الناس والحياة
10 الأربعاء 19 / رمضان 9 / 1438
14 فبراير, 2011 - 11 ربيع الأول 1432هـ

 

لعل هذا الموضوع أيها الأخوة له أهمية في فهمنا لحقائق وسنن الحياة وفي معرفتنا لأنماط للأقسام وتصرفات الناس في هذه الحياة وأن نعرف أيضاً ما ينبغي ما نكون عليه في إيماننا وإسلامنا وفهمنا لغايتنا وتحقيقنا لرسالتنا ووراثتنا لنبينا في هذه الحياة.

سنن الله في الحياة :

وأبدأ في سنة الله في الحياة ثم أثني في أقسام الناس في الحياة وأثلث بعد ذلك بومضات على طريق الحياة  وكل ذلك في إيجاز واختصار والحق أن كثير من ذلك يستدعي الإفاضة.

سنة الله في الحياة جعل الحق سبحانه وتعالى في الحياة الإنسانية والمجتمعات البشرية سنن لا تتغير ولا تتبدل   {ولن تجد لسنة الله تحويلاً }، { ولن تجد لسنة الله تبديلاً }، وهذه السنن تسير وفق قدر الله المرسوم، وحكمته البالغة، وعلمه السابق لكل ما هو موجود في هذا الوجود ثم هي أيضاً مبنية على نسب وقواعد ونضم وقوانين كما تسير الحياة في طبيعتها الكونية على سنن لا تتخلف إلا بأقدار الله عز وجل لحكم بالغة ولعبر ظاهرة فكذلك الأمر في سنن الحياة الإنسانية الاجتماعية البشرية.

ولسنا نريد أن نخوض فيما يتعلق في الصلاح والفساد والخير والشر ونوايا الناس وصلتهم بالله وما يتعلق بذلك من سنن الحياة فإن هذا يتعلق بنظرتنا الإيمانية واعتقاداتنا الإسلامية المرتبطة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وجل حديثنا هنا نتحدث فيه لعموم الناس حتى من كان منهم غير مسلم فإن هذه السنن في كل مناحي الحياة قد قال الحق جلا وعلا { الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا }.

 فأصل خلقة هذه الحياة لما فيه من الحياة والحركة والإيجاز والإحداث وما فيها من العناء والفداء والموت وانتفاء الحياة كل هذه الحياة خلقها الله سبحانه وتعالى لتكون ميدان ابتلاء وساحة اختبار فليس فيها نوع هدوء ولا سكون بل هي حركة وتموج، وليس فيها نوع خمول ولا كسل بل هي جد وعمل، وليس فيها نوع راحة وطمأنينة بل فيها عناء وصعوبة هذه طبيعة الحياة طبيعة الابتلاء ليبلوكم.

 والابتلاء هو استخراج مكنونات النفس وما يتعلق بها من تصرفات الحياة وكما قال سيد رحمه الله في تعليقه على هذه الآية ( ليست المسألة مصادفة بلا تدبير، وليست كذلك جزافاً بلا عناية إنما هو الابتلاء لإظهار مكنون المكنون في علم الله عز وجل من سلوك الأناسي على الأرض ) الله عز وجل يعلم النفوس وطبائعها وما فطرت عليه، وما سيكون منها من عمل، وما سيخالطها من شعور، وما سيتولد عنها من تصرفات في هذه الحياة لكنه قدر سنة الابتلاء ليظهر ذلك في واقع الحياة مع علم الله عز وجل السابق به حتى يكون ذلك ظاهر للناس ويكون سبباً بيناً لاستحقاق الجزاء على الأعمال { ليبلوكم أيكم أحسن عملا }.

 واستقرار هذه الحقيقة في الضمير يجعله ويدعه أبداً يقضاً حذراً متلفتاً واعياً للصغيرة والكبيرة في النية المستترة  والعمل الظاهر ولا يدعه يغفل أو يلهو وكذلك لا يدعه يطمئن أو يستريح.

والطالب على سبيل المثال عندما يتهيأ للاختبار وتحل أيامه ولياليه فإنه يكون على أهبة الاستعداد ويعرف المدرس الطالب المتميز المتفوق من الطالب البليد الكسول لكنه يجعل الفرصة للجميع في ميدان الاختبار ليخرج مكنونات علمه بهؤلاء فيما يظهر من أعمالهم حتى يستحق عليها الجزاء والطالب في هذه الفترة يكون يقظاً حذراً يراعي الصغيرة والكبيرة ويفكر في كل دقيق وجليل حتى يكون دائماً على أهبة الاستعداد وفي غير ذلك يكون أحياناً مفرطاً ومقصراً، وهادئاً ساكناً، ومتراخياً متكاسلاً لكن لو افترضنا أن حياة الطالب في كل يوم من أيام دراسته اختبار فكيف سيكون حال هذا الطالب لا شك أنه سيكون متغيراً .

فإذا أدركنا أن الحياة كلها لكل إنسان من مبدأ خلقه إلى حين وفاته ولكل الناس وفي كل الأزمنة وفي كل الأمكنة وعلى اختلاف عقولهم ومداركهم وأحاسيسهم ومشاعرهم كلها اختبار علمنا حينئذً لا بد أن يكون في هذه الحياة تلك المباغتة وذلك الاستخراج لما في النفس من مشاعر ولما في العقل من خواطر ولما في السلوك من ممارسات .

