صناعة الألفة
94 الأحد 16 / رمضان 9 / 1438

18 أبريل, 2016 - 11 رجب 1437هـ

 

عناصر الخطبة:

* الألفة ووحدة الصف.

* الحث على الألفة.

* كيف تصنع الألفة وتقاوم الفرقة.

* الألفة داخل بيوتنا.

* المحافظة والحرص على دوام الألفة.

الخطبة الأولى

معاشر المؤمنين

وصية الله سبحانه وتعالى لكم في كتابه المبين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران: 102).

إخوة الإسلام والإيمان

* الألفة ووحدة الصف:

في خطبتي الأخيرة قلت من أنتم؟ وتحدثت عن الألفة والوحدة، وقد سرني أن وجدت لذلك صدىً مباشراً، أذكر منه صورتين، إحداهما أن أحداً من المصلين من ذوي العلم والرتبة العلمية جاءني فسلم، ثم قال: قد كنت أجد في نفسي شيئاً عليك وقد زال أو أزلته، وأخٌ آخر كان يصطحب معه ابنين من أبنائه صغيرين وأحدهما في الصف الخامس الابتدائي، قال: فسألته بعد الصلاة، وأنا متعود على ذلك، ما الذي فهمته؟ ما الذي أخذته من هذه الخطبة؟ فقال: الحب لازم، والذي يخطب كان يحب الناس، ولذا كان يحدثهم أن يحبوا بعضهم، وقد استفدت أن أحافظ على أصدقائي وأن أسامحهم، وهذا يدعوني اليوم إلى أن نتم حديثنا، لأننا معنيون بتغيرنا الإيجابي في العقل فكراً وتصوراً، وفي النفس شعوراً وعاطفة، وفي السلوك ممارسة وعملاً.

وهنا أنطلق إلى جوهر عظمة هذه النعمة والمنة، منة ألفة القلوب ووحدة الصفوف واجتماع الكلمة، وبالتالي قوة الصف وعلو الراية، الله جل وعلا أمتن على سيد الخلق صلى الله عليه وسلم فقال: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} (الأنفال:63) قال القرطبي رحمه الله : أي جمع بين قلوب الأوس والخزرج وكان تألف قلوبهم مع العصبية الشديدة في العرب من آيات النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته، لأن أحدهم كان يلطم اللطمة فيقاتل عنها حتى يستقيد منها، وكانوا أشد خلق الله حمية فألف الله بالإيمان بينهم، هذا هو العلاج للقلوب، فيسل سخائمها ويذهب غيظها وضغنها، ويجعلها ترتقي إلى المستوى الأرقى والأنقى والأتقى بأخوة الإيمان وآصرة الإسلام.

* الحث على الألفة:

وهذا نبينا الأعظم عليه الصلاة والسلام في حديث جميل موجز من جوامع كلمه يقول: «المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيمن لايألف ولا يؤلف» رواه أحمد في مسنده والبيهقي في شعب الإيمان والحاكم في مستدركه وغيره وحسّن بعض أهل  العلم إسناده وصححه بعضهم.

