رمضان.. الأمة العابدة
109 الأحد 16 / رمضان 9 / 1438

23 يونيو, 2016 - 18 رمضان 1437هـ

 

عناصر الخطبة:

* لابد من استدراك مافات من رمضان.

* مضاعفة الأجور في رمضان.

* العلاقة مابين الصيام والقيام.

* التنافس في أعمال الخير فيما بقي من هذا الشهر.

* تذكروا المحن والآلام التي تصيب الأمة الإسلامية.

 

الخطبة الأولى

إخوة الإسلام والإيمان

وصية الله جل وعلا لكم في آيات القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران: 102).

معاشر المؤمنين

* لابد من استدراك مافات من رمضان:

 

المواعظ المؤثرة هي كلمات قلوب، ودمعات عيون، قد تكتب بالحروف وقد تسمع بأصوات، ألا إن شهركم قد أخذ في النقص فزيدوا أنتم في العمل، فكأنكم وقد انصرف، فكل شهر فعسى أن يكون منه خلف، وأما شهر رمضان فمن أين لكم منه خلف؟ كلمات لابن رجب: (تذكرة وقد انقضى من الشهر ثله، وأوشكنا أن نبلغ إلى نصفه، وعما قليل سنقول قد أتى كله)، ومن كلام بن الجوزي رحمه الله (انتصف شهر رمضان، ذهب نصف البضاعة في التفريط والإضاعة، والتسويف يمحق ساعة بعد ساعة، والشمس والقمر بحسبان، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن).

يا واقفاً في مقام التحير هل أنت على عزم على التغير

قد قلنا وقال الناس من قبل رمضان وفي أوله، ونقول اليوم في ثلثه، وسنكرر في كل لحظة من لحظاته، استدرك مافات من تقصير بالزيادة، واستدرك ماكان في غفلة بالذكر، واستدرك ماكان من ضعف بقوة في الطاعة، والعجب من حالنا في بعض مايقع في مجتمعاتنا، أنه كل ما زاد الشهر في انقضائه كلما كثرت أشغال أخرى بعيدة عن مراده، ومجانبة لتحقيق غاياته، والانتفاع بثمراته.

وهنا وقفات تجمع بين هذه التذكرة، وبين حكمة بالغة، ينبغي أن ننظر اليها في عظمة تشريعات الإسلام وحكم عباداته، التي تجمع بين كون العبادة سراً بين العبد وخالقه، وصلة بينه وبين ربه ومولاه، وبين كونها عبادة تظهر في العلن، وتظهر أمة الإسلام أمة لله عابدة، فنحن قد قلنا من قبل وكلنا يعلم حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن رب العزة والجلال (إِلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) ، فتلك عبادة سر لكنها في صورة أخرى عبادة علن، فيما يظهر من إعلان الإفطار الذي يظهر في ربوع الأمة كلها، لتقول هذه الأمة إنها أمة عابدة وصائمة، فكم نرى من مظهر مهيب لاجتماع الناس في بيوت الله وفي غيرها، من ذلك الفطر التي تعلن فيه الأمة صومها، فكما أن العبادة خاصة بالفرد إلا أنها ظاهرة كمعلم من معالم أمة الإسلام، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ) وذلك مارواه الترمذي وغيره وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه.

هذا الحديث يبين لنا صور الربط بين الصلة الخاصة في العبودية التي فيها الإخلاص لله عزوجل، وبين العبادة التي تظهر وتعلن، من فطر صائماً، وهذا للحث والحض، أي قدم له شيئاً يفطر عليه ولو كان شربة ماء أو حبة تمر وإن زاد فأشبع فالأجر أكثر، وهذا من الأمور التي تربط بين تلك العبادة وتلك العبادة وأمرها ظاهر.

* مضاعفة الأجور في رمضان:

