية النفس في ظل طبيعة النفس البشرية وكثرة الفتن

هناك تعليل أخص من هذا التعليل العام، لاختيارنا موضوع التزكية ليكون حديثاً إلى من يُظن بهم الخير! ليسوا فقط من الذين يؤدون الفرائض، بل ومن المقبلين على الطاعات، المرتادين للمساجد، الحريصين على العلم، وقد يظن البعض أنهم لا يحتاجون إلى مثل هذا، فتعليلاً لهذا الأمر على وجه الخصوص أقول: من وجهين أردت أن يكون الحديث -على وجه الخصوص- موجهاً لمن فيهم الخير، ومن هم على خير.

 

حاجة النفس البشرية إلى التزكية مهما كان حظها من الطاعات

معرفة أهمية التزكية أصالة منهج في سياسة النفس، ووضوح رؤية في معرفة طبيعة هذه النفس، وطبيعة هذا الدين، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [العنكبوت:69] فالأمر كما قال حذيفة رضي الله عنه: (أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ورب مصل لا خير فيه، ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم خاشعاً). إذاً: ليست التزكية مفقودة -أو ناقصة- عند العصاة فحسب، بل هي ناقصة أو مفقودة عند كثير من الطائعين؛ لذا وجب التذكير بها لهم، وهم فيها قدوة، فإذا فُقدت التزكية من أهل الخير والصلاح والطاعة، فماذا في بقية الناس من المتلبسين بالبدع أو المنغمسين في الشهوات والمعاصي؟ فهي -لاشك- أكثر بُعداً ومجانبة لحصولها في أنفسهم؛ لذلك نوجه الحديث لنا نحن الذين نظن بأنفسنا خيراً؛ لأننا أحوج ما نكون إلى هذا الأمر، ولأن فقده فينا خسارة عظمى لنا، وللناس أيضاً ممن هم أبعد منا عن الخير، أو أقصر همة في الاستباق إليه.

 

كثرة الفتن تجعل حاجتنا إلى التزكية أكثر من حاجة السلف إليها

هذا إدراك للواقع الذي كثرت فيه الفتن التي تغزو القلوب، والشهوات التي تفسد النفوس، أصبحت الدنيا تجذب الناس وتخطف أبصارهم وبصائرهم إليها، فنحن في عصر مهما كان للإنسان فيه من الخير فلابد أن يعترضه من الشر ومن سهام الفتن ما لا يكاد يحتمل، فلذلك كان لابد لنا من أسلحة مضادة، كما أن هناك في الحرب أسلحة مضادة للطائرات، فهناك أيضاً أسلحة مضادة للشهوات وللشبهات لابد أن تكون عند الإنسان، فإذا كان الإنسان يتوقع مثلاً أن عدوه لا يملك إلا رصاصة واحدة، فإن احتياطه سيكون محدوداً، ودفاعه يسيراً؛ لأنه يعلم أن العدو يملك سلاحاً ضعيفاً وذخيرة قليلة؛ فبمجرد أن تنتهي هذه الذخيرة فهو في مأمن، أما إذا علم الإنسان أن عدوه أكثر قوة فإنه سيستعد له بما يكفي لردعه وردّ كيده عنه. فإذا علم المسلم أن الدنيا تصب عليه فتنها وشهواتها ليلاً ونهاراً، سماعاً ورؤيةً، وقراءةً واطلاعاً، بهذا الكم العجيب من هذه الرزايا والبلايا، فإنه لابد أن يعرف أنه في حاجة إلى جهد أكبر. وإذا كنا نسمع من أهل الصلاح وأهل الإيمان من السلف الصالحين حرصهم على الطاعات وعلى تزكية النفوس، رغم أنهم لم يكونوا يجدون من هذه الفتن والشهوات مثلما نجد؛ وجب علينا -حينئذ- أن ندرك أننا في حاجة أكثر لتزكية النفوس. ولذلك فقه الدعاة المخلصون هذا الأمر، فحرّضوا طلبة العلم، ومن دخل تحت مسمى الالتزام بالدين وشباب الدعوة اليوم؛ أن يكون حرصُهم على تزكية النفوس أبلغ، وربما أكثر من حرص السابقين؛ لأن السابقين لم يكونوا يجدون مثل ما نجد من الفتن؛ ولذلك يقول الراشد جزاه الله خيراً: (والمؤمن في هذا الزمان أشد حاجة للانتباه ومعالجة قلبه وتفتيشه مما كان عليه المسلمون في العصور الماضية)، لماذا أشد حاجة؟ لأنهم كانوا يعيشون في محيط إسلامي تسوده الفضائل، ويسوده التواصي بالحق، وكان أهل المعاصي والفسق يُجهدون أنفسهم في التستر والتواري عن أعين العلماء، وسيوف الأمراء، أما الآن فإن المدنيّة الحديثة جعلت الكفر بجميع مذاهبه مسموعاً مرئياً بواسطة الإذاعات والتلفزة والصحف والمجلات، وجعلت إلقاءات شياطين الإنس والجن قريبة من القلوب، وبذلك زاد احتمال تأثر المسلم من حيث لا يريد ولا يشعر بهذا المسموع والمنظور، فضلاً عن ابتعاد كثير من الدول والشعوب الإسلامية عن تحكيم شرع الله، فوجب على المسلم من المجاهدة والمراقبة -لوقته وقلبه- أكثر مما كان يجب على السلف. وهذا دليل فقه وفهم لاحتياج الواقع، ولذلك قال النورسي رحمة الله عليه: (إن هذه المدنيّة السفيهة المصُيّرة للأرض كبلدة واحدة، يتعارف أهلها ويتناجون بالإثم وما لا يعني بالجرائد صباح مساء؛ غَلُظَ بسببها وتكاثف بملاهيها حجابُ الغفلة بحيث لا يخرق إلا بصرف همة عظيمة) أي: بسبب هذه الفتن وقربها والتصاقها بالناس، بحيث يسمعونها ويرونها، فغلظ بسببها وتكاثف بملاهيها حجابُ الغفلة، بحيث لا يخرق ولا ينقشع هذا الحجاب إلا بصرف همة عظيمة، ولذلك اخترنا هذا الموضوع المهم.

 

مدخل جامع لتزكية النفس

لابد أن ندرك أن التزكية متعلقة بأمر واحد وهو (القلب)، والقلب مُتقلّب، والقلب لا يظهر للعيان، وهو سريع التأثر، فلذلك كانت المهمة صعبة، ولذلك يُعبّر ابن القيم رحمة الله عليه عن جوهر هذه التزكية، وخلاصة المعركة والمعاناة والمجاهدة فيها فيقول: (والمقصود أن يكون ملك الأعضاء -وهو القلب- قائماً بعبوديته لله سبحانه وتعالى هو ورعيته).

