الهوية في زمن المتغيرات
8 الأربعاء 19 / رمضان 9 / 1438
11 مارس, 2012 - 18 ربيع الثانى 1433هـ

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله يسمع من حمده ويعطي من سأله ويزيد من شكره، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، والصلاة والسلام التامان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الغر الميامين وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، أما بعد:

الإخوة الكرام، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

الهوية في زمن المتغيرات، في أنشطة ملتقى البحر الصيفي الذي أتوجه بالشكر للقائمين عليه وللمكتب التعاوني للدعوة وتوعية الجاليات وكذلك لمكتب الدعوة والإرشاد في محافظة جدة، ومع هذا الشكر أبدأ بلفتة أجعلها مدخلاً لبدء حديثنا عن الهوية، نحن في ملتقى البحر الصيفي ولكننا لسنا على البحر مؤكداً، والبحر في غرب جدة ونحن في شرقها لكن هذا الاسم بقي وبقي معه الرمز والصورة والرسم؛ لأن الملتقى يريد أن يحافظ على هويته، لأن هويته رسخت في الأذهان وعرف بها اسماً ورسماً وموقعاً وبرنامجاً، ولذلك مع وجود هذا التغير بقي الاسم وبقيت البرامج والأهداف والروح لأنها ناشئة من هوية ورؤية وقضية، وهذا الذي نبدأ به في حديثنا عن هذا الموضوع وهو في الحقيقة موضوع فكري وليس وعظياً وله تشعبات في الواقع مع كونه له ارتباط بالنصوص.

الهوية في وقفتنا الأولى مع العنوان نفككه ونبقى مع معانيه، الهوية في اللغة العربية مأخوذة من الهوي، والهوية وهي المكان المنخفض المنحط إلى الأرض يهوي إليه المرء، وإذا نظرنا إلى هذا المعنى الحسيّ المادي فإننا نربطه بالناحية المعنوية فهو كما يقولون في كتب اللغة المطمئن من الأرض تنزل إليه، تسكن فيه وتطمئن، ويكون لك فيه خصوصية وثبات.

هذا المعنى البسيط المباشر والمعنى الاصطلاحي شرّق به بعضهم وغرّبوا، وربما ذكره البعض في سياق قضايا فلسفية ويقولون الهوية: هو هو، وهو كلام لطيف لو نظرنا إليه ببساطة فهو هو مبتدأ وخبر فأنت أنت بمعنى أن هناك ثبات في الصورة والشكل والبصمة المميزة، لكن باختصار كل التعريفات بما تناولته من زوايا مختلفة من علم الاجتماع أو علم النفس أو الفلسفة كلها تتعلق بأن الهوية هي التي تعبر عن الذات. فهو يعني شخصه وذاته ولذلك يمكن أن نقول عن هذه الهوية أنها: ما يعبر عن الذات من الخصائص المميزة عن الآخرين؛ لأن من عظمة خلق الله عز وجل أن الناس مخلوقين بنفس الصفة، كلنا لنا عينان وأنف وأذنان، لكن سبحان الخالق رغم كل الصفة المتحدة إلا أن لكل واحد منا سمات تميزه، اللون، الهيئة، سعة الجبهة، ضيق العينين، نحن نقول عن الصينيين هكذا وهم يقولون عنا أيضاً بأنا يشبه بعضنا بعضاً إلى غير ذلك.

ومعجزة الله عز وجل في هذا الإبهام والبنان الذي لا يوجد رغم مئات الملايين من البشر وآلاف الملايين من البشر لا يوجد بصمة مثل بصمة أبدا، بل حتى نبرات الصوت وطبقاته ويظهر هذا التميز والهوية فيما هو أقرب إلى التوافق ليس بين الإخوان وإنما بين الأشقاء وأكثر من ذلك بين التواءم فنحن نرى التوأمين نكاد لا نفرق بينهم لكن كل من يخالطهم أدنى مخالطة يجد الفوارق في الشكل في الصوت في الطبائع في أشياء كثيرة.

إذاً أيها الإخوة الهوية هي ما يعبر عن الذات ويميزها عن غيرها من الذوات، باختصار شديد، أنا ليس لي مثيل – طبعاً ليس هذا على سبيل الفخر – ليس لي مثيل لا يوجد أحد مثلي مطلقاً وليس هذا بالضرورة مدحاً ولكنه تعبير عن الواقع والحقيقة، ولذلك هنا يبدأ جزء مهم لدينا في تتمة عنواننا المتغيرات.

نحن ذكرنا هنا في الهوية أنها سمات أصيلة في الذات ومميزة لها عن غيرها من الذوات إذاً هذه الأصلية ليست متغيرة، ونحن نعلم أن الصفات نوعان صفات ذاتية وصفات عارضة، الصفة الذاتية ما لا تنفك عن الذات مطلقاً، طبعاً سأضرب مثلاً لطيفاً أنا – للأسف – أستطيع أن أصف نفسي بأني بدين لن أنام واستيقظ في الصباح وأكون نحيلاً....، وهكذا صفة اللون صفة طول الجسم لو كان بالإنسان من عرج أو غير ذلك هذه صفات باقية، لكن الصفات العارضة اليوم أنا مسرور قد يمر بي شيءٌ من الأمور يحزنني اليوم أنا في سعة ورخاء قد تمر بي فترات ضيق هذه صفات تأتي وتزول، نحن نتكلم عن هوية فيها صفات في زمن متغيرات، ما هي هذه المتغيرات؟ سيأتي الحديث عنها لكن كيف يكون هناك ثبات مع التغير؟ هذه إحدى معادلات الهوية المهمة.

كيف يكون هناك ثبات مع التنوع؟ لأن التغير هنا كثير ليس تغيرأ واحد، كل شيء حولنا هو متغير وخاصة في هذا الزمن كما سنقول.

أيضاً هناك سرعة في هذه المتغيرات فكيف يكون هناك تغيرات مع وجود السرعة هذه هي المعادلة التي سنتحدث عنها ونحاول أن نقارب جوانبها المختلفة.

وأحب أن أتحدث حديثاً مباشراً وواضحاص رغم أن هذه الموضوعات يخوض فيها الخائضون بفلسفات وربما نقولات من هنا وهناك وأنا أحب الوضوح لأن الوضوح هو الذي يوصلنا إلى المقصود من الفهم وما نريد أن نثبته من المعاني.

ما هي أركان الهوية؟

أي هوية لأي مجتمع لأي أمة كثيرون يتحدثون عن هذا ويذكرون جوانب مختلفة والكتب تعدد ولكن ثمة ثلاثة جوانب أساسية وأركان هي العمد التي تقوم عليها وتؤسس عليها هوية كل أمة ومجتمع مهما كان نوعه في شرق الأرض أو غربها مهما كان في التاريخ قديماً أو حديثاً أو مستقبلاً.

وما يذكر سوا هذه الثلاثة بطريقة أو أخرى يمكن أن يندرج تحتها: الدين واللغة والتاريخ.

الدين نبض القلب واللغة نطق اللسان، والتاريخ ذاكرة العقل.

ولذلك لا يمكن أن يستطيع مجتمع أو فرد حتى أن ينزع نفسه من هذه المكونات الثلاثة، لا أحد يقول في المجتمعات الإنسانية يقولون: من الناحية الفطرية والبشرية والتاريخية لا يوجد مجتمع لم يكن له دين بغض النظر عن صحة هذا الدين أو عدمه، ولذلك يقولون: لم يخلُ مجتمع من معابد بغض النظر عن هذه المعابد هل هي محاريب صلاة أو صلبان ناقوس أو عبادة بقر أو شجر.. إذاً هذا جانب، كل إنسان في هذه الأرض له ما يسمى باللغة الأم التي يلثغ بها لسانه كلماتها الأولى التي يأخذها من الأم ولذلك يسمونها اللغة الأم.

واليوم على سبيل المثال تقلب القنوات فتسمع الصيني يشنشن شنشنةً عجيبة وتسمع الفرنسي يغمغم غمغمة فريدة وفي كل هذا تقول سبحان الله كيف يفهمون هذا الكلام؟ وأنت إذا تكلمت يقولون ما أعجب ما يهرف بما لا يمكن أن يعرف.. وهكذا!

