حوار هادئ مع شباب الصحوة
7 الأربعاء 19 / رمضان 9 / 1438

كتب: الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح

11 نوفمبر, 2009 - 23 ذو القعدة 1430هـ

 

 

المقدمة

هذه الصحوة المباركة بما فيها من أعداد كثيرة مقبلة على الخير، ومن أعمال جليلة عظيمة، لها أثرها الكبير في مجتمع المسلمين، وبما تبعث من أمل في النفوس بمستقبل زاهر، يؤمَل ويرجى أن يكون قريباً لهذه الأمة، لهذا كله حق على كل غيور على دين الله، ومحب للخير والخيِّرين الصالحين، حق عليه أن يرعى هذه المسيرة، وأن يباركها، وأن لا ينساها من كل ما يعين على تصحيح المسيرة، وعلى تكميل جوانب الخير الذي بدأت بوادره، فإن المقصد هنا هو أن يكون من بيننا، من ينبِّه، ويوجه، ويفتح الحوار الذي نحن في حاجة ماسّة إليه، نحن في الحقيقة في حاجة إلى الحوار والتناصح، وذلك لأمور ومنافع عديدة:

الجولة الأولى: أسباب التناصح

السبب الأول: أنه مطلب شرعي؛ فإن التناصح من دين الله - سبحانه وتعالى -. والله - جل وعلا - وصف المؤمنين والمؤمنات بأنهم {بعضهم من بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} وقال - صلى الله عليه وسلم - (الدين النصيحة) وفي حديث جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - أنه قال: " بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام فزادني والنصح لكل مسلم ". هذا المعنى الشرعي يجعلنا نحرص على أن نتواصى بالحق والصبر، وعلى أن نتناصح فيما بيننا.

السبب الثاني: النصح عندما يأتي من محب مخلص، يؤتي ثماره، ويحقق آثاره، ويكون نقد تصحيح، لا نقد تجريح، وينتفع به الناصح والمنصوح بإذن الله - سبحانه وتعالى -، لأن الذي ينطلق من منطلق يقصد به الخير، ويأخذ الوسيلة المشروعة، ويلتزم أدب الإسلام، ويتحدث بحجة الدليل؛ لا شك أن أثر حديثه - وإن كان نقداً أو نصيحةً – يكون له أثر محمود للناصح والمنصوح، أجراً ومثوبة، وتصويباً وتصحيحاً. 

السبب الثالث: أن هذا الحوار والتناصح يسد الباب على أصحاب الأغراض، الذين يتربصون بالخير وأهله الدوائر، يتلمّسون عثرتهم، ويترقبون زلتهم، ليدخلوا من باب الحوار، ومن باب التناصح، ومن باب لزوم بيان الخطأ.
من هذه المداخل يدخلون، لكن بنيات غير محمودة، وبأساليب غير مشروعة، فإذا بهم يكبرون الخطأ الصغير، ويشيعون الزلة العابرة، بل يزيدون من عندهم اختلاقاً وافتراءً، ويلبّسون ويزيّفون الحقائق، قصداً وتضليلاً؛ فإذا نحن فتحنا الحوار، وذكرنا ما عندنا، وما قد يحصل بيننا، وكلنا ذلك الرجل (كل ابن آدم خطّاء وخير الخطاءون التوابون) كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن ذلك يسد ويقطع الطريق على الدخيل، الذي له مقاصد ومآرب شتى.

السبب الرابع: أن هذا الحوار والتناصح في الحقيقة؛ هو تقييم للمسيرة، وتصحيح للخطأ، ويكمل من خلالها النقص، وتزول بواسطته أسباب الخلاف، وتتضح عبره الرؤية، وهو أول طريق بإذن الله - سبحانه وتعالى - لكثير من الخير لأن الاعتراف بوجود النقص، أو الخلل هو أول خطوة للإصلاح، أما عندما يظن المرء نفسه غير مخطئ، فما الذي يدعوه إلى النظر في سلوكه، أو التأمل في أفعاله، وإذا ظن نفسه مصيباً، ولكن الناس من حوله يحبونه ويخلصون له، ويوافقونه على الخير الذي هو عليه، إن لم يكن منهم أمرٌ بمعروف، و نهي عن منكر؛ فإن ذلك يبقي الخطأ والنقص على ما هو عليه، ونحن من واقع المحبة، والرغبة الصادقة، في أن يكون المسلمون الملتزمون بدينهم مثالاً قريباً من الكمال، لأن الكمال لا يدرك شأوه، وأن يكونوا أيضاً نموذجاً يحتذى ولا أن يكون في ظواهرهم من أقوال أو أفعال، ما يعتبر مأخذ لآخذ سوء من جاهل أو مبغض وهذا هو المقصد الأهم.

السبب الخامس: هذه الصحوة فضل من الله كبير، ونعمة عظمى، فلا بد من الحفاظ عليها، ومن هذا المنطلق جاء هذا الموضوع وهذا الحوار. 

ووقفة أخرى: معلوم أن الحوار يكون بين متحاورين، والدرس في غالب الأمر يكون من طرف واحد، ولكنني أحب أن أشير إلى أن الحوار موصولٌ، ونظراً لما قد يكون في الموضوع من مسائل ونقاط كثيرة؛ فإنه لن تكون هناك أسئلة في آخر الدرس، بل سنجعل ما يرد من الأسئلة في هذا الدرس وبعده من المشاركات أو الاعتراضات أو الاقتراحات نجعلها موضوع لدرس لاحق، يتحقق به الحوار والمشاركة، وبحسب ما يرد يكون العنوان، فإما أن يكون هادئاً، أو يكون ساخناً، ولكن على أي وجه من الوجوه؛ فإن قصد الخير، واتباع الأسلوب المشروع هو الذي يكفل بإذن الله - سبحانه وتعالى - الفائدة والمنفعة المرجوة.

الجولة الثانية: مجالات الحوار والتناصح

المجال الأول: الصلة بالله سبحانه وتعالى

أولاً: الاهتمام بالفرائض والنوافل
وهذه النقاط التي أذكرها نوع من المكاشفة والمصارحة، وليس فيها تخصيص وإنما هي تعميم، يعلم كل أحد أن له حظاً، وأن له نصيباً، في الواقع نعلم جميعاً أن أول بدهيات الالتزام بهذا الدين؛هي الحرص الكبير الشديد على الفرائض والاجتهاد قدر الطاقة في النوافل، والمسابقة والتنافس في الخيرات، هذا هو المعهود الأليق بالملتزم بدينه، فضلاً عن الداعي إلى هذا الدين، أو المنسوب إلى زمرة طلبة العلم، ودعاة الخير، وإننا رغم هذه البدهية، نجد أيضاً قصوراً عند بعضنا، لا يخفى ما فيه من عدم الملاءمة مع هذه الانتساب للدين، وللدعوة، والعلم، وكذلك يظهر فيه أنه نوع خلل في الفهم، أو نوع خلل في ضعف الإيمان، أو نوع خلل على أقل تقدير في الهمة والعزيمة.
أين نحن من الصفوف الأولى في الصلوات؟ والحديث يوجه إلى شباب الصحوة، كم نرى عندما يسلّم الإمام من صلاته، من يقضون بقية الركعات من هؤلاء الأخوة الطيبين، المقبلين على الخير، وما كان ثمة شيء يشغلهم إلا أحاديث عارضة، أو قضايا لا يمكن أن تكون مزاحمة لهذا الأمر الأساسي في هذا الدين، ومعلومة هي النصوص المفضلة، أو الذاكرة لفضل التسابق في الخيرات والمبادرة، كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصف الأول (.. ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) ونحن نرى هذا التقصير، ونعلم من قصص السلف ما هو مناقض لهذا بالكلية، بل سمتهم الغالبة تصبغهم بغير ما نرى من هذه الصور، في النقص والخلل.
أحدهم كان ممن يشتغل بالحدادة، فإذا سمع النداء وهو يطرق حديدته، لا يعيد طرقها، بل ينتقل إلى عبادة الله - سبحانه وتعالى -. وأحدهم يلقب بالصفيّ؛ لأنه ما فارق الصف الأول خمسين سنة. وسعيد بن المسيب - رضي الله عنه - يُذكر عنه أنه ما فاتته تكبيرة الإحرام أربعين سنة. والتبكير للجمعة الذي ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث الساعات الست، أيضاً نجد كثيراً من شباب الصحوة وأهل الخير يقصرون عنه، فلا يأتون إلا في أوقات متأخرة، أو عندما يرقى الإمام المنبر، أو عندما يبدأ خطبته، وما ثمة عائقٍ إلا ما أشرنا إليه من قبل، أين هؤلاء من قيام الليل ومن المداومة على تلاوة القرآن والمحافظة على الأوراد والأذكار المأثورة؟.
كل ذلك لا شك أنهم يأخذون منه بحظ، لكن بعضاً يكون حظه من ذلك دون الحد المطلوب، ودون الصورة اللائقة بالمقبلين على الخير المنتسبين للدعوة، فهذه الصور واضحة، ونحن ننقد أحياناً بعض المقصرين، وربما ينقد الشباب بعض آبائهم، أو أقاربهم من كبار السن، على بعض ما يتلبسون به من المعاصي، لكننا نجدهم يسبقونهم في هذا المضمار، فكثيراً منا لا يوقظه لصلاة الفجر إلا أبوه أو أمه، ولا يسابقه في كثير من المجالات، إلا من هو أكبر منه سناً من هؤلاء الأقارب، ثم نحن ننقد هذه الصور، ولا نرى ما لهم من الفضل في مثل هذه الجوانب, وكثيرة هي الأمور الداخلة في هذا الإطار، فإن أيضاً ما يتعلق بالتلاوة والذكر لله - سبحانه وتعالى - فيه قصور كبير عند كثير من هؤلاء.
ونقطة أخرى في مسألة الصلة بالله، لا نطيل فيها الحديث لظهورها، ولأن كل واحد منا عنده منها نصيب كثر أو قل، وكل أعلم بنفسه {بل الإنسان على نفسه بصيرة}