 

أمراض القلوب وأقسامها

الجوارح كلها رعية القلب، وأما المحرمات التي على القلب فقد قال عنها ابن القيم رحمه الله: (وأما المحرمات التي عليه فالكبر، والرياء، والعجب، والحسد، والغفلة، والنفاق، وهي نوعان: كفر ومعصية. فالكفر: كالشك والنفاق والشرك، وتوابعها. والمعصية نوعان: كبائر وصغائر. فالكبائر: كالرياء، والعجب، والكبر، والفخر، والخيلاء، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، والفرح والسرور بأذى المسلمين، والشماتة بمصيبتهم، ومحبة أن تشيع الفاحشة فيهم، وحسدهم على ما آتاهم الله من فضله، وتمني زوال ذلك عنهم، وتوابع هذه الأمور التي هي أشد تحريماً من الزنا وشرب الخمر وغيرهما من الكبائر الظاهرة، ولا صلاح للقلب ولا للجسد إلا باجتنابها والتوبة منها). فليست الكبائر محصورة في الزنا وشرب الخمر وغيرها مما يتعلق بالجوارح، لكن أكبر منها ما يتعلق بهذا القلب، وفتنته وشهوته، وأوضاره وأقذاره التي تصرفه عن مراد الله سبحانه وتعالى، ومقصوده منه جل وعلا، ولذلك قال ابن القيم : التي هي أشد تحريماً من الزنا، وشرب الخمر! وكما أن ابن القيم بين لنا الأمراض ومدارها، فكذلك بين لنا العلاج ومداره فقال: (فإن مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين: فساد العلم، وفساد القصد. ويترتب عليهما داءان قاتلان: وهما: الضلال والغضب. فالضلال نتيجة فساد العلم، والغضب نتيجة فساد القصد، وهذان المرضان هما ملاك أمراض القلوب جميعها).

 

علاج أمراض القلوب بتحقيق (إياك نعبد وإياك نستعين)

ذكر ابن القيم الجملة الجامعة للشفاء والعلاج، وهي جامعة للتزكية ومقاصدها، فقال رحمة الله عليه في مدارجه: (ولا شفاء من هذا المرض إلا بدواء: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة:5]). ثم بين لنا تركيب هذه الوصفة الطبية فقال: (فإن هذا الدواء -أي: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)- مركب من ستة أجزاء: عبودية الله لا غيره، بأمره وشرعه لا بالهوى، ولا بآراء الرجال، وأوضاعهم، ورسومهم، وأفكارهم، بالاستعانة على عبوديته به، لا بنفس العبد وقوته وحوله ولا بغيره). فهي عبودية بالأمر والشرع، لا بالهوى، ولا بآراء الرجال. وبالاستعانة بالله، لا بالنفس ولا بالغير، قال: (فهذه هي أجزاء (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)). لكن الأجزاء ليس كل أحد يستطيع تجميعها، وليس كل أحد يستطيع تركيب الدواء تركيباً سليماً. قال: (فإذا ركبها الطبيب اللطيف العالم بالمرض، واستعملها المريض حصل بها الشفاء التام، وما نقص من الشفاء فهو لفوات جزء من أجزائها أو اثنين أو أكثر)؛ فلذلك لابد أن ينتبه لهذا. ثم قال: (ثم إن القلب يعرض له مرضان عظيمان، إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولابد، وهما: الرياء، والكبر، فدواء الرياء بـ(إياك نعبد)، ودواء الكبر بـ(إياك نستعين)، وكثيراً ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: (إياك نعبد) تدفع الرياء، و(إياك نستعين) تدفع الكبرياء). فما أحوجنا لأن نفقه مثل هذا الفقه والفهم لهذه الآيات وتحقيقها في القلوب.

 

الأسباب الجالبة لمحبة الله تعالى هي علاج لأمراض القلوب

ذكر ابن القيم أموراً جامعة لتحصيل ما به حياة القلب، وحصول محبة الله فيه، فذكر عشرة أسباب هي الجالبة لمحبة الله تعالى فقال: (أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهّم لمعانيه، وما أُريد به، كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه ليتفهم مراد صاحبه منه. الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة. الثالث: دوام ذكره على كل حال، باللسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر. الرابع: إيثار محابه -أي: محابّ الله عز وجل- على محابك عند غلبات الهوى. الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته، ومشاهدتها ومعرفتها، وتقلبه في رياض هذه المعرفة. السادس: مشاهدة بر الله وإحسانه وآلائه ونعمه. السابع -وهو من أعجبها-: انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى. الثامن: الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه، والوقوف بالقلب، والتأدب بأدب العبودية بين يديه. التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر، ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحة الكلام وعلمت أن فيه مزيداً لحالك ومنفعة لغيرك. العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل). وذكر عن بعض السلف أنه جمعها بأخصر مما ذكره ابن القيم فقال: (دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين). فهذه جملة جامعة تبين لنا جماع هذه التزكية، وتوضح دواء القلوب من أسقامها.

  