المؤمن يألف ويؤلف بل النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: مستحثاً أصحابه، «أتدرون أيكم أقرب مني مجالساً يوم القيامة»، فلما قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ» قال الماوردي رحمه الله: (الإنسان لايصلح حاله إلا الألفة الجامعة، فإنه مقصود بالأذية، محسود بالنعمة، فإن  لم يكن إلفاً مألوفاً تخطفته أيدي حاسديه، وتحكمت فيه أهواء عاديه، فلم تسلم له نعمة، ولم تصفُ له مدة، وإن كان إلفاً مألوفاً انتصر بالألفة على أعاديه)، وليس بالقوة، انتصر بالألفة على أعاديه، إنها معركة قلوب وأرواح لا معركة أجساد وأشباح، إنها معركة سمات وخصائص وأخلاق، لا معركة عضلات وفتوات وقوات، إننا نستطيع أن نستميل قلوب الناس بالخلق الحسن والكلمة الطيبة والموقف الذي فيه سمو ونبل، وليس برد الصاع صاعين، وليس برد المكيال مكيالين، قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: "ولذلك في تشريعات الإسلام حثنا على الاجتماعات في الجماعات والجمعات ليكون ذلك أساساً للألفة" بل لذلك عظم الله المنة على المؤمنين فقال (وألف بين قلوبهم)، والغزالي رحمه الله يقول: في معادلة مهمة "الألفة ثمرة حسن الخلق، والفرقة ثمرة سوء الخلق" إن وجدت فرقة وخلافاً، ونزاعاً وتفرقاً بين الصفوف، وقطيعة في الأواصر، فاعلم أن هناك أخلاقاً سيئة مغروسة في النفوس، وقد تسللت إلى القلوب، وإلا فلن تجد مثل ذلك، الألفة ثمرة حسن الخلق والتفرق ثمرة سوء الخلق، فحسن الخلق يوجب التحبب والتآلف، وسوء الخلق يثمر التباغض والتخالف والتناكر، وسبق أن ذكرت لكم الصلة بين الصورة المادية وآثارها المعنوية في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في تسوية الصفوف «ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم».

 

* كيف تصنع الألفة وتقاوم الفرقة:

 

ولعلنا هنا في مقام النكوس والجلوس بين يدي قدوتنا العظمى وأسوتنا المثلى رسولنا صلى الله عليه وسلم هنا نريد أن نقف لنتعلم كيف نصنع الألفة؟ كيف نقاوم الفرقة؟ كيف نتصرف في المواقف التي يتسلل فيها الشيطان، ليبث حمية جاهلية أو ليوغر الصدور بالأحقاد الدفينة والقديمة، أو ليثير الكلمات التي تشعل النيران، ليس هناك أعظم في هذا الأمر الجليل وهذه الصناعة الفريدة، وهذه المعاملة النبيلة من رسولنا عليه الصلاة والسلام، والمواقف كثيرة وحسبي أن أذكر بعضها لأستل منه عنواناً نجعله منهجيةً في تعاملنا لكي نصنع هذه الألفة ونبذرها ونرعاها ونحميها ونظل حريصين على استمرارها ودوامها.

موقف عظيم في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم في أعقاب غزوة بني المصطلق، كانوا في السفر وقفوا عند ماء، غلام من الأنصار وآخر من المهاجرين، ازدحموا على الماء، حصل مايحصل بين الناس من اختلاف، قال أحدهم يا للمهاجرين وقال الآخر يا للأنصار فكاد الأمر أن يشتعل، وأوغر ناره وأثار غباره رأس المنافقين ابن أبي بن سلول، فقال: أوقد فعلوها؟ فتحتم لهم دياركم وأعطيتموهم أموالكم حتى كاثروكم فيها، وما مثلكم ومثلهم إلا كقول القائل سمن كلبك يأكلك، ولو أنكم أمسكتم عنهم أموالكم لارتحلوا عن دياركم، ونقل هذه المقولة زيد بن أرقم، غلام صغير من الأنصار فثارت حمية الفاروق عمر بن الخطاب قال: مر فلاناً فليقطع رأسه، فقال سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: «لايتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه»، ثم أمر بهم أن يسيروا في وقت لم يكونوا يسيرون فيه، فسار بهم عامة نهارهم ثم بقية ليلهم ثم صباح يومهم، فلما توقفوا سقطوا نائمين، أيّ علاج هذا؟ إنه علاج قطع الفتنة وعدم السماح  للاستمرار والانجرار، لو فتح حديثاً وحواراً لعلت الأصوات، واضطربت الآراء، وازدادت الحمية، لكنه شغلهم بأمر آخر، وأرهقهم حتى إذا انقطع الحديث، وانشغلوا بالمسير، ثم تعبت الأجساد، ثم احتاجوا للراحة استيقظوا، وقد ذهبت كل تلك الإحن والثارات والكلمات، وتبددت المواقف المتشنجة، والكلمات المتوترة، وهذا هو الإعراض الحكيم، هذه حي المعالجة التي لاتسمح للأمور أن تزداد، ولاتسمح للنيران أن تتقد وتزداد اشتعالاً كما نفعل في أحوال كثيرة.