ثانياً: الالتزام يشمل جانب الظاهر والباطن
لا بد أن نعرف أن الالتزام يشمل جانبي الظاهر والباطن، بل إن أمر الباطن ربما كان أعظم وأكثر أهمية، فنحن حينما نحرص على السنن الظاهرة،وعلى الإتيان بما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمور الهيئات والأفعال، فكذلك من باب أولى أن نحرص في التزامنا على ما ثبت عنه - عليه الصلاة والسلام - وما ثبت في القرآن، وما ثبت في هذا الدين، من أمور الباطن، تزكية للنفس، والأعمال التي تسل سخائم القلوب، وبعداً عن الشحناء والبغضاء، وإحساناً للظن بالناس، كل هذا دائر في هذه الدائرة، أما أن يكون التزامنا في جزء دون جزء، فهذا نوع نقص فيما يتعلق بالامتثال لأمر الله - سبحانه وتعالى -.
إننا نلتزم سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في إعفاء اللحى، وقد يشتد نكيرنا على من لا يلتزم ذلك، وكذلك نلتزم سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في تقصير الثوب، وقد يشتد نكيرنا عل من لم يمتثل ذلك، ثم نفرط نحن أيضاً في أمور لها من الأهمية ما هو أعظم وأسمى، لا يقول قائل أن يترك هذا من أجل هذا، لكن لا بد من أن يقترن هذا بهذا، لأن كلا الأمرين واجب لازم مندوب إليه في شرع الله - سبحانه وتعالى-، ونحن نعلم أن دائرة النصح والحوار ينبغي أن تتسع لها الصدور،لأنها من واجب المسلم تجاه أخيه المسلم، ومن ذلك ما ذكره ابن مفلح في الآداب الشرعية، حينما قال: و مما للمسلم على المسلم أن يستر عورته، وأن يغفر زلته، ويمسح عبرته، ويقيل عثرته، ويقبل معذرته، ويرد غيبته، ويديم نصيحته، ويحفظ خِلّته، ويرعى ذمته، ويجيب دعوته، ويقبل هديته، ويكافئ صلته، ويشكر نعمته، ويحسن نصرته، ويقضي حاجته، ويشفع مسألته، ويشمِّت عطسته، ويرد ضالته، ويواليه ولا يعاديه، وينصره على ظالمه ويكفُّه عن ظلمه غيره، ولا يسلمه ولا يخذله، ويحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه. 
هكذا ينبغي أن يكون المسلم للمسلم، ولذا ذكر عن الإمام أحمد - رحمة الله عليه -؛ قال رجل لمسعر بن كدام - من أئمة أهل العلم -: أتحب أن تُنصح؟ قال:أما من ناصح فنعم ! ـ إذا كان النصح من ناصح فنعم ـ وأما من شامت فلا. وهذا الذي أشرنا إليه نسد به الباب على شامت، أو حاقد، وذكر أيضاً عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أنه قال " معاتبة الأخ أهون من فقده، ومن لك بأخيك كله، فأعط أخاك وهب له، ولا تطع فيه كاشحاً فتكون مثله " فهذا ينبغي أن يكون موضع تقبل، ورحابة صدر.

المجال الثاني: في العلم ومسائله
وهنا أيضاً نقاط كثيرة منها ما هو تفريط أو تقصير 

صور سلبية في العلم 
الصورة الأولى: السطحية وعدم العمق 
فإن بعض الشباب يكتفون من العلم بأسهله وأيسره، بل ربما يكتفون - كما يقال- من الكتاب بعنوانه، ويبقى عندهم هذه الكناشات الصغيرة، والاختيارات اليسيرة، ويؤسسون عليها علماً، أو يظنون أنهم بذلك أنهم قد حازوا العلم.
ونجد الآن مثلاً ظاهرة - ربما لها إن شاء الله كثير من الخير لكن أيضا بالنسبة لشباب الدعوة وشباب الصحوة ينبغي أن يكونوا أعلى من ذلك، وإن كان لهم في ذلك مرحلة؛ فإنهم يتجاوزون إلى ما بعدها - وهي قضية الكتيبات الصغيرة التي بسَّطت البسيط، حتى لم يعد أحياناً إلا ما يتعلق بالعناوين، أو فقط ذكر الآيات وبعض أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، دون ذكر المسائل الدقيقة والمهمة، مع التفصيل الذي قد يحتاج إليه، نعم هذا تنفع لعامة الناس، للذي لم يقبل على الخير بعد، للذي عنده نوع تلبس لمعاصٍ تحتاج فيه إلى بعض التذكير، وكذا إن كانت لهؤلاء الشباب، لكن ينبغي أن يتجاوزوها إلى ما بعدها، أما الاكتفاء بهذا القدر اليسير، ونرى ذلك يغلب على كثير من الشباب، وتقصر همته عن أمهات الكتب، بل إذا كان ـ وهذا تمثيل عارض ـ الدرس عاماً مثل هذا الدرس، فيه موضوعات مختلفة وكذا، ربما تجد الإقبال كبيراً وكذا في المحاضرات العامة، أما إذا كان الدرس في كتابٍ، ومنهجٍ مقررٍ؛ فإنك تجد الانكماش والقلة أو عدم المواظبة أو البدء بالكثير والانتهاء بالقليل، أو عدم التفاعل والانتفاع، ووضوح ضعف الملكة، التي بها يحصِّل الإنسان أو الطالب العلم. فهذه ظاهرة موجودة، ولذلك نجد لها نقداً أحياناً من آخرين، وأنا سأذكر أنواعاً من النقد غالباً قد لا نقبلها ولكن من وجه نحن كنا سبباً فيها، فيأتيك من ينقد ويقول: هؤلاء شباب أغرار لا يعرف أحدهم أن يقرأ جملة صحيحة، ثم يأتي ليحدِّث الناس أو ليعظهم، أوجدنا له مدخلا عندما لم يكن عندنا حظ من العلم، نتزود به، حتى يكون هذا الزاد عوناً لنا بالفعل على تقويم أنفسنا، وفهم ديننا، ثم بعد ذلك عوناً لنا على توجيه، أو وعظ، أو نصح الناس من حولنا؛ فإن هذه المسألة كثيراً ما يشغب بها بعض الناس ممن قد لا يكونون من محبي الخير، يشغبون بها على شباب الصحوة، وعندهم لذلك مدخل، وإنك واجد أن بعض العلوم المهمة، لا تحظى بنصيبٍ عند هؤلاء، وحتى بعض العلوم المكملة التي هي تعتبر في آخر الأمر مجملة لهذا العلم؛ من علم اللغة الذي يصحَّ به النطق، ويفصح به البيان، ويؤثِّر بالبلاغة والاستخدام الحسن للأساليب الجميلة، يؤثر أكثر ممن عنده بعض علم، ولكنه عري عن مثل هذا، وكذلك علم أصول الفقه، الذي يضبط القواعد، والذي يؤصِّل الأصول، ويوضح الرؤى،ويجعل الذي يتعلمه عنده من الضبط، والحكمة، وزنة الأمور، ما ليس عند غيره، فهذه السطحية أول نقطة في قضية العلم.

الصورة الثانية: عدم الدقة في التلقي والنقل 
كثيراً ما تجد الأقوال تتناقض عن شيخ من الشيوخ، وما آفة الأخبار إلا رواتها، فتجد أحدهم ينقل عن شيخ أنه حرّم كذا، وما حرّم الشيخ هذه المسألة وإنما حرَّمها سوء فهمه، وسرعة تلقفه للكلام من غير بينة ولا رويَّة، أو عدم إحاطته للمسألة من جميع جوانبها، فيأخذ الحكم المجرد، ثم يطبقه على كل واقعة من غير فقهٍ يتسم بموازنة المصالح والمفاسد، كما سيأتي ذكره؛ فإن بعض المسائل الحُكم الأصلي فيها قد يختلف في بعض المسائل ووقائع الأعيان لمصالح معينة، وهذا أمر مهم، يغفل عنه كثير من الشباب، وأنا أضرب لذلك مثلاً، وأضبطه بنص أو بنقل، وقد كنت في بدء الأمر أريد أن يكون الحديث مسترسلاً من غير نصوص، لكنني أعلم أيضاً أن كثيرين يرون أن الكلام الذي يعرض من غير نقلٍ ولا تنصيصٍ، مهما كان مستنداً إلى إطلاعٍ واسعٍ أو إلى تلخيصٍ من أمهات المسائل أو الكتب، أنه إلى حد ما لا يلقى قبولاً عندهم.