الرضا عن النفس أساس أمراض القلوب

قال ابن القيم رحمة الله عليه كلاماً يبين لنا سبباً رئيسياً هو سبب كل بلية تأتي للنفس، ويقع فيها الإنسان، وذلك هو: رضا الإنسان عن نفسه، فمتى رضي الإنسان عن نفسه .. عن عبادته .. عن ذكره .. عن طاعته، فهذا هو أُسُّ الأمراض وأساس البلاء، يقول رحمة الله عليه: (رضا العبد بطاعته دليل على حسن ظنه بنفسه، وجهله بحقوق العبودية، وعدم عمله بما يستحق الرب جل جلاله). ويبين هذا أكثر فيقول: (وحاصل ذلك: أن جهله بنفسه وصفاتها وآفاتها وعيوب عمله وجهله بربه وحقوقه وما ينبغي أن يعامل به يتولد منهما: رضاه بطاعته وإحسان ظنه بها). من أنت -أيها الإنسان- وماذا عملت حتى ترضى عن عملك وطاعتك؟! وهل تدرك عظمة حق الله عليك؟! لو أدركت ذلك لرأيت أنك ما أتيت لا بالعشر ولا بمعشار العشر مما ينبغي أن يكون عليه حال العبد المؤمن استفراغاً للقيام بحق العبودية لله سبحانه وتعالى. ولذلك قال بعض السلف رحمة الله عليهم كلمة جامعة هي أصل في هذا الشأن: (أصل كل غفلة ومعصية وشهوة الرضا عن النفس). نحن كل ما نريد أن نتقيه هو الغفلة والمعصية والشهوة، وأصل هذه جميعها: (الرضا عن النفس)؛ لأن الذي يرضى عن نفسه كيف سيزيد في التذلل لله؟! وما الذي سيدفعه لمزيد من الطاعات لله؟! وما الذي سيدفعه للاستغفار من ذنبه؟! ولذلك فإن من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنك تستغفر في أعقاب الطاعات، وبعضنا إذا قلت له: استغفر الله وتب إلى الله، قال: الحمد لله أنا على خير!! بسبب جهله بنفسه، وجهله بحق ربه؛ يظن أنه لا يحتاج للاستغفار؟! رسولنا صلى الله عليه وسلم كان يستغفر الله في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة، وفي رواية: مائة مرة -مع أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- لكن ليعلمنا أن هذا الاستغفار دليل النقص في الإنسان، فينبغي أن تدرك -دائماً- أنك في نقص، وأنك مقصر، إما في الإتيان بالأعمال، وإما في كمالها، وإما في عدم حصول قبولها، وهذا أمر ينبغي أن يفطن له الإنسان المؤمن. ولذلك ما إن تُسلّم من صلاتك حتى تقول: استغفر الله!! تستغفر الله من أي شيء؟! تستغفر لأنك لم تأت بالعبادة على كمالها.. لم تستحضر الخشوع التام.. لم تتذلل التذلل الكامل مع الندم.. لم تتذوق حلاوة الطاعة.. ربما غفلت.. ربما ما استحضرت عظمة الله كما يجب.. وكل إنسان يتعرض لمثل هذا، قليلاً كان ذلك أو كثيراً، وهذا هو (الفقه) حينما يستغفر الله، حتى قال بعضهم: (استغفارنا يحتاج إلى استغفار، وحمدنا يحتاج إلى حمد!!) وهذا من فقههم لهذه المعاني، فأنت تستغفر بلسانك، وقلبك لاه غافل، فهذا نوع غفلة تحتاج منك إلى استغفار، وحمدك لله عز وجل إنما هو محض توفيق من الله عز وجل أن ذكّرك وألهمك أن تذكره وأن تحمده!! فهذا يحتاج إلى حمد، ولابد أن يكون الإنسان -دائماً- منتبهاً لمثل هذا. وليعلم أن هذه التزكية هي اللذة التي ذكرها السلف رضوان الله عليهم لما قال قائلهم: (والله! لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف). فما أجمل أن ينشرح الصدر، وأن يطمئن القلب، وأن تسكن النفس، وأن تجد لذة الطاعة والمناجاة، ولذلك فإن سجود المحراب، واستغفار الأسحار، ودموع المناجاة؛ سيماء يحتكرها المؤمن، ولئن توهّم أصحاب الدنيا جنّاتهم في الدنيا والنساء والقصور المنيفة، فإن جنة المؤمن في محرابه!! هذه هي اللذة التي كان يجدها الصالحون المخلصون لله عز وجل؛ فتشغلهم عن كل بهرج في هذه الدنيا، وعن كل جاه يصرف الناس إلى أحوال من الدنيا كان ينبغي ألا ينصرفوا إليها، ولذلك متى وجد الإنسان لهذه التزكية فقهها الصحيح، فإنه يتشبث بها ولاشك، ولا يجنح عنها ولا يحيد.

 

مجالات تزكية النفس

نشرع الآن في ذكر ما يتصل ببعض المجالات المهمة للتزكية، وكثيرة، وكل واحد منها جدير بالاهتمام -من حيث العلم به، ومجاهدة النفس للعمل به- فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا للإحاطة بجماع القول في مثل هذه المجالات.

 