ونجد عبادة سر أخرى وهي عبادة الإنفاق في سبيل الله، وابتغاء مرضاة الله، ولوجه الله حتى لاتعلم يمينه ماتنفق شماله كما ورد في الحديث، هنا أيضاً رغم أن هذا على هذا الوجه إلا أن هناك صلة أخرى، تختص برمضان وتجعل صورة عامة للأمة تظهر فيها سمة الإنفاق، ليس في الإطعام بحسب وإنما بالإنفاق بكل وجوهه، لأن العبد يتحرى فضيلة الزمان ويتحرى الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، في الصحيح عند البخاري وغيره من حديث ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم (أَجْوَدَ النَّاسِ ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ)، وهنا العجب هو أجود الناس فلا منتهى لجوده، ومع ذلك يزداد جوده في رمضان، لماذا؟ لإدراك فضيلة الزمان الذي كلنا يدرك أن رمضان وقت قد أختص الله فيه العباد بمضاعفة الأجور، وكما ورد في الحديث عند ابن خزيمة في الحديث القدسي في بعض رواياته: (الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، يَقُولُ اللَّهُ: إِلا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) فالمضاعفة حينئذ لاحد لها، والصائمون هم الصابرون والله يقول: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر:10) وفي الصحيحين عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ ، تَعْدِلُ حَجَّةً) وهذا كله يقول لنا إنه ينبغي لنا أن نبادر، إذا هذه العبادة المتعدية، ليس بالضرورة أن نعلنها رياءً وتباهياً فذلك أمر مذموم ويلحق صاحبه تقصير وإثم، لكن الصورة الظاهرة التي يعم فيها الخير تبرز أمة الإسلام، أمة مترابطة متآخية متآلفة متكاتفة تجسد الصورة العظيمة التي رسمها رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» هنا في رمضان نرى شدة في تحري الإنفاق على الفقراء، وتلمس المحتاجين، والنظر في المنكوبين، وهذا كله أيضاً من عبادة علنية ظاهرة تظهر الشعائر، وتجسد أثر العبادة في الأمة، وتبين وينبغي أن نبادر إليه ونسارع إليه ونتنافس فيه، من هذه الأبواب العظيمة، من الأجر الذي لامنتهى لمضاعفته ولا حد لفضل الله سبحانه وتعالى فيه على عباده.

* العلاقة مابين الصيام والقيام:

وثالثة أيضاً نحن نعلم أن الصلاة عبادة فيها كثير من النوافل التي يخلو فيها العبد بربه، سيما في قيام الليل، وقد جعلت خصيصة بين الصيام والقيام، في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي ورد عنه عليه الصلاة والسلام من رواية عبدالله ابن عمرو قال، قال عليه الصلاة والسلام: (الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: رَبِّ إِنِّي مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَيُشَفَّعَانِ) قال الهيثمي رواه أحمد والطبراني وفي الكبير ورجاله رجال الصحيح ومثله قال البوصيري وروي بحديث حسن عند ابن أبي الدنيا، انظر إلى هذا الاقتران بين الصيام والقيام، وانظر إلى ماكان من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وماجتمع عليه أصحابه من بعده، فقد قام النبي صلى الله عليه وسلم ليلة في رمضان فأتم به بعض الناس، فقام الثانية فأتم به أكثر منهم، ثم الثالثة، فلما جاءت الرابعة لم يخرج إليهم، وقال إنما تركتها خشية أن تفرض عليكم)، لكنه بذلك شرع هذا الاجتماع في أصله، وقد ورد كذلك في حديث ابن خزيمة في صحيحه خرج النبي صلى الله عليه وسلم فَإِذَا أُنَاسٌ فِي رَمَضَانَ يُصَلُّونَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ «مَا هَؤُلاَءِ»؟ فَقِيلَ هَؤُلاَءِ نَاسٌ لَيْسَ مَعَهُمْ قُرْآنٌ وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ يُصَلِّى وَهُمْ يُصَلُّونَ بِصَلاَتِهِ. فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- « أَصَابُوا وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا» اجتمعوا لهذه العبادة الليلية الخفية ليظهر لها أثر اجتماع في هذه الأمة التي تعج مساجدها كل ليلة بمئات الملايين من المسلمين، ركعاً وسجداً لله سبحانه وتعالى، في مشهد لايمكن أن يكون له مثيل في أمة من الأمم، كم تقدرون عدد الذين يصلون التراويح أو يقومون التهجد في كل بقاع الأرض حتى لاتكاد تخلو بقعة من الأرض فيها مسلم إلا وهو قائم لله سبحانه وتعالى، وإذا نظرنا إلى عموم تغير الأوقات فنجد كأن الليل والنهار كله مسلمون قائمون لله سبحانه وتعالى ركعاً وسجداً، وهذا يدلنا كذلك على الربط بين العبادة القلبية الخالصة التي بين العبد وبين ربه، وبين العبادة التي تتجلى في صورة واضحة للأمة، وقد روى كذلك أبو ذر رضي الله عنه قال، قُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلَةَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِينَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قُمْنَا مَعَهُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قُمْنَا معه لَيْلَةَ ِسبْعٍ وَعِشْرِينَ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ لاَ نُدْرِكَ الْفَلاَحَ ، وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ السَّحُورَ)، حسنه النووي.

