حلب .. تعظ وتنتصر
99 الأحد 16 / رمضان 9 / 1438

08 مايو, 2016 - 31 رجب 1437هـ

 

عناصر الخطبة:

* دروس وعبر من صفحات التاريخ.

* فهم الواقع واستشراف المستقبل.

* ازدواجية المعايير.

* لابد من نصرة المظلومين والغيرة على الحرمات.

* ظلم ذوي القربى أشد مرارةً وألماً.

الخطبة الأولى

إخوة الإسلام والإيمان

وصية الله لنا ولكم في كل آن وحين في آيات كتابه المبين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران102)

معاشر المسلمين،

 

* دروس وعبر من صفحات التاريخ:

 

كلمات أبتدئ بها، مدينة حلب كجميع المدن السورية تعانق "استالن قراد" وهي مدينة روسية، وتعاهدها أنها رغم شراسة الأعداء، وقساوة العدوان، ورغم حجم التضحيات والآلام، فإن مدن وقرى سوريا وجيشها الأبي لن يقبلوا بأقل من دحر هذا العدوان، وتحقيق الانتصار النهائي عليه، كلمات النصيري المجرم سفاح الشام، يهديها إلى مجرم آخر من وراء البحار، وهنا أحدث نفسي وإخواني، ونحن في غفلة كبيرة عن صفحات التاريخ، وعن حقائق الواقع، وعن يقين المستقبل، كما أحدث المغرورين بقوتهم، الذين أصابتهم سكرة أعمت أبصارهم بالتحالفات البشرية الأرضية الدنيئة الحقيرة، أخاطب الجميع لأننا معاشر المسلمين ينبغي أن يكون لنا في كل حدث عبرة، وفي كل قصة أمر ننتفع به، هذا الكلام الساقط الدنيء، والتحريف العظيم لنا نحن، يذكرنا بالحقائق التي ينبغي أن لاتغيب عن بالنا، حلب الشهباء تعيدنا إلى أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه وأرضاه، فاتح بلاد الشام يوم توجه إليها وفي مقدمة جيشه عياض بن غنم الفهري رضي الله عنه، والثلة المباركة من المجاهدين الأطهار الأتقياء الأنقياء، حاصروا حلب فما لبثت أن طلبت الصلح بأمن على الأرواح والنساء والذرية والمعابد والحصون، كما ذكر الكامل في التاريخ، فدخلوها صلحاً ورفرفت عليها راية الإسلام وحاضرة الإسلام وحقائق الإيمان، دهراً بعد دهر وزمناً بعد زمن، وهي عريقة في امتدادها البشري حتى ذكر أنها أول مدينة في تاريخ البشرية عمراناً وحضارة، وكانت عاصمة الدولة الحمدانية، وكانت جزءاً من الدولة الأيوبية، ومرت بها مآثر عظيمة، كانت فيها المدارس والمعابد والمساجد والمآذن والأمراء والعلماء، تاريخ حافل لا نكاد نقرأ منه لا أقول أسطراً بل حتى أحرفاً يسيرة، لا نعرف منه شيئاً حتى تأتي الأحداث فلعل بعضها يردنا إلى ذلك:

وفي الشهباء آثار خوالد مساجد أو مدارس أو معاهد

تنادي الزائرين بملء فيها كذا كنا وتلك هي الشواهد

صفحة دامية مؤلمة، لكنها ليست فريدة ولا جديدة، إنها تذكرة لمن كان له قلب أو ألق السمع وهو شهيد.

ولعلي أقرأ لكم صفحة ضاربة في أعماق التاريخ عمرها قرون من الزمن، كان فيها تيمور طاش، نائباً على حلب نصيري حقير خائن كذلك، كان له دور في أن راسل وأعان بخيانته أحفاد هولاكو المغول الذين جاءوا بقيادة تيمور لنك ودخلوا إلى حلب.

وأنتقل بكم إلى كلمات موجزة من سطور لا أستطيع أن أقرأها كلها في هذا المقام، لأن بعضها لايستطيع أن يقرأها أحدكم ولو كان وحده، ولايستطيع أن يقرأها ولو كان في سره، لأنها تصور مأساة حقيقية، أذكر بعضها كما ذكرها جمال الدين ابن تغربردي في تاريخه، وهو يصف الحالة ويقول اقتحم عساكر تيمور لنك حلب وأشعلوا فيها النيران وأخذوا في الأسر والنهب والقتل، ثم ساق ما لقبل لأحد أن يقرأ من أحوال الاعتداء على الأعراض، ثم قال ثم بذلوا السيف في عامة حلب وأجنادها حتى امتلأت الجوامع والطرقات بالقتلى واستمر النهب والسبي والقتل في حلب كل يوم مع قطع الأشجار وهدم البيوت وإحراق المساجد، وجافت حلب أي صار منتنة من ريح جيف الموتى، قال وجافت حلب وظواهرها من القتلى بحيث صارت الأرض منهم فراشاً، لايجد الشخص مكاناً يمشي عليه إلا وتحت رجليه رمة قتيل.

نصيري مع مغول، خيانة مع إجرام، لكن خيانة اليوم معلنة، وتلك كانت خافية، وإجرام اليوم أشد وأشنع مما كان فيما مضى، المستشفيات فوق مرضاها، والمساجد فوق عابديها، والمدارس فوق طلابها، والأسواق فوق مرتاديها، في صورة همجية وحشية لا أحسب أن لها مثيلاً في التاريخ إلا نزراً يسيراً هنا وهناك.

 

* فهم الواقع واستشراف المستقبل:

 

ومن هنا أقول ونقول كيف نفقه واقعنا؟ كيف نقرأ تاريخنا؟ كيف نستشرف مستقبلنا؟ دعونا من التحليل السياسي واتركونا من القانون الدولي، ولا تلتفتوا إلى الأوضاع المادية، والأحداث العسكرية، لأن عندنا ماهو أعظم وأجل، وعندنا ماهو أجدى وأنفع، وعندنا ماهو أقوى وأثبت، عندنا آيات من القرآن تتلى إلى قيام الساعة، فيها كل مانحتاج إليه، فيها مايحي قلوبنا التي ربما ماتت، ويوقظ عقلونا التي ربما ضلت، ويحرك أجسادنا التي ربما عجزت، فإن لم تحي القلوب بالقرآن، ولم ترشد العقول بالقرآن، ولم تتحرك الأبدان بالقرآن، فأحسب أننا في خطر أعظم من خطر القتل والسبي والإحراق والدمار، هذه آيات القرآن: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} (البقرة:120)، {وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} (الأنفال:73) أما رأيتم نصيريين مع رافضين صفويين مع اشتراكيين سابقين وكاثوليكيين، مع انجيليين متعصبين، مع كل ملة ونحلة، من كل مرتزقة في شتى بقاع الأرض، يجمعهم عداء لكلمة التوحيد لسنة الهادي المصطفى صلى الله عليه وسلم، لهذا الدين بعظمته وتاريخه وحضارته، بهذا الدين بقوته وثباته وشموخه واستعلاءه، لأنهم أدركوا ويدركون أن لا قوة قادرة على قهرهم ورد عدوانهم وتخليص البشرية من جرائمهم، إلا هذا الدين العظيم، الذي سيجدد به المسلمون قريباً وليس بعيداً، مقولة ربعي بن عامر وهو يخاطب الدولة العظمى حينذاك: (جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة) هذا هو الإسلام، فإن قصرنا عنه فهو مايزال عظيماً شامخاً فلنرتق إليه بدلاً من أن نكون في السفح وفي الحضيض، كأننا أمة من الأمم لم يعزها الله بالقرآن لم يكرمها بمحمد صلى الله عليه وسلم، لم يعزها بهذا التاريخ العريق، وكأننا أبناء يومنا ليس لنا أمس ضارب في أعماق التاريخ، وليس لنا مستقبل نراه بأم أعيننا، يخبرنا فيه رسولنا صلى الله عليه وسلم عن بلاد الشام ذاتها وما يقع فيها وما يستقبل فيها، وانظر إلى صورة أخرى لترى الواقع حتى لانصيح فنقول أين الإنسانية؟ أين الرحمة؟ أين العدالة؟ أين كل ذلك؟ لاتعجب لأن الله قال: {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ} (التوبة:10) هل نقرأها اليوم؟ هل أنزلت هذه الليلة؟ إنها أنزلت على سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، وشهدت صحائف التاريخ وأيام الماضي بصدقها هنا وهناك، في كل زمان ومكان، في كل عصر وأوان، كما أخبر الحق سبحانه وتعالى في قوله وفي آياته.

ثم انظر إلى التناقض العجيب الذي كذلك نستغرب له، ونقول إن هذه الحضارة المعاصرة حضارة حقوق الإنسان حضارة القانون وسيادته، حضارة الديمقراطية وخياراتها، ثم يفتح المرء عينيه فيرى كل يوم في كل مكان عند كل حادثة عكس ذلك، وينسى أن يقرأ قول الحق جل وعلا: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} (البقرة:204) {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ} (البقرة:205) أفليست هذه هي الصورة كأنما هي فلم نراه، أوليس هذا هو التشدق ذاته الذي يخبرنا عنه القرآن، وتصوره لنا آياته البليغة المعجزة، مواعظ نستمعها من الساسة الفجرة، من قادة الدول العظمى كما يسمونها، ثم لايتحرك لهم جفن ولا يقشعر لهم جلد، بل ينطقون بكلام في غاية الحقارة والدنائة، بل في قمة الإجرام والإرهاب، يسمونه وقف الأعمال العدائية، ويسمون أصحاب الحق إرهابيين، والكل عنده مبرر أنه يقتل لأنه يحارب الإرهاب، يدمروا المساجد لأن فيها إرهابيين، ويفعلوا هذا وذاك، ويفعله ويفعلونه اليوم هنا وهناك وسيفعلون في الغد هنا وهناك إذا بقي الحال على ماهو عليه.

 

* ازدواجية المعايير:

 

وأنتقل بكم إلى صورة أخرى، تذكرونها عندما قتل بعض الصحفيين في فرنسا، فقامت الدنيا ولم تقعد، وبكت العيون ولم يجف عينها، وتلونت ديار العرب والمسلمين في أبراجها وعماراتها بألوان الأعلام الفرنسية، وحتى اللسان كاد أن يصبح فرنسياً، وتقاطرت القيادات العالمية من كل حدب وصوب، أين هي اليوم؟ بل أين هي منذ أكثر من خمس سنوات، ورحى القتل دائرة في بلاد الشام، ليست حلب وحدها، وليست كما بالأمس في ريف إدلب، وكما قبله في حمص وفي غيرها وفي غيرها، هل هذه إنسانية؟ كلا إنها كاذبة، هل هناك حقوق؟ كلا إنها باطلة، أما رأيتم كيف تنادوا لأجل أحجار سموها تراثاً حين هدمت، أما رأيتم كيف ناحوا وصاحوا على بعض الإيزيديين وهم نفر قليلون ونحن مع حقوق الإنسان وحفظ حياته في كل وقت وفي كل آن، لكن أين هؤلاء؟ ذلك هو النفاق الذي اختصرت لنا الآيات وصفهم في كلمة واحدة، وفي حكم قاطع: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (المنافقون:4){إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} (النساء:101) ولعلنا أيضاً نستفيق لا أقول هذه المرة وإنما مرة ومرة ومرة، حتى إن بلاد الشام تعيد علينا الدروس، وتلقننا الكلمات، وترسم لنا الحروف، لتقول لنا إن خطر الروافض الصفويين كنتم غافلين عنه فكشفناه لكم، كنتم تظنونه هيناً فأريناكم إياه أعظم مايكون، كنتم تظنونه مستتراً، فأخرجناه لكم كأعلن وأظهر مايكون، وهذا هو الذي شهد به التاريخ، وهو الذي نطق به أهل العلم، وهو الذي حذر منه العقلاء، فكان الناس يقولون السلم والتعايش، ونسوا أننا أهل السلم وأهل التعايش، بنص كتابنا وبهدي رسولنا صلى الله عليه وسلم وبصفحات تاريخنا، وبروائع حضارتنا، وبأمجاد دول الإسلام شرقاً وغرباً، وقد عاش تحت ظلها وتحت ظل حكمها يهود ونصارى وصابئة ومجوس وبكل الديانات وغير الديانات، واليوم يضيقون بمسلمين ليس لهم شيء إلا كلمة واحدة يعلنونها (لا إله إلا الله محمد رسول الله) هذا هو الواقع وهذا هو الشاهد وهذه هي الحقائق.

