خطبة الجمعة القوة الرباعية
88 الأحد 16 / رمضان 9 / 1438

01 مايو, 2016 - 24 رجب 1437هـ

 

عناصر الخطبة:

* قوة متينة متماسكة تستعصي على الهزيمة.

* بر الوالدين وشموليته.

* الصلة بين الزوجين بالميثاق الغليظ.

* أهمية صلة الرحم والتحذير عن قطعها.

* أهمية حسن الجوار.

الخطبة الأولى

إخوة الإسلام والإيمان

وصية الله لنا ولكم في آيات القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران102)

معاشر المسلمين،

* قوة متينة متماسكة تستعصي على الهزيمة:

 

لو أن رجلاً وضع يده على جدار فتهاوى وسقط، فهل نقول إن السبب قوة يده، أم أنه في الغالب تصدع ذلك الجدار وضعفه، تلك هي الصورة التي يمكن أن نفهم بها واقعنا الذي ربما تسلط فيه أعداؤنا لا من قوتهم ولكن من ضعفنا، وهنا جولة موجزة في قوة متينة تستعصي على الهزيمة، وفي قوة متماسكة تستعلي على التصدع، أكرمنا الله بها في هذا الإسلام العظيم، حيث جعل قوة المجتمع في تماسكه وترابطه في شتى دوائره وفي كل علاقاته، وهي علاقات قائمة على الإيمان، مرتبطة برضى الرحمن، موصولة من هذه الدنيا إلى مطمح دخول الجنان، حتى يكون المرء المؤمن قائماً بها على أتم وجه، متقرباً بها إلى الله عزوجل، حريصاً عليها وإن تخلى عنها الآخرون.

دعوني أمضي بكم في هذه الدوائر التي تستحق كل دائرة منا أن يكون لها قول مفصل طويل، وأبدأها بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالت: إنه عليه الصلاة والسلام قال: (دخلت الجنة سمعت فيها قراءة قلت من هذا؟ فقالوا: حارثة بن النعمان، فقال صلى الله عليه وسلم : كذلكم البر كذلكم البر كذلكم البر ، وكان أبر الناس بأمه).

 

* بر الوالدين وشموليته:

 

أول دائرة في هذه العلاقات الوطيدة الوشيجة الحميدة الممتدة العميقة هي الصلة بين الأبناء والآباء، بر الوالدين الذي يربط برباط قوي عصي على الانفصام عند المؤمن، بين هذه الأجيال وبين الذرية والآباء والأمهات، قال ابن الأثير: (بر الوالدين يشمل الإحسان إليهما بالقلب والقول والفعل تقرباً لله تعالى، ويقابله عقوق الوالدين، ويعني إغضابهما من خلال ترك الإحسان إليهما)، وقيل إن عقوق الوالدين كل فعل يتأذى منه الوالدان، مع كونه ليس من الأفعال الواجبة أي ليس من الواجب شرعاً عليك فعله، وهنا لست في مقام الإفاضة، لكن هذه الرابطة جاءت في الإسلام كأعلى ماتكون رابطة بين اثنين من البشر مطلقاً، فهي في كتاب الله جاءت بعد توحيده وعبادته في آيات ثلاث، تبرز هذه المكانة: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} (البقرة:83)، وقوله تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} (النساء:36) ، وقوله: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} (الإسراء:23)، وتأمل تقديم الجار والمجرور بالوالدين على الإحسان، ليكون ذلك موضع الاختصاص الأعظم، والشمول الأكبر الذي يشمل كل إحسان من النظرة والبسمة والكلمة والنفقة والمساعدة والملاعبة وكل أمر داخل في عموم هذه الكلمة العظيمة، كلمة البر وكلمة الإحسان، وانظر مرة أخرى إلى آيات ثلاث تؤكد هذا المعنى، من جهة الوصية الربانية التي تتلى إلى قيام الساعة: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ} (لقمان:14) وثانية أيضاً: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً}(الأحقاف:15) ، وثالثة أيضاً: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا}(العنكبوت:8) أنظر إلى هذه المكانة العظيمة، حتى مع افتراق الدين حتى مع اختلاف الوجهة، تظل هذه الصلة عند المسلم صلة تعبد وتقرب لله عزوجل في هذه العظمة الكبرى، وهذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم عند مسلم في صحيحه وعند الترمذي في سننه، وهو جميل ومؤثر ومعبر «رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ». قِيلَ مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» باب الجنة يمر عبر بر الوالدين والإحسان إليهما، والقيام بحقهما، وبذل الجهد في إدخال السرور عليهما، وهذا أمر يوضحه المصطفى صلى الله عليه وسلم في معادلة واضحة صريحة بنص مفهوم معلوم في حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رضى الرب في رضى الوالدين، وسخط الرب في سخط الوالدين» وهذا أمر واضح وجلي في دلالته، وحديث ابن مسعود يؤيد ذلك ويعظم مكان بر الوالدين، عندما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ قَالَ الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا قَالَ ثُمَّ أَيُّ قَالَ ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قَالَ ثُمَّ أَيُّ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» وتأمل رحمك الله كيف تقدم بر الوالدين على الجهاد في سبيل الله، ولذا لو كان هذا المعنى راسخاً في القلوب كما يجب، تقوم عليه التنشئة والتربية الأسرية للأبناء منذ نعومة أظفارهم كما ينبغي، لما رأينا من صور العقوق التي بات بعضها يثير عجبنا حتى كأنه يفقدنا صوابنا، وقد سمعنا وإن كان ذلك قليلاً بحمد الله من قتل أباه أو من أساء إلى أمه واعتدى عليها بضرب أو نحو ذلك، وكم نرى ونسمع اليوم من قضايا في المحاكم بين آباء وأبناء، مما يثير الأمر الذي نتحدث عنه أننا غزينا في هذا الأمر، فصار ضعفاً في بنياننا وتصدعاً في قوة مجتمعنا، لم يكن ذلك كذلك أو لن يكون ذلك كذلك لو كنا مع القرآن والسنة، مع النماذج الفريدة التي تمثل هذا، وهي كثيرة والمقام يضيق عن حصرها.