هذا هو قدوتنا العظمى عليه الصلاة والسلام، لم يناقش هؤلاء، ولم يسفهم، ولم يتوقف كثيراً عند هذه الأقوال التي يظهر واضحاً أنها من أفاعيل شياطين الأنس الذين ينافسون فيها شياطين الجن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا: «إنَّ الشيطان قد أيِسَ من أن يعبده المصلُّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم».

وموقف آخر أحسب أنه أجل وأعظم، وهو ماكان بعد حنين، لما انقضى غبار المعركة، وكانت الغنائم كثيرة وفيرة، وجعل النبي يعطي فيها مسلمة الفتح الذين كانوا حديثي عهد بإسلام، وربما بعضهم صحب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسلم، ولم يتمكن الإيمان والإسلام منه، فأعطاهم وأعطاهم، والأنصار ينظرون، وهو لايلتفت إليهم ويعطيهم، فبطبائع النفوس تأثروا، وقال بعضهم: لقي محمدٌ قومه وعشيرته، أعطى أهله قريشاً ولم يعطنا، فسمع بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وهو من هو عليه الصلاة والسلام، في مقامه ورتبته، ماعاتبهم، ماقال أتوني بهم لأحاسبهم، بل ذهب بجلالة قدره وعظمة مقامه وجلالة نبوته إليهم، ذهب إليهم في مكانهم، وقال مقولته الشهيرة: «يا معشر الأنصار ما مقالة بلغتني عنكم، ألم آتكم ضلالا فهداكم الله بي، قالوا: بلى يا رسول الله، الله أمن وأفضل، قال: «ألم آتكم أعداء فألف الله بينكم بي؟» قالوا: بلى يا رسول الله، الله أمن وأفضل، قال: ألم آتكم عالة فأغناكم الله بي؟ قالوا : بلى يا رسول الله، الله أمن وأفضل، ثم قال : ألا تجيبوني؟ قالوا : فبم نجيبك يا رسول الله ، لك الفضل علينا، قال: «أما لو شئتم لقلتم فلصدقتم: جئتنا طريدا فآويناك، وجئتنا مخذولا فنصرناك، وعائلا فآسيناك، يا معشر الأنصار أوجدتم في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها أقواماً، ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم، لو أن الناس سلكوا شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، الأنصار عيبتي وكرشي، وهم شعار والناس دثار، قال: فقالوا: رضينا بالله وبرسوله قسما، ثم بكى الصحابة حتى اخضلت لحاهم وقطرت من دموعهم».

كيف عالجهم؟ هل ناقشهم؟ هل جاء واعطاهم من المال، لقد استثار هنا عاطفتهم لقد حدثهم بالمعاني الإيمانية بالقيم الروحية بالثراء في مثوبة الله عز وجل بالغنى بهذا الإسلام والإيمان، أنتم أصحاب الإيمان الذين لاتحتاجون إلى لعاعة الدنيا، أنتم الذين نلتم شرف نصرة محمد صلى الله عليه وسلم، أنتم الذين إذا كان الناس شعاراً فأنتم الدثار، أي أنتم الأقرب والألصق والأحق بالعناية، وفي آخر قولته عليه الصلاة والسلام في هذا المقام قال: «اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار» فزال كل شيء في القلوب، وغسلت النفوس، ولو عاملنا بعضنا بذلك وذكرنا أنفسنا في المواقف بالمعاني الجميلة بالقيم النبيلة، بالمواقف السابقة، وبالقيمة التي نقدمها في الخلق الحسن والكلم الطيب لكان كثيراً من مواقفنا تزول أسبابها أسباب توترها وأسباب قطيعتها، ولكننا عند الاختلاف نزداد قسوة لا رقة، وعند الاختلاف نزداد شدة لا ليناً، وليس هذا من الحكمة، ولا من معالجة الأمر، ولا من صناعة الألفة، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة وألفة.