تزكية النفس بالإخلاص

 أول هذه المجالات وآكدها: الإخلاص لله سبحانه وتعالى وتحرير النية والقصد ابتغاء رضوان الله جل وعلا. قال الله سبحانه وتعالى: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الزمر:14-15]. ويقول جل وعلا: إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:2-3]. إذا صحح العبد إخلاصه لله، فهذا هو بداية تأثره واستفادته من كل ما سيأتي من أنواع الأعمال في تزكية القلوب والنفوس، وهذا الإخلاص ليس مجرد ادعاء، بل هو إخلاص من أعمق أعماق القلب، ومن أعمق أغوار النفس. هو الإخلاص الذي يؤرق الإنسان ويجعله لا يبغي شيئاً في هذه الدنيا، ولا حتى حظ نفسه، ولا بعض ما يترتب على الطاعة من خير في هذه الدنيا، ولا شيئاً مما يفتح الله به عليه فيها، إنما يبغي فقط رضوان الله سبحانه وتعالى. وتأمل معي موقفاً عظيماً في سيرة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لنرى أن الإخلاص ليس ادعاءً وإنما هو من أصدق المشاعر التي تملك على الإنسان كل جوارحه، وكل تصرفاته، ذلكم يتجلى في قصة البكّائين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، أخلصوا لله بقلوبهم، وأرادوا وجه الله بأعمالهم، لم يكن ذلك خاطراً عابراً ولا كلمة بلسان!! تحركوا وقد اشتعل حب الجهاد في قلوبهم، وقد امتلأت قلوبهم بقصد السعي لمرضاة الله سبحانه وتعالى، فطلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يحملهم للجهاد، فقال معتذراً: لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ [التوبة:92]. فماذا كانت الصورة؟! تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ [التوبة:92]؛ لأنهم كانوا صادقين من أعماق قلوبهم، فحزنوا على فوات هذه الفرصة في الطاعة، وعلى فوات الأجر في بذل النفس لله سبحانه وتعالى، هذه هي حقيقة الإخلاص، حينما يتمكن من القلب، ولذلك فإن هذا الإخلاص له الأثر المباشر في حياة المؤمن وفي الأجر والفضل الذي يسوقه الله سبحانه وتعالى له. ولذلك يقول الرسول عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري : (من طلب الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) . يبلغ مراتب الشهداء، لكن ليس فقط بدون شيء، بهذا الإخلاص الذي هو متملّك للقلب، مستول على النفس. في الحديث الصحيح عن الثلاثة النفر الذين آواهم المبيت إلى غار فسقطت الصخرة فسدّت عليهم باب الغار فقالوا: لا نجاة لكم إلا أن يدعو كلٌ منكم ربه بأخلص عمل قدمه لله سبحانه وتعالى، فلما دعوا انتقوا أخلص أعمالهم التي ما عملوها إلا ابتغاء وجه الله عز وجل، فلما ذكر الأول عمله وتوسل إلى الله به فرج الله عنهم قليلاً، ثم الثاني، ثم الثالث، ففرج الله عنهم ببركة الإخلاص لله سبحانه وتعالى. فانعدام الإخلاص هو رأس كل بلاء يحل بالنفس والقلب، والشرك والرياء أعظم موجب لموجبات العذاب في الآخرة، كما ورد في الحديث الصحيح عن الثلاثة الذين هُم أول من تُسعّر بهم النار: قارئ للقرآن، ومجاهد، ومنفق متصدق، لكنهم لم يعملوا ذلك ابتغاء مرضاة الله، فَهُم أول من تُسعّر بهم النار، ولذلك يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك به، وأنا منه بريء). قال الجنيد رحمه الله: (الإخلاص سرّ بين الله وبين العبد، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوىً فيميله)، فهو من خفائه على هذه الصورة. قيل لـسهل التستري رحمة الله عليه: أي شيء أشد على النفس؟ -يعني: أي شيء أصعب عليها؟! هل هو العبادة؟! هل هو الإنفاق؟! هل هو الطاعة؟!- فقال: (الإخلاص -هو أشد شيء على النفس- لأنه ليس لها فيه نصيب!!) فالمخلص لا يريد شيئاً لنفسه -حتى لنفسه- لا يريد!! إنما يعمل لأجل الله سبحانه وتعالى وابتغاء رضوانه؛ ولذلك حينما تتأمل تجد أن الإخلاص هو المفتاح الذي يؤدي إلى ما بعده من الفضائل. يقول ابن القيم : (أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة هم أهل (إياك نعبد) حقيقة، فأعمالهم كلها لله، وأقوالهم لله، وعطاؤهم لله، ومنعهم لله، وحبهم لله، وبغضهم لله، فمعاملتهم ظاهراً وباطناً لله وحده لا يريدون من ذلك من الناس جزاءً ولا شكوراً، ولا ابتغاء الجاه عندهم، ولا طلب المحمدة والمنزلة في قلوبهم، ولا هرباً من ذمهم، بل قد عدّوا الناس بمنزلة أصحاب القبور) عدوا الناس من حولهم كأنهم موتى، لا يثنون عليهم بخير، ولا يذمونهم بمعصية، فمن تجرد هذا التجرد، تحقق له كمال الإخلاص. فهل نحن لا نحتاج إلى مثل هذا التسليم؟! وهل يدعي أحد أنه قد عالج قلبه وجاهد نفسه؛ ليتحقق بمثل هذا الإخلاص الكامل التام غير المنقوص، الذي لا تشوبه شائبة، ولا تخالطه أية صورة من صور الصرف عن وجه الله سبحانه وتعالى؟! نظن أن أكثر الناس -إلا من رحم الله- لم يَصِل إلى مثل هذا الأمر، يقول ابن القيم: (جعلوا الناس بمنزلة أصحاب القبور، لا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، فالعمل لأجل الناس وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم ورجائهم للضر والنفع لا يكون من عارف بهم ألبتة)، من أراد وجه الناس فهو لا يعرفهم؛ لأنهم لا يملكون له شيئاً، ولو كان يعرف ذلك لانصرف لله سبحانه وتعالى. وآثار السابقين تدلنا على أهمية الإخلاص والنية، يقول هشام بن عبد الملك في وصف عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه: (ما أحسب عمر خطا خطوة قط، إلا وله فيها نية) أي: نية إخلاص وطاعة وقربة لله سبحانه وتعالى، خطوة من أي عمل مما قد يظنه الناس من أعمال الدنيا أو من أحوال ومصالح المعاش، فكيف ونحن قد نقبل على طاعات وعبادات مفروضة، ولا نستحضر أو نستخلص ونصفي وننقي هذه النية لله سبحانه وتعالى؟! ولذلك كان من أثر هذا النهج في عمر بن عبد العزيز أنه أصلح الله به أحوال الأمة كلها، في أحوال قلوبها، وفي أقوال ألسنتها، وفي مالها وخيرها ورخائها، وفي أمنها وأمانها، وفي فتحها ونصرها، وفي درء الشر عنها وكل ذلك في أقل من سنتين، مما لم يكن لمن كان قبله من بني أمية ولمن جاء بعده من بني أمية وبني العباس، فإنه لم يتحقق لهم مثلما تحقق على يديه في هذا الزمن اليسير، إنها بركة الإخلاص والنية لله سبحانه وتعالى. وانظروا إلى الأثر العملي للإخلاص في التوفيق فيما ذكرناه عن عمر من الأثر العام في الإصلاح، يبينه لنا سليمان بن عبد الملك، فإنه لما أدركته الوفاة قال: (لأعقدن عقداً ما يكون للشيطان فيه نصيب)، وكان هذا العقد أن عَهِدَ بالخلافة لـعمر فلم يُراعِ في ذلك أبناءه، ولا إخوانه، ولا الناس في ذلك الوقت، عند وفاته واحتضاره أراد أن يتقرب إلى الله بعمل خالص، وقال: (لأعقدن لله عقداً لا يكون للشيطان فيه نصيب)، فلما عقد هذا العقد بهذه النية وذلك الإخلاص أثمر ووُفّق في عقده، فـعمر بن عبد العزيز ربما كان أعظم حسنات سليمان بن عبد الملك رحم الله الجميع؛ لأنه ساق للأمة هدية صلُح بها حالها. ومن ثمار الإخلاص: التوفيق للصواب؛ ولذلك قال الكيلاني رحمة الله عليه: (كن صحيحاً في السر تكون فصيحاً في العلانية)، لا يوفق ولا يُسدّد ولا يُصوّب إلا من كان على درجة من الإخلاص عظيمة. وقال مكحول: (ما أخلص عبدٌ قط أربعين يوماً إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه). وهنا مسألة ذكرها القاضي عياض رحمه الله، وهي: قد يقول قائل: سأُخلِصُ أربعين يوماً حتى تأتيني الحكمة! فهُنا بَطُلَ الإخلاص؛ لأنه لم يُخلص لله، بل أخلص لنيل الحكمة!! وهذا مما ذكره العلماء من شدة خفاء الإخلاص ودقته، فمن بركات التزكية وثمارها -كما سيأتي-: أن الله سبحانه وتعالى يمن على الإنسان بالرؤيا الصالحة، وبالخير الذي يساق إليه، فإذا قصد مثل هذه الأمور فقد انصرف عن كمال الإخلاص لله سبحانه وتعالى. ولذلك يقول التابعي الجليل مطرف بن عبد الله بن الشخير : (بل هو -أي: الإخلاص- مفتاح كل خير وصلاح، وهو أول الأمر وآخره) ويقول: صلاح العمل بصلاح القلب، وصلاح القلب بصلاح النية، ومن صَفَى صُفّي له، ومن خَلَط خُلِط عليه). إذاً: الأمر كله مداره على الإخلاص، ولذلك فإن ما نعانيه من غفلة أو من عدم حصول لذة في الطاعة إنما هو من هذا التخليط، (من صَفَى صُفّي له، ومن خَلَط خُلِط عليه) وهذا جماع الأمر، ومن جميل كلام الرافعي رحمة الله عليه -وهو كلام أدبي لكنه يدلُّ على فهم وإدراك طبيعة النفس-: (إن الخطأ الأكبر أن تُنظّم الحياة من حولك، وتترك الفوضى في قلبك!!). فتنظم مواعيدك، وتنظم عملك الدنيوي، وتنظم عمل دراستك، وتترك الفوضى في قلبك مشتتاً موزعاً في أودية الدنيا، ليس موجهاً لله سبحانه وتعالى!! فإن هذا تعارض وتناقض ينبغي أن ينأى الإنسان بنفسه عنه. قال ابن القيم عن حقيقة الإخلاص: (فيه تصفية العمل من رؤيته وملاحظته، وطلب العِوَض والرّضا به، والسكون إليه)، فالإنسان ينبغي له أن يُخلّص قلبه من (رؤية العمل)، يعني: أن يرى أنه عمل وأنه قدّم، وهذا ينبغي أن يكون أيضاً موضع عناية واهتمام؛ لأن الإنسان ينبغي له ألا ينظر إلى عمله، وأن له فيه فضلاً، أو أنه مُمتنّ به على الله عز وجل -عياذاً بالله- كلا! ولكن إلى ماذا ينظر؟ ينظر إلى أن هذا هو توفيق الله سبحانه وتعالى، وإلا فالنفس كُلّها أمراض، وأدواء، وشهوات، فمن الذي أعانه على نفسه حتى أخلص لله؟! ومن الذي وفقه للعمل؟! هو الله سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل مُمتناً على رسوله: { وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا } .

  

تزكية النفس بالهمة العالية

ننتقل إلى أمر آخر في تزكية النفس وهو: (الهمة)؛ لأن الذي أخلص لله لا تكفيه النية فقط، كما يقول بعض الناس: الإيمان في القلب!! أو يقول: أنا مؤمن بقلبي! هذا كله محض ادعاء. إنما بعد النية لابد من الهمة في طلب الطاعات، ومعالي الأمور، ومرضاة الله سبحانه وتعالى، فيما يحبه جل وعلا وإن كان شاقاً، وإن كان مخالفاً للنفس. ولذلك كلما أخلص الإنسان ارتفعت همّته في طلب الطاعات، والوصول إلى رضوان الله عز وجل. والنفس بطبيعتها دنيئة، فما لم ترفعها بالهمة العالية، فإنها تبقى في الدرك الأسفل، راكنةً إلى الدنيا متلطخة بأوحالها وأوضارها، ومن جميل قول عبد الوهاب عزام: (إن الإنسان لابد أن يأخذ نفسه بالهمة ليرفعها حتى تُحلّق)، ويقول عن النفس: (إن لم تشغلها بالعظائم، شغلتك بالصغائر، وإن لم تُعملها في الخير، عملت في الشر، إن في النفوس ركوناً إلى اللذيذ والهين، ونفوراً عن المكروه والشاق، فارفع نفسك ما استطعت إلى النافع الشاق، ورُضها وسُسْها على المكروه الأحسن حتى تألف جلائل الأمور وتطمح إلى معاليها، وحتى تنفر عن كل دنيئة، وتربأ عن كل صغيرة، علّمها التحليق تكره الإسفاف، عرّفها العز تنفر من الذل، وأذقها اللذات الروحية العظيمة تحقر اللذات الحسية الصغيرة). متى ما ذاق الإنسان لذة الإخلاص والطاعة علت همته في مثل هذا، ولذلك يقول ابن القيم في فوائده: (الكيس يقطع من المسافة بصحة العزيمة وعلو الهمة وتجريد القصد وصحة النية -مع العمل القليل- أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير والسفر الشاق!!). فهذا ينبغي أن يفطن له الإنسان المؤمن، وهذه التزكية والهمة لها آثارها الحسنة بلاشك، التي فيها نور القلب، كما قال بعضهم: (استجلب نور القلب بدوام الجد). أي: باستحضار الهمة والجد في الطاعات. ثم إذا جاءت الهمة، فأي باب من الأبواب تصرف فيه الهمة؟! أول باب من أبواب الهمة، وهو أعظم باب في الأمور العملية باب الفرائض، وأدائها، والمحافظة عليها، وكمالها، وقد يقول قائل أيضاً: إن الفرائض أسهل الأمور، يعني أن كل أحد مقبل عليها ومطبّق لها. فنقول: نحن نحتاج إلى فقه في مثل هذا الأمر، لندرك أثر هذه الفرائض في التزكية، وكيف يكون كمالها، ليحصل كمال التزكية. يقول بعض السلف: (لم يضيع أحد فريضة من الفرائض إلا ابتلاه الله بتضييع السنن، ولم يبتل أحد بتضييع السنن إلا أوشك أن يبتلى بالبدع!!). فانظر إلى هذا التدرج، كم في التزام الفرائض من وقاية للقلب من مثل هذا الزلل والزيغ؟! نسأل الله -سبحانه وتعالى- السلامة، والحديث القدسي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العزة والجلال يؤكد أهمية الفرائض، وهو قوله جل وعلا في الحديث: (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه). وأيضاً يوجد حديث عجيب يبين لنا أهمية هذا الأمر، والحاجة إليه، وأن القضية تحتاج إلى كمال في أداء الواجبات، والله جل وعلا ما قال: صلوا! وإنما قال: (أقيموا الصلاة)؛ لأن قيامها يحتاج إلى أمور كثيرة، يقول أبو الدرداء: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فشخص ببصره إلى السماء، ثم قال: هذا أوان يُختلس فيه العلم من الناس حتى لا يقدرون منه على شيء. فقال زياد بن لبيد الأنصاري : كيف يُختلس منا وقد قرأنا القرآن، فوالله لنقرأنه ولنقرئنه أبناءنا ونساءنا -فلم يفهم زياد إلا مجرد الظاهر- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ثكلتك أمك يا زياد ! إن كنتُ لأعُدّك من فقهاء أهل المدينة! هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟! قال جبير بن نفير -راوي الحديث-: فلقيت عبادة بن الصامت فقلت له: ألا تسمع ما يقوله أبو الدرداء ؟! قال: صدق، إن شئتَ حدثتك بأول علم يرفع من الناس، الخشوع، يوشك أن تدخل المسجد الجامع فلا ترى فيه خاشعاً) رواه الترمذي . إذاً: أليست الفرائض بحاجة إلى أن تكون أول زاد يُقبِل به العبد على الله سبحانه وتعالى، تزكية لنفسه مع استكمالها، والإتيان بها على وجهها؟! والذي يتأمل يجد النصوص في أمر الفرائض كثيرة، فإن هذه الفرائض -من حكمة الله- هي أعظم ما يزود القلب والنفس بالخير، والتزكية والتطهير، مثلاً: يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطواته إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة) . والآثار، والأذكار، والأحاديث الواردة في أمر الصلاة، وفضل شهودها في الجماعات كثيرة جداً. لماذا كل هذا التقديم والتفضيل والتعظيم؟ إنما هو لما لها من عظيم الأثر، والفوائد الكثيرة، وهناك شواهد يحتاج الإنسان أن يتأملها في سيرة السلف؛ حتى ندرك هل نحن قائمون بالأمر كما يجب؟! قيل للأحنف بن قيس : إن فيك أناة شديدة -يعني: تُؤَدة وبصيرة وتروّي- فقال: قد عرفت من نفسي عجلة في صلاتي إذا حضرت حتى أصليها!! وهذا المعنى يمر علينا مرور الكرام دون أن نتأمل فيه، لكن لو تأملنا: هل يعجل الإنسان إلى صلاته إذا حضرت؟! وأنا هنا أخاطب كثيراً من الملتزمين، والوعاظ، والطيبين، والصالحين فضلاً عن غيرهم، فتجد الواحد منا حين يؤذن المؤذن يقول: ما زال هناك وقت إلى الإقامة!! وما تأتي فريضة من الفرائض إلا وتجد هناك جمعاً ليس بالقليل يقومون لقضاء ما فاتهم من صلاتهم. واستمع إلى ما قيل في وصف إبراهيم بن ميمون في سمته، قالوا: كان فقيهاً، وكانت صنعته الحدادة، قال ابن معين : كان إبراهيم بن ميمون إذا رفع المطرقة فسمع النداء لم يردّها!! ولم يكمل طرقته. انتهى الأمر الآن، وانتقل من حال الدنيا إلى حال الآخرة، سارع إلى الطاعات وأجاب نداء الفريضة. هذا السِّباق هو الذي يؤهل النفس لأن تقبل على الطاعة، وأن تكون مهيأة بفراغ الوقت، وفراغ العقل من الشغل، والتقرب بالتلاوة والذكر والاستغفار والدعاء. إذا أراد أحدنا أن يحضر مناسبة أو وليمة، هل يذهب دون أن يتفقد هيئته ولباسه وسمته؟! ثم هل يذهب متأخراً لا يبالي هل يدرك الوليمة أم لا؟! فكما أننا نتهيأ لمثل هذه المناسبات -بل ونسارع إليها- فالأجدر بنا أن نولي أعمال الآخرة اهتماماً أعظم!! ولو تأملنا سير السلف وشدة مسارعتهم إلى الطاعات لرأينا أن الفرق بيننا وبينهم كما بين الثرى والثريا. هذا بشر بن الحسن يُلقّب بالصَّفي -نسبة إلى الصف- لماذا؟ قالوا: لأنه لزم الصف الأول في مسجد البصرة خمسين سنة. وربما لو أراد أحدنا أن يواظب على الصف الأول خمسين يوماً لعجز عن أن يتم نصف هذه المدة!! بل كم من المرات تفوتنا الجماعة ثم نصلي متأخرين أو منفردين. واسمع إلى سليمان بن حمزة المقدسي ماذا يقول عن نفسه؟! يقول: لم أُصلّ الفريضة قط -منفرداًً- إلا مرتين، وكأني لم أصلّهما. بينما ربما نحن في اليوم الواحد أحياناً نصلي الفريضة منفردين مرتين أو أكثر، والجاد منا قد يصلي الفريضة في الأسبوع مرتين أو أكثر منفرداً!! سيما الفجر أو بعض الفروض، نسأل الله سبحانه وتعالى السلامة. المقصود: أن تكون الهمة والخشوع على أتمّ وجه وأكمله في الصلاة وكذا في بقية الطاعات، فليس المقصود -فقط- الظواهر التي تبدو للناس. ولذلك فَقِهَ السابقون هذا الأمر، فقد روي عن أحدهم أنه قال: (إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى فاغسل يدك منه) أي: إذا تهاون في التكبيرة الأولى -تكبيرة الإحرام- مع الإمام، فاغسل يدك منه. يعني: أنه ليس على رسوخ في الطاعة، والإقبال، والإخلاص، والتزكية لنفسه كما ينبغي أن يكون. وهذا الأمر لا شك أنه ظاهر من حيث المعنى الظاهر والحكم، لكننا نفتقد كثيراً من جوانبه من حيث التحقق التام والكامل. والحق أن المجالات المتبقية من التزكية فيها من النصوص والقول والتطويل شيء كثير، ولها أهميتها العظمى والكبرى، فبعد أداء الفرائض هناك النوافل، وقيام الليل على وجه الخصوص؛ لأن فيه خلوة، والخلوة يحلو فيها الذكر، والذكر من المواضيع المهمة، ومن أهم أبواب الذكر ذكر الآخرة والموت، وهو من أعظم أسباب حياة القلوب. ومن بعد ذلك كله تزكية النفس في معاملتها مع الآخرين ومع الناس أجمعين، ثم آثار هذه التزكية، وليس من الممكن مطلقاً أن نوجز القول فيما بقي من هذه الأمور المهمة؛ لأن طيّها والعجلة فيها يبخسها حقها، ويحرمنا من نفعها في الحقيقة، خصوصاً وأنها تتعلق بكثير مما نحتاج إليه جميعاً.

 

الأسئلة

ذكر المراجع والمصادر في المحاضرات

السؤال: حبذا لو تذكر المرجع والمصدر، مع الجزء والصفحة عند نقل النصوص. الجواب: هذا قد يكون مستحسناً، ولكن كما يُقال: هذا سرُّ الصنعة، فلو ذكرت المراجع لانتهى الأمر، لكنها ملاحظة جيدة نذكرها في الدروس القادمة إن شاء الله. وبالجملة: فإن كثيراً من كلام ابن القيم رحمة الله عليه مستقى من مدارجه وفوائده، ففيهما الكثير مما يتعلق بهذه المعاني، وما ذكرت من القصص أكثره من سير أعلام النبلاء، ومن تراجم بعض العلماء والصالحين مما يناسب مثل هذه الموضوعات، وكذلك من كتب معاصرة مثل: (كتاب الرقائق) للراشد، فإن فيه أيضاً جملة من المعاني المتعلقة بتزكية النفوس وتطهير القلوب. ولكن ذكر المراجع والمصادر فيما ينقل من نصوص قد يصرف -أحياناً- عن مقصود الدرس والتفاعل معه بالنسبة للذي يلقيه، فلو ذكرنا أحياناً المصدر، ومرة أهملناه، فلا بأس إن شاء الله. ومن أراد مزيداً من ذكر المصادر فيمكن -بطلب خاص- أن يُعطى ذلك.

 

أحداث الجهاد في أفغانستان وواجبنا تجاهها

السؤال: نرجو تبشير المسلمين بأخبار المجاهدين الأفغان؟ الجواب: الحق أن هذه التذكرة جيدة، ومناسبة ومهمة في نفس الوقت، وإن كان سبق -بفضل الله وتوفيقه- الحديث في خطبة الجمعة عن هذا الموضوع. وخلاصة الأمر بالنسبة للأخبار، من ناحية الوقائع: أن الله سبحانه وتعالى يسّر وتفضل على عباده المجاهدين في أرض أفغانستان بأن سهل لهم جملة من الانتصارات المتوالية يوشك إن شاء الله جل وعلا أن تتم بتمام النصر وسقوط الأعداء ودولتهم، واندحار قوّتهم بإذن الله. فقد استسلمت حامية قندهار، وسقطت كثير من المناطق حول كابل مثل: قندس، ودرديز، وبعض المناطق الأخرى، وسقطت أيضاً قاعدة باجرام، ومطار كابل أيضاً، وكذلك منذ قريباً من ليلتين تقدم المجاهدون واستولوا على منطقة من ضواحي كابل اسمها: خير خان. والأخبار تذكر أنهم في تقدم مستمر، وأنهم الآن في داخل كابل، وما زالت هناك معارك مستمرة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق وأن يتمم لإخواننا نصرهم. ألخص ما ذكرته في خطبة الجمعة من الكلام عن واجبنا نحو هذا النصر فأقول: أول واجب: هو الشكر، فقد ورد أن النبي عليه الصلاة والسلام لما دخل مكة فاتحاً دخلها وهو مطأطئ رأسه وهو على ظهر دابته شكراً لله سبحانه وتعالى، فإنما النصر من عند الله سبحانه وتعالى، فينبغي أن نشكر الله -جل وعلا- على هذا الأمر. الأمر الثاني: أنا نلمح -والله أعلم- أن هذا النصر في هذا الوقت يأتي برداً وسلاماً على عباد الله المؤمنين، إذ إن الهجمة تشتد ضراوتها على المسلمين، والعذاب والابتلاء يُصب عليهم، وحرب الإبادة تضربهم وتحيط بهم في كثير من البلاد، سواء في البوسنة والهرسك أو في غيرها. أيضاً نجد أن هذا الأمر يحيي الأمل في القلوب، ويفرح المسلمين، وكما يتحدث الناس عن النكبات، وعن الكوارث، والدماء والمصائب المتوالية على الأمة، فكذلك يأذن الله سبحانه وتعالى بأن نتحدث عن فتح وفرج ونصر من الله سبحانه وتعالى!! وأشرت أن في ذلك دروساً عديدة: منها: أن النصر مع الصبر، فلما صبروا وصابروا أكرمهم الله سبحانه وتعالى بهذا النصر، وهذا بسبب الثقة بالله، وبدين الله، وبوعد الله، فلو لم يثقوا لانقطعوا وما صبروا. كذلك من الدروس: الصورة الواقعية لوحدة المسلمين، إذ انخرط في هذا الجهاد أبناء الإسلام على اختلاف جنسياتهم وبلدانهم في غالب الأحوال، فإن تلك الديار كأنها جامعة للدول الإسلامية، هذا من بلد، وذاك من بلد، وذاك من بلد، ليدللوا على أن الرابطة هي رابطة الإيمان، وأن الذي يجمع الناس هو دين الإسلام. وأيضاً: بيان أن طريق جني الثمار إنما هو الأعمال لا الأقوال!! وكم قلنا وقال الناس وعقدت المؤتمرات والتوصيات في قضية فلسطين منذ أكثر من أربعين سنة فما حُلّت إلى الآن، والأفغان طال جهادهم، لكن السنوات التي قضوها في ذلك لحل قضيتهم أقل بكثير مما يقضيه الكثير من المسلمين لحل كثير من قضاياهم؛ لأنه ليس هناك سوى أنهم يخططون ويقولون ويعيدون، ولم يتقدموا بخطوات عملية، والله عز وجل يقول: وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة:105]، فهذا معنى مهم. ودورنا يتمثل في أن نبادر -ونستمر- بالإلحاح في الدعاء، وكذلك تقديم البذل والعطاء، لأن بعض الناس يقول: انتهى الأمر فقد انتصروا!! وحتى لو انتصروا، وفتحت البلاد لهم، أليست هناك الحاجة لإقامة دولة؟ أليست هناك مشكلات مترتبة: عمران، وأيتام، ومشكلات أخرى؟ أنت لو أردت أن تقيم مدرسة وأُعطيت المبنى كاملاً، وأُعطيت كل ما يلزم لإقامة المدرسة ستظل أيضاً في حيص بيص حتى تُعان بأمور كثيرة؛ كي تقوم بما عليك، وتستطيع أن تكمل هذا المشروع الصغير، فماذا تقول في مثل هذا الأمر العظيم الكبير؟!! الأمر الثاني: على العلماء والدعاة وأصحاب الكلمة المسموعة أن يبادروا بالزيارة للتهنئة، وأيضاً لإبداء المشورة والرأي، وتأليف القلوب، والتقريب بين وجهات النظر، وإزالة كل أسباب الاختلاف أو تباعد وجهات النظر، وقد كان لتجربة سابقة -في أحداث كونر- أثر بالغ حينما قام بعض العلماء بالزيارة؛ فكان لهم كلمتهم المسموعة وأثرهم الطيب في تأليف القلوب وتحسين الأوضاع، وهذا من أهم الأمور. الأمر الثالث: أن الدول الإسلامية مطالبة بالتأييد ومدّ يد العون، وسرعة تثبيت هؤلاء المجاهدين؛ ليتمم الله لهم إقامة دولة الإسلام في تلك الديار، والله سبحانه وتعالى نسأل أن يجعل في هذه الأمور كلها خيراً -إن شاء الله- للإسلام والمسلمين. وهناك من يتساءل عن دور العلماء والدعاة فيما يجري للمسلمين من الابتلاء في بعض الديار الإسلامية، مثل: تونس والجزائر وغيرها، والحق أن مثل هذا الأمر أول ما يجب فيه الحاجة إلى معرفته، وتتبع أخباره، وأن نُحسّ بارتباطنا بأخوة الإسلام والإيمان، فنتفقد أحوال إخواننا ونسمع أخبارهم، ونحن حين نسمع هذه الأخبار فلابد أن نسمع ما يثير الفزع في القلوب، ويدميها حزناً وألماً، ولكن هذا يفيدنا في معرفة ضراوة الأعداء. ليست المسألة فقط مسألة السجن ولا الضرب، وإنما كل ألوان الفتنة والتعذيب بما لا يتصوره عقل، وهذا ليس بمبالغة، فمن سمع وتتبع فسيجد أموراً لا تخطر على عقول شياطين الجن، ولكن عملها شياطين الإنس من الظلمة والطغاة عليهم من الله ما يستحقون! وواجبنا الدعاء والعطاء، وأن نوطن النفوس على أن تكون أعظم إخلاصاً لله، وقرباً منه سبحانه وتعالى؛ ليكون في ذلك صلاحنا وصلاح إخواننا إن شاء الله.