لأدركنا حينئذً أن الحياة في كل لحظة من لحظاتها ينبغي أن تكون تماماً وأعظم كما هو الحال بالنسبة للطالب في يوم اختباره وفي ساعة تأديته لهذا الاختبار والله سبحانه وتعالى أيضاً يقول { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ، وبشر الصابرين الذي إذا أصابتهم مصيبة قالوا إن لله وإن إليه راجعون }، ولنسأل أنفسنا هذه الأنواع والابتلاءات بعيداً عن معانيها الإيمانية أليست تمر على كل أحد، أليست تطوف بالناس مؤمنين وكافرين، أقوياء وضعفاء، أغنياء وفقراء، أذكياء وبلداء، أليس يمر بكل أحد في غالب الأحوال أو على الأقل بكل صنف من صنوف الناس وفي كل بقعة من بقاع الأرض هذه الفتن والابتلاءات  { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات }، أليس يمر في كل مجتمع وعلى كل إنسان حالة خوف وضغط جوع وكذلك تغير فيما يملك بين يديه بأمور هذه الحياة الدنيا زيادة ونقص كل ذلك يمر وهذا أيضاً من سنة الله عز وجل في الحياة لا يتعلق ذلك بإيمان مؤمن ولا بكفر كافر بل هو سنة ماضية وطبيعة دائمة في مثل هذه الحياة.

بل قد قال الله جلا وعلا ما يبين ذلك في سنة التدافع التي هي طبيعة الحياة، بل هي رغم صعوبتها حلاوة الحياة { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض }، وجاءت هذه الآية في أعقاب قصة داود وجالوت وقال أهل التفسير ( ولولا دفع الله أهل الفساد والشر بأهل الخير والصلاح لفسدت الأرض بغلبة أهل الشر واستيلائهم على أمور الحياة فحينئذً تتمخض الحياة كلها للشر لكن الله عز وجل  جعل سنة الصراع بين الحق والباطل، والخير والشر، والصلاح والفساد سنة يقع بها التمييز بين الخير والشر وإدراك أثار الخير الطيبة واستشعار أثار الشر السيئة ولو لم يكن ذلك كذلك لما رأى الناس هذا ولما قامت عليهم الحجة ببيان الخير والشر بطبيعة الحياة فضلاً عما أنزل الله عز وجل من الوحي والرسالة والله سبحانه وتعالى جعل ذلك سبباً للخير لوجوده وظهوره وعلوه ).

والماء إذا كان راكداً غير متحرك يفسد وتكون حركته وتدافعه سبباً لتجدده وحركته وقوته وظهور ما فيه من خير وشر فإنك لو قلبته لأظهرت بعض الشوائب لكنها تظهر لك حتى تنحيها وحتى تخلصها والله عز وجل قد ضرب مثلاً متعدد الجوانب في صور الشبه عندما بين سنة تدافع الخير والشر واستخلاص الله للخير ومكوثه ودوامه { فأما الزبد فيذهب جفاً، وأما ما ينفع الناس فمكث في الأرض }، زبد السيول الذي يطغى على سطح الماء ماذا يصنع به الماء الجاري إنه يمضي به حتى تحجزه حواجز طبيعية ثم مع تدافع الماء يكون متجنباً حتى يندفع الماء المتجدد بالحركة الصافي النقي الذي فيه حياة الناس ومصالحهم عندما يأتي ويسير هذا البلاء في هذه الحياة وتتدفق الأمواج وتتدافع يكون من أثر ذلك التدافع هذه الحياة التي لو تصورناها بلا متمخضة للخير وحده أو للشر وحده لما كان هنالك الحكمة التي نعرفها (وبضدها تتميز الأشياء ).

 كيف نعرف بياض الثوب إلا عندما نعرف السواد، وكيف نعرف صلاح الإنسان إلا عندما نعرف الفساد وهذه سنة الله عز وجل والعناء في الحياة أساسً فيها وطبيعة ملازمة لها لقد كانت الحياة كلها تأسن وتتعفن لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ولو أن في طبيعة الناس التي فطر الله عليها أن تتعارض مصالحهم واتجاهاتهم الظاهرة القريبة لتنطلق الطاقات كلها تتزاحم وتتغالب وتتدافع فتنفض عنها الكسل والخمول وتجتشيج ما فيها من مكنونان مدخورة وتظل أبداً يقظة عاملة هذه سنة أيضاً من سنن الحياة.

 

ومن طبيعة هذا التدافع، ومن طبيعة سنن الحياة المتكاملة له سنة التفاوت وهذه سنة عظيمة في حكمة باهرة ومنفعة عظيمة للناس تفاوت الناس في كل شيء لا يمكن أن تجد من الناس اثنين لهما كل شيء بالتساوي وغنما أصل سنة الحياة مبنية على التفاوت فقوة، وضعف، وغنى، وفقر، وذكاء، وبلادة إلى غير ذلك.

 حتى يحصل التغير والتبادل والتمازج والتكامل والتعاون بل وأحياناً التصادم والتدافع لتبقى للحياة طبيعتها في الحركة.

 اليوم بعض الناس الذين يعملون وعندهم أعمال كثيرة في اليوم الذي يكون عنده إجازة وطبيعته الحركة الدائمة والعمل الكثير والمشاغل المتتابعة ماذا يكون حاله؟ كثيراً ما تجد بعض أولئك الناس الذين في أغلب أوقاتهم عمل إذا جