خطبة الجمعة إكسير المجتمع
41 الأحد 16 / رمضان 9 / 1438

24 أبريل, 2016 - 17 رجب 1437هـ

عناصر الخطبة

* أهمية الصلح بين الأفراد والجماعات.

* الأجر والثواب المترتب على الصلح.

* من ثمرات الإصلاح.

* الصفات التي يتحلى بها المصلح.

* أهمية الإصلاح بين الزوجين.

الخطبة الأولى

معاشر المؤمنين

وصية الله جل وعلا لكم في كتابه المبين} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ{(آل عمران: 102 (.

إخوة الإسلام والإيمان،

*أهمية الصلح بين الأفراد والجماعات:

يحصل بين الناس اختلاف في وجهات النظر، وقد يقع فيما بينهم اعتداء على الحقوق قولاً أو فعلاً، ويحصل من جراء ذلك نزاعات وانشقاقات، وهذا ليس أمراً غريباً بل هو من طبيعة البشر ومن واقع الحياة، غير أن ديننا العظيم الذي يهدف إلى تراحم الأسرة وتكاتف المجتمع وترابط الأمة جعل في شرائعه وآدابه وأحكامه ماسبق أن ذكرناه من بناء الألفة والمحبة، وما سنذكره اليوم في شأن تصحيح ماقد يكون وقع من خلاف، وذلك لأمر عظيم له أثره الكبير على نفوس الناس وقلوبهم، وعلى وحدة وترابط صفوفهم، وعلى قوة وتماسك مجتمعاتهم، ذلكم هو الصلح والإصلاح بين الناس آحاداً وأفراداً ومجموعات وجماعات، وهذا أمر عظيم وسعي مهم ذكره الله جل وعلا في أجّل الأمور وأعظمها مما قد يقع، وكذلك في الأمور التي قد نعتبرها يسيرة أو هينة وسهلة، فالحق جل وعلا يقول: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} (الحجرات:9) وهذا فعل أمر، كما قال السعدي (هذا أمر بالصلح وبالعدل في الصلح)، لأن الله سبحانه وتعالى قال: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ} (الحجرات:9) فهذا أمر بالعدل في الصلح كذلك فإن الصلح قد يوجد، ولكن لايكون بالعدل بل بالظلم والحيف على أحد الخصمين فهذا ليس هو الصلح المأمور به، فيجب أن لا يراعي أحدهما لقرابة أو وطن أو غير ذلك من المقاصد والأغراض، والإصلاح نستطيع أن نقول إن له أساساً متيناً في كل مجتمع، بل يعد قاعدة في الإسلام تشريعية تعمل على صيانة المجتمع المؤمن من الخصام والتفكك، فهي معالجة لما قد يطرأ على أصل المحبة والوئام، وهي مرممة لما قد يحصل من أثر التشقق والانفصام، وهذا كله من عظمة الإسلام، والله جعل وعلا جعل هذا الإصلاح مهمة مرتبطة بتقواه سبحانه وتعالى: {فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} (الأنفال:1) وقال جل وعلا: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}(الحجرات:100)، ثم بين أن ذلك من مظنة التقوى وحصول الرحمة، لأن تقوى الله عز وجل هي التي تحيا بها القلوب، وهي التي يعصم بها الناس من الميل بالهوى هنا أو هناك، فيتحقق بها العدل والإنصاف، ويقع بها بالصلح الوئام بعد الخصام، وذلك كله فضل من الله سبحانه وتعالى، بل إن الأمر بالإصلاح جاء عاماً في أمة الإسلام، دون أن يكون مرتبطاً بالخصام في أعلى درجاته نزاعاً وقتالاً، فالله جل وعلا يقول: {فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ} (الأنفال:1)، قال ابن كثير في تفسيره (أصلحوا فيما بينكم ولاتظالموا ولاتخاصموا ولاتشاجروا فما آتاكم الله من الهدي والعلم خيرٌ مما تختصمون بسببه) وقال ابن عباس رضي الله عنهما هذا تحريج من الله على المؤمنين أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم، تحريج من الله أي أمر فيه حث وحظ لكي يكونوا دائماً مبادرين إلى الصلح والإصلاح، لئلا تتسع الشقة ويعظم النزاع، فإن الأمر إذا لم يتم مبادرته لهذا الإصلاح يتفاقم ويتعاظم، والكلمة تتبعها كلمة، والكلمات يقع بها موقف، والموقف يتبعه مواقف، ثم تزداد الشقة والفرقة أعاذنا الله وإياكم.

والقرآن في كلماته المعجزة البليغة يعطينا قاعدة في كلمتين اثنتين لا ثالث لهما، في قوله جلا وعلا {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} (النساء:128)، والصلح هنا هذه (ال) التعريفية الاستغراقية أي كل أنواع الصلح، فيما بين الأزواج فيما بين الشركاء فيما بين الخصماء، كل ذلك الصلح داخل هنا، ثم قال (خيرٌ) كلمة منكرة ومنونة لتدل على العموم، أي أنه خير في كل الأحوال، خيرٌ وإن حصل أن تنازلت عن حق من حقوقك أو شيء من مالك، خيرٌ وإن قلت إني مخطئ ولم تكن مخطأً، خيرٌ وإن بادرت فبذلت في ذلك جهداً أو مالاً فكل ذلك خير بإذنه سبحانه وتعالى، فإن هذا الخير له أثره العظيم لماذا؟ لأنه ليس خيراً مقتصراً على نفسك، كصلاتك التي تصليها أو تلاوتك التي تتلوها بل هذا سعي يحسن به النفع لعموم الأمة ويقع به الخير بين الناس، ومن هنا هذه الكلمة أو هذه القاعدة أو هذه الجملة القرآنية العظيمة، تدعونا إلى أن نتسابق إلى هذا الخير، أن يكون كل منا ساعٍ بالإصلاح ومبادر إليه، وإن لم يكن قادراً عليه فليحض غيره عليه، أو ليكن وسيطاً ليتحقق هذا الإصلاح، فهو خيرٌ فيه استقصاء لكل مافيه من هذا المعنى العظيم، والخير كما يقول السعدي: (يطلبه كل عاقل ويحث عليه)، وهذا من الأمر العظيم الذي نحتاج إليه.

*الأجر والثواب المترتب على الصلح:

ثم إليكم مايحث ويحض ويزيد الأمر ترغيباً في هذا الصلح والعمل به والسعي إليه، وهو الأجر والثواب العظيم، فإننا نبتغي الأجر والحسنات في الصلوات في الصيام في الصدقات في كل ذلك، ولكنه قد يغيب عن بالنا أن هناك أجراً عظيما في هذا الباب من أبواب تماسك المجتمع وترابط الأمة، {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} (النساء:114)، بلا تحديد فهو أجر عظيم من الله سبحانه وتعالى، وكما قال الحق جل وعلا: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}(الشورى:40)، وتأمل هذه الكلمة العظيمة (أجره على الله)، تخيل كيف يكون الأجر إذا كان من الله، إنه قطعاً أجر عظيم، إنه قطعاً أجر نافع ومفيد، إنه قطعاً هو الأجر الأمثل الأعظم الذي لامزيد عليه، ولا منتهى للوصول والبلوغ إليه {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} (الشورى:40)، سبحانك ربي ألا تفكر عندما يكون بينك وبين أحد نزاع، ويأتي وسيط ليصلح فتتشدد وتعاند، وتنسى أنك إن أصلحت وتنازلت فإن لك الأجر من الله، وإن خسرت دريهمات، وإن خسرت موقفاً تظن أن لك فيه هيبة أو مقام أو نحو ذلك، وتأمل فعل الصديق أبي بكر رضي الله عنه، وقد تكلم مسطح ابن اثاثة وكان قريباً له من المهاجرين، وكان أبوبكر ينفق عليه، فتكلم وخاض مع الخائضين في حادثة الإفك المتعلقة بأمنا عائشة رضي الله عنها، فأمسك عنه نفقته، فلما جاء القرآن يحض ويحث {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}(النور:22)، عفى وغفر وأعاد النفقة على من كان قد تكلم في عرض ابنته، وإن كان قد استغفر وتاب، هذه هي النفوس العظيمة التي ترتفع عن حظوظها الشخصية، وترنوا بآمالها ونظرتها إلى ثواب الله، إلى مقامها وقدرها عند الله، قد تتنازل فيصغر مقامك عند الناس لأنهم لاينظرون بالنظر الصحيح، لكنك عند الله تعظم وترتفع وتسمو، لأنك أردت وجهه وابتغيت مرضاته، واستعليت على حظ نفسك، وهذا لعمري أمر كبير، {وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} (الأعراف:170)، من يصلح ويسعى بالصلح والإصلاح لايضيع أجره عند الله سبحانه وتعالى أبداً، لايضيع أجر سعيه ولا تعبه ولا تفكيره ولا ماقد يبذله من جهده وماله بحال من الأحوال، بل قد جاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم واضحاً صريحاً جميلاً مؤثراً من جوامع كلمه حين قال : «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّدَقَةِ»، قَالُوا بَلَى. قَالَ: «صَلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِىَ الْحَالِقَةُ». وفي رواية الترمذي «هِىَ الْحَالِقَةُ لاَ أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ» عندما تأتي الحمية ويقع الخصام يخرج كثير من الناس عن مقتضى دينهم، فيسب ويشتم وهو مطالب أن لايفعل ذلك، ويعتدي ويظلم وهو محذر من ذلك، ويقع منه ما لاينبغي أن يكون من مؤمن ومن مسلم مع أخيه المؤمن والمسلم، بل حتى مع غيره من البشر، بل حتى مع البهيمة لاينبغي أن يكون من المرء اعتداء أو ظلم بحال من الأحوال، وإن التفريق وإثارة الضغائن كما قلنا هي من ذات نسب وسبب بالكفر والطغيان وبكل ما لا يتفق مع دين الإسلام وعظمته الذي يؤلف ويربط بين قلوب أصحابه كما يجعل التعارف والتعايش والرحمة لغير أتباعه ولغير المنتسبين والمنتمين والمعتقدين له في حقيقة الأمر كما شهد بذلك تاريخ الإسلام وحضارته.

* من ثمرات الإصلاح:

وهذا الإصلاح له ثمار عظيمة فهو من دلائل تحقق كمال الإيمان، لأن الله عزو جل لما خاطبنا وذكر لنا هذا الإصلاح بين لنا صلته بالإيمان، كما قال جل وعلا: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} (الأنفال:1) ثم ربط ذلك بالإيمان (إن كنتم مؤمنين) وعقب بعد ذلك أيضاً {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (الأنفال:2) فكأن جوهر الإصلاح هو حقيقة كمال الإيمان، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه كذلك.

وهذا أمر آخر وثمرة عظمى وهي الأمان والأمن والحفظ للمجتمعات، لأنه إذا كان بين الأمة من يسعى بالإصلاح فإن هذا من أسباب رفع البلاء، أما إذا عم الفساد وانتشر، ولم يكن ناطق بالحق ولا آمر بالمعروف ولا ناه عن المنكر ولا ساع في الإصلاح، فإن ذلك من مظنة نزول سخط الله واستحقاق العقوبة، أعاذنا الله واياكم، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (هود:117)، إن كان السعي بالإصلاح فذلك من أسباب الأمن والأمان، وقال الفاروق عمر بن الخطاب ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فإنّ فصل القضاء يورث الضغائن، ما معنى ذلك؟ لنصل إلى النتيجة في الاختلاف بالإصلاح، مع كونه يمكن أن نصل إليها بالقضاء، لكن القضاء حكمٌ فاصل عادل، تبقى في النفوس أشياء، لأنه يشعر بأنه أرغم على هذا الحكم، ولم يكن بطيب نفس، أما في الصلح فإنه يستميل القلوب، فإنه يجعل النفوس قد تأخذ الحكم ذاته كما هو في الحكم القضائي لكنها تأخذه وهي راضية، ويكون الصلح سبباً لحصول الحق والعدل بالرضا بينهما، مع بقاء الألفة والعصمة ورجوع العلاقات إلى ما كانت عليها، أمنا في أحوال كثيرة فإننا نجد الناس يخرجون من المحكمة ومن مجلس القضاء قد حكم بينهم، وفصل القضاء بينهم، لكن هذا هنا وذاك هناك، ويكون في كثير من الأحوال استمرار الخصام والنزاع والقطيعة، أعاذنا الله وإياكم.

كيف نسعى بالإصلاح، وقبل ذلك لابد أن يكون كل منا مستشعراً أهمية هذا الإصلاح، وأنه هو صاحبه لاتنتظر من غيرك حتى وإن كانت وسائلك أو قدراتك دون ذلك فاسع به مع غيرك، لأننا حينئذٍ سنكون أمة إصلاح وصلح، كم نعرف اليوم، الآن في ذهن كل واحد منكم يعرف اثنين من أصدقائه أو من أقربائه هو ذو صلة بهما صلته بهما حسنه، لكن بينهما خلاف لم يكلف نفسه يوماً أن يقول لهذا لم لا تفعل أو لهذا لما لاتفعل أو يسأل أو يصنع شيئاً، ولا يدري ما الله صانع أحياناً تقول ماذا سأصنع؟ لافائدة مما أفعل، لكننا كما سأذكر، رب كلمة تطيب بها القلوب وتمحى بها الضغائن، ويكتب الله لك بها أجراً لهذه الصفوف التي اقتربت وأتلفت والقلوب التي تراحمت وتصافت بإذنه عزوجل.

*الصفات التي يتحلى بها المصلح:

أول أمر في الإصلاح، إخلاص النية وابتغاء وجه الله، إن أخلصنا النية لله وابتغينا وجهه فإن الأمور بإذنه عزوجل تتيسر، كما قال الحق سبحانه وتعالى: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}(النساء:114) وهذا أمر في غاية الأهمية {إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً} (النساء:35) إن قصد الإنسان ذلك، إن كانت نيته متوجهة إليه فسيؤتيه الله عزوجل بإذنه أجراً ييسر الأمر ويسهله.

الأمر الثاني تحري العدل، فإن الذي يخوض بين الناس بالصلح هو قاضٍ، هو حكم ينبغي أن يكون عادلاً، لايميل مع هذا أو ذاك، أو لاتؤثر في موقفه المصالح ولا المخاوف، أحياناً تكون قد انتدبت للصلح بين اثنين فيأتيك من يقول افعل كذا، ويلمح بأنك إن فعلت سيكون لك شيء وان لم تفعل فسيكون عليك شيء، هنا ينبغي التجرد لأن العدل هو الأساس {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا}(الحجرات:9)، وترجم البخاري في صحيحه بابُ: (إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود)، لأنه لايقبل صلح يحل حلالاً أو يحرم حراماً أو يوقع ظلماً، وكما قال الفاروق عمر رضي الله عنه في رسالته الشهيرة إلى أبي موسى الأشعري قال: (والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً)، ومثل ذلك قاله النووي رحمه الله في شرح مسلم في هذا، أن الصلح الفاسد يرد يعني لايقبل.