لو أننا نرجع إلى قرآننا وإلى هدي نبينا صلى الله عليه وسلم وكيف وقف المواقف الواضحة مع العداء السافر، لأن الله جل وعلا قد أوضح لنا متى يكون موقفنا صارماً عندما يكون العداء واضحاً، {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} (الممتحنة:8) ولكن المعتدين لابد لهم أن يروا مايصد عدوانهم، ولما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى البيت الحرام يريد العمرة وصدته قريش وكان ماكان، وقَبِل النبي صلى الله عليه وسلم بالصلح، وأراد تعظيم البيت، وقال لاتسألني قريش خطة يعظمون بها بيت الله إلا أجبتهم إليها، وكان منه ماكان عليه الصلاة والسلام، من كل صور الحكمة والحنكة والبعد عن الاعتداء والعدوان، لكن لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو رسوله إليهم قد قتل، فهذه نفس مسلمة وهذا عدوان على مسلم، لم يثبت الخبر بعد لكن النبي صلى الله عليه وسلم دعى الصحابة إلى المبايعة فوراً بلا تأخر، لاننتظر حياة أمم ولا مجلس خوف ولا غير ذلك، لأن دين الله عزوجل أعز من أن يُنتظر لنجدته من لايؤمنون به، فدعى الصحابة وبايعوه، على مابايعتم؟ قالوا بايعنا على الموت، لأنهم لم يأتوا لحرب، وليس لهم من السلاح إلا السيوف في قرابها قد تكون هذه المعركة بالنسبة لهم مهلكة، لكنه دين الله، لكنها أرواح المسلمين لكنها عزة الإسلام، فبايعوا ماتخلف منهم رجل إلا واحد فيه نفاق، وهنا تنزلت الآيات تصف هذه الثلة المباركة، وتمجد عظمة بيعتها، وتبين رضوان الله سبحانه وتعالى عن الذين بايعوه تحت الشجرة رضوان الله عليهم أجمعين.

 

* لابد من نصرة المظلومين والغيرة على الحرمات:

 

والأمر يطول أيها الأحبة، لكنني في المقام الأول هذا، هل أرثي هنا حلب وأهلها أم أرثي حالي وحالكم وحال أمة الإسلام، وأقول إننا أولى بالرثاء منهم، وأجدى بالحزن منهم، فإنهم ثبتوا صابرين، ورفعوا أصابعهم موحدين، واعتصموا ببيوت الله سبحانه وتعالى عابدين، وجأروا إلى الله سبحانه وتعالى داعين، ونحن مازلنا نلهوا ونلعب ونأكل ونشرب، لم يصل إلينا حد أحسب أنه لابد أن يصل لكي نكون مع إخواننا بأقل ما يمكن من مشاعر قلوبنا تذكراً وحزناً ألماً وبكاءً تضرعاً ودعاءً، وأن نكون في أدنى مايجب بذلاً وإنفاقاً وتعريفاً وتذكيراً وصراخاً وبياناً، ولكننا في جملة حالنا، كأنما استمرأنا مايجري لأمتنا فماتت أو ضعفت هممنا وغيرتنا، فينبغي أن نفتش قلوبنا، وإن رسولنا صلى الله عليه وسلم قدوتنا المثلى كان لايغضب لنفسه، فإذا انُتهكت محارم الله لم يقم لغضبه قائمة بأبي هو وأمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما عدى يهودي على امرأة مسلمة فكشف عورتها انتدب النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه فحاصروهم وأجلوهم عن المدينة، تلك هي مواقف الإسلام وغيرة الإيمان، وحقيقة الأخوة، وصورة الوحدة، أسأل الله عزو جل أن يبثها في قلوبنا، وأن يعيدها إلى صفوفنا، وأن لا يؤاخذنا بمافعل السفهاء منا، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا.

أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

إخوة الإسلام والإيمان

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فهي أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه.

وإن من التقوى أن نعيش مع إخواننا في آلامهم وآمالهم، وأن نجأر إلى الله سبحانه وتعالى بأن يرحمهم ويعجل فرجهم، وأن نبذل جهدنا في معونتهم ونصرتهم، ولعلي أكمل أيضاً بعضاً يسيراً من الوقفات القرآنية، ونحن نرى عجباً عندما قلنا خيانة تيمور طاش كانت سرية وهذه الخيانة علنية.