وأما التاريخ فكل مجتمع له تاريخه، ولذلك قبل أن أخوض كل الأمم تدرس الدين واللغة والتاريخ، حتى لو كانت لغتها هذه الأمة لا ينطق بها إلا نفر قليل لكنها تدرسها، في أمريكا يدرسون التاريخ ويقولون يعني ما يسمونه الأربعة الأوائل أو المؤسسون الأوائل جفرسون ابراهام لنكولن وغيرهم كل بلد، أنا في الجامعة مختص بالمواد العامة وعملت بحثاً عن المواد العامة التي يدرسونها لجميع الطلاب في كل الجامعات فوجدت كل الجامعات في شرق الأرض وغربها – جامعات أوروبية وأمريكية وعربية وغيرها – كلها تدرس تاريخ ولغة ودين، طبعاً الدين عندهم ليس له أهمية لكنه موجود أيضا كمكون على الأقل من المكونات الاختيارية، ثم الدين قد لا يكون حياً في بعض الأمم كما هو واقع الآن في بعض المجتمعات الغربية لكن أليست له مظاهر تدل على أنه جزء من المكونات بشكل أو بآخر، وأنا دائماً كنت أحب أضرب مثل خاصة أن هنا عندنا بعض الشباب أضرب مثلاً بالكرة وتسجيل الهدف والحركات التي ترونها ما هي؟ هي تعبير بشكل أو بآخر عن خلفية دينية

إذاً أيها الإخوة هذه هي المكونات الثلاثة وسأعيد جملتي حتى أدخل على كل واحدة منها بشيء من التفصيل والوقوف بقدر ما يتيحه الوقت.

الدين نبض القلب واللغة نطق اللسان والتاريخ ذاكرة العقل، لا يمكن أن يتوقف نبض القلب ولا يمكن أن يعجم اللسان فلا ينطق ولا يمكن أن تلغى الذاكرة من العقل.

الآن وأنتم جلوس كل واحد منكم وعنده شريط يرجع الآن إلى مراحل من تاريخه الآن هذه اللحظة كل واحد منكم عنده أشياء يشوفها في مرحلة من المراحل الدراسية... لأنه ما يمكن ما في عندنا شيء إلا إذا صار لواحد حادث وفقد الذاكرة ما في شيء اسمه Delete حتى عندنا تريد أن تنسى بعض الحوادث تظهر فجأة لأن الذاكرة تبقى ثرية بهذه الأحداث.

نبدأ بقضية الدين كمكون أساسي وأولي ومبدئي وجوهري للهوية، إذاً سنتكلم عن الهوية ثم سنتكلم عن هويتنا أيضاً، الدين – أيها الإخوة – هو أقوى مؤثر في حياة الإنسان، إذا تبنى الدين؟ إذا كان منحياً للدين؟ هذا كلام آخر لكن بمجرد أن يعتنق ديناً والآن في الغرب سرت عندهم أو شاعت اللادينية لكن بعضهم يبحث عن الأديان، يعتنق البوذية فتراه داعياً إليها معجباً بها مسبحاً بحمدها ناشراً لمحاسنها كما يزعم وقد ينفق في ذلك لماذا؟ لأن طبيعة الدين! أي دين! إذا اقتنع به صاحبه هو أقوى مؤثر يجعله يغير حياته، قد ينتقل من بلد إلى بلد قد يفارق أهله وأصحابه قد يغير كل مسار حياته لأن أعظم مؤثر هو الدين، وربما نضرب أمثلة كثيرة بمن؟ بسيرة الصحابة رضوان الله عليهم: عندما جاء وبعث محمد عليه الصلاة والسلام لم يكن هناك تغير في الواقع الاجتماعي ولا الاقتصادي ولا السياسي للجزيرة العربية ولمكة، كانت قريش باقية على رحلة شتاءها وصيفها لم يتغير شيء، الذي تغير هو أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث بالتوحيد وبدين الإسلام فانقلبت كل مجالات الحياة شيئاً فشيئاً بانقلاب الأفراد، وكلنا يعرف القصص الكثيرة.

ولعلنا نستحضر على سبيل المثال قصة أبي ذر رضي الله عنه جندب بن جنادة خامس خمسة أو سابع سبعة أسلموا، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الفترة المكية في أوائل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام استمع إلى النبي عليه الصلاة والسلام ثم أسلم، عندما أسلم رجع إلى قومه، لم يلحق بالنبي عليه الصلاة والسلام إلا في العام السابع من الهجرة بعد خيبر، لكن ماذا صنع في هذه الفترة؟ امتلأ قلبه بالإيمان تشربت نفسه الإسلام أصبح عقله وفكره وجهد وروحه ووقته وإمكانياته كلها موجهة لكي يحقق هذا الدين في حياته، لكي ينشره للناس، لكي يثبت للناس أن الخير فيه، وعندما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام بعد هذه المدة الطويلة نعلم جميعاً أنه جاء ومعه قبيلتين كاملتين مسلمتين، قبيلة أسلم وغفار وكانتا من القبائل التي تقطع الطرق.

هذا الصحابي نموذج لما يحدثه الدين في الإنسان من التغيير الذي يصبغ حياته صبغة كاملة من الأساس، يغيرها من الجذور يبنيها بناءً جديداً، والله سبحانه وتعالى قال: { صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ } [البقرة : 138].

والأمثلة كثيرة يصعب حصرها ولكن لا بأس أن نشير إلى قصة يظهر فيها هذا المعنى وهي قصة الطفيل بن عمر السدوسي رضي الله عنه لما جاء وسمع قريش تصد عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وتقول أنه يفرق بين المرء وزوجه، لا تستمعوا له إنه إنه ... قال: وما زالوا بي حتى وضعت الكرسف في أذني – يعني القطن – حتى لا أسمع محمد صلى الله عليه وسلم ثم ذهب إلى البيت الحرام فرأى النبي عليه الصلاة والسلام فقال لنفسه: "إنك امرؤ عاقل تعرف الكلام وتزنه فما عليك أن تسمع فإن وجدت خيراً قبلت وإن وجدت غير ذلك رددت" فأخرج القطن من هنا ودخل الكلام إلى قلبه من هنا فأسلم، ورجع إلى قومه من البداية لقي أباه فقال: "إليك عني فلست منك ولست مني"، ماذا؟ قال: "أسلمت ودخلت في دين محمد"، زوجته نفس الكلام قال لهم أنا تغيرت، أنا الآن دخلت في صورة جديدة أصبح فيها فكري مختلفاً وقناعاتي متغيرة وكلماتي مختلفة ورؤيتي جديدة ومنطلقاتي فريدة وهكذا، أنا لست مثلكم اليوم؛ لأنه دخل إلى قلبه وفكره دين له قوة معبرة ومؤثرة غيرت وتغير كل حياته، وبالتالي أسلم أبوه ثم أسلم زوجه إلى آخر ما هو معلوم من قصته.

المزية الثانية في الدين بشكل عام، أنه من أكبر مظاهر الهوية بروزاً، التاريخ لا يظهر مباشرة في المجتمع لكن تعال اذهب إلى مكة أي زائر لمكة أو حتى مشاهد لها مباشرة يعرف أنها بلد الإسلام المساجد الأذان ... اذهب إلى الفاتيكان الكنائس النواقيس.. هناك كثير من المظاهر التي تعبر، تجد مثلاً الذين يصعدون إلى الطائرات الآن يطلبون وجبات معينة، وجبات مذبوحة ، لماذا؟ لأنه يعبر عن مظهر ديني، تجد اللباس يعبر عن مظهر ديني، تجد الكلمات تعبر عن مظهر ديني، فلذلك أغلب المظاهر على المستوى الفردي وعلى مستوى الأمة والمجتمع التي تعبر عن هوية هي مرتبطة بالدين ومرتبطة بما يعتقده هؤلاء الناس.

حتى بالمناسبة قريبا كنت في بريطانيا وفي بعض مدنها وذهبت إلى مدينة يبدو أنها كانت معقلاً كنسياً كان بين كل كنيسة وكنيسة كنيسة مليئة الكنائس وخاوية على عروشها في كل الأوقات، لفت نظري ذلك فسألت؟ قالوا نعم هذا كان مكان أو مدينة فيها وفيها وفيها .... إذاً المظاهر أيضاً تظهر من هذا الجانب من شكل أو بآخر.

حتى لا نبقى في التنظير سأنتقل إلى نقطة أحدثكم فيها مباشرة؛ لأننا نريد أن نقول هل نحن الآن في واقعنا على مستوى الأمة الإسلامية الدين هو المكون الرئيس الواضح الظاهر في أمتنا؟ سأذكر شيئاً يسيراً ثم أتحول إلى الحديث المباشر الذي يخصني ويخصكم.

