رمضان أنت وربك
40 الأحد 16 / رمضان 9 / 1438

14 يونيو, 2016 - 9 رمضان 1437هـ

 

عناصر الخطبة:

* مزايا وخصوصيات الصيام.

* الفرح بلذة العبادة والطاعة.

* ما أحوجنا إلى مراجعة أنفسنا ومواقفنا.

 

الخطبة الأولى

معاشر المؤمنين

وصية الله سبحانه وتعالى لكم في كتابه المبين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران: 102).

إخوة الإسلام والإيمان

* مزايا وخصوصيات الصيام:

رسولنا الكريم نبينا العظيم أعرف الخلق بربه، وأعلمهم بشرعه، وأرحمهم بخلقه، هو الذي بشرنا وقال في ما كان يردده ويذكر به أصحابه وأمته: (قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرُهَا فَقَدْ حُرِم) رواه أحمد في مسنده والنسائي في سننه بسند صحيح.

تأملوا الكلمات من جوامع كلم المصطفى صلى الله عليه وسلم، أمن وإيمان، روح وريحان، زاد للجنان، فيض من الإيمان، فيا شقاء من قابل ذلك وكان حظه الحرمان والخسران، تأملت ما الذي أراد رسولنا صلى الله عليه وسلم أن يصوره لنا في هذه الشعيرة، وهذه الفريضة، في هذا الشهر المبارك، إن المحور الجوهري الذي تقدمه لنا الصورة المكتملة لأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، أن هذا الشهر وهذه الفريضة لها خصوصية في الصلة بالله، ويجسدها لنا القدوة العظمى في هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، تأمل هذه العظمة فيما خص الله به هذه الفريضة، لك أنت أيها المسلم، أنت الفرد الضعيف، أنت المفرد الواحد، مع جلال عظمة الله سبحانه وتعالى، تأمل ما صوره لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي الذي نحفظه جميعاً : (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) تخيل وتصور هذا الحديث، صومك شهرك خاص لله عزوجل، هو الذي فرضه وهو الذي يختاره وهو الذي يجزي به من فضله جل وعلا، وتأمل كذلك حديثه القدسي أيضاً في ذات السياق، وهو يقول : (يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِى) أنت مع الله صلتك به مباشرة، عبادتك له خالصة، صومك لاتبتغي به إلا وجهه، فأنت مع ربك وخالقك سبحانه وتعالى، تأمل حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم عند الشيخين: (لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ).

صوم له خصوصية تمتد إلى مابعد الحياة الدنيا إلى الآخرة، وتصل إلى جلال الموقف العظيم المهيب، عندما تقف بين يدي ربك تجد صيامك بين يديك، فتفرح فرحاً لأنك أخلصت فيه لربك، ولأن ربك تفضل عليك فكان قد خص هذه العبادة واجتباها لنفسه، تأمل ذلك وكن دائماً متفكراً فيه (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) رواه البخاري ومسلم، إيماناً واحتساباً، لاشائبة تشوب هذا الإخلاص منك لربك، صومك له، قلبك معلق به، فكرك منشغل بمرضاته، همك موصول بطاعته، هذا هو الجوهر الذي تبينه لنا أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وانظر إلى الاختصاص في كلامه جل وعلا، القرآن العظيم جعلت له الخصائص الكثيرة في هذا الشهر ومع هذه الفريضة {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} (البقرة:185) وهو الذي فيه خصوصية أن أمين وحيه وخاتم رسله يتدارسان القرآن كل ليلة في رمضان، ليبقى أمرك موصولاً بربك، في كلامه تتلوه تحفظه تتدبره تستعين به سبحانه وتعالى على أن يجعل لك به وفيه مايحيي قلبك، وينير دربك، ويقوّم سلوكك، ويجعلك ماضياً على رشد وبصيرة إلى طاعته ومرضاته جل وعلا.