 

* ظلم ذوي القربى أشد مرارةً وألماً:

 

ننظر كذلك إلى صورة أخرى مؤلمة محزنة، عندما يكون مع الأعداء أبناء جلدتنا الناطقين بألسنتنا المنتسبين لعقيدتنا، فتكون ألسنتهم على إخوانهم، ومواقفهم السياسية ضدهم، وأسلحتهم ناراً تصب فوق رؤوسهم، كم هي صورة أشد ألماً وأعظم حزناً مثلما يجري على الأعداء، وذلك يدلنا على أن الخرق كبير، وعلى أن الخلل عظيم، وعلى أن المراجعة الواجبة ضخمة وهائلة، وعلى أننا بيننا وبين مراد الله عزوجل في تنزل نصره بون شاسع نحتاج فيه إلى تصحيح كبير، ومراجعة عظيمة، نسأل الله أن يعيننا عليها، ويسارع بنا إليها ويسوق أمتنا إليها عاجلاً غير آجل.

وأما أهلنا في الشام وفي حلب، فلهم الله لأنهم قالوا "ليس لنا غيرك يا الله"، تخلى القريب وتآمر البعيد ولم نجد حتى صوتاً يتكلم، لأن صوت الكبراء من تلك الدول يرعب، ولأن مواقفهم تقلق، فآثر كثيرون أن يخنسوا وأن يذلوا هنا وهناك، وهم أي أهلنا في الشام في حلب الشهباء وغيرها، هم منتصرون حقيقة، ومنتصرون آجلاً، ذكرت لكم تلك الصفحة التي رسمها بلون الدم تيمور لنك قائد المغول، بعدها بقليل تجلى نصر الله سبحانه وتعالى، وانتصر المسلمون بعد عين جالوت، وعادت حلب إلى حياض الإسلام، وستعود كذلك مرة إثر مرة، هذا الذي علمنا إياه التاريخ، وهذا هو الذي تشهد لنا به آيات القرآن، كما بينه لنا كذلك حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، انتصار المباديء ذكرناه عندما قلنا إن بلالاً كان منتصراً وهو تحت الصخرة يعذب، وهو يقول أحد أحد، وهنا يتذكر أهل الشام مقولة خالد بن الوليد سيف الله المسلول وقبره في حمص "فلا نامت أعين الجبناء"، استمعنا إلى مقولات لأهل حلب أحسب أننا كلنا نطأطئ رؤوسنا خجلاً منه، وهم في أتون محنتهم، وفي شدة الإيذاء والبلاء، ما يزالون على صورة عظيمة من إيمانهم وثباتهم لايبدلون ولايغيرون، نسأل عزوجل أن يعظم الإيمان في قلوبنا وقلوبهم، وأن يثبت أقدامنا وأقدامهم ويعجل فرجنا وفرجهم.

وأخيراً وليس آخراً، لما جاء الحدث المؤلم العظيم في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم بالفرية على أم المؤمنين عائشة، ودام ذلك شهراً كاملاً، قال الله جل وعلا: {لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} (النور:11) كل قضاء وقدر، فيه رحمة وفيه حكمة، فيه خير وفيه منفعة، فيه يقظة وفيه عبرة، فلننتظر لذلك، {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْض} (محمد:4) له حكمة سبحانه وتعالى، حتى يأذن الله عزوجل لتميز الصفوف، والعودة إليه، والانطلاق بالاستمداد من النصر والقوة منه سبحانه وتعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (آل عمران:140).

اللهم ياحي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام أسألك اللهم أن تحفظ بلاد المسلمين أجمعين، اللهم سلم ديارهم واحقن دمائهم واحفظ أعراضهم وأموالهم وأرضهم وديارهم، اللهم ياحي ياقيوم نسألك اللهم الرحمة بإخواننا واللطف بهم فيما تجري به المقادير، اللهم أرحم المستضعفين، وانتصر للمظلومين، وعجل فرجك يا أرحم الراحمين.

اللهم عليك بالمحاربين لدينك ولكتابك ولأوليائك ولسنة نبيك يارب العالمين، أحصهم عدداً واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحداً، أرنا فيهم عجائب قدرتك وعظيم سطوتك، يا قوي يا عزيز يا منتقم ياجبار.