أم مسعر طلبت من ابنها ماءً في وقت متأخر، فذهب واحضر الماء فجاء ووجدها قد غفت عينها فنامت، فظل واقفاً حتى استيقظت بعد وقت طويل من الليل أو عند انبلاج الفجر فسقاها، إقامة على برها وجلوساً عند رضاها وحرصاً على عدم التأخر عن مرادها ومطلبها، ومحمد بن المنكدر من أئمة التابعين قال: بت ليلتي اغمز قدم أمي، قال: وبات أخي وفي بعض الروايات عمي يصلي ليلته فما وددت أن ليلتي بليلته، لم أقل ليتني قمت الليل واغتنمته في الصلاة، بل وجد ذلك من أنفس الأعمال التي تنافس حتى قيام الليل، فانظر رحمك الله كيف هذا، والأمر يطول والحديث متشعب والنصوص كثيرة، والأمر في غاية الأهمية، غير أني أكتفي بذكر الدائرة فحسب.

 

* الصلة بين الزوجين بالميثاق الغليظ:

وأنتقل إلى دائرة أخرى وهي دائرة مكملة وأساسية، دائرة الصلة بين الزوجين، إنها صلة معقودة بأمر الله، وعلى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنها عقد سماه القرآن وعظّمه بأن جعله عقداً وميثاقاً غليظاً، وماذكر هذا الوصف إلا لميثاق النبوة وميثاق الزواج كما جاء في القرآن الكريم، وتأمل أيها الأخ المسلم كيف أوصاك الله بزوجتك، وجعل تلك الوصايا آيات من كتابه سبحانه وتعالى، وأتعجب حين أتعجب من عظمة بلاغة القرآن في أوامره الوجيزة المعجزة وفي قوله: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (النساء:19) كلمتان فقط توجزان كل الواجب، من الإكرام والاحترام وحسن المناداة وجميل المعاملة والصفح والعفو وتجاوز الهفوات، كل ذلك داخلٌ {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} والمعروف اسم جامع لكل خير من الأفعال والأقوال، وهذا أمر عظيم، وتأملوا وصية سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وهو في آخر حياته يوصي أمته فيقول: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» إن إكرامك لزوجتك إنما هو هدي محمد صلى الله عليه وسلم، تذكر عندما تحسن إليها بأمر في نفقة أو ملاعبة أنك تتقرب إلى الله باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم، وحسبنا في سيرته كمال ليس له مثيل في معاملته لزوجاته رضوان الله عليهن، «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي» كمال قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، تأمل وخذ في ذلك ما تشاء فإن الأمر واسع والله جل وعلا جعل هذا الأمر من الآيات الدالة على عظمته في خلقه وفي رحمته بهم، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم:21) هكذا أرادها الله وهكذا سنها الله سبحانه وتعالى في كتابه، فكيف بالحال الذي نراه اليوم من تسلط وأذىً وضرب وشتم وغير ذلك من أمور نرى فيها الأحوال التي تصل فيها للمستشفيات ومن بعدها إلى المحاكم سلمنا الله وإياكم.