المعلم الثاني هو المعالجة القلبية العاطفية الشعورية فإنها أعظم تأثيراً وأرسخ وأبقى في النفس، ولعل المواقف في هذا كثيرة، ويحضرني منها وأنا أتحدث إليكم كثير أصرف عنه النظر لضيق المقام.

 

* الألفة داخل بيوتنا:

 

وأختم في هذا المقام بموقف ثالث في شأن الألفة داخل البيوت، مع الأزواج، مع الأبناء، والموقف مرة أخرى لقدوتنا العظمى رسول صلى الله عليه وسلم، روى البخاري من حديث أنس رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه فأرسلت إحدى نسائه بصحفة فيها طعام إلى بيت التي كان عندها النبي صلى الله عليه وسلم فتحت الباب، وجدت غلاماً مرسلاً من زوجة أخرى يقدم طعاماً، في وقتها وفي نوبتها والرسول في بيتها، ماذا صنعت؟ ماذا صنعت المرأة بطبيعتها وغيرتها الفطرية من ضرتها، فضربت الصحفة فسقطت وانتثر الطعام وكسرت الصحفة، موقف يدعو إلى غضب، يحتاج إلى تقويم، ماتظنون أن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم فعل؟ أحسب أن من لم يسمع هذا الحديث من قبل، لن يتخيل ماجاء في هذه الرواية عند البخاري، قال فانفلقت الصحفة فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان تفرق، ثم أنظَر الغلام قال له انتظر، فأعطاه صحفة غير التي كان فيها الطعام، حتى يرجع بها ثم لم يجد أن قال: «غارت أمكم، غارت أمكم»، تلك هي القيادة التربوية الفريدة التي تعرف طبائع النفوس، وطبيعة المرأة وغيرتها، وهنا حكمة امتصاص المواقف، وحكمة المبادرة، التي يكون فيها صاحب الحق هو الذي يقوم بالتصحيح ولا ينتظر التصحيح من غيره، الغضب كان حقاً لنبينا صلى الله عليه وسلم وكان من حقه أين يقول اجمعي هذا الطعام الذي انتثر، وخذي هذه الصحفة وأرجعي غيرها، وأن يعاقب كما قد نفعل نحن، لكنه بذاته الشريفة عليه الصلاة والسلام هو الذي أخذ الصحفة، هو الذي جمع الطعام، هو الذي أعطى الصحفة البديلة، هو الذي علمنا كيف يكون الخلق النبيل، كيف نستطيع أن نزرع الألفة، وأن نستبي النفوس، وأن نستميل القلوب، وأن نجعل الحب عامراً غامراً في هذه الأسرة، لا لأجل كلمة أو لأجل موقف أو لأجل عرض أو قضية تافهة تثور النفوس، وترتفع الأصوات، وتثور المشكلات الكبرى، هذه وجوه من وجوه المعالجة ومنها كثير وكثير، أسأل الله عزو جل أن يحفظ المحبة بيننا في قلوبنا وأن يزيل منا أسباب الشحناء والبغضاء وأن يطهر قلوبنا وينقي نفوسنا.

أقول هذا القول واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

 

الخطبة الثانية

إخوة الإسلام والإيمان

 

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زائد يقدم به العبد على مولاه.

 

* المحافظة والحرص على دوام الألفة:

 

وإن من التقوى مراعاة النفوس والقلوب وزرع المحبة فيها، والحرص على دوام الألفة، والبعد عن الفرقة، والمقام يطول، لكني هنا أنبه إلى أمر مهم في ذلك، وهو أن مقاييس أهل الإسلام هي مقاييس القرآن، وأن آليات مواجهة الصعوبات هي في الآيات وليس في الاجتهادات، ولذا استمع للهدي الرباني القرآني وهو يبين لك كيف تواجه المواقف الصعبة أو كيف تواجه الإيذاء والاعتداء في قوله جل وعلا: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت:34).