هنا مثلاً مسألة حكم التصوير عند بعض أهل العلم أنه محرم، وأنه لا يجوز التصوير مطلقاً،لا نحتاً، ولا رسماً، ولا تصويراً ضوئياً، أو فوتوغرافياً كما يسمى، لكن هناك مسائل أو أحياناً منافع تترتب على مثل هذا، لعلي أضرب مثلاً أمهِّد به، حينما رأى الناس الآن في هذه الأيام صور عن أحداث الجرائم البشعة التي تمارس ضد المسلمين في البوسنة والهرسك، كان لها تأثير أبلغ من الأقوال، وأبلغ من الخطب، وأبلغ من المحاضرات وهي تجسِّد الحقيقة، وتثبت الواقع، وتدحض الشبه، فهل يقال في مثل هذه أنها على نفس الحكم، وأنه لا اعتبار لمصلحة معيَّنة قد تترتب، ولو لوقت معين، أو لغاية معينة، هكذا أحياناً ينقل بعض الشباب ويعمِّم، هنا من الفتاوى الإسلامية المطبوعة للشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن العثيمين، والشيخ ابن جبرين، مذكورة بعض هذه المسائل، ومن ذلك كلام أو فتوى للشيخ عبد العزيز بن باز - حفظه الله - مطولة عن التصوير، وذكر فيه حرمة التصوير الفوتوغرافي أو الشمسي وأنه من أنواع التصوير المحرم، و يدخل في عموم الأحاديث، ثم قال: المجلات والجرائد التي فيها أخبار مهمة ومسائل علمية نافعة، وبها صور لذوات الأرواح، يجوز شرائها والانتفاع بما فيها من علم مفيد، وأخبار مهمة،لأن المقصود منها ما فيها من العلم والأخبار، والصور تابعة والحكم يتبع الأصل المقصود إليه دون التابع، ويجوز وضعها في المصلى مع إخفاء ما فيها من الصور بأي شكل لينتفع بما فيها.
فبعض الأحيان الخبر الصحفي الذي ينقل أخبار المسلمين إذا دعِّم بالصور كان له أبلغ التأثير أكثر مما يكون مجرداً عارياً من مثل هذا، التنزه عن مثل هذا قد يفقد مصلحة مهمة، يحصل بها من المنافع أكثر مما يحصل من مفسدة ظهور هذه الصورة.
وكذلك فتوى الشيخ ابن جبرين أيضاً قال: ورد النهي الشديد عن التصوير والوعيد للمصورين، لكن بعض العلماء أباح التصوير الضوئي ! والصواب منعه، يعني هنا يقصد أن القول الآخر ليس من الصواب لكنه عند بعضهم أو عند أصحابه صواباً، فهذا أيضا مسألة أن بعض الناس ينقل قولاً واحداً، ويقول هو الأول والآخر، وليس قبله ولا بعده شيء، ثم قال هنا: فأما الصور التي في الصحف والمجلات والعلب ونحوها، فأبيح للضرورة كالنقود،والمحافظ، والاحتياط طمس ما يستطاع من الصور. والله المستعان.
فإذاً قد يكون في قول المفتي نوع تفصيلٍ، فنقل الحكم من غير تفصيل، أمر غير سديد لما يتصل بالعلم، ونقل الأحكام. 

الصورة الثالثة: عدم الإدراك للمهمات والأولويات
وهذه مسألة من أعظم المسائل، التي يقع بها نوع اختلاف، أو بعض المشكلات، وهنا اضرب لذلك أمثلةً.
عدَّ الإمام الشاطبي - رحمة الله عليه - تحديث الناس بما لا يعرفون من البدع الإضافية، لأنه تترتب عليه مفسدة و اتهام لنصوص الكتاب أو السنة، أو تكذيبٌ لهذا الدين، أعظم من المصلحة التي تُتوهم في ذكر هذا العلم، فقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن علي - رضي الله عنه - كما في صحيح البخاري: (حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يُكذّب الله ورسوله) وكذلك عن ابن مسعود (ما أنت بمحدث قوم حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) فبعض الشباب يذكرون أيّة مسألة علمية، دون مراعاة أحوال الناس التي هي معتبرة في أصل الشرع، كما هي هذه النصوص، بل قد ذكر الشاطبي كما أشرت أنها من البدع الإضافية، ومفاجئة الناس بغراب المسائل أمر منكر، بل قد ورد - كما ذكر ابن حجر في الفتح - أن بعض الأئمة تركوا بعض مسائل العلم خوف الافتتان بها، أو وقوع الخلط والخطأ في فهمها، قال: من ذلك أن الإمام أحمد - رحمه الله -:كان لا يرى رواية أحاديث الخروج على الأئمة سداً ودرءاً للفتنة. قال: وكان مالك يكره رواية أحاديث الصفات لما قد يقع من سوء فهم لها عند بعض الناس، خاصة إذا عرف أحوال الناس. وكذلك عن محمد بن الحسن أنه كره رواية الأحاديث التي فيها الغرائب، أي الأمور الغريبة التي قد يسارع بعض الناس إلى إنكارها، واستشهد بذلك استنباطا من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لولا أن قومك حديثي عهد بكفر لنقضت البيت وأقمته على بناء إبراهيم) أو كما قال - عليه الصلاة والسلام -، وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله " باب من ترك بعض العلم مخافة ـ معنى كلامه ـ أن يساء الفهم ".

هكذا أحياناً هذا الفقه، وهذا الأمر يغيب عن بعض هؤلاء، ويفاجئون الناس بأية مسألة يعرفونها، قد تناسب حالهم أو لا تناسب حالهم، وكثيراًَ ما يحصل بها فتنة على الناس، وسوء فهم عندهم، وهذا أحياناً يكون عن جهل وسذاجة، وأحيانا من تلبيس الشيطان ليظهر أن عنده بعض المسائل، وبعض العلم، وبعض الدقائق الغريبة أو المسائل التي لا يعرفها الناس، والإغراب أصلاً شهوة في النفس، وإن كان سوءً في القصد، فالذي يأتي بغرائب المسائل يفرح، لأنّه يقول هذه مسألة غريبة ما سمع بها أحد من قبل، فأنا أول من قلتها، وأنا أول من سُمِع هذا القول منه، لكن ما الفائدة من هذا الإغراب؟ هل حصل به انتفاع للناس، وتكامل في الرؤية، أو تصحيح للعمل أو توضيح لسبل الطاعات، ما حصل شيء من ذلك، بل ربما حصل منه قال وقيل، وكثرة السؤال، واختلاف الناس، وعدم معرفتهم بمثل هذه الأمور، بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حصل منه الحسم في مثل هذا الأمر، فعندما قال - كما في الصحيح عن ابن عمر في حديث القرن -:(‏أرأيتكم ليلتكم هذه على رأس مائة سنة منها ‏ لا‏ يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد) قال ‏ ‏ابن عمر: ‏ ‏فوهل ‏ ‏الناس في مقالة رسول الله ‏- ‏صلى الله عليه وسلم ‏- ‏تلك فيما يتحدثونه من هذه الأحاديث عن مائة سنة، فلما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ورأى ذلك بين لهم المعنى الصحيح الذي أراده - عليه الصلاة والسلام - وحسم القيل والقال، فهذا داخل في مثل هذا الأمر، وكذلك مسألة أخرى داخلة هنا في فقه العلم؛ قال الشاطبي - رحمة الله عليه - في الموافقات - والموافقات وبعض الكتب التي سوف أشير إليها من أمهات كتب الإسلام، والتي راعت المقاصد الشرعية، والتي فيها نوع استقراء للأدلة، وتوضيح للقواعد التي فيها كثير من العصمة، وتوضيح الرؤية مما يحتاج إليه المسلمون عامة، والشباب الملتزم على وجه الخصوص - ومن هذا يُعلم أنه ليس كل ما يعلم مما هو حقٌ يطلب نشره، وإن كان من علم الشريعة، ومما يفيد علماً للأحكام بل ذلك ينقسم، فمنه ما هو مطلوب النشر وهو غالب علم الشريعة، من الصلاة والزكاة وكذا، ومنه لا يطلب نشره بإطلاق، أو لا يطلب نشره بالنسبة إلى حال أو وقت أو شخص، ومن ذلك مسألة تعيين الفرق المبتدعة وتوضيح تفصيلاتها للناس وما يتعلق بذلك، فإنه - وإن كان حقاً - قد يثير فتنة كما تبيّن تقريره، فيكون من تلك الجهة ممنوعاً بثه، وحديثه هذا يأتي لاحقاً.

وأيضا مسألة أخرى داخل في هذا الفقه، أيضاً فقه العلم، وهو أنه يبدأون أحياناً للمبتدئ بما حقه أن يكون للمنتهي، فالذي أقبل على الخير، وما زال في أول الطريق، ينبغي أن يعطى من العلم والتوجيه، ما يناسب حاله، أما أن يعطى ما هو في آخر المطاف، فهذا قلب للأمور رأساً على عقب، قال: الشاطبي: ومنه أن لا يذكر للمبتدئ من العلم ما هو حظ المنتهي، بل يربّى بصغار العلم قبل كباره، وقد فرض العلماء مسائل مما لا يجوز الفتيا بها،إن كانت صحيحة في نظر الفقه، كما ذكر العز بن عبد السلام في مسألة " الدّوْر في الطلاق " لما يؤدي إليه من رفع حكم الطلاق بأطلاق، وهو مفسدة. هذا التمثيل لا يهمنا لكن شاهد الحال أنه الآن إذا جئت لطالب في الابتدائية، ما يزال في أول الأمر يقرأ ويكتب، يتعلم القراءة والكتابة، ثم تأتيه بمسائل في البلاغة والبيان، إما أنه لا يفهم عنك مطلقاً أو يأخذ هذا الكلام أنت به مشرّق وهو به مغرّب، أو يأخذه ويسبب عنده لبساً في الفهم، ويجعله يتصرف، ويعمل أموراً ليست مراده، ثم قال الشاطبي: وضابط ذلك أنك تعرض مسألتك على الشريعة فإن صحت في ميزانها، فانظر إلى مآلها - إلى حال الزمان وأهله -، فإن لم يؤدي ذكرها إلى مفسدة، فاعرضها في ذهنك على العقول فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها. ـ يعني إن كنت تعلم أن العقول سوف تنكرها، ولن تفهمها فلا تتعجل في ذكرها ـ وإن رأيت أنهم يستوعبونها فقلها على العموم إن كان استيعابها على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية. وبعض الشباب يقول لا بد من إحقاق الحق، ولا بد من ذكر العلم، نقول: نعم وهذا أيضاً من إحقاق الحق، ومن بيان العلم، فإن هذا مأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما أشرت، وفيه أيضاً كلام لأهل العلم ظاهر بيّن، ومن هذا أيضا ظنهم في فقه العلم، أن كل مسألة ورد عليها دليل، أنها على هذا الحكم بهذا الدليل، مهما تغيرت الأحوال والظروف. وقد عقد ابن القيم - رحمه الله - فصلاً طويلاً نفيساً؛ ضرب به مائة واثنين من الأمثلة على مسألة تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمنة والعوائد، بل قد ذكر في ذلك حديث - صححه الشيخ أحمد شاكر - في مسند الإمام أحمد، وهو في مسألة الذي جاء يستفتي عن القُبلة في رمضان، فأفتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه لا شيء عليه، وجاء آخر فسأل نفس السؤال فمنعه من ذلك، فلما سئل عن ذلك، قال: ذلك شيخ فانٍ لا أرب له في النساء، وهذا شاب نشيط - يعني قد تكون القُبلة في حقه تختلف في أمرها، وقد تؤدي إلى مفسدة أكبر، وتفسد صومه، فهكذا راعى النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا، كما هو في هذا الحديث. ولذلك أيضاًَ طوَّل الشاطبي النفس في مثل هذه المسألة، وذكر أيضاً نقطة مهمة تندرج تحتها، وهي ما يتعلق بوجود المسألة، ووجود الدليل. أحياناً يكون هذا الدليل معمولاً به دائماً أو أكثرياً، يعني عند السلف، وعند السابقين وأحياناً نجد العمل قليل بهذا الحديث، وأكثره على خلافه، فيظن الظان أن هؤلاء خالفوا الدليل، وما فطن أنهم ما تركوا العمل به إلا لأمر آخر، غاب عنه، إما لدليل ناسخ أو لأحوال أخرى يطول ذكرها، فلذلك نجد أيضا مثلاً في سنن الترمذي أحياناً يذكر الحديث، والعمل عند أهل العلم على خلافه، يعني أن غالبهم عملوا بخلافه لماذا؟ لأن هناك اعتبار شرعي ينبغي المصير إليه وهي مسألة طويلة، وذكر قاعدة أخيرة في هذه النقطة، وهي أنه إذا ثبتت قاعدة عامة أو مطلقة فلا تؤثِّر فيها معارضة قضايا الأعيان، يعني إذا كان هناك قاعدة كلية مستنبطة من عموم أدلة الشرع،فلا تأتي حادثة واحدة فيها نصٌ أو دليل تنقض حكم ذلك، بل قد يرى أن هذا الحكم خاص بهذه المسألة، أو خاص بهذا الرجل لنفسه أو خاص بالظرف، إذا ترتب كذا وكذا فيكون الحكم كذا، ويبقى للقاعدة عمومها الذي لا ينخرم، لأنها مستقاة من أدلة كثيرة، وذكر هنا لهذا مثالاً جيداً وقع له - يعني الشاطبي ـ يقول: من فوائد هذه القاعدة سهولة المتناول في انقطاع الخصم، والتشغيب الواقع من المخالفين، يقول هذا يفيدك في أن تقطع حجة الخصم مباشرة، من ذلك وقع في بعض المجالس في غرناطة – لأن الشاطبي من شاطبة من الأندلس -، فيقول: جاءهم شخص وأورد عليهم مسألة العصمة للأنبياء، ثم ذكر قصة موسى لما وكز خصمه فقتله، وقال الله - سبحانه وتعالى - في شأنه: {هذا من عمل الشيطان} وقوله {قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي} هذا يناقض العصمة. وطبعاً ظلّوا في تأويلات وتخريجات، فلما جاءه الخبر - أي جاء الخبر للشاطبي – قال: - انظر كيف قرر المسألة على القواعد الكلية ـ: يقال الأنبياء معصومون من الكبائر باتفاق أهل الملة، وعن الصغائر باختلاف بينهم، وقد قام البرهان على ذلك، فمحال أن يكون هذا الفعل من موسى كبيرة ـ لماذا؟ لأن هناك اتفاق أن الأنبياء معصومون من الكبائرـ. ثم قال: وإن قيل أنهم معصومون أيضاً من الصغائر وهو صحيح، فمحال أن يكون ذلك الفعل منه ذنباً، إذا قلنا أيضاً بصحته، وهو القول الراجح عند الجمهور؛ أنهم معصومون من الصغائر أيضاً، فماذا يبقى؟ محال أن يكون منه ذنباً، فلم يبق إلا أن يقال إنه ليس بذنب، ولك في التأويل السعة في كل ما يليق بأهل النبوة، 

الصورة الرابعة: تتبُّع مسائل الخلاف
وجعل بناء العلم عليها، فبعضهم الأصل في أول ما يتلقاه من العلم هو المسائل الخلافية ومسائل الخلاف وما يتبناه هو أو من علّمه، وهذا لا شك أنه قلب لمنهج العلم الصحيح، فالأصل في العلم أن يتعلم الإنسان الصواب، والمسائل الأساسية، ومنها بعد ذلك يعرف المخالفات الشرعية بموجب الأحكام الأصلية، ويحتاج إلى التفصيل في بعض المخالفات بحسب ذلك، ولذلك قال ابن القيم - رحمة الله عليه - في الفوائد: أعلى الهمم همة طلب علم الكتاب والسنة، وأدناها طلب شواذ المسائل، وتتبع الخلاف، وإنه قلّ أن يفلح من سلك هذا المسلك. 
وكلامه في الواقع منطبق، فإن الذي يتتبع هذا في غالب حاله، يكون له أثرٌ على قلبه ونفسه ظلمة وانقباضاً عن الحق، وولوغاً في الأعراض، ووقوعاً في المعاصي نسأل الله - سبحانه وتعالى - السلامة.

الصورة الخامسة: التصدر للفتوى 
قبل التأهل لها أو على الأقل القول في بعض المسائل التي ليس عنده فيها علم، فهذا نوع اجتراء خطير، وقد كان الصحابة، وهم من هم؟ يتدافعون الفتوى فيما بينهم، كلٌ يريد ويتمنّى لو أن صاحبه كفاه، ولذلك قال الشاطبي في الإعتصام: إنّ من أعظم المسائل التي يقع بها الانحراف والابتداع في الاعتقاد ممن أهل العلم والاجتهاد في الدين وهو لم يبلغ تلك الدرجة " وحينئذ يُعِدُّ رأيه رأياً وخلافه خلافاً وهو ليس كذلك، ولكن يعني تصوَّر هذا تعجُّلا، وعدم رويِّة، وعدم فقه في هذا الدين، ولذلك ذكر الشاطبي - رحمه الله - في هذا الموطن: أن ربيعة الرأي - شيخ الإمام مالك رحمة الله عليه - بكى مرة. فقيل له: ما يبكيك؟ هل حصلت فتنة أو مصيبة؟ قال: لا ولكنه اُستفتي من لا علم عنده.
بكى لأنه رأى هذا نوع فساد يقع به ضرر على الأمة كبير، كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -: (‏إن ‏الله لا يقبض العلم انتزاعا،‏ ينتزعه من الناس،ولكن‏ يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير‏ علم فضلوا وأضلوا)

الجولة الثالثة: التعامل مع الآخرين

الوقفة الأولى: عدم إدراك النسبية
هناك نسبية لحال الإنسان، إنسان نشأ في بيئة متدينة، متوفرٌ فيها العلم الشرعي، فهذا ينظر إليه، ويتعامل معه، وينصح من خلال المعرفة بهذا الحال، وآخر نشأ في بيئة لا تعرف الدين، وليس هناك علم شرعي منتشر عنده، ولم يرى قدوات في الالتزام بهذا الدين، فلا يكون النكير عليه في أمور المخالفات مثل ما ننكر على الأول، فلا بد أن نعرف حال الإنسان قبل أن ننكر عليه، حتى لا نقع في إنكار ليس موضعاً للإنكار، أو على أقل تقدير كان ينبغي التدرج في هذا الإنكار، ومن هذه النسبية أحاديث تدل عليها، وتبين اختلاف، وافتراق الأحوال، كما في الصحيح من حديث انس - رضي الله عنه - أنه قال لأصحابه ـ وأصحابه هم التابعون -: " إنكم لتعملون أعمالاً هي في عيونكم أدق من الشعر- يعني ترونها خفيفية بسيطة ـ كنا نعدها في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الموبقات " لماذا؟ لأن أولئك كانوا على قدمٍ عالية ٍراسخة من التورع والتنزه عن كل ما فيه مأخذ شرعي، ومن الورع والبعد حتى من المباحات خشية الوقوع في المحرمات، بحيث أنهم لما اختلف الحال، كان بعض ما تساهل فيه الناس عندهم عظيماً، وإن لم يكن هؤلاء فعلهم محرماً، ولكنه كان عند أولئك على الأقل مما يتنزه أمثالهم عنه، وكذلك كانت عائشة - رضي الله عنها - تتمثل بقول لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم **** وبقيت في زمن كجلد الأجرب
تقول هذا في العصر الذي كان فيه ما كان من الصحابة والتابعين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
وعروة بن الزبير الذي يروي عنها ذلك قال: هي تقول: رحم الله لبيداً كيف لو عاش لوقتنا؟، فيقول عروة: رحم الله لبيداً وعائشة، كيف لو عاشا إلى وقتنا؟، فهو يرى أن الزمان قد تغير من بعد،
وهذه النسبية مهمة أيضاً ورد في البخاري من حديث أبي الدرداء أنه دخل إلى بيته مغضباً، فقالت أم الدرداء: مالك يا أبا الدرداء؟ فقال: ما أنكرت من أمة محمد شيئاً إلا أنهم يصلون جميعاً، - يعني كأنه رأى أن حال الأمة قد تغير في كل الجوانب إلا صلاة الجماعة بقيت على ما كانت عليه منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه -، يقول ابن حجر: رحم الله أبا الدرداء كيف لو أدرك زماننا؟، وطبعاً نحن نقول: رحم الله ابن حجر كيف لو أدرك زماننا، فالنسبية ينبغي أن تكون واضحة للشباب، وأذكر هذا المثال استطراداً: كنت في رمضان الماضي، وفي أثناء الجلوس في الحرم، كان إلى جوارنا رجل يتحدث مع أخيه، أو مع صديق له، وهذا المتحدِّث من هيئته أنه من المملكة، والآخر من بلاد المغرب، - والمغرب يكاد يكون القابض فيها على دينه ليس قابضاً على الجمر، بل قابضاً على النار بذاتها، غربة الدين واضحة جداً، هناك المظاهر العامة للمجتمع في كثير من الأحوال تختلف عن الحال هنا، والذي ينشأ في مثل هذه البيئة، مع المناهج التعليمية المنحرفة، مع البيئة المفسدة، مع الأهواء، لا يُتصور أن يكون عنده حظ كبير من هذا الأمر - فوجدت أنه ناقشه في دقائق مسائل، ويسأله عن أحوال المبتدعة، وعن بعض أحوال مسميات معيَّنة، ويذكر له مما ذكر له أن بعض العلماء - وإن كانوا من أهل العلم - إلا أنه في عقيدتهم نقص، مثّل له بابن حجر، والإمام النووي - رحمة الله عليهما -، قلت: كان هذا حاجته إلى غير هذا أولى، لأنه في بلد ربما كان لا يستطيع أن يقيم الفرائض الأساسية، ويجبرونهم في بعض المصانع والوظائف هناك أن لا يخرجوا حتى إلى أداء صلاة الجمعة، بل في كثير من المدن الإجازة الرسمية، في يوم السبت والأحد، وليست في يوم الخميس والجمعة، هذا نوع من عدم مراعاة النسبية.

الوقفة الثانية: النظر إلى الناس نظرة انتقاص وازدراء
وهذا- للأسف - يقع أيضاً من بعض الشباب، ينظرون إلى الآخرين الذين يسمونهم عاديين، أو يسمونهم غير ملتزمين، أو يسمونهم أحياناً عواماً، ينظرون إليهم على أنهم مقصِّرين، وعلى أنهم مفرِّطين وعصاة، ومستحقين للإثم والعقوبة، وينظر إليهم كأنه يتنزه عنهم، ويخشى أن يصيبه من ضررهم، أو من ما يرى أو يتوهّم أنهم متلبسون به من الآثام. 
وهذه النظرة عندما ينظر إليها الإنسان، ويبعد عن هؤلاء، أو يحتقرهم ويزدريهم فإنه قد وقع في مقتل أخبر عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما عرّف الكبر أنه:(بطر الحق وغمط الناس)، وأيضاً كما في صحيح مسلم: (من قال هلك الناس فهو أهلكهم). وبعض الشباب يقولون: أغلب الناس على فساد، أغلب الناس لا يعرفون السنة، أغلب الناس ليست عندهم عقيدة صحيحة، أغلب الناس كذا، حتى سمعت من قال أن 99 % من المسلمين في توحيدهم وإيمانهم نظر. هكذا بالتعميم المطلق !، وهذا من وجه آخر فيه مأخذ آخر، وهو أنه تزكية للنفس، والله - سبحانه وتعالى - نهى أن يزكي الإنسان نفسه، فقال: {ولا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} والذي يزكي نفسه، ويحتقر الآخرين، يقع في الكبر، ويقع أيضاً في الظلم للآخرين، والظلم لإخوانه المسلمين، وأيضاً ينقطع الحبل والسبب فيما بينه وبينهم، فكيف ينصحهم؟ وكيف يعظهم؟ وكيف يقبلون منه وهو ينظر إليهم شذراً؟. وكثير من الشباب يقولون: إن بعض الناس، وبعض العامة، لا يستمعون للنصح،وينفرون منها وإذا كلمناهم، أو خاطبناهم، ردّوا علينا بغلظة، وأقول كثير من هذه الأحوال يكون بسبب هذه النظرة، أما نظرة أن هؤلاء جاهلون، أو أنهم مقصرون، إحسان الظن بما في قلوبهم من الخير والمحبة للصالحات، لكنهم غفلوا أو تساهلوا، أو عزيمتهم ضعفت أو جهلوا، فلم يعلموا أنهم متلبِّسون بمعصية، حينما ننظر إلى هؤلاء بهذه النظرة نحسن حينئذ أن ندعوهم، وأن نتقرب إليهم، وأن نخالطهم، لذلك كان أبو الدرداء يقول: " لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم، وكونوا عوناً لأخيكم على الشيطان " حينما تقول لهم: أنتم عصاة، وأنتم كذا... فهذا يزيد من تلبسهم بمعصيتهم، وتشبثهم بها عياذاً بالله، وهذا مثله كمثل رجل كان يمشي في ظلمة من الليل، ثم سقط في بئر مظلمة موحشة، لم ينتبه لها، هذا حال الإنسان الذي يقع في المعصية عن غفلة، أو عن ضعف نفس،أو عن إستزلال شيطان، أو عن شهوة أحياناً، فجعل الناس حينما يمرون به يقولون: انظروا إلى هذا المغفل ! يبقى في هذا البئر وفي هذه الظلمة، وربما يعيبونه، أو يشتمونه لماذا أنت هنا، وكلما مرّ واحد يقول له هذا الكلام.
هؤلاء حمقى ومغفَّلون لأنهم ما عالجوا المشكلة، وما خلّصوه من ورطته، ولا نظروا أصلاً في سبب وقوعه، ربما لم يكن مبصراً، ربما كان غافلاً، ربما ربما... كثير من الأعذار، لو أن أحدهم كان صاحب فقه صحيح، وعمل سديد، لأدلى له بحب ليخرج من هذه الحفرة، ما من عاص في أغلب الظن إلا وهو يتمنى لو انعتق من هذه المعصية وفاءَ إلى ظل الطاعة، ولكنّها ضعف النفس، وغلبة الهوى أحياناً، ولذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - أثبت لشارب الخمر ـ كما هو في صحيح مسلم - الذي جلد مرة ثم ثانية ثم ثالثة فلعنه أحد الصحابة، فقال: صلى الله عليه وسلم -: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله، أثبت له أصل المحبة، ووقعت منه المعصية، لا يُقرَّ عليها، ويعاقب عليها وينصح، ولا يهدر بالكلية، فإن هذا من أعظم الأسباب. 

الوقفة الثالثة:عدم الفطنة في التعامل
بعض الشباب لا يفطنون إلى ما ينبغي الفطنة له، من ضرورة التعامل مع كل الناس والطوائف، ومع كل الطبقات، من العامة أو المتعلمين أو المثقفين، الذين هم بعيدون أحياناً عن الالتزام بهذا الدين، وحتى عن المخالفين والمناوئين، ينبغي أن نعلم أن الدعوة لكل أحد، بل الدعوة مأمور بها حتى للكافر، الكافر أول ما تبدأه بالدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى -، والدعوة إلى الإيمان، فلماذا يَقْصُر الشباب دعوتهم على أمثالهم من الشباب، وعلى من فيه فقط ارتياد للمساجد، بينما لا يخاطبون العامة، ولا العمال ولا المهندسين، ولا المثقفين، بل يجعلون هؤلاء خصوماً، إما لا يتعاملون معهم أو يترفَّعون عنهم كما أشرت، أو يجعلونهم خصوماً وفرقاء يتناحرون فيما بينهم البين، بل كان من الممكن، بل من اللازم أن يمدوا الجسور، وأن يخوضوا مع هؤلاء في كلام، وفي دعوة مما يتصل بهذا الدين، ولذلك ينبغي أن تكون هذه الوقفة السريعة في التعامل ويدخل فيها نقطة مهمة أخيرة.