والمرأة كذلك فإن الأمر مكتمل من الجانبين مأمورة بحسن التبعل لزوجها، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من أعظم الأسباب التي تنافس به المرأة الرجال فيما عندهم من العبادات التي ليست واجبة على النساء، قال : «حُسْنَ تَبَعُّلِ إِحْدَاكُنَّ لِزَوْجِهَا، وَطَلَبَهَا مَرْضَاتِهِ، وَاتِّبَاعَهَا مُوَافَقَتَهُ تَعْدِلُ ذَلِكَ كُلَّهُ»، وتأملي أيتها الأخت المسلمة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجعل طاعة الزوج للمرأة من أسباب دخولها الجنة، ويذكر ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَصَّنَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ بَعْلَهَا، دَخَلَتْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَتْ» والأمر كذلك يطول، لكنني أذكر الحلقات التي عندما تضعف وتتصدع يمكن لأي أحد أن يضع يده فيهوي بنيان مجتمعنا، ويُختَرَق من غزو من هنا وهناك، بأغاني ماجنة وأفلام خليعة، لكنها لم تجد تلك البنية الأخلاقية الإيمانية في الصلة والأخلاق والتهذيب كما ينبغي أن يكون.

وحلقة ثالثة تكمّل، وتبين أن لدينا قوة مضاعفة أضعافاً لامثيل لها في أي مجتمع من المجتمعات، سيما وأن هذه الروابط وتلك العلاقات وهذه الدوائر موصولة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، نعملها تديناً ونبادر إليها رغبة في مثوبة الله والحسنات، التي نرجو أن تكون بين يدي الله عزوجل يوم القيامة.

 

* أهمية صلة الرحم والتحذير عن قطعها:

 

دائرة ثالثة دائرة الرحم صلة الرحم، ليس الأمر في هذه الأسرة فحسب بين زوج وزوجة بين أبناء وبنات، كلا، بل هي واسعة، والله عزوجل يقول: {وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} (النساء:1)ويقول الله سبحانه وتعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} (الإسراء:26) له حق في الوصل والإحسان والعون والمساعدة، فهو من هذه الصلة والوشيجة صلة الرحم، مستحق لذلك مستوجب له، وكلنا يعلم العظمة التي ورد بها حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي الذي يرويه عن رب العزة والجلال لما قال: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ اسْمِى فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ» وفي القرآن الكريم تهديدٌ ووعيدٌ شديدٌ قلّ أن يلتفت إليه الناس في شأن قطيعة الرحم {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} (محمد:22-23) وتأمل من جهة أخرى الصلة العظيمة لصلة الرحم بالإيمان «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» والأمر هذا عظيم، والصلة فيه واسعة، والواجب فيه مستقر مؤكد، وليس كما قد تشيع في أوساطنا الاجتماعية من أعراف مختلة، يصوّبها ويصححها لنا النبي صلى الله عليه وسلم من قبل 1400 منذ بعثته، في حديث عبدالله بن عمرو بن العاص يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم «ليس الواصل بالمكافىء ولكن الواصل من إذا قُطِعت رحمه وصلها» هذا هو الوصل الحقيقي من مفهوم إيماني لا بمفهوم العصبيات والاجتماعيات التي يقول لك: مادام قد أعرض عنك فأعرض عنه، وإذا لم يسأل عنك فلماذا تعنّي نفسك، أنت تتعامل مع الله، أنت تتبع أمر الله، أنت تقتفي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنت تبتغي أجراً وثواباً وحسنات، فليكن عقلك إلى هذا المعنى العام العظيم، ولا يكن عقلك صغيرا ً في المهاترات والمنازعات والاستسلام برد فعل النفس من غضب أو نحو ذلك، فهذا من أسباب ضعفنا، ولنتأمل ربط ذلك بالجنة في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم عند أحمد في مسنده وعند الترمذي في سننه قال عليه الصلاة والسلام: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلاَمَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلاَمٍ».

سبحانك ربي كيف كان ذلك كله لنا ونحن عنه غافلون، وربما فيه مقصرون وأسوأ من ذلك وأخطر أن يكون بعضنا عنه معرضون، وهو خطير كما قلت فإنه أي ترك هذا الوصل والوقوع في القطع هو مما جاء القرآن بلعنه كما أسلفت وهو داخل أيضاً في عموم صفة الفسق الواردة في قوله تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ، الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} (البقرة: 26-27) والله أمر بصلة الرحم.

وفي ختام هذه الحلقة حديث للنبي صلى الله عليه وسلم تنخلع له قلوب المؤمنين لأن فيه تهديداً معجلاً في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ في الآخِرَةِ مِثْلُ الْبَغْي وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» أعاذنا الله من ذلك وجعلنا من البر بالوالدين ومن أهل الإحسان والمعاشرة بالمعروف بين الزوجين، ومن أهل صلة الرحم في كل حال وآن، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

إخوة الإسلام والإيمان

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله فهي أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه.

وإن كل هذه الدوائر في الصلات، هي من المأمورات والواجبات، وهي داخلة في تقوى الله سبحانه وتعالى بإتيان ما أمر به واجتناب ما نهى عنه جل وعلا.