ثم أيها الأخوة سمة ثالثة في الصلح نبتغيها وهي المشاركة والاجتماع، وهذا من هدي وسنة النبي صلى الله عليه وسلم إن رأيت من انتدب للصلح كن معهم ولو أن تكثر الحضور، إذا كان ذلك نافعاً كن معه بتشجيعه، كن معه بالسعي معه إذا كان الأمر بين جمعين أو قبيلتين أو نحو ذلك، فإنه قد ورد في حديث سهل بن سعد عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ فَقَالَ: «اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ»، فخرج ومعه نفر من أصحابه، انظروا إلى المبادرة لم يطلب منه أحد عليه الصلاة والسلام التدخل في الصلح لكنه سمع أن نزاعاً وقع، فبادر ثم حث معه أصحابه حتى يشاركوا وحتى يكون بجمعهم أثر عندما يأتي للصلح واحد فلا يكون الأمر كما يكون اثنان أو ثلاثة، فإن ذلك يعظم عند الفريقين المختلفين، وربما يكون له وقع أكبر بحسب مقام هؤلاء المصلحين، وربما أحياناً بحسب تخصصهم فإن كان الخلاف فيه أمر مالي فهذا يعرف فيه وان كان أمر مختص بالقضاء والقانون، فهذا يعرف فيه، فتكتمل الحلقات التي نبتغي الوصول إلى الصلح وإزالة أسباب الخلاف والنزاع بإذنه سبحانه وتعالى.

الأمر الرابع، وهو مهم أيها الأخوة، كثيرون منا يبذلون في الخير وينفقون، وهذا باب من أبواب النفقة المهمة، أي أن ننفق لنصل إلى الإصلاح بين الناس، وقد ورد الحديث الشهير في حديث قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلاَلِىِّ قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَسْأَلُهُ فِيهَا فَقَالَ «أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا ». قَالَ ثُمَّ قَالَ « يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَحِلُّ إِلاَّ لأَحَدِ ثَلاَثَةٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاَثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلاَنًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا»، إذاً نحتاج كذلك إلى أن نجعل، وهذا كان مشهوراً معروفاً في مجتمعاتنا في عهد قريب، أنهم يضعون صندوقاً للصلح، يضعون فيه المال من المقتدرين، حتى إذا وقع خلاف أو نزاع واقتضى ترضية لا يملكها ذلك الذي عليه الحكم سعوا فيها، بل حكم الإسلام وتشريعه في شأن الديات قائم على هذا، فالدية تتحملها العاقلة وهم أقارب الرجل وعصباته، حتى يعطوا الدية لمستحقها، وهذا الذي ليس عنده يتعاضد قرابته لكي يأدوا ذلك، فهنا تكتمل المنظومة من نية صالحة، ومن عدل مستهدف، ومن سعي مشترك، ومن مالٍ مسعف، فتكتمل الأحوال كلها حتى يتم بعون الله عزوجل حصول الصلح في المجتمع بشكل دائم، وقد كانت مجتمعاتنا فيها مصلحون وفيها وجهاء دائماً يرجع إليهم، فتتخلص المجتمعات من معظم المشكلات، ولا يبلغ إلى الحاكم أو القاضي إلا النزر اليسير، واليوم لما ضعف الإصلاح في مجتمعنا، عظمت تلك الشكاوى والخلافات والنزاعات التي تمتلئ بها أروقة المحاكم، نسأل الله عزوجل أن يديم الصلح فيما بيننا وأن يطهر ويزكي قلوبنا ونفوسنا على إخواننا، وأن يجعلنا من الساعين إلى التنازل في الخير والصلح إنه جل وعلا ولي ذلك والقادر عليه.

أقول هذا القول واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

إخوة الإسلام والإيمان،

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه.