كلنا يعلم أن بعض بلادنا العربية والاسلامية فيها مصانع تصنع الخمر، ومن أجود أنواع الخمور التي تصدر كنخب أول إلى بلاد العالم كله والعالم الغربي خصوصاً! هذا – لا شك – لا يتطابق مع الهوية، أليس كذلك؟ أنا أريد أن أشير اشارت لدينا بعض البلاد الاسلامية أو العربية فيها ترخيص وتصريح رسمي لمهنة البغاء وممارسة الرذيلة! أيضاً أمر صعب وهكذا في صور كثيرة.

لذلك أريد أن أعبر تعبيراً وأقف وقفة مهمة جداً.

أيها الإخوة ما هي صورة المسلم؟ حتى أقول هل أنا أمثل هذه الصورة أو بيني وبين تمثيلها فراغ سأذكر آية وحديثاً مع وقفات متأنية حولها ونتبعها بعد ذلك ببعض النصوص التي تتمم لنا هذا المعنى المقصود.

الله سبحانه وتعالى قال: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } [إبراهيم : 24- 25]، { مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً }: هذا المثل مضروب لماذا؟  لكلمة التوحيد في قلب المؤمن يعني هي تمثل لنا كلامنا الآن عن الدين وعن الإسلام والإيمان والهوية، ضرب الله عز وجل لهذه الحقيقة الإيمانية المتمثلة في كلمة التوحيد اذا استقرت في القلب ما هو المثل الذي ضرب لها؟ { كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ }.

أولاً الشجرة بغض النظر عن أي شيء هي رمز العطاء ونحن نقول العبارة الشهيرة الناس يرمون الشجر بالحجر وترميهم بالثمر، الشجرة في كل آن تنبت الزهر وتنبت الثمر حتى وإن جاء بعد أن يأخذ منها الثمر يجزها أو يقطعها أو يحولها إلى خشب أو غير ذلك، الله عز وجل قال: { كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ } طيبة في ماذا؟ التنكير مع التنوين يدل على العموم يعني طيبة في لونها في رائحتها في ثمرها في كل شيء  متصل بها، يعني كل شيء فيها جميل ومعطاء وله أثر حميد ونفع عميم، نحن نتحدث عن ماذا الآن؟ عن الشجرة لكننا نتحدث عن من؟ عن المسلم يا إخواننا يعني انتبهوا!

فلا تنسوا أني أريد أن أقول لصورة المسلم هو الشجرة المعطاءة التي تعطي في كل ظرف ولا تمنع لأجل عارض يعرض، وهي طيبة في كل جوانبها فالمؤمن كذلك طيب في ماذا؟ في نيته في قوله في فعله في رد فعله في تعامله مع الناس في تعامله مع ربه كل الجوانب طيبة، { أَصْلُهَا ثَابِتٌ } ما الأصل الثابت في الشجر؟ هو الجذور الضاربة في أعماق الأرض لها مهمتان، الأولى: التثبيت، والثانية: التغذية، نحن  لا نتحدث عن الشجرة نتحدث عن المسلم أو المؤمن، ما هي جذوره الراسخة؟ ما أصله الثابت هنا؟ الإيمان، وهو يؤدي ذات المهمة تثبيت وتغذية، { كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ } فرعها في السماء هو السوق والأفرع والأوراق والأزهار والثمار، نعم هي  تظهر في الأعلى لكنها تستمد من الجذور، ونحن إذا أردنا أن تثمر بشكل جيد نحرثه ونضع السماد ونسقي نركز في الأسفل في الأساس حتى يطلع البنيان، كلما أردنا أن نرفع البناء العمارة أو البناء التي نريد أن نرفعها 10 طوابق نضع لها أساس، إذا أردنا عشرين زدنا في الأساس ولا نزيد في الأعلى دون أن نزيد في الأدنى، وأحياناً في أكثر الأحوال في البناء ماذا نصنع؟ نضع أساساً أكبر من الأدوار؛ لأننا نريد أن يكون الأساس يحتمل طول الزمن والمتغيرات، نحن لا نتكلم عن عمارة أو عن شجرة لا تنسوا أننا نتكلم مرة أخرى عن المسلم، {وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ } ما هو فرعها هذا بالنسبة للمسلم؟ والعمل الصالح يرفعه، العمل الصالح: الكلم الطيب، كل شيء يصدر عن هذا  الإنسان المسلم مترجماً عن إيمانه معبراً عن إسلامه يعكس عقيدته ويثمر ما يسلم به من هذه الحقائق الإيمانية هو فرعها في السماء، لكن العجيب في هذه الشجرة أنه قال جل وعلا { تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ } ونحن نعرف أن الأشجار لها مواسم بعضها في الصيف، بعضها في الشتاء، بعضها كذا بعضها كذا.. لا نعرف شجرة تثمر في كل وقت، لكن هذه قالها عز وجل في وصفها: { تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ }.

ما معنى ذلك بالنسبة للمسلم؟ إنه رغم تغير الظروف يبقى أصل إيمانه يصدر الخير، { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } [المائدة : 88]، العدل عند وجود البغض الظن إن الإنسان إذا استسلم لهواه يعدل عن العدل إلى مقتضى البغض، والكره، لكن التي تؤتي أكلها كل حين، لكن الإيمان والمبدأ، لكن الأساس والمرتكز لا يتغير.

ولذلك من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: (أسألك العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى) التقلبات لا تغير، المنهج يبقى: (لا يكن أحدكم إمّعة يقول إن أحسن الله أحسنت وإن أساؤوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤا أن يجتنب إساءتهم)، (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) قالوا: عرفنا نصرته مظلوماً فكيف ننصره ظالما؟ قال: (تردعه عن ظلمه فتلك نصرته)، لاحظ أن المنهج الصحيح والعطاء الإيجابي والعمل الخير باق باق باق رغم كل ما يحصل من الظروف والمتغيرات التي تدفع إلى عكس هذا الخير، ولذلك قال: { تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ } وعندنا جملة صغيرة: { بِإِذْنِ رَبِّهَا } كل هذا الذي قيل في الشجرة وطيبها  وأصولها وفروعها ورسوخها وشموخها وعطاءها وثباتها واستمرارها كله بإذن الله؛ لأن الإنسان المؤمن بالله ولله ولا شيء عنده إلا باستعانته بالله وتضرعه ودعائه لله وإذا حل به بلاء لجأ إلى الله: { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ } [الذاريات : 50]، { وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } [البقرة : 155 ، 156]، ولذلك : { بِإِذْنِ رَبِّهَا } كل شيء محفوف في حس المؤمن وفي منهج المسلم بصلته بالله سبحانه وتعالى: (إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر) وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن متقلب في كل الأحيان والأنحاء والأحوال في معية الله وصلته بالله ومراقبته لله وحيائه من الله سبحانه وتعالى، ولذلك هذا المعنى يكمل لنا الصورة الآن.

قلت إننا تكلمنا عن الشجرة ولكننا تكلمنا عن المسلم الآن، أليس كذلك؟ تكلمنا عن مسلم معطاء، طيب في كل أحواله وأنحائه له إيمان راسخ وتغذية إيمانية بالعبادات بالذكر بالتضرع بالعبادة بالمراقبة بكل هذه المعاني وهو يثمر ويعطي كلِماً طيباً وفعلاً حسناً ودعوة إلى الخير ونهي عن المنكر وترغيب في المعروف إلى غير ذلك.

والسؤال هل هذا المسلم الموصوف المضروب له المثل في هذه الآية موجود؟ وهل هذا المليار ونصف المليار من البشر كلهم مثل هذه الشجرة؟ هذه هي المعادلة.

دعوني انتقل بكم لإكمال هذه الصورة في حديث عبدالله بن عمر عند البخاري في الصحيح في عدة أبواب ومنها باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من علم في كتاب العلم من صحيح البخاري، قال عبدالله بن عمر كنا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال: (ما شجرة مثلها مثل المسلم)، أعطوني شجرة يصلح أن نضربها مثلاً للمسلم، يعني نقول المسلم مثل كذا.. قال: "فوقع الناس في شجر البوادي ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت وفي القوم أبوبكر وعمر" يعني لم ينطق بها، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هي النخلة لا ينقطع ثمرها ولا ينعدم فيئها ولا ولا ولا)، إذاً أول فائدة من هذه الحديث: الشجرة المذكورة في الآية ما هي؟ هي النخلة. دعونا ننظر إليها أليست طيبة يا إخوان! أليست طيبة في منظرها! جذوعها بنية! وسعفها أخضر! إن كان بسرها أصفر شبه بالذهب وإن كان أحمر شبه بالعقيق! منظرها جميل حتى أن شوقي تغزل فيها كما يتغزل في الحسان وقال:

أرى شجراً في السماء احتجب *** وشق العنان بمرئ عجب.