الوقفة الرابعة: التعامل مع المخالف
أحياناً هناك من يخالفك في الرأي، ومن يخالفك في بعض الأساليب فما الصورة المثلى للتعامل، هنا كثيراً ما يكون الخطأ الواقع هو أنه متى وجد الاختلاف، وجد الخلاف، أي في القلوب والنفوس، وكذلك وجدت القطيعة، ثم – للأسف - وجد التنابز والحرب فيما بين الطرفين، قبل أن يأخذ الأسباب اللازمة.
يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية كلاماً نفيساًَ، ألخصه تلخيصاً، ذكره في [اقتضاء الصراط المستقيم، ص 37 وما بعدها]، قال: أما أنواع الاختلاف فهي في الأصل قسمان:
1 ـ اختلاف تنوع 
2 ـ اختلاف تضاد 
قال واختلاف التنوع على وجوه، منها ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقاً مشروعاً، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة، والاختلاف في صفة الأذان والإقامة، والاستفتاح والتشهُّدات، ومن صلاة الخوف، وتكبيرات العيد، وتكبيرات الجنازة، هذا اختلاف تنوع، كل هذه الوجوه المختلفة كلها حق مشروع، بعض الناس لا يفهم هذا المعنى، ويشغب عليه كثير بل رأيت بعض الناس من يُلزم لا بد بأن يقول هذا القول فقط، أو أن يلتزم بصيغة واحدة من الصيغ الواردة، وبعضهم يلزم بأنه لا بد أن يحفظ جميع الصيغ ويأتي بها، يقول ما يصح أن تذكر أذكار بعد الصلاة محدَّدة ثابتة، وتلتزم بها، بل عليك أن تغيّر، هذا يشق على الناس، وليس بصحيح.
ومنه ما يكون كل من القولين هو في الواقع في معنى القول الآخر، أي ليس بينهما اختلاف، لكن العبارات مختلفة، فينبغي أولاً أن نفهم هل هناك اختلاف أو ليس هناك اختلاف. 
ومنه ما يكون المعنيان مختلفين لكن لا يتنافيان، هذا المعنى يخالف هذا، لكن كل منهما قول صحيح.
ومنه ما يكون الطريقتان مشروعتان، لكن قد سلك قوم هذه الطريقة، وآخرون سلكوا طريقة أخرى، وكلاهما حسن في الدين، لكن متى يقع الجهل والظلم؟، يقول: إذا ذم أحدهما الآخر، أو فضله بلا قصد صالح. 
وبعد ذلك ذكر اختلاف التضاد، وهو الذي يكون فيه نوع تضارب، قال: لكن نجد كثيراً من هؤلاء قد يكون القول الباطل الذي مع منازعه حق ما، القول الباطل الذي عند خصمك عنده فيه بعض الحق، يقول: فماذا يحصل؟ يرد القول كله بحقه وباطله، فيكون هو مبطلاً من وجه آخر، وهذا القسم الذي سمَّيناه اختلاف تنوع، كل واحد من المختلفين مصيب فيه بلا تردد، لكن الذم واقع على من بغى فيه على الآخر، وقد دل القرآن على حمد كل واحدة من الطائفتين في مثل هذا، ما لم يحصل من إحداهما بغيٌ على الآخر، وقد ذكر لذلك أمثلة قول الله - جل وعلا – {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} هذا حصل من الصحابة في حصار بني النضير، وذلك أنه بعد إجلاء بني النضير، اختلفوا في قطع النخيل والأشجار فقام بعض الصحابة بقطع نخيلهم وحرقها، وترك البعض هذا الأمر،وكلا الأمران كان صحيحاً، وذكر في آخر الأمر من تجربة وعلم، قال: وأكثر الاختلاف الذي يؤول إلى الأهواء بين الأمة إنما هو من القسم الأول الذي هو اختلاف التنوع، وهذا أدّى إلى سفك الدماء واستباحة الأموال، والعداوة والبغضاء، لأن إحدى الطائفتين لا تعترف بما مع الأخرى من الحق، ولا تنصفها، وتزيد مع ما معها من الحق زيادات من الباطل، والأخرى كذلك، فينبغي أن نتعامل مع المخالف على أن قوله خطأ يحتمل الصواب وأن قولنا صواب يحتمل الخطأ، وأن نقر الحق الذي فيه، وإن كان قليلاً، وأن نبطل الباطل، فلا نخلط هذا مع هذا.

الجولة الأخيرة: الفهم والتصور
وربما هذه هي أهم هذه الجولات، لأنها تتعلق أيضاً بفقه المصالح والمفاسد، وفهم مقاصد الشريعة، وما يتعلق بالأسماء والمسميات، كثيراً ما يقع الخطأ في مثل هذه الأمور هناك:

الوقفة الأولى: ما يتعلق بالأمر والنهي في المخالفات الشرعية
ينبغي أن نفقه فيه فقه المصلحة والمفسدة، وأن هذا الدين والأوامر الربانية في آيات الله، والهدي النبوي في الأحاديث، إنما جاءت لتحصيل المصلحة، ودفع المفسدة، وهذا مقصد أصيل في الشريعة ينبغي النظر إليه، واعتباره عند التعامل مع المنكرات، ويقول ابن تيمية في الفتاوى في [المجلد 28 ص 126 وما بعدها]: ليكن أمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر غير منكر، لا تفعل أمراً ونهياً بصورة منكرة، فتكون واقعاً في المنكر، وإذا كان هو من أعظم الواجبات والمستحبات، فالواجبات والمستحبات لا بد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة، ثم ذكر هنا فريقين فريق ترك الأمر والنهي، وفريق آخر وهو الذي يهمنا، والفريق الثاني من يريد أن يأمر أو ينهى إما بلسانه، وإما بيده مطلقاً من غير فقه، وحلم، وصبر، ونظر فيما يصلح من ذلك، وما لا يصلح، وما يقدر عليه وما لا يقدر، ثم عاب هذا المسلك وقال: وجماع ذلك القاعدة العامة، فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد بالحسنات والسيئات، أو تزاحمت؛ فإنه يجب ترجيح الراجح منها، فيما إذا زاحمت المصالح والمفاسد، و تعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي إنما يرتبط بذلك ثم قال ـ تمثيل مهم جداً يقع في الواقع ـ إذا كان الشخص أو الطائفة جامعيْن بين معروف ومنكر، بحيث لا يفرقون بينهما وفيه جزء معروف، وجزء منكر، ولا يتم هذا إلا بهذا، بل إما يفعلونهما جميعاً، أو يتركوهما جميعاً، لا يوجد حل غير هذا ! يقول: لم يجز أن يُأمروا بمعروف، أو ينهوا عن المنكر، بل ينظر فإن كان المعروف أكثر، أمر به، وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم يُنه عن منكر يستلزم معه تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النهي إذا نهيت عن أمر مثل هذا، قال بل يكون النهي من باب الصد عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته، وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وزوال فعل الحسنات، وأما إذا كان المنكر هو الغالب، فينبغي الإنكار، وإن كان هناك شيء من المعروف، لماذا؟ لأننا لو أقرينا هذا المعروف لكنا آمرين أو مقرين بمعصية الله - سبحانه وتعالى - ومعصية رسوله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: فتارة يصلح الأمر، وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح لا الأمر ولا النهي، حيث كان المعروف والمنكر متلازمين، وذلك في الأمور المعيّنة، ثم ذكر أمثلة كثيرة، ومن ذلك قال: إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن أبيّ وأمثاله، من أئمة النفاق والفجور لما لهم من الأعوان، قال: فإزالة منكره بنوع من عقابه مستلزمة إزالة معروف أكثر من ذلك بغرض قومه وحميتهم، وذكر أمثلة أخرى أيضاً.
فلا بد أن نراعي المصالح والمفاسد، فبعض الناس يذهب لإنكار منكر، يسير ويفوت مصلحة كبيرة، وهذا لعدم فهمه وحسن تصوره لمثل هذه الأمور، ويترتب على ذلك أيضاً جملة من المسائل متعلقة بالفهم والتصور.

ومن هذا فهم مراتب الأعمال، وأن العمل له مراتب، وله أحكام ومسميات بحسب ما هو واقع فيه، عند أهل العلم والشرع، ومثل هذه كما يقول: اشتمال العمل على أمر مشروع، وأمر مسنون، وعلى أمر مبتدع، غير مسنون. وهنا مأخذ آخر في مسألة الأعمال، وقال: هذا أمر ابتلي أكثر الأمة في الأزمان المتأخرة فعليك هنا بأدبين:
أحدهما: أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطناً وظاهراً، في خاصتك، وخاصة من يطيعك، واعرف المعروف، وأنكر المنكر "
والثاني: أن تدعو الناس إلى السنة، بحسب الإمكان فإذا رأيت من يعمل هذا، ولا يتركه إلا لشر منه، فلا تدعوا إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه، أو بترك واجب، أو مندوب تركه أضرّ من فعل ذلك المكروه إلى أن قال: فعوِّض عن الخير المشروع بحسب الإمكان، إذِ النفوس لا تترك شيء إلا بشيء، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيراً إلا لمثله، ثم يقول كما أن الفاعلين لهذه البدعة معيبين قد أتوا مكروهاً فالتاركون للسنن مذمومون، فإن منها ما يكون واجباً على الإطلاق، ومنها ما يكون واجباً على التقييد، كما ذكر في هذه الأمثلة، ويقول أيضاً: وكثير من المنكرين لبدع العبادات، تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك، أو الأمر به، ولعل حال كثير منهم يكون أسوأ من حال من يأتي بتلك العبادات المشتملة على نوع من الكراهة، بل الدين هو الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا قِوام لأحدهما إلا بصاحبه، فلذلك من يبدِّعون زيادة الصلاة على ثماني ركعات في التراويح في رمضان، فإنهم ينكرون هذا، ثم لا يصلّون والناس يصلون وهم يمتنعون عن الصلاة، وينشغلون بالقيل والقال، وربما بالغيبة والنميمة، ولا يبادرون إلى الطاعات، ولا يأخذون الركعات الثمان كما كانت على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وبوصف صلاته فيها، فهذا من مثل هذا، ثم ذكر مثالاً يوضح فيه هذه المسألة، واختار مثالاً ربما يكون قوياً في التدليل، أو في تصوير هذه المعرفة للأعمال، وكيفية التعامل معها، قال: فتعظيم المولد واتخاذه موسماً قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما قدَّمته لك أنه يحسن من بعض الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد، ولهذا قد ورد عن الإمام أحمد، أنه بلغه أن أميراً من الأمراء أنفق ألف دينار على مصحف، فقال: دعه، فهذا أفضل ما أنفق فيه الذهب، أو كما قال، مع أن مذهبه في زخرفة المصاحف مكروه، وقد تأوّل بعض أصحابه أنه أنفقها في تجديد الورق والخط، وليس مقصود أحمد هذا، ولكن قصده أن هذا العمل فيه مصلحة، وفيه أيضاً مفسدة كره لأجلها، وهؤلاء إن لم يفعلوا هذا وإلا اعتادوا الفساد الذي لا صلاح فيه، مثل إنفاقه على كتب الفجور، ككتب الأشعار والأسمار، أو حكمة فارس والروم، فتفطن لحقيقة الدين، وانظر ما اشتملت عليه الأفعال من المصالح الشرعية والمفاسد، بحيث تعرف ما ينبغي من مراتب المعروف، ومراتب المنكر، حتى تقدم أهمها عند المزاحمة، ثم ذكر في هذا المثال أنه ينبغي إذا كان هذا عمل مشتمل على سنة وبدعة، أن ينكر البدعة، ويحل محلها السنة، فهذا واجب إن استطاع عليه فهو واجب في حقه، أو ينكر البدعة بحيث لا يحل محلها - أي شيء لا بدعة ولا سنة - أما إذا أنكر هذه البدعة، إذا كانت قليلة في ظل خير كثير، وترتب عليها ترك السنة والخير الذي في هذا الفعل كله، فإنه يكون مخطئاً في مثل هذا، ثم ذكر أمثلة أخرى، وذكر من ذلك بعض أمثلة الوقوع في الخطأ في بعض العبادات، يحسن ذكر بعض هذه الأمثلة، لأن بعضها يشبه الواقع في مثل هذه الأحوال، يقول: كالوصال في الصيام، وترك جنس الشهوات، أو نحو ذلك، أو قصد إحياء ليالي لا خصوص لها كأول ليلة من رجب ونحو ذلك، يقول هذا فيه إنكار، لكن تنكر عليه بحيث يترك المنكر، ويبقى على فعل الخير، أما أن يترك وينقطع، فهذا يقع به انقطاع كثير من الأمور الخيّرة، ويقول هو تعقيباً لذلك كأنه يتكلم بلسان حالنا اليوم، يقول: ويكون حال هذا خير من أحوال هؤلاء الذين ينكرون هذه الأشياء، زاهدين في جنس عبادة الله، من العلم النافع، والعمل الصالح.
يسأل بعض الناس عن مسألة الدعاء بعد الصلاة أنها بدعة، فيتركون الدعاء بالكلية، ولم يبيّن لهم هذا المنكِر على أقل التقدير، أن هذا موضع اختلاف، أو أن في بيانه وتفصيله، كما بيّنه ابن حجر: أن المقصود به إذا دعا بعد السلام مباشرة قبل الاستغفار، وقبل الأذكار فإنه لم يرد، أما حصوله بعد ذلك قد ورد عن النبي – صلى الله عليه وسلم - في غير ما حديث، لكن عندما تأتي للعامي أو الإنسان الذي ليس عنده علم، وكثير جاءوا يسألونني عن هذه المسألة، حتى ذكر بعضهم، ويقول - بعبارة عامية وبسيطة -: إذا كان الدعاء وبعد الصلاة وفي المسجد بدعة فمتى ندعو ومتى سيكون الدعاء سنة، هذا في تصوره العقلي، هكذا يقول، لأن هذه المسألة من الإغراب، ونوع من عدم الصحة، ونوع من عدم الفطنة في هذا الأمر، كذلك مثل من ينهى الناس عن التكبير في الحج، أو التلبية الجماعية، فينهى عن ذلك حتى يتركوا التلبية كلية، ثم تجدهم لا يلبون، لا بصوت عال، ولا بصوت خفيض، ولا مجتمعين، ولا متفرقين، وزال بذلك شعار الحج. والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أفضل الحج العج والثج) والعج هو رفع الصوت بالتلبية، فإن استطاع أن يغيّر بأن يحل محل الخطأ صواباً أو المخالفة البدعية سنة، وإلا فلا، ومن هذه المسائل في التصور أمر مهم.

الوقفة الثانية: مراتب الحكم على الأشخاص، والأعمال بالأسماء والمسميات
هناك مجموعة من الناس يعملون عملاً واحداً معيناً، لكن الحكم عليهم لا يصح أن يكون واحداً، فمنهم العالم به وبخطأه وفساده، ومنهم الداعي إليه والمروّج له، ومنهم المشارك فيه عن غفلة، ومنهم الجاهل، ومنهم من حضر لأول مرة، أو جاء ليعرف هل هذا حق أو صواب، وتجد بعض الناس مجرد أن يعرف هذه المسألة، ولو كانت مرة واحدة، بل ربما يكون الإنسان قد وقع فيها خطأ، ثم عرف هذا الخطأ أو تاب منه، ومع ذلك يبقى الحكم عليه أنه مبتدع، أو أنه كذا أو أنه كذا، دون أن يكون هناك فرق، وعلى سبيل المثال نمثِّل بهذا المثال الذي ذكره، المولد بدعة لأنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه، لكن بعض الناس يشهده ويرى من عدم علمه أنه يسمع سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه يتذكر بعض المآثر والمواقف، وفيه بعض المواعظ والعبر، هذا لا يكون حاله مثل من يعلم وأقيمت عليه الحجة والبيان، وعرف الحق والدليل ثم بعد ذلك جحده، أو أصر عليه، ينبغي عدم التسرع في الحكم مع اختلاف مراتب المحكومين، بل إن الفاعل للفعل قد يكون أحياناً كافراً، وقد يكون فاسقاً، وقد يكون معذوراً، بحسب اختلاف النية والحال، وينبغي أن نعلم أن هذه المسائل دقيقة جداً، وأنه - كما ذكر شيخ الإسلام -: لا يتكلم فيها إلا كبار أهل العلم، الذين يكون لهم بصر بإدراك مقاصد الشرع، وتنبه إلى مثل هذه الدقائق الخفية، وكذلك ففي مسائل التصورات الكلية، أن يعلم أن الأشخاص على مراتب بل إن الأعمال على مراتب، وحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كل بدعة ضلالة) كل البدع ضلالة، لكن هناك بدعة مكفرة، وبدعة مفسقة، ومنها ما هو غليظ، ومنها ما يعد صغيرة أو كبيرة، وينبغي أن نعلم ذلك، وليس هذا التقسيم من عند أنفسنا بل هو مقتضى كلام العلماء الذين أسسوا كلامهم على استقراء للنصوص، وعلى بيان مدلولات ومقاصد الشريعة، فهذا أمر مهم في مراتب الأشخاص، ومراتب الأعمال نفسها.

الوقفة الثالثة: الحكم على المسميات لا على الأسماء
ينبغي على الإنسان أن لا يحكم على الأسماء بل على المسميات، ومجرد أن تذكر هذا الاسم فهذا يشتمل على فروع عدة، ما حظ هذا الإنسان في هذه الفروع. مثلاً الصوفية فيها مسميات كثيرة، داخلة فيها منها: الحلول والاتحاد - والتي كما ذكر شارح الطحاوية أكفر من كفر اليهود والنصارى - يعتقدوا أن الله حلّ في كل المخلوقات، هذا داخل فيها ومنها ما قد يتصوره الإنسان انه داخل فيها من نوع التزام بأذكار معينة، أو نوع بعض المخالفات، ليس هذا مثل هذا، ذلك كفر وهذا أمرٌ قد يكون محتملٌ، بل قد يكون أحياناً مختلفٌ فيه، مثل التسبيح بالمسبحة، وقد ذكر كثير من أهل العلم أنه لا شيء فيه، وأنه من باب الإعانة على تذكر الذكر، وإحصاءه والتزام السنة به ونحو ذلك، هذا صحيح هذه المسألة كلها يصح عليها هذا الاسم، أو يطلق عليها هذا الاسم، فلا يقال فلان فيه كذا، أو فلان صوفي، أو فلان شيعي، أو فلان كذا فنأخذ كل المسمَّى التي تحت هذا الاسم، بل نقول ما المقصود بهذا؟ ما الفعل الذي فعله أو قاله مما ينسب إليه هذا القول أو لهذا الرأي، فإنه قد ثبت مثلاً عن المتقدمين بعض هذه الأوصاف، فإذا أخذنا الأسماء على علاتها من غير فقه، فإنه قد وصم علماء الأمة بشيء كبير، فإنه ذكر مثلاً عن عبد الرزاق الصنعاني - وهو أمام كبير - أن فيه تشيع، فقال الذهبي: وهو تشيع يسير لا يضر. وذكر أيضاً عن الإمام النسائي - رحمة الله عليه - أنه رُمي بالتشيع لأنه صنف كتاباً عن مناقب الإمام علي - رضي الله عنه -، وبعض أهل السنة ممن يقدم علياً على عثمان، وهو قول بعض أهل السنة كان يطلق عليهم التشيع، فلا بد أن نراعي أيضا الاطلاقات باختلاف الأزمنة والأمكنة، وكذلك الإرجاء كان هناك إرجاءان؛ إرجاء أهل السنة، وإرجاء الابتداع، وهو الإرجاء المذموم، فأطلق على بعض أهل العلم من أهل الفضل، ومن أهل السنة أنهم مرجئة للمعنى المحمود الذي ليس فيه مخالفة للشرع، فينبغي للإنسان أن يميز بين الأسماء والمسميات، وأن لا يكون الإنسان متلقفاً لأي أمر هكذا من غير بصر ولا إدراك.