 

* أهمية حسن الجوار:

 

ودائرة رابعة توسع الأفق، وتجعل المجتمع كله مترابط، برباط إيماني إسلامي قرآني نبوي يؤكد هذه الصلات ويعظمها في صلة حسن الجوار، والقيام بحق الجار، وكلنا يعرف ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ) والله سبحانه وتعالى أوصى فقال: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ} (النساء:36) وهذا فيه نصوص كثيرة عظيمة، وقد جمع حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين هذه الأمور فقال عليه الصلاة والسلام في سياق حديث طويل: (وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ، وَيَزِيدَانِ فِي الأَعْمَارِ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يموت فيشهد ثلاثة له من جيرانه بخير، إلا قال الله جل وعلا قبلت شهادة عبادي على ما عمل وغفرت له ما أعلم) رواه أحمد والحاكم في مستدركه وصححه.

معاشر المؤمنين مجتمعاتنا قوية بإيمانها، مستعصية على التصدع بإسلامها مستمدة نبعاً من القوة العاطفية في الأخوة والمحبة والإخلاص، من أصل منابع القرآن الكريم ومنابع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومستمدة أعمالاً واجبةً ومندوبةً ومتنافساً فيها لأجل نيل رضوان الله عزوجل، ولأجل اغتنام الحسنات وكسب المثوبة والأجر، ومن أجل اقتفاء هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، كل ذلك يجعل مجتمعنا مترابطاً.

ما باله اليوم يشهد أنواعاً من التصدع، إنها الحلقات لم تبن على الوجه الصحيح، إنها هذه الدوائر لم نعد فيها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لم نمتثل ماجاء في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم من بر ومن إحسان ومن حسن تربية ومن حسن صلة ومن حسن خلق، فإن هذا لو كان على الوجه الأكمل الذي أراده الله لنا، لكانت مجتمعاتنا قوية لن يؤثر فيها ما يثار من عصبيات، وما يروج من عنصريات وعرقيات، وما يثار من أسباب البغضاء والحقد والحسد، وما تثار ناره من الخلافات والنزاعات التي استشرت يوم ابتعدنا عن قوة هذه الصلات، وقوة هذه الدوائر التي أراد الله لنا أن نكون بها أقوياء بإيماننا وإسلامنا بعبادتنا وصلاتنا وزكاتنا، ولكننا أقوياء بوحدتنا بألفتنا بترابطنا ببر أبنائنا لأباهم وأمهاتهم، وبحسن تربية الآباء والأمهات للأبناء، وبحسن معاشرة الرجال لأزواجهم، وبحسن طاعة وتبعل النساء لأزواجهن، وبحسن صلة الرحم على كل المستويات وحسن صلة الجوار في كل الاتجاهات، لو أننا رجعنا إلى ذلك رجوعاً حقيقياً وهو رجوع إلى أمر ووجوب وندب في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولو رجعنا إلى ذلك لننظر إليه وهو من أسباب ألفتنا ومحبتنا، بدلاً من هذه الصدور التي ضاقت والقلوب التي شحنت بكثير من المشاعر السلبية، والصفوف التي تفرقت والأواصر التي تقطعت، علاجنا بين أيدينا في كتاب الله وفي هدي رسوله صلى الله عليه وسلم، علاجنا موجود نقرأه كل يوم آيات تتلى، لكننا لانعطيها حقها من التدبر، ولا نعطيها واجبها من العمل بها.

لعلنا ننظر إلى ذلك فنرى فيه قوة لنا، ونرى فيه تنزلاً لرحمة الله، ونرى فيه صرفاً لما قد يكون من البلاء والعقوبة على ما يجري من قطيعة وإساءة وإيذاء ونحو ذلك منا، نسأل الله عزوجل أن يجنبنا وإياكم إياه، وأن يجعل قلوبنا عامرة بتقواه، وأن يجعلنا سلمًا لأولياه، حرباً على أعدائه، وأن يجعلنا من أهل البر بآبائنا وأمهاتنا أحياءً وأمواتاً، وأن يجعلنا من حسن الصلة والتربية لأبنائنا صغاراً وكباراً، وأن يجعلنا من أهل حسن الجوار وحسن الصلة بالرحم في كل الأوقات وفي سائر الأحوال.

نسألك اللهم أن تلين قلوبنا لإخواننا، وأن تبذر فيها المحبة والأخوة، وأن تنزع عن قلوبنا الشحناء والبغضاء، وأسباب الفرقة والاختلاف يارب العالمين، ألف اللهم بين قلوبنا ووحد صفوفنا واجمع كلمتنا على الحق والتقى والهدى يارب العالمين.

اللهم طهر قلوبنا وزكِ نفوسنا، وهذب أخلاقنا وحسن أقوالنا وأخلص نياتنا، وأصلح أعمالنا وضاعف أجورنا، وأرفع درجاتنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.