هذه الوصفة القرآنية إذا أردت دفع الأذى فليس بالأذى، وإذا أردت دفع الصاع فليس بالصاعين، ولكن ليس بالأحسن بل بالتي هي أحسن، ثم النتيجة الذي يكون ألد الأعداء ينقلب بإذن الله مع المعاملة الحسنة والإخلاص وابتغاء وجه الله ورضوان الله إلى ولي حميم {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}، وتوجيه آخر في الإعراض عن أي كلام يرد، نحن اليوم نقف مع كل جملة، مع كل كلمة، مع كل موقف، وندقق ونحقق، حتى وإن كان المتكلم سفيهاً أو جاهلاً والله جل وعلا يخاطبنا في صفات عباد الرحمن: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً} (الفرقان:63) أعرض عن هؤلاء، فإنهم إنما يتكلمون ويقولون، لكي ترد عليهم ليجدوا لأنفسهم موقعاً من الإعراب ومحلاً من الناس، فإذا تم تجاهلهم لم يكن لهم أثر، ولم يكن لكلامهم ومواقفهم آثار سلبية على وحدة الصف وألفة القلوب.

ولو كل كلب عوى ألقمته حجـراً ** لأصبح الصخر مثقالاً بدينار

أنظروا إلى وسائل التواصل، يقول أحدهم كلمة فتكون هناك كلمات بالمئات ومئات الآلاف، كأن الناس ليس عندهم وقت طويل ليس لهم فيه عمل ولا طاعة ولا عبادة، فينفقونه هنا وهناك، بل من الناس من يتتبع الأقوال، ويتتبع المجالس، لينقل هنا قولاً ويذكر هنا قولاً، ويخبرنا أنه يفعل ماعظم الإسلام النهي لأثره في فرقة الصفوف، عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لاَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» أي نمام ينقل الكلام بين الناس على سبيل يثير أحقادهم وأضغانهم  ويورثهم البغضاء والحقد فيما بينهم، أعاذنا الله وإياكم، والمواقف كثيرة وفي الهدي، والسيرة النبوية، وفي سير الأصحاب وفي كلام العلماء نفائس كثيرة، يضيق المقام عن حصرها وذكرها.

وهنا موقف لعلي أذكره جميل للإمام الشافعي رحمه الله حينما قال يونس الصدفي: (لقيت الشافعي، فاختلفت معه في مسألة وعلت أصواتنا، خلاف في مسألة علمية، قال: فلما لقيني من قابل أخذ بيدي، وقال: ألا يصح أن نختلف ونأتلف؟) متى كان الاختلاف في مسألة سبباً أن نتقاطع، وأن تحتد المواقف بيننا وتشتد، واليوم لانكاد نجد اثنين يفترقان في رأي إلا وافترقا في مسلك وافترقا فقاطع بعضهما ثم قاطعت الأسرة الأسرة ثم قاطعت القبيلة القبيلة وصرنا كأننا من أهل الجاهلية نسأل الله السلامة.

صناعة الألفة وبقاؤها أعظم منّة من الله على رسوله على عباده {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} (آل عمران:103) ليكن لنا في هذا المقام عزيمة، أن يكون كل واحد منا صانعاً للألفة، محافظاً عليها، مستديماً لدوام استمرارها من خلال هذه المواقف النبوية، ومن قبلها من الآيات القرآنية لا من العادات الاجتماعية والحميات الجاهلية، فنحن حينئذ نحيد عن كتاب ربنا ونبتعد عن هدي نبينا صلى الله عليه وسلم، والأحق بنا والأجدر بنا والأنفع لنا والأصلح لأمتنا أن نكون بكتاب الله مستمسكين ولهدي نبيا صلى الله عليه وسلم متبعين.

اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد وألهمنا الرشد والصواب اللهم إنا نسألك أن تجعلنا سلماً لأوليائك حرباً على أعدائك، اللهم طهر قلوبنا وزك نفوسنا وهذب أخلاقنا وحسن أقوالنا وأخلص نياتنا وأصلح أعمالنا وضاعف أجورنا وارفع درجاتنا وبلغنا اللهم فيما يرضيك آمالنا.