أصلها ثابت وليس هناك أثبت من النخل، حتى إن الله جل وعلا عندما ذكر العقاب الشديد قال: { كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } [الحاقة : 7] منقعر من شدة الريح، وهي شامخة تعلو إلى الأعلى وتؤتي أكلها كل حين، الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لا ينقطع ثمرها) لكننا نعرف في الجملة أن كثيراً من النخل يثمر متى؟ في الصيف، أنواع منه بعض أنواعه سبحان الله في مناطق أخرى غير ذلك، لكن على كل حال هل هي تثمر في كل وقت؟ لا في الصيف فقط لكن كيف تؤتي أكلها كل حين؟ وكيف يقول النبي عليه الصلاة والسلام لا ينقطع ثمرها؟ نعم، صحيح، لأنه يؤكل بسراً في أول أمره ثم يكون نصفه رطباً فيؤكل رطباً ثم يصبح تمراً فيؤكل الدهر كله، وما رأينا تمراً مكتوباً عليه! نهاية الصلاحية في عام كذا أو بعد كذا!

الأمر العجيب الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ولا ينعدم فيئها) يعني ظلها، الأشجار إذا تعامدت الشمس عليها في نحر الظهيرة وقت الزوال ينحصر الظل وينعزل، لكن النخل هو الوحيد لأنه سعفه في كل اتجاه يبقى الظل في كل وقت، بمعنى في شدة الحر تجد الظلال عند المسلم تجد الرحمة عنده، وتجدل العدل، وتجد الكلمة الطيبة، وتجد أنك لو أسأت له: { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } [فصلت : 34]، { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا } [الفرقان : 633]، النخلة لا ينعدم فيئها ثم قال: (ولا ولا ولا) ما معنى هذا؟ يعني بلهجتنا الخ.. الخ.. الخ.. كما نقولها، يعني وفوائد أخرى وأخرى وأخرى.

ابن حجر رحمه الله في شرحه لهذا الحديث ذكر أكثر من ثلاثين فائدة، خلاصتها يقول: "ليس شيء في النخل إلا وهو ينتفع به"، جذوعه عمد البناء، وسعفه سقف البناء، وتمره للأكل، ونوى الثمر للبهائم.. ليس شيء إلا وهو منتفع به، أظن الآن أن كل واحد منا يريد أن يكون نخلة؟

مرة تحدثت في هذا الموضوع وقلت للسامعين وأقول لكم ذلك: أرجو الليلة وأتوقع ذلك وأؤكد عليه أنه لم يضع أحدكم رأسه على مخدته إلا وستنبت في داخل عقله نخلة، سيفكر في النخلة كنت أتمنى لو أقول إني سأعود غداً ألقى بعضكم، سيقول نعم، عندما جئت أنام طلعت النخلة، جاء ذكر النخلة، هذا المثل.. نحن يا إخوان ذكرنا مثلاً واحداً الأمثلة المضروبة لصورة المسلم في القرآن والسنة كثيرة جداً، نحن نقول الدين يمثل الهوية أليس كذلك؟ الدين لا يمثل معنى ناطقاً باسم الدين لكن يعكس ما اقتنع به وأعتنقه من هذه العقيدة وهذه الشريعة.

ولذلك مرة أخرى كم نخلة في مليار ونصف المليار مسلم، هل عندنا 50% نخل و50% شيء آخر؟ الله أعلم، لا أريد أن أطيل لكني أريد أن أكمل شيء يسيراً ولا أعرف ضبط الوقت.

أقول خذوا أمثلة كثيرة (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، أليست هذه سمة للمسلم أم لا، لو كتبتم هذا الحديث ووضعتموه فوق المكان الذي ينام فيه الإنسان، الآن الآن فكر من صباح يومك هذا – لو أضفت طبعاً تستطيع أن تضيف أسبوع شهر باسم – إني الآن ومنذ أن أصبحت ممكن تقول أنه فعلاً سلم المسلمون من لسانك ويدك، اليوم طيب، أمس طيب، قبل سنة فكر فكر في هذا، الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (والله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، هذا اختبار في الامتثال وفي التمثيل الاسلامي الكبير جداً، نحن نسمع الحديث هذا ونذكره كثيراً لكن لو أحببت أن تطبقه على نفسك مدة معينة، طبعاً نحن نريد على طول بس جرب مدة معينة قل: اليوم أريد أن اختبر نفسي هل سأحب لكل من ألقاه ما أحب لنفسي، هل أحب لزميلي في الدراسة أو لزميلي في العمل أو لمنافسي في التجارة، سبحان الله لو طبق هذا الحديث ما وجدنا في أمة محمد شحناء وبغضاء ونحن نجد أنها تصل أحياناً إلى حد الاقتتال، لماذا؟ لأننا لم نمتثل الصورة ليس هي الصورة: (المسلمون أمة واحدة تتكافؤ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم) هذه صفة أمة محمد في حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، (المسلمون أمة واحدة تتكافؤ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم) صورة عجيبة جداً فريدة! تريدون صور! صور في غاية الروعة التشبيه فيها ما لا ينقضي منه العجب في بيان السمت الذي يجب أن يكون عليه المسلم والذي يجب أن تكون عليه الأمة.

سأكتفي بذكر أشياء سريعة لأننا نريد أن نعرج على جوانب كثيرة في الموضوع، أيها الإخوة حديث النبي عليه الصلاة والسلام تحفظونه جميعاً بلا استثناء (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، لو قلت من لا يحفظ هذا الحديث لن يرفع أحد يده! لكن لو سألت هل تأملنا في المعنى وحولنا هذا التمثيل إلى صورة حية حتى نرى أكاد أجزم أن قليلين منا فعلوا ذلك! دعوني أفعل ذلك معكم، كلنا نعرف الجسد الواحد أليس كذلك! سأضرب مثال الأكل عندما تأكل ماذا تصنع! اليد تحمل الطعام أليس كذلك! لكنها لا تتذوقه ولا تستمع به! تضعه في الفم، اللسان يتذوق، الأضراس تطحن، البلعوم يبلع، المعدة مسكينة تهضم، ثم ما هي النتيجة؟ كل خلية من مئات الملايين من خلايا جسمك المنتشرة في كل مكان يصلها جزء من هذا الغذاء الذي به تقوى وتعيش وتنشط، أليس كذلك؟ هذه عملية مختلفة كل جزء منها مختلف.

دعوني أصور لكم الأمر، لو أن اليد قالت: أنا لا أتذوق، كل يوم أرفع أرفع مثل (البوكلينا) أنا لست رافعة، ماذا يحصل؟ كل العملية تتعطل، لو أن الأضراس لم تطحن، أي جزئية صغيرة جداً يمكن أن تربك العملية، المعدة قالت كل يوم ترمي ترمي وأنا أهضم ببلاش لن أهضم، هل نتخيل ذلك أيها الأخوة؟ عندما يضرب الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المثل بمعنى أنه مثل نعيشه كل يوم، جسمي هذا هو يمثل النفس الذي نتنفسه والعين نبصر بها والأذن التي أسمع بها واللسان أتكلم به العقل الذي أفكر به القدم التي أسعى بها اليد استخدمها كل هذا يمثل كل الجسم 360 مفصل كما قال بعض أهل العلم كل شيء دقيق جداً يؤدي دوراً مكتملاً في منظومة، هذه هي أمة الإسلام! أين هي هذه المنظومة؟ كل يغرد وحده! { كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [الأنبياء : 333] هذا مشرق وهذا مغرب كما قال القائل: " أيها المنكح الثريا سهيلا *** عمرك الله كيف يلتقيان"، مسألة عجيبة جداً.