وأزيدك ممن زادنا منه سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وهو يبين لنا في كل ذلك أنك أنت وربك، وأن صومك له، وأن هذه عبادة لها خصوصية في صلتك بالله واتباعك لرسوله صلى الله عليه وسلم، الدعاء وما أدراك ما الدعاء كيف هي خصيصته في رمضان، روى ابن ماجه في سننه بسند حسن (للصائم دعوة لاترد) قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم لابد أن يكون يقيننا بذلك جازماً، ليس هذا من باب الترغيب فحسب، بل هو حق لاشك فيه، لاينبغي أن يتطرق إليه أدنى شيء من شك (للصائم عند فطره دعوة لاترد) وفي حديث أبي هريرة أو أبي سعيد الخدري شك الراوي، عند الإمام أحمد في مسنده بسند على شرط الشيخين قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ لِلَّهِ عُتَقَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ) وفي الحديث عند ابن ماجه وصححه البوصيري فقال إسناده ثقات (إِنَّ لِلَّهِ عِنْدَ كُلِّ فِطْرٍ عُتَقَاءً وذلك كل ليلة) وفي حديث أبي سعيد (إِنَّ لِلَّهِ عُتَقَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ) رواه البزار وفي سنده من ضعّف، أي خصوصية اعظم من هذه، أي صلة أسرع وأقوى وأوثق من دعوة يخفق بها قلبك، وينطق بها لسانك، وتصل إلى ربك، ويجعل لها خصيصة عنده أن لاترد، وانتظر وتأمل مزيد الخصوصية ومزيد الفرح والسعادة والهناء، فرمضان شهر التوبة ما من أحد إلا ويستقبله بتذكر ماسلف والندم عليه، والعزم على قوة إيمان، وزيادة طاعة، ومسارعة في الخيرات، والله جل وعلا كما أخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم يفرح بالتوبة، فها هو عليه الصلاة والسلام يقول: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ فِى أَرْضٍ دَوِيَّةٍ مَهْلَكَةٍ مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ ثُمَّ قَالَ أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الَّذِى كُنْتُ فِيهِ فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ. فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ» وانتظروا وتأملوا كل هذه الخصوصيات، لتدركوا أن فضل الله عزوجل عظيم، وأن هذه نعم ينبغي أن تطير لها القلوب فرحاً وطرباً، وأن نكون اليوم في أحلى وأجلى لحظات سعادتنا، وفي أمتع أوقاتنا، ليس في وقت يقول لنا الناس فيه، النهار طويل، والحر شديد، والقيام متعب، وكأننا قد صار حالنا هم وغم والعياذ بالله، أو كأننا ننتظر عبئاً ثقيلاً وعملاً لانكاد نتصل به إلا عن كره أو عن شدة ومشقة، وتغيب عنا كل هذه الأفراح، وكل تلك السعادة، التي يخصك فيها رب الأرباب سبحانه وتعالى، أنت وحدك بشخصك وبذاتك، بأنك معه وبأن صومك له، وبأنه هو الذي يجزيك، وبأنه هو الذي لايرد دعائك، وهو الذي أتاح وأمرك وطلب منك أن تتلو كلامه، وأن تتدبر آياته، وأن تعيش مع كتابه، سبحان الله ما أعظم ذلك.

* الفرح بلذة العبادة والطاعة:

الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج يوماً وقد جاءت إبل الصدقة وكان معه مولاه، فولى يعد الإبل وقد رآها كثيرة ففرح، فقال مولاه هذا من فضل الله ورحمته، فقال له عمر: كذبت، هذا مما يجمعون، ثم تلى قول الله:{قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (يونس:58) أين فرحنا بهذه العبادة؟ أين سعادتنا بهذا الصوم؟ أين إقبالنا على القيام وإن طال؟ أين لهجنا بالتلاوة في كل لحظة وآن؟ أين نحن من هذا، وكثيرون منا يقطعون بياض النهار نوماً، وسواد الليل سهراً أو لهواً، ألسنا حينئذ نتذكر (مَنْ حُرِمَ خَيْرُهَا فَقَدْ حُرِم)، أليس هذا ضرب من الحرمان أعاذنا الله وإياكم منه، ألسنا في حاجة أن نحيي الفرح والسعادة واللذة والمتعة لطاعة الله بلا مشقة نستشعرها إذا أقبلنا بقلوبنا، أليس سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في شأن الصلاة أرحنا بها يا بلال، أليس قد قال لنا «إِنَّمَا حُبِّبَ إِلَىَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِىَ فِى الصَّلاَةِ» أمتع اللحظات، وأحلى الأوقات، وألذ وأحلى مايكون فيه العبد يوم يقبل على الله بطاعته، أين نحن من هذا؟ ويشغلنا طوابير نقف فيها لنشتري طعاماً، ونحن في غنىً أن نكون في هذا الوقت الفاضل قبل الغروب مشغولون بهذا، أين نحن من هذا مع ما يدمي القلوب ويقطعها لا أقول حزناً بل أقول ما هو أعظم من ذلك، على الشاشات الفضائية من فسق وفجور ومن مهاجمة للدين ومن إساءة للقرآن في شهر القرآن، ومن تندر بالشعائر والشرائع، وكأننا والعياذ بالله في هذا الشأن أو هذا العمل ليس مجرد حرمان، بل هو أفضع من ذلك وأشنع وأبشع أعاذنا الله واياكم، فلم نعطي لحظة من وقتنا أو ثانية منها في هذه المشاهدة أو تلك، وهل رمضان سيزيد عن ثلاثين يومياً وهل كل يوم سيزيد عن أربع وعشرين ساعة، حتى نفرط أو نقول لابأس، اليوم هو الخامس سدس الشهر قد انقضى، وتوشك خمسة أسداسه أن تنقضي، كل لحظة ينبغي أن تكون عندك أغلى من لؤلؤة ثمينة، لو كنت تعي أو تدرك، لو كنت ترى ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه وعن رب العزة والجلال وهو يخاطبنا بكل هذه الأحاديث التي أوجزت شيئاً منها، وهي أكثر من ذلك: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (يونس:58) سبحانك ربي، وتأمل معي تلك المقابلات وهي مستمرة وكثيرة، وقفت فيها اليوم على قول أسرَني وشدّني وتتبعته فوجدت له جمالاً وروعة في قوله سبحانه وتعالى في الخطاب الذي يكون يوم القيامة: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} (الحاقة:24) قال مجاهد ووكيع وغيرهما: "المقصود به أيام الصيام، والمقصود به الصائمون، لما تركوا الطعام والشراب والشهوة لله جل وعلا، يخاطبون يوم القيامة {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} (الحاقة:24)، قال ابن رجب: "من ترك طعامه وشرابه وشهوته لله يرجوه يرجو عنده عوض ذلك في الجنة، فهذا قد تاجر مع الله وعامله"، والله لايضيع أجر من أحسن عملاً، ولايخيب معه من عامله بل يربح اعظم الربح، فهذا الصائم يعطى في الجنة ما شاء الله من طعام وشراب ونساء: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} (الحاقة:24) هل استشعرنا معاشر المؤمنين هذه الخصوصية في هذه العبادة، وفي هذا الشهر، وهذه الخيرات الكثيرة من فضل ربنا جل وعلا، يخص كل واحد منها، ويأتي رسولنا صلى الله عليه وسلم ليبلغنا إياها ويحثنا ويحضنا على أن تتصل قلوبنا بخالقنا، وعلى أن لا يكون لنا في شهرنا ولا في فريضتنا وقت إلا وهو موصول بطاعة الله، ولا جهد إلا وهو مبذول في مرضات الله، ولا فكر إلا وهو مشغول بتحصيل طاعة الله، تلك هي المزية الكبرى التي تغيرنا في هذا الشهر، هي أن نعظم أمر الله ونهون أمر ماسواه، هو أن نعطي كل شيء لله، ونمنع كل ماينبغى أن لايكون إلا لله، هذه هي الصورة الحقيقة التي ينبغي أن نخلص إلى جوهرها في هذه العبادة العظيمة، وهذه النصوص التي بلغنا إياها رسولنا صلى الله عليه وسلم، فهل تدبرنا بعقولنا وهل تشوفنا بذلك لقلوبنا، أرجو أن نعيد النظر حتى لايمر شهرنا كما مر في أوقات أخرى كثيرة، ونحن مشغولون بالأدنى دون الأعلى، بطعام وشراب وغير ذلك مما أسلفت.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلق قلوبنا بطاعته ومرضاته، وأن يتقبل صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا، وأن يجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم، وأن يكرمنا به يوم القيامة في جنات النعيم، أقول هذا القول واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

معاشر المؤمنين

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، ونحن في أفضل مواسم التقوى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:183).

خصوصية عظيمة في هذا الشهر وهذه الفريضة، تعلق قلوبنا لله، وتجعل وجهتنا واضحة نحو مرضاة الله، ويقودنا فيها ويعلمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم الذي كان هديه في رمضان، كله صلة بالله في كل شيء، بخفقة قلبه ونطق لسانه وتأمل عقله وقيام ليله وإنفاق ماله وإيقاظه لأهله في كل شيء، كان جوهراً كله صلة بالله سبحانه وتعالى وإخلاص له، ليس وقت ولا جهد ولا فكر إلا وهو ذلك دائر ومرتبط به.

* ما أحوجنا إلى مراجعة أنفسنا ومواقفنا:

ولعلي هنا أيضاً أقف وقفة لابد لنا منها، لنرى كم هي النعم علينا مضاعفة، وكم من استحقاق لشكرها عندنا فيه تقصير، اليوم ونحن كما قلت، نسمع الحديث عن طول النهار وشدة الحر نصلي ونحن في المكيفات، ونركب السيارات وهي مكيفة، وننام في بيوتنا وهي مكيفة، أين تلك المشقة؟ تذكر الآن إخواننا في العراق أو في الشام أو في اليمن أو في القدس أو في غيرها، لا أقول حرهم شديد ونهارهم طويل، بل حرهم نار قذائف تصب فوق رؤوسهم لا مأوى لهم لا مكان يسترهم، لاشيء يسد جوعتهم، قد أكل بعضهم أوراق الشجر، وقد رأينا ذلك وعلمناه، فأين نحن بعد كل هذا من صفق في الأسواق، أو لهو أمام الشاشات، أليس في قلوبنا حياة أو ذكرى لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد؟ وأقول هذا وقد فكرت لم أقول وأحياناً ودائماً أذكر نفسي أن لا أقول إلا ما يكون مبني عليه عمل، لكنني أقوله لأن لا ننسى، تزامن دخول هذا الشهر مع ذكرى احتلال بيت المقدس، الذي يسيمه الصهاينة اليهود ذكرى الفتح، وربما رأيتم وسمعتم قطعانهم وهي تقتحم مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتشعل النار في أجزاء منه، ونحن ربما لم نولي ذلك بالاً، ولم نذرف لأجله دمعةً، ولم ننفث نفثة ولم نصنع شيئاً حتى في دواخل نفوسنا، أقول إن الصوم الذي يربطنا بالله ويجعلنا على أثر هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يربطنا بأمتنا بكل مسلم في شرق الأرض وغربها، والذي يربطنا بديننا بكتاب بربنا الذي يجترأ عليه بألسنتنا، للناطقين بألسنتنا، والمتكلمين بلغتنا، والمنتسبين إلى ملتنا، ما أبقوا لأعدائنا شيئاً وقد تكلموا على كتاب الله، واجترأوا على مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، لماذا كل هذا الهجوم على الإسلام وأهله وعلى وبلاد الإسلام ومأرزه في بلاد الحرمين، كل ذلك ونحن نرى هذا ولانتمعر له، ولا نتأثر له، إن هذا لأمر عظيم نحتاج فيه إلى مراجعات كثيرة وهذا أوانها، وهذه فرصتها، وتلك أيامها ولياليها، وهذه عبادتها العظيمة، وتلك أبوابها المفتوحة، فيما أفاض الله علينا من هذا الشهر الكريم، فلتكن هذه الأيام أياماً لله عز وجل، ولتكن هي أيام الفرح الحقيقي، والسعادة الغامرة التي لايمكن أن يكون لنا سعادة مثلها أو توازيها، كيف لاتسعد وأنت ترطب لسانك بذكر الله وتلاوة كتابه، كيف لاتسعد وأنت تخلوا بربك وترفع يديك وتناجيه وتذرف دمعتك بين يديه، كيف لاتسعد وأنت عند الغروب قد صمت لله وتركت الشهوة والطعام والشراب ثم ترفع دعوة لاترد، كيف لاتسعد وأنت تقوم الليل قائماً وراكعاً وساجداً وتالياً، كيف لاتسعد في هذا كله ولاتشعر بالأنس؟ إذاً متى تسعد عندما تشتري طعاماً أو شراباً أو حذاءً أو كساءاً !!

أسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً وأن يذيقنا لذة مناجاته، وحلاوة طاعته، وأن يجعلنا مستشعرين للخشوع والخضوع في دعائنا وتلاوتنا وذكرنا، نسأله عزوجل أن يعيننا على صيام رمضان وقيامه وأن يوفقنا فيه لطاعته ومرضاته، وأن يمن علينا بالمغفرة والقبول والرضوان والعتق من النيران