 

قسوة القلب والاغترار بفعل الطاعات وثناء الناس

السؤال: سائل يسأل عن قسوة القلب، وما السبيل إلى لين القلوب، ثم يقول: عندما أعمل الطاعات أو أي عمل خير كصوم التطوع أفرح بذلك، ويداخلني الغرور إلى نفسي، ولكن ما أن تنقضي تلك الطاعة حتى أعود إلى الغفلة؟! الجواب: أما الأمر الأول: ينبغي للإنسان ألا يُجحف نفسه، فإن الشيطان يُلبّس عليه، لاشك أنك تفرح إن كنت طائعاً، هل تحزن إذا أطعت الله؟ لا. ولكن -انتبه!- لا تفرح فرح الغرور، ولو ذكر الناس خيرك فاحمد الله، ولكن لا تجعله سبيلاً إلى فتنة قلبك وصرفك عن مراد الله، فإن النبي عليه الصلاة والسلام -كما في صحيح مسلم- سئل عن ذلك قال: (ذلك عاجل بشرى المؤمن). فمن تعجيل البشرى للمؤمن بالقبول: أن يثني عليه أهل الإيمان والصلاح والخير، وأمة الإسلام لا تجتمع إلا على خير حتى في ثنائها وفي تزكيتها، مرت جنازة على الصحابة فأثنوا عليها خيراً فقال صلى الله عليه وسلم: (وجبت)، وأثنوا على الأخرى بشر فقال: (وجبت)، ثم قال: (أثنيتم على الأولى خيراً فوجبت لها الجنة، وأثنيتم على الأخرى شراً فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض). فاجتماع الصالحين والأخيار على شيء فالغالب أنه يكون حقيقة، فيفرح الإنسان بمثل هذا، لكنه ينقص نفسه مقدارها، ولا يرضى بالوصول إلى هذا الحد، بل يطلب المزيد، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه المؤمن.

 

ترك العمل بحجة عدم الإخلاص

السؤال: بعض الناس -وخاصة الشباب- يتركون بعض الأعمال الصالحة ويزهدون فيها كحفظ القرآن، والصلاة في القيام، ونحوها من العبادات، بحجة أنه قد يصيبهم الرياء وعدم الإخلاص؟ الجواب: قال الفضيل : العمل لأجل الناس رياء، وترك العمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما. كيف يدخل عليهم الرياء في قيام الليل؟ أنت تقوم في الليل في بيتك حيث لا يراك أحد، حتى ذُكر في وصف بعض السلف -من شدة حرصهم على الإخلاص- أنهم عند قيام الليل لا يشعلون أنوارهم حتى لا يعلم أنهم استيقظوا!! ففي قيام الليل لن توقظ الجيران أو تعلن لأهل البيت، فهذا أمر من الأمور التي سيأتي ذكرها إن شاء الله، وفيها قُربٌ من الإخلاص.

 

الحقد على المسلمين أو بغضهم من أمراض النفوس

السؤال: أشعر -أحياناً- بحقد وبغض على إنسان!! ولكني أحاول التغلب على ذلك بالدعاء، فما نصيحتكم؟! الجواب: هذا يأتي في مسألة معاملة الآخرين، وأذكر مقالة واحدة تُبين لنا خطورة هذا الأمر، وفي نفس الوقت أهميته: كتب رجل لبعض الصالحين من السلف يقول له: إني أحسبك من أهل الصلاح والخير، فاذكر لي ما أنت عليه كي أصنع مثله؟! فماذا ردّ عليه ليبين لنا فقه الأمر، ومعرفة النفوس؟ قال: أتاني كتابك، تسألني أن أكتب إليك بما أنا عليه، فأُخبرك أنني عرضت على نفسي أن تحب للناس ما تحب لها، وتكره لهم ما تكره لها، فإذا هي من ذاك بعيدة. ثم عرضت عليها مرة أخرى ترك ذكر الناس إلا من خير، فوجدت الصوم في اليوم الحار أيسر عليها من ذلك! هذا أمري، والسلام!! وهذا يدل على أن مغالبة النفوس أمر صعب، ولم يبعد ابن القيم لما قال: إن الرياء والحسد، والسرور والفرح بأذى المسلمين، والشماتة بهم أعظم الكبائر، بل قال عين الحق وعين الصواب، رحمة الله عليه. وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.