لا أريد أن أطيل لكن أقول عندما يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (كالبنيان يشد بعضه بعضاً) فكروا فيها! كاليدين تغسل أحدهما الأخرى، فكر فيها! هل تستطيع أن تغسل يدك بيد واحدة! كلما أردت أن تنظم تستخدم اليدين وتزيد في القوة، كلما أردت أن تنظف، ما معنى ذلك؟ أن نحتك ببعضنا لينصح بعضنا بعضاً يفهم بعضنا بعضاً، (المؤمن مرآة أخيه) هل فيكم اليوم أحد خرج من بيته دون أن ينظر للمرآه؟ مستحيل أنا أجيب عن الجميع، لماذا ننظر للمرآة؟ حتى نحسن من هيئتنا نلحظ الخلل فنعدله، أليس كذلك؟ لو وجدت في غترتي البيضاء نقطة سوداء ماذا سأصنع؟ أنظفها أو أغيرها، لكن ما رأيكم لو أني رأيت عند خروجي في المرآة نقطة سوداء فاستشطت غضباً وكسرت المرآة، ما وصف هذا التصرف؟ حمق وجهل أليس كذلك؟ لماذا؟ لأن المرآة مسكينة أعطتك الصورة كما هي ليس فيها شيء من عندها هي تعطيك أنت؛ لأنك لا تستطيع أن ترى نفسك الآن ولا أن ترى أنفك ولا أن ترى قفاك، وأنت لا تستطيع أن تكتشف عيوبك، أخوك يكتشف عيبك أحياناً، ويقول لك انتبه هذه الألفاظ التي استخدمتها غير لائقة، الموقف الذي فعلته لم يكن مصيباً، أنا مرآة له وهو مرآة لي، أنا أغسله وهو يغسلني، أين هذه الصورة؟

ما أريد أن أقوله: أننا عندما ننظر إلى جملة النصوص التي تعبر عن المسلم والأمة المسلمة هنا محك الاختبار لنا هل نحن نمثل الهوية الاسلامية كما ينبغي! كما وردت بها النصوص! كما جاء بها القرآن! كما وردت في حديث النبي عليه الصلاة والسلام! اعتقد أن الجواب هو الذي نحتاج أن نتأمله كثيراً، ولا أود أن أستفيض أو أزيد.

اكتفي هنا بهذه النقطة لأشير إلى المظهر العام أيها الإخوة، المظاهر العامة تعبر عن هذه الهوية الدينية كما قلت، وأشير أشارت سريعة حتى انتقل إلى الأركان الأخرى.

الاشارات السريعة دعوني أخبركم بأمر كان منذ زمن بالنسبة لي قبل نحو 20 سنة زرت بلداً عربياً وأنا ابن هذه البلاد نألف أشياء معينة، وكان يوم الجمعة وذهبت مع بعض من كان معي إلى صلاة الجمعة فكان منظراً عجيباً فريداً بالنسبة لي أني دخلت المسجد إلى الجمعة وبجوار المسجد أمة من الناس مسلمين وعرب جالسين في مقهى ويشربون الشاي.. دخلنا صلينا! ما الذي لفت نظري؟ أنا بالنسبة لي حتى كنت قريب في سفر مع أحد الأخوة فوجدنا محلاً مغلقاً قال يبدو أنه مغلق للصلاة هذا الذي أريد أن أقوله فعلاً من المظاهر العامة عندما نقول أن هنا أوقف البث لأجل الصلاة أو أغلقت المحلات لأجل الصلاة نحن هنا نعبر عن مظهر يعكس صورة من عنايتنا بهويتنا، بينما لم لا تجد ذلك فكأنك تقول هل أنا في مجتمع يمثل هذا الإسلام؟ كيف أذن للأذان؟ لصلاة الجمعة ولم يهرع الناس إليها أو لم تغلق الأبواب؟ ليس بالضرورة الإغلاق لكن هذه الصورة كما قلت بعض الجوانب التعبيرية.

اكتفي بهذا في قضية الدين أيها الإخوة لأننا يكفينا أن ننبه إلى أن مستوى تمثيلنا لإسلامنا دون المستوى المطلوب، واستحضرت الآن ما لا استطيع أن أتجاوزه، لما أراد قائد الفرس أن يستكشف: مَنْ هؤلاء المسلمون؟! أرسل إلى سعد بن أبي وقاص قال: أبعث لنا رجلاً نسأله نريد أن نفهم ماذا تريدون من أنت؟! فجاء الصحابي الذي يقال أن اسمه ربعي بن عامر وقال له: من أنتم؟ ما الذي أتى بكم؟ قال: "ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة"، فهم صحيح كامل للإسلام لو اليوم جمعنا مجمع فقهي لكي يلخص لنا هذا الكلام ربما لم يستطع أن يأتي به كما أتى به هذا الرجل من المسلمين لم يكن مختاراً على أنه أعظم الصحابة أو أنه أكثرهم علماً، لماذا؟ لأن كل واحد كان يعبر عن الهوية يعبر عن الدين تعبيراً صحيحاً.

ويحضرني أيضاً مثال مهم أن أذكره هنا أيضا، زيد بن ثابت رضي الله عنه عندما جاءت قضية كتابة القرآن وأشار عمر بن الخطاب على أبوبكر رضي عنهم، وقال أبو بكر: "كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!" قال: "والله يا أبا بكر إنه لخير" فشرح الله صدر أبي بكر للذي شرح له صدر عمر فدعا أبو بكر وعمر زيد بن ثابت وهو أصغر منهما سناً، وهما أكبر منه سناً وأعظم منه علماً وأكثر منه قدراً ومقاماً فقال له أبوبكر: "نريد أن نجمع القرآن" مباشرة ببدهية بتلقائية بمنهجية بثبات ووضوح ورؤية قال: "كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم"، هذه الهوية الثابتة في أشياء لا يمكن تغييرها جلدك لا يمكن أن يتغير، لونك لا يمكن أن يتغير، كما قلنا الصفات الثابتة لا تتغير، لذلك كان أي رجل من المسلمين وأي امرأة وأي طفل من المسلمين عندما كان يسأل عن إسلامه كان يعبر بجانبين، جانب وضوح في الدلالة والمفهوم والمعنى وجانب ظهور في العزة والافتخار والانتساب الحقيقي لهذا الدين والهوية والتي يفخر بها والتي ينافح عنها والتي يرى أنها القمة السامية التي ينبغي أن يفيء إليها الناس وأن يهرع إليها جميع أمم الأرض.

اليوم ربما نسأل المسلم وهو حاصل على دكتوراة أو كذا، لكن ربما بعضهم قد يقولك ها ها لا أدري يعني ما الذي تريد، ماذا؟ يعني نحن مسلمين الحمد لله وفينا خير كثير والحمد لله ولا إله إلا الله ونصلي ونصوم ثم أمور أخرى كثيرة ضائعة وغائبة، هذا يكفينا هنا.

انتقل إلى اللغة أيها الإخوة، لأننا في شأن اللغة لا نعطيها أهمية كالدين، طبعاً ليست كأهمية الدين لكن هي من الدين، ومعركة اللغة يظنها كثير من الناس هينة أنها قضية لا تكبروها لا تعظموها لا تجعلوا من الحبة قبة كما يقولون، اللغة جسر الدين بالنسبة لنا العربية جسر الدين أيها الإخوة، والعربية عرش البيان، والعربية قنطرة المعرفة بالنسبة للمسلم، جسر الدين لأن كتاب الله لن يقرأ لا اليوم ولا غداً ولا لقيام الساعة إلا كما أنزل { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [الشعراء : 1955]، وكلنا يعرف أن العربية اللسان كما قال المصطفى صلى الله  عليه وسلم وليس العربية أن تكون من قحطان ولا من عدنان ولا من عرب عاربة ولا مستعربة لا! العربية أن تكون سيبويه الأعجمي الذي علّم العرب لغتهم وألف لهم الكتاب وغير الكتاب! العربية أن يأتي بخاري ليس من العرب نسباً وأصلاً فينقل لنا أعظم كتاب في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام واصح كتاب صحيح الإمام البخاري، العربية أن نرى فرسان البلاغة والبيان ليسوا من العرب في الأصول والأنساب لكنهم من العرب في النطق والبيان واللسان، العربية أن نراها اليوم ونحن نرى الأعجمي الذي لا ينطق ببنت شفة ولا بكلمة عربية واحدة فإذا تلا القرآن رأيته يقرؤه قراءة فصيحة صحيحة مجوّدة مرتلة لحروف لا يستقيم بها لسانه لا في لغته ولا في غيرها، لأن الله عز وجل قال: { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } [القمر : 177]، معجزة تسمع بعض إخواننا بالذات من جنوب شرق آسيا،  أصوات رائعة! تجويد مبهر! تعجب به تأتي تحدثه بعد ذلك تقول ما شاء الله ما أحسن قراءتك ينظر إليك لا يعرف ما تقول لا يعرف شيء من العربية!