وتقوى الله معاشر المؤمنين منها ومن تحصيلها ومن آثاراها السعي في الصلح والإصلاح، وهذا كما أشرنا هو من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إنه ورد في تلك القصة التي مضى بها النبي إلى قباء ليصلح بين الناس، أنه تأخر عن الصلاة حتى أقيمت الصلاة، فجاء يشق الصفوف حتى لحق وأدرك عليه الصلاة والسلام لعظمة الإصلاح وأهميته.

* أهمية الإصلاح بين الزوجين:

كذلك الإصلاح بين الزوجين له أهمية كبرى، لأنه في الدائرة الحساسة المهمة في النواة الأساسية الصلبة في المجتمع، وكم رأينا اليوم أيضاً من أسباب شقاق ونزاع وطلاق وخلع وفراق تصدعت به الأسر وتشتت به الأبناء، لأننا افتقدنا إلى الآداب والأحكام والواجبات بين الزوجين، وافتقدنا إلى السعي الصحيح للصلح بينهما: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} (النساء:128) وهذا أمره ظاهر وبيّن {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا} (النساء:35)، كم نحن بحاجة إلى أن ننتدب إلى هذا الميدان، وأن نحرص عليه، وأن نبادر له، حتى لاتعظم هذه النزاعات الأسرية التي بتنا اليوم نتجرع من آثارها، في تفرق كبير بين الأسر وفي نوع من الضياع للأبناء، سلم الله أبناءنا وأبناءكم ومجتمعنا كله من ذلك، فينبغي لنا أن ننتبه إلى هذا، وندرك أن الإصلاح يقع به خير كثير، لعل أعظم صوره هو حقن الدماء وحفظ الأرواح، فالذين يسعون في الصلح في أمور نزاعية فيها قتال، لاشك أن هذا من أعظم الأعمال وأجلها، وقد كان حتى قبل الإسلام في حرب الفجار لما كان أمر الحروب، ولما جاء وعد في عام قابل جاء رجل اسمه عتبة بن ربيعة قال: هل لكم في خير من ذلك، كل عام تقتتلون وتتواعدون، قالوا وما عندك؟ قال: الصلح، قالوا: وما ذك؟ فقال: نتحمل دياتكم وتقبلون كذا وكذا فقبلوا منه، فانتهى أمر كان مستمراً، كل عام تزهق فيه أرواح وتسفك فيه دماء، ومثل ذلك أيضاً يكون في أمر فيما يتعلق بين الأسر والزوجات ونحو ذلك، والأجر في هذا عظيم والأثر له كبير.

ومما أثر عن الصحابة رضوان الله عليهم كلمات جميلة تبين تعظيمهم لقدر ذلك، فأثر عن أنس رضي الله كما ذكر القرطبي في تفسيره أنه قال: (من سعى بالصلح فله بكل كلمة عتق رقبة) ومحمد بن المنكر يخبر أنه كان بين رجلين نزاعٌ، قال: فملت بهما أي إلى ناحية من المسجد فأصلحت بينهما، فقال أبو هريرة رضي الله عنه: (من أصلح بين اثنين كان له أجر شهيد). هذه معان كانوا يحرصون عليها مع أن قلوبهم كانت تقية ونقية، ونزاعهم كان يسيراً وقليلاً، لكن القليل من ذلك كانوا يبادرونه بالاعتذار والصفح والعفو وبالمبادرة إلى الإصلاح، فنحن بحاجة إلى هذا الأمر حتى تعود إلى مجتمعاتنا الصورة التي قلناها عندما قلنا من أنتم؟ نحن أمة الإسلام، أمة الوئام، أمة السلام، أمة الوحدة والألفة {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء:92).

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يؤلف بين القلوب وأن يوحد بين الصفوف وأن يزيل أسباب الشحناء والبغضاء وأن يجعل في قلوبنا المحبة والصفاء.

أسألك اللهم يا حي ياقيوم أن تجعل لأمتنا من بعد فرقتها وحدة، ومن بعد ذلها عزة ومن بعد ضعفها قوة، اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد وألهمنا الرشد والصواب.