وهذا يدلنا على أن هذا الاجتماع مقصوده هو إظهار هذه العبادة، واجتماع الأمة كلها على هذه العبادات، وهي من النوافل وليست من الفرائض، وكأن هذه الأمة عنوانها أمة عبادة في ما تتكلم به كما نقول في تلاوة القرآن والذكر والدعاء، وفيما تقوم به في صلاتها وقيامها، وفيما تتصل به مع بعضها في إنفاقها وصلتها، أمة لله عابدة وفيما بينها متواصلة، يدلنا ذلك على أن العبادة في الإسلام ليست أمراً ينحسر فيه أثر المسلم العابد عن صلته بإخوانه بل بالعكس يزداد ذلك.

حتى إننا نرى صورة جميلة وعظيمة في آخر الشهر، سنة الاعتكاف والاعتكاف خلوة بين العبد وربه وانقطاع عن الدنيا، لكنه يكون في بيوت الله في المساجد، وتجتمع الجموع الغفيرة في الحرمين وفي كل المساجد، ليظهر أيضاً أن هذه الخلوة وذلك الاعتكاف وتلك الصلة الخاصة، ليست لفرد وإنما لجماهير عظيمة من الأمة، وهنا معاشر المؤمنين يقول لنا الصوم وهذه الفريضة إننا أمة واحدة، في كل عمل نقوم به في كل آية نتلوها، في كل دعوة نرفعها، في كل دمعة نذرفها، في كل خطوة نخطوها، في كل قيام نقومه، في كل سجدة نسجدها، فلماذا ننبت عن صلتنا بإخواننا وفيما بيننا؟ ولماذا تضعف هذه العبادات العامة المتعدية النفع أو لايعتني بها الناس أو يرون أن العظمة مقتصرة على مايكون في عباداتهم الذاتية القاصرة، إن الإسلام دين الحياة، إن الإسلام دين الأمة، إن الإسلام دين يجعل العبادة تختلط بالأمة في كل شأن من شؤونها وفي كل صلة من صلاتها، فأين نحن من هذا في واقع أمتنا؟

وانظر وأختم بهذا المقام، إلى الأمر الذي ينبغي أن يلتفت نظرنا إليه، فإن فضل الله عزوجل الذي يسوقه إلينا في رمضان، يقتضي أن يعم الفضل منا لبقية لأهلنا وإخوانا، وإن الرحمة التي يسبغها علينا والنعمة التي يفيضها علينا، إنما ينبغي أن تتحول كذلك إلى صورة عملية، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ) الله عزوجل يفيض ويعطي ويضاعف، فافعل كذلك مع غيرك مما تستطيع، الله سبحانه وتعالى يعفو ويصفح ويغفر، فبادر أنت إلى عفو وصفح وطي صفحة ماضٍ، لماذا لا يكون أثر مايفيض الله علينا ينعكس كما في هذا الحديث (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ) ينبغي أن نتعلم أن العبادة التي هي صلة بيننا وبين خالقنا، التي تهذب نفوسنا التي تطمئن قلوبنا التي تسمو بأرواحنا، هي العبادة التي تجعلنا نتفقد إخواننا ونصل أمتنا ونرتبط بحاضرنا وواقعنا ونعلن بها أن أمتنا أمة واحدة، وأمة عابدة، وأمة مهتدية مقتدية برسولها وإمامها عليه الصلاة والسلام، ينبغي أن نشمر ونزداد وقد مضى الثلث في العبادة والطاعة، وأن تكون الصلة بالله مؤثرة في قوة صلتنا ببعضنا وبأمتنا وبقضايانا.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلق قلوبنا بطاعته ومرضاته، وأن يفيض على قلوبنا الأمن والإيمان والسلامة والإسلام، وأن يمن علينا بالرحمة والمغفرة والرضوان، وأن يسخرنا لنصرة دينه وعون عباده، أقول هذا القول واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

 

الخطبة الثانية

إخوة الإسلام والإيمان،

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإنها أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه.

ونحن في موسم من أعظم مواسم التقوى ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:183).