أيها الإخوة الكرام قضية اللغة قضية مهمة، دعوني قبل أن أتكلم عن لغتنا أتكلم ماذا يصنع الناس للغاتهم؟ هناك بلد كلكم يعرفها وتعرفونها بسمة واحدة ليست متعلقة باللغة لكن سأذكر ما يتعلق لها باللغة، هذه البلد بلد نوكيا، تعرفون نوكيا أظن! معروف هذا نوكيا هو اسم رجل بالمناسبة ترى يعني ابتداءً هذه الشركة كلنا نعرفها عشان ما في جيوبنا! هذه الشركة في بلد اسمه فنلندا! أظن أكثر الناس يعرفون فنلندا هذه! أين تقع فنلندا هذه؟ أقصى شمال الأرض ما باقي منها والقطب الشمالي شيء! كم يسكنها؟ 5 ملايين فقط، عندهم لغة تخصهم لا ينطق بها في العالم غيرهم، يدرسون بها من الحضانة إلى الدكتوراة، لا يدرسون لا بالإنجليزي ولا فرنسي ولا بأي لغة من اللغات، لماذا؟ يقولك لغتنا، وين لغتكم انتوا؟ 5 مليون وش لغتكم هذي، لا لغتنا أبداً لا تتكلم عن اللغة، يدرسون ما شاءوا من اللغات كلغة، يدرسوا اللغة الإنجليزية الفرنسية الهندية ما شئت كلغة تستطيع أن تتواصل بها مع الآخرين لكن أين لغتك الأم؟ كما قلت لغة الأم هذه لن تجد ... أنا ذهبت إلى الصين في وقت قريب ما أحب أن أذكر السنوات حتى تكتشف الحقائق أحياناً أقول أيها الإخوة ذهبت إلى الصين يعني طبعاً لا نعرف اللغة الصينية وهم لا يعرفون اللغة العربية، قلنا الجسر اللغة الانجليزية، طبعاً في ذلك الوقت وكنا في فندق لا يحسنون إلا لغتهم وأحياناً بعض من يعرف لغة أخرى لا يتكلم معك بها يريدك أن تتعلم لغته، وكانوا إذا اشتدت بنا الأحوال زاد الكرب نستنجد فيأتون لنا بأحسنهم وأمثلهم في اللغة الانجليزية نحن الذين ما نعرف نصير معلمين لهم! على أية حال اذكر قصة بس طريفة، لما أردت أسافر من عندهم كان الوقت ليل ولم تكن الفنادق تقدم مواصلات أخذت سيارة أجرة فما خرجت حتى جعلت الذي يعرف الانجليزي في الفندق يكتب لي المطار بالصيني تعرفون الصينية كيف يكتبونها والخطوط وكل شيء وأخذت هذه الورقة معي حتى أتأكد من اللوحات بالرسم أن هذا التاكسي يذهب بي للمطار لا يذهب بي إلى مكان آخر.

فإذاً اللغة أيها الإخوة هي فخر واعتزاز لكل أمة، لذلك تجد اليابانيون الصينيون الكوريون بعض الناس يقولك يا أخي لا بد أن ندرس العلوم باللغة الانجليزية، طيب الكوريون الذين صاروا اليوم رقم 20 في الاقتصاد العالمي ورقم 7 في الاقتصاد الآسيوي يتكلمون الكورية ما أظنهم تكلموا غيرها يأخذون لغات غيرها وأجهزتهم تصل إلينا واللطيف الذي سمعته مرة أنهم طوروا بعض أنواع الثلاجات يا أخوان عشان نشوف خاصة لحفظ التمر الذي يصدر هنا، الثلاجات تصدر للسعودية لأنهم يعرفون نأخذ التمر في أوقات معينة ونخزنه وبعدين نستخدمه طول السنة، والله نعم رأيت ذلك أبحاث عملوها حتى طوروا نوع معين من الثلاجات لهذا الغرض.

هذه بالنسبة للناس بالنسبة للمجتمعات أيضاً تمثل شيء مهم جداً وهي كما قلت هي عبارة عن قنطرة المعرفة، اليوم كل أمة خلال تاريخها السابق كتبت علومها بماذا؟ بلغتها! أنا اليوم أقول لكم أن مكتبة الاسكوريال في مدريد فيها مليون مخطوط عربي في كل العلوم من الفلك إلى الهندسة إلى التاريخ إلى اللغة إلى الحديث، مليون مخطوط في هذه المكتبة وحدها! وخذ مكتبة شستربيتي ومكتبة المتحف البريطاني ومكتبات أخرى هذه علومنا مكتوبة بهذه اللغة، إذا انقطع جيلنا عنها حتى نعرف اليوم أشياء بسيطة ولا نتعامل مع الويندوز وغيرها، طيب سنتعلم هذه وسننظر وراءها ولا نجد أنفسنا مرتبطين بتاريخنا ولا بأمتنا مشكلة كبيرة!

الأهم عندي طبعاً هنا كما قلت أن اللغة جسر الدين، اليوم وأنا أقول لكم هذا المثل ولا أريد أن أحرج أحداً خذوا أي سورة من قصار السور في جزء عم وليقرأها أحدكم لو شئتم أن نفعل ذلك علناً لفعلنا، بعد أن يقرأ هذه السورة القصيرة سأسأله عن بعض الكلمات ما معناها؟ جربوا! جربوا وأنا سأقول لكم ستجدون 70 إلى 90% لا يعرف معنى كلمات عربية في سور قرآنية من قصار السور التي نقرأها كل يوم، أما إذا أخذنا القرآن فحدّثت ولا حرج.

واذكر أني في زمن كنت في المرحلة المتوسطة وفي ذلك الزمن الجميل كنا نحب اللغة ونتعلق بها ويأتينا فيها هوجات وموجات، فجاءتني موجة قلت أريد أن أتعلم العربية فقالوا هناك دوواين قديمة دوواين الأصمعيات والضبيات وكذا وذهبت واشتريت هذه الكتب كنت أقرأ الأبيات القديمة ما أعرف من البيت إلا حروف الجر في وعلى وعن وبعدين بس أطالع فوق وأنزل تحت معاني الكلمات وهي لغتنا طبعاً هذه عربية، فيا إخواننا الآن أنا أتحدى شبابنا اليوم الكلام البسيط لا يعرفونه فكيف سيعرفون الحديث؟ وكيف سيعرفون القرآن؟ كيف سيقرؤون في تفسير القرآن؟ كيف سيقرؤون شروح الأحاديث؟ لا أتكلم عن شيء آخر كيف سيقرؤون كتب الفقه؟ الرهن توثيق دين بعين استوفى منها عند حلول الأجل، أشياء كذا تمر بهم في المدارس يحفظونها ويجدونها ثقيلة ورسّخت في الأذهان بأن اللغة العربية ثقيلة وأنها صعبة وكنا في مرحلة الأولى ثانوي كنا في زماننا كان عندنا 21 مادة ومنها طبعاً لغة: النحو والصرف ومنها البلاغة، كانوا يسموها البلاهة والنكد! وكانت مادة ثقيلة على القلوب سبحان الله مع أنها هي المادة التي يفترض أن تكون مُسْكِرة للعقول والقلوب لأنها بلاغيات وجماليات أنا طبعاً كنت أحبها ورزقنا الله مدرساً بارعاً وأخذت في هذه المادة 100 من 100 الآن لا أحد يهتم باللغة، الشباب اليوم مشكلة خطيرة، حتى نحن ندرس اللغة في مدارسنا كأنها مادة أجنبية، كأناً يدرس قواعد الانجليزي ولا أدرس اللغة الأم، وبالتالي أصبحت في قوالب غير إيجابية بالنسبة للتعليم.

وأيضاً هي ليست مفعلة من الناحية العامة على مستوى الأمة، إخوتي الكرام ذهبت مرة إلى مجمع اللغة العربية وإلى بعض مراكز المخطوطات وإلى كذا في بعض بلادنا والله دخلت إليها ويعلوها الغبار لا أحد فيها.. ورأيت بعيني الفهارس وهي ممزعة كل واحد يمزع ويأخذ ما يشاء ويذهب ودخلت إلى مكان مرة من المرات غرفة ثم الثانية ثم الثالثة لا أحد! تعجبت ثم وجدت الموظفين والموظفات في مكان واحد يأكلون طعام الإفطار.

تجد الآن في كل البلاد سفارات الدول المختلفة تنظم دورات لتعليم هذه اللغات ويدفعون المال من عندهم الآن الذين يذهب مبتعثون إلى بريطانيا ويتاح لمن ليس مسجل أن يدرس اللغة الانجليزية مجاناً وطبعاً لها خدمات كبيرة و.. و.. الخ.

عندما نتحدث الآن عن أكبر اللغات في العالم انتشاراً من حيث الناطقين بها يقولون لك اللغة الانجليزية لكن الصحيح هي لغة .. وليست الاسبانية أيضاً اللغة الصينية من حيث العدد الصينيون ما شاء الله يأجوج ومأجوج هؤلاء هم مليار وميتين مليون آخذين سدس سكان العالم وحدهم من حيث العدد، وهذا ذكره حتى هنغتون في كتاب صراع الحضارات وذكر هذا.