الوقفة الرابعة: عدم ترتيب الأولويات في ترتيب قضايا الأمة المسلمة
فليست القضايا على درجة واحدة من الأهمية، ولذلك يخطئ من يجعل الأمر الذي له أهمية كبرى يجعله ليس داخلاً في دائرة الاهتمامات، والأمر اليسير هو الذي يفاصل عليه ويحارب من أجله ويوالي ويعادي ويحارب، بينما الأمر أدنى وأقل من ذلك بكثير، وفي الوقت الحاضر مثلٌ الذي يقتل فيه المسلمون على الهوية على مجرد أن اسمه محمد أو عبد الرحمن أو كذا، يأتي من يقول هل نناصر هؤلاء لننظر أولاً هل هم ممن يلتزمون بالسنة في هيئتهم أو في ظاهرهم أو لا، وهناك قضايا مهمة الأمة مقصرة في كثير من الجوانب ضعيفة في قوِّتها العسكرية، ضعيفة في قوِّتها العلمية، والتكنولوجية، ضعيفة في كثير من الجوانب المهمة، في هذه الحياة التي هي من أسباب قوة الإسلام والمسلمين، ثم نأتي فقط نركز على جوانب معينة ونضخمها، ونجعلها هي الأولى والأخيرة، هذا أيضا نوع من القصور في التصور، والإدراك والفهم، لا بد أيضاً من أن نذكر بعض الأمور اللاحقة بمثل هذا، فيما يتعلق ببعض القضايا الشائعة في ما يلحق بهذه التصورات.

الوقفة الخامسة: المبالغات والتشبث بها وترويجها 
وهو موضوع المبالغات والاعتصام أو التشبث بهذه المبالغات وترويجها، يسمع الإنسان قول فينفثه ويزيده من غير أن يعرف لهذا القول حقيقته، من غير أن يعرف له أثره، من غير أن يعرف ما قد يترتب عليه من مفسدة أو مصلحة، أو ما قد يضر به صاحبه الذي نسبه إليه ونحو ذلك، فتجد المبالغات هنا بحسب أحياناً إما لضعف البصيرة، أو لميل النفس والهوى، فتجد إنساناً يعظم صاحبه أو شيخه أو من يتلقّى عنه، أو من يحترمه ويعظمه، فيبالغ في هذا التعظيم حتى يأتي بأمر منكر غير مرغوب فيه، فتجد بعض الناس، أو بعض الشباب يأتون بالمبالغات، ويفتقرون إلى حقائق الأمور، وهذا داخل في ضمن المسميات ونحو ذلك، على سبيل المثال من يقول: فلان هو أعلم المسلمين أو أعلم العلماء في هذا الباب، أو لا يمكن أن يكون هناك أحد أفضل منه في مثل هذا، هذا أمر غير صحيح في واقع الأمر، ولا يقال أصلاً وصاحبه يرفضه، فمثلاً يقال: فلان ابن تيمية عصره، وهذا أيضاً صاحبه ينكره والمنسوب إليه قد لا يرضاه لنفسه، ثم هو أيضاً نوع من الخلل في تقويمنا للأمور، وإحقاقنا للحق، ومعرفتنا لهذه الجوانب، فهل لو كان هذا الإنسان مثل ابن تيمية في علم من العلوم، فهل هو مثله في بقية العلوم، هل هو مثله في الحديث النبي - عليه الصلاة والسلام - وإحاطته به، وهو يقول: إني أنذر كل مخالف في مسألة ثلاثة شهور حتى يأتيني بأثر، أو حديث يخالف ما قلت من شدة تمكنه، وإحاطته بالنصوص، ويقول عن نفسه في التفسير: قد كنت أقر في الآية مائة تفسير وتفسير، وما أقنع بذلك حتى أدعو الله - سبحانه وتعالى - أن يفتح عليّ، وهو الذي كان عنده من العلم في جوانب شتى، فضلاً عن المقارنة في الحال، والسمت والورع والتقوى، هذه الأمور والمبالغات أيضاً مما يسبِّب خلطاً وخللاً عند الناس، أحياناً قد يسبب عندهم إحباطاً، عندما تضخم الصور، ثم لا تكون الحقائق في واقع الأمر مقابِلة لهذا التضخيم، والأمر الآخر في مسألة التصورات، وقوع الخلل عند الناس فيها.

الوقفة السادسة: عدم الإنصاف
عدم الإنصاف الذي يكيل فيه الإنسان بمكيالين، و لا يعطي كل أحد حقه فيما ينبغي أن يكون عليه، ومثال ذلك كثيرٌ جداً في وقائع شتى، وأيضاً في الأحوال المعاصرة التي تناقش وتذكر، فإن مثلا في قضية الإخوان المسلمين في الجزائر، وما كان من فرح المؤمنين بما يسّر لهم من انتشار، ومن اكتساح للانتخابات ومدح الناس ذلك، وظن الناس فيهم خيراً في تلك المناسبة، ورجوا لهم خيراً، ثم في موضع آخر نأتي فنذم هذه الانتخابات، وننتقص من جاء بها، وربما نتهمه في دينه وأنه احتكم إلى غير شرع الله - عز وجل -، أو رضي بشرع غير شرع الله - عز وجل -، هذا أيضاً من التخليط الذي يقع فيه الناس، وتبقى التصورات فيه مضطربة.

فإذاً هذه الدوائر التي أشرت إليها وغيرها، محل نظر، ومحل استدراك، يحتاج كل أحد أن يتبصر في هذه المسائل، وأن ينقد نفسه، وأن يشيع فيما بيننا روح الأخوة، مع روح النصح، فإن بعضهم يظن أن مقتضى الأخوة، أن لا تناصح لئلا يغضب أو لئلا يحزن، بعضهم يظن أن مقتضى التناصح أنه لا بد أن تكون معه شدة وغلظة، مع أن الإسلام بعظمته وبمنهجه يجمع بين أن يكون الأخ أخ لك في الله - سبحانه وتعالى -، وبين أن تنصحه، بل واجبك أن تنصحه وأن تشد عليه بحسب حاله، فأنت وهو المقرَّب إليك أولى أن تكون ناصحاً له مُكْثِراً في النصح، وذلك لأنك تعلم أنه يحتملك، وأنك تعرفه ويعرفك وأن بينكما من الألفة والخلطة، ما يجعل هذه الخلطة والألفة أكبر من أن ينقطع أو أن يصد عنك لأجل هذه الشدة، بينما البعيد أتخوله بالموعظة والنصح مرة بعد مرة، فلا بد أن نجعل هذه الروح شائعة بيننا، وحتى ننقد أنفسنا بأنفسنا، ونقوِّم مسيرتنا، ونسد الذرائع لبعض هذه المسائل التي نتائجها في آخر الأمر وخيمة جداً، بعض هذه الأخطاء والمزالق مخاطرها كبيرة جداً، تؤدي ببعض أصحابها إذا ولغوا فيها - أحياناً - إلى تكفير الناس، وهذا من أكبر المزلات ومن أخطرها، وتؤدي بهم أحياناً إلى نوع من العزة والجمود والانقطاع عن الناس، وتؤدي بهم أحياناً إلى نوع من نفرة الناس منهم، وعدم قبولهم لهم، وكذلك صور أخرى كثيرة، ينبغي للإنسان أن يحفظ نفسه من الوقوع في مثل هذه الأمور، وكما أشرت المسائل كثيرة وأظن أن بعض ما ذكرته فيه - إن شاء الله - فائدة وغُنْية وكثير من هذه المسائل أود أن أُعْلِم أنها من القواعد الكلية، وأحب أن أختم بالنصيحة بالرجوع إلى الكتب التي تتحدث عن المقاصد والكليات مثل كتاب الموافقات للشاطبي وكذا الاعتصام له، وكذا إعلام الموقعين الذي يضبط مسائل الفتوى والعلم لابن القيم رحمة الله عليه، وكثير من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في المسائل الدقيقة يحتاج الناس أو الشباب أن يرجعوا إليه، أو على الأقل يسألوا عنه حتى يعرفوه، وكذلك في المسائل الدقيقة أوصي أيضاً ببعض الكتب التي جمعت كل ما يتعلق ببعض الموضوعات جمعاً جيداً وعرضا شائقا وتأصيلا علمياً، من هذا فيما يتعلق بالبدعة والابتداع، وقد كان جزء من حديثنا اختصرناه هنا، ممكن أن يرجع إلى كتاب حقيقة البدعة وأحكامها للشيخ سعيد بن ناصر الغامدي، وهو كتاب جلّى هذه المسألة مما يقع منه خلط كثير عند بعض الناس، وبعض الكتب التي تتكلم عن ترشيد الصحوة كثيرة جداً، أشير منها إلى كتاب الصحوة الإسلامية للشيخ القرضاوي، وفيه أمثلة كثيرة ومسائل جيدة، وكذلك الاختلاف المشروع والمذموم أيضاً له، وكذلك كتاب عن الصحوة للشيخ عوض القرني وغيرها من الكتب هذه ينبغي أن يرجع إليها الشباب، حتى يروا هذه المواطن الكلية، التي تحتاج منهم إلى مراجعة ونظر، وكما أشرت فيما يأتي من الأسئلة والمشاركات أو الاعتراضات، نجعل لها إن شاء الله مع بعض الأسئلة السابقة درساً مستقلاً فيما يأتي.