* التنافس في أعمال الخير فيما بقي من هذا الشهر:

وانظروا وتأملوا كل عبادة من هذه العبادات، فيها تجلٍ خاص فيما بين العبد وربه، لكن فيها ظهور عام للأمة تقرأ القرآن وحدك وتصلي مع الناس فتستمع لتلاوة القرآن في المحاريب، وكذلك تطيع الله سبحانه وتعالى في نفقة السر وحدك، ثم تشهد الإفطار وإخراج زكاة الفطر في آخر الشهر علناً، في مظاهرة وتظاهرة عظيمة لهذه الأمة، وهكذا في كل جانب من الجوانب التي ينبغي أن نلتفت إليها ونحرص عليها ونجعلها من العبادة التي نتنافس فيها، كما نتنافس في تلك الصلاة أو في ذلك القيام أو في تلك التلاوة أو ذلك الدعاء والتضرع، سيما مازال في الشهر بقية وافرة ينبغي أن نتنافس فيها ونحرص عليها ونجتمع لها ونتواصى بها، ويكون لنا فيها منهج نتمه وأموراً نحددها ونعينها حتى نستطيع أن نقوم بهذا الواجب على النحو الذي ينبغي أن يكون.

* تذكروا المحن والآلام التي تصيب الأمة الإسلامية:

ولعلنا معاشر المؤمنين نلتفت إلى هذا المعنى في كل مايجري حولنا من أحوال أمتنا، ولعلي قد تذكرت وأنا قادم ما الذي يمكن أن يثور في أذهاننا عندما نأتي إلى طعام الإفطار، وخطر ببالي تلك الأم في بلاد الشام أو في بلاد العراق أو في غيرها، وطفلها رضيع ليس عندها ربما قطرة ماء تعطيه، وقد يموت بين يديها، وليس هذا خيالاً بل هو أمر قد حصل ويحصل وربما يحصل كل يوم، أين نحن من هذه التذكرة؟ أو من هذا الحضور لمثل هذا الشعور والانتباه لأمة الإسلام؟ ثم انظر كذلك إلى ما قد يكون من هم وغم للمسلم هنا وهناك، من المهجرين والمظلومين والمأسورين والمسجونين ومن هدمت بيوتهم، وأنت بحمد الله عزوجل في أمن وأمان وسعادة واطمئنان، أفلا يدعو ذلك إلى أن نشارك أمتنا بكل ما نستطيع، والأبواب في آخر الأمر ستكون مفتوحة لمن يصدق مع الله سبحانه وتعالى، وليس الأمر متعلقاً بإنفاق مالي فحسب، نحن نظن أو يمر بنا اليوم والأيام دون أن نتذكر إخواننا دون أن نرفع دعوة خالصةً في ليلنا في جوف ليلنا في أسحارنا في سجودنا دون أن يكون ذلك الأمر الذي أقضّ هم النبي صلى الله عليه وسلم عندما أعتدي على نفر من أصحابه وغدر بهم فقتلوا، فقام شهراً كاملاً يقنت في صلاته ويدعو على الأعداء الذين عرضوا لأصحابه، إننا في حاجة إلى أن نحيي هذه المعاني، وأن نتعبد الله سبحانه وتعالى بها، كما نتعبده بصلاتنا وتلاوتنا، وأن ندرك أن لها أثراً على إيماننا ونفوسنا وقلوبنا، كما يكون من أثر تلك الصلاة أو التلاوة ونحو ذلك مما نعلم.

ولابد لنا في آخر المقام، أن نقول إن ما نراه اليوم من عداء لأمتنا، ومن تآلب وتجمع على هذا العداء في أبشع صوره، إنما هو لأن هذه الأمة أمة التوحيد وأمة الاتباع للمصطفى صلى الله عليه وسلم التي استعصت على الذوبان فاجتمع عليها الأعداء فلتكن قوتها فيما استهدفها أعداؤها، قوة إيمانها وإسلامها قوة استمساكها بهدي رسولها صلى الله عليه وسلم، قوة اجتماعها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وائتلافها على وحدتها، واجتماع كلمتها، فإنها بذلك تواجه أعدائها، ويقضى الله سبحانه وتعالى فرجاً قريباً ونصراً مؤزراً، وذلك يقين لاشك فيه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب، ولن يغلب عسر يسرين، إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا، كل ذلك يترجم في مثل هذا الشهر، وفي مثل هذه العبادة الممتدة، وفي مثل هذه الصور العملية العامة الظاهرة من العبادات لأمة الإسلام.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يردنا وإياكم إلى دينه رداً جميلاً، وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن يلهمنا الرشد والصواب، اللهم أرنا الحق حقاً وازرقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، واجعلنا اللهم من ورثة جنة النعيم.