المهم أيها الإخوة أن قضية اللغة مهمة جداً؛ لأنها عنوان الحضارة يا إخوان، عنوان الحضارة نحن مكتسباتنا الحضارة حتى لغير العرب من اللذين دخلوا في الإسلام واليوم بعض العقلاء من العرب الذين هم لازالوا هم على مسيحيتهم وكذا ماذا يقولون لك؟ يقولون لك أنا مسيحي لكني ثقافتي وحضارتي عربية؛ لأنه ينطق بالعربية ويقرأ الكتب العربية ويتذوق الأدب العربي، الذين عملوا المعاجم العربية في الوقت المعاصر هم مسيحيون مسيحيوا لبنان خدموا اللغة مثل بطرس البستاني والمعاجم القديمة وحتى بعض الشعراء جبران خليل جبران وغيرهم هؤلاء خدموا اللغة كلغة وبعضهم فعلاً عروبي يخدم اللغة لأنه هذه لغته هو ليست له لغة أخرى، كونه الدين الدين لا يرتبط باللغة لكن بالنسبة لنا نحن المسلمين نحن الأمة الوحيدة التي هناك ارتباط ديني باللغة؛ لأنك لا تستطيع أن تصلي إلا بفاتحة الكتاب، أي مسلم لابد أن يتعلم.

إخواني أريد أن تنتبهوا إلى عظمة اللغة النعمة التي عندنا، والله أيها الإخوة جلست ما بين مغرب وعشاء ساعة أو ساعة ونصف مع أحد المسلمين الأمريكان في أمريكا، يريد أن يتعلم النطق الصحيح للفاتحة، الحمد يقول الهمد لأن حرف الحاء ليس في لغته، ويبكي يتمنى أن يحسن النطق الذي ينطقه طفلي الصغير لأنه عربي فصيح، ونحن الآن عربيتنا كما نقول (نكلّج!) نحن نغير حروفنا الآن حتى نتخاطب مع الآخرين، لم نحسن تطبيق لغتنا ولم نحسن معرفة عظمتها ولم نفتخر بها وبالتالي لم نروجها.

ولذلك انظروا إلى كتب تعليم اللغة العربية لا تجدونها كتب ملونة وفيها أشرطة قليل الآن بدأت والحمد لله أشياء كثيرة، وهذا أمر كما قلت لكم يطول الحديث فيه، لكنني أقول مرة أخرى العربية جسر الإسلام وجسر الدين وهي عرش البيان وقنطرة المعرفة.

عرش البيان هذه لو أردنا أن نقف عندها يا إخوان لا يوجد في كل اللغات ما لها من البلاغة والبيان والفصاحة ما يقارن اللغة العربية أو يقاربها، ولست أريد أن أخوض لكنني أحسن أن أعطي أمثلة تكشف عن ذلك، فأقول لكم مثال واحد حتى يبين لنا قوة اللغة من جانبين، جانب الاشتقاق وجانب الجرس الصوتي، نقول كتب فإذا أردنا أن نتكلم عن المؤلف نقول كاتب وعندنا كتاب أو كتب أو مكتبة كلها من فين؟ من ك ت ب، خذوها بالانجليزي (write) و(writer) و(book) و(library) كل كلمة وحدة في الشرق ووحدة في الغرب إلى آخره، هذا نموذج بسيط! ولو أخذت عالم وعلماء وإلى آخره .... وهكذا، لو أردت أن تأخذ شيء جميل بين السعادة الشقاوة الفرح الكلمات المتقلبة ثم تجد غيرها على غير ذلك.

أريد أن أختم بالثالثة لأننا ما دخلنا في المتغيرات وأنا ليس عندنا كان انتباه للوقت سننركز!

قضية التاريخ يا إخواني هو ذاكرة الأمة وأمجاد الأجيال وقاعدة المستقبل، أمة لا تقرأ تاريخها لا تفقه حاضرها ولا تبني مستقبلها، اليوم كل أمة عندها مفاخر تاريخية وتدخل لأي متحف وأي مكان يقولك نحن أمة معركة واترلو معركة مش عارف ايش! نحن اليوم لو قلت لأي واحد فعلاً منتبه للتاريخ حيقولك نحن حطين صلاح الدين، نحن عين جالوت الظاهر بيبرس، نحن مثلاً طارق بن زياد، محمد القاسم، محمد الفاتح، لماذا؟ لأن هذه صفحات، هذه تعطينا كيف كانت أمتنا؟ وكيف ينبغي أن نترسم الخطى.

ننظر إلى التاريخ أيضاً بجانبه الذي كانت فيه عبر، سقوط الأندلس الدويلات، الولاء لغير المسلمين، النزاع، الخلاف، هذه ذاكرة الأمة أيضاً لا يمكن للأمة أن تنسى تاريخها مطلقاً، ولذلك كثير من الأمور والأحداث التي نتحدث أو ننكرها أو نوافق عليها مرتبطة بذاكرة الأمة.

عندما يقولون لنا الآن مثلاً أننا لكي ننسجم مع العالم لابد أن نغير بعض الأشياء لأنها لا تصلح في التعامل مع الأمم والمجتعات الأخرى، طيب ماذا تريد أن نغير؟ والله في أشياء تخص اليهود والنصارى وفي أشياء كذا.. طيب كيف أصنع التاريخ يا إخوان لا يغير! حدث ووقع وانتهى، انتهى! التاريخ الآن أنا منذ أن جلست عندكم تاريخ لا أستطيع أن أنكر أني جلست هنا ولو أردت أن أنكر إلى قيام الساعة لن يقبل لأن هناك حقيقة واقعة فلا يمكن أن تلغي التاريخ.

الآن تأتي ظروف تأتي أحياناً ضغوط تأتي متغيرات تضغط تمنع هذا التاريخ أن يظهر.

أيها الإخوة في بعض بلادنا العربية العريقة عندما تغيرت مناهجها الدراسية، عملت دراسة، هذه الدراسة يا إخواني ذكرت أن تاريخ الخلفاء الراشدين كله كان مذكوراً في نحو في صفحتين!! حتى إن الدارس كان يقول وتاريخ عثمان كان سبعة أسطر هكذا يعطيك بالأسطر حتى يبين لك، كيف؟!! كيف يمكن أن تنشأ أمة وهي لا تعرف هذا التاريخ وهذه الصفحات؟!! هذه مهمة جداً، واليوم بالمناسبة هناك استهداف لكل هذه المعالم.

هناك استهداف لديننا ونعرف ذلك واضحاً في ليس في المظاهر وإنما أصبح الآن في أسس وأركان هذا الدين وقضاياه العقدية المختلفة تزعزع من خلال القضايا المتعلقة بالإعلام وغيره وكذلك اللغة أيها الإخوة.

اللغة تهون في نفوسنا ونبعد عنها وتغزونا اللغات الأخرى في عقر دارنا فنتقنها ونفتخر بالحديث بها ونرى أن من العيب ألا نتقنها ولا بأس ألا نعرف من العربية شيئاً وهذه كلها تغيرات سلبية.

سأذكر فقط التغيرات ذكراً لأننا أخبرت أن الوقت انتهى، لم يعطونا كما يقولون خمسة دقائق وعشرة دقائق وكذا هذي الضربة القاضية جاءت مرة وحدة!

سأذكر أموراً مركزة هنا أيها الإخوة، المتغيرات اليوم لها خصائص خطيرة جداً أولاً: شمولية هذه المتغيرات، فهي متغيرات سياسية وفكرية واجتماعية وإلكترونية كل شيء فيه تغيرات تتعارض أو تستهدف أو هي مختلفة عن هويتنا ليس بالضرورة نؤمن بنظرية مؤامرة دعونا من نظرية المؤامرة لكنها تخالف ما أنا عليه.

الأمر الثاني أيها الإخوة أن هذه المتغيرات قوية التأثير، لماذا؟ لأنها متعددة الوسائل، اليوم عندنا قنوات فضائية مواقع انترنت، فيس بوك، تويتر، جوالات، أشياء .. الرسائل التي تأتي لأجيالنا أكثر بكثير مما نقول نحن لأبنائنا! أنت تكلم ابنك كم؟ يعني نصف ساعة، المدرس في المدرسة يخاطبه بقدر معين، أما هو متواصل مع هذه الوسائل بأكثر من كل ذلك.

الأمر الثالث أن قوتها التأثيرية في قضيتين اثنتين مهمتين، الأولى قضية إثبات الشخصية والفضاء المفتوح الذي يحقق رغبة وطموح النفس من جهة.

والأمر الرابع التفاعل، هذه الوسائل لم تعد من طرف واحد هي تفاعلية، أنت تشارك وتتصل، أنت تكتب ويردون عليك، وبالتالي هناك جاذبية لذلك ثم والدك ووالدتك أسكت لا تتكلم، معلمك انتبه لا أريد كلام بعد كلامي انتهى! فأين يذهب ليتكلم ويجد نفسه في هذا الفضاء؟! وبالتالي يقرأ ما يقرأ ويدخل فيما يدخل ويتبادل الأفكار ويأتيك بوجه غير اللي ذهب به وبلسان غير الذي ينطق به.

وكان يعجبني المنفلوطي في بعض قصصه وبعض مقالاته، كان يخبر عن التغيرات التي حصلت لمن ذهبوا في ذلك الزمان إلى فرنسا في ذلك الوقت ويرجعون، فيقول ذهب فلان ورجع لنا برأس غير رأسه وبلسان غير لسانه فما أنكرنا منه شيئاً إلا أنه فلان بن فلان، أما كل شيء تغير! وهذا يعبر فعلاً عن التغيرات التي تحصل، وعندما كانت أول البعثات وكانت في زمن محمد علي باشا أرسلوا معه شيخاً أزهرياً لكي يحافظ على الهوية فرجع وهو قد أصابته الصدمات من هنا وهناك وألف كتابه (تخليص الإبريز في تلخيص باريس) لرفاعة الطهطاوي كما نعرف، هذه القضية مهمة أيها الإخوة.

لذلك أنا أقول هناك شيء أسياسي في واقعنا المعاصر يسمى العولمة! وهذه العولمة باختصار هي أن يكون العالم شيئاً واحداً هكذا المطلوب! في عقيدته في لغته في لبسه هكذا المطلوب وان لم يصرح به، ولذلك أدوات جزء من هذه الأدوات سياسية تخرج في صور، نحن عندنا منظمة اسمها اليونيسكو للثقافة تصدر ثقافات، اليهود الصهاينة قدموا في فترة من الفترات طلباً يريدون أن تدرس المحرقة التي يزعمونها في مناهج تعليم كل الدول التي لها عضوية هنا وإذا أجيز القرار يصبح قرارات ملزمة، لدينا اتفاقيات، مثل اتفاقيات سيداو أو اتفاقيات عدم التمييز ضد المرأة فيها قضايا تخالف الدين، إذاً أنت مطلوب أن تطبقها ولو خالفت دينك أو تاريخك أو أي شيء آخر وهكذا هناك مهددات أيها الإخوة، نحن لا نخشى المهددات إذا حققنا عدة أمور:

الأمر الأول: { قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ } [الأنعام : 577]، أن نكون على بينة من ديننا، فإذا كنا على هذه البينة انتهى الأمر، لن يستطيع أحد أن يخترقنا، وأعطيكم مثال واحد، كعب بن مالك تعرفون قصته من المخلفين الثلاثة وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بمقاطعته، لا أحد يكلمه ضاقت عليه نفسه جاءه حينئذ المبعوث من الدولة العظمى في ذلك الزمان برسالة: "قد علمنا أن صاحبك قلاك فالحق بنا نواسك"، الدولة العظمى تقوله تعال أعطيك لجوء سياسي، هذا المعنى الجديد! واحد بس سمعوا أنه في واحد لعلنا نستطيع أن نصيب منهم، هو طول الوقت ما تكلم عن الفتنة قال لما جاءت هذه الرسالة قال: "فعلمت أنها الفتنة، فأخذتها فسجرتها في التنور" حرقها، كان يكفي أن يردها لا؟ أراد أن يمحقها، ما المعنى هنا؟ إذا وجد الفرد الصحيح الذي هو على عقيدة راسخة الذي هو نخلة الذي هو على بيّنة من أمره جيب لي مليون قناة وجيب مليون بعثة صينية وجيب كتيبة صهيونية أحضر ما شئت كلها ستتكسر على نصال { عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } لن أتغير عن الموقف والمبدأ لأن الأمور واضحة، فيوم نبني أنفسنا بناءً صحيحاً لا يكون عندنا مشكلة.

الأمر الثاني قاله الفاروق عمر بن الخطاب: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية.

عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه *** ومن لا يعرف الشر يقع فيه"

لابد أن نعرف ويعرف على الأقل كبراؤنا وعلماؤنا وقادتنا أن يعرفوا هذه الوسائل وهذه الأفكار وهذه النحل فيفندوها ويبينوا عوارها لمن يغتروا بها ويكشفوا زيفها لمن ينخدع بمظهرها؛ لأن هناك مظاهر براقة وهناك شباب ليس عنده وضوح في الرؤية وليس عنده رسوخ في العلم قد يغتر بها فيحتاج أن نفندها، وبعض التفنيد جميل يا إخواني الوقت يضيق لكن بعض التفنيد جميل لأنه يأتي كالأجوبة المسكتة التي ليس بعدها كلام مطلقاً، وهكذا.

كاتبة وصحفية أمريكية زارت بلادنا وببعض البلاد ثم ألفت كتاباً، جاءت مستغربة في الحقيقة من الوضع الاجتماعي ما تعرفه فألفت كتاباً ترجم إلى اللغة العربية اسمه بالترجمة العربية (الأنوثة الإسلامية)، تتكلم عن المرأة فتذكر قصة وقعت لها والله لطيفة تقول: جاءت هي إلى الرياض وزوجها أيضاً مثلها صحفي فكانت تأتي معه فمرة جاءت ولم يكن معها زوجها فذهبت إلى الفندق فسألها صاحب الفندق بحكم أنها تأتيهم مراراً أين زوجك؟ قالت لم يأتِ، فقال لها: آسف لا أستطيع أن أتيح لك في السكن في الفندق، فقالت له: أنا متعبة الآن لا تمزح معي في هذا الوقت ما في وقت مزاح، لا صحيح! ماذا تقصد؟ قال: لازم يكون عندك محرم، وبالفعل أنا مرت بي هذه الحادثة أنا شخصياً، فهي متعجبة تقول : ماذا يعني؟ قال لها: لابد أن تذهبي إلى مركز الشرطة وتأتين بورقة، قالت: أنا عندي تصريح من الإعلان، قال: أعطيهم التصريح هناك، فذهبت إلى الشرطة، وتحكي القصة يبدوا أنها وقعت في ضابط أو كذا، تقول وكان يحدثني وينظر إلى السقف لا ينظر إليها، هي تصف الوصف هكذا تقول، فمتعجبة! أنا أقول هذا جزء من اختلاف، طيب لماذا هذا الاختلاف معيب وهناك لهم صورة معينة نحن نراها مخالفة لا ننكرها ويقولون لنا تنكرونها، طيب لماذا ينكر علي ولا أنكر عليهم؟!

هناك مقالة ابحثوا عنها في قوقل واسمحوا لنا أن أقول عنوانها (انتهينا)، أنا أشوف الصورة هنا، عنوانها بين البرقع والبكيني، يقول البرقع ليس من حضارتي ولا يمثل ثقافتي لكنني أرى فيه معنى الحشمة والحياء وأرى فيه تجسيداً للمرأة التي تعطي جهدها لأبنائها وأسرتها ثم أنظر إلى بنات بلدي وهم على الشواطئ فأرى كأنها بضاعة بائرة يعني تريد من يشتريها وكذا، ثم يعبر في الحقيقة تعبيرات جميلة وجديرة بالاهتمام في هذا المعنى حتى ندرك لماذا نحن مطالبين بالتغيير يا إخوان هذه قضية مهمة، ألسنا أمة من الأمم ونحن أمة مليار ونصف المليار، ونحن أمة أيضاً حتى لغتنا العربية وأمتنا العربية هي أمة عريقة وكبيرة، لماذا نحن الذين يراد منا أن نتغير لأجل الناس الآخرين؟ نحن نتغير بما فيه المصلحة، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فأحق الناس بها، قضية واضحة، وخلاصة الوقت ضاق عن بعضها لكنني أعود فأقول الهوية تحقيق الذات بما يتميز به عن غيره من الذوات والهوية هي الدين واللغة والتاريخ.

الدين نبض القلب واللغة نطق اللسان والتاريخ ذاكرة العقل ونحن مرة أخرى نحتاج إلى الدين؛ لأنه أقوى مؤثر وأعظم مظهر ولأنه السمة التي نتميز بها داخل مجتمعنا ويتميز بها إلى غيرنا من الأمم، وكما قلت: العربية جسر الدين وعرش البيان وقنطرة المعرفة، وكما قلنا في التاريخ إنه ذاكرة الأمة وأمجاد الأجيال وقاعدة المستقبل.

أسأل الله عز وجل أن يحفظ علينا هويتنا وديننا وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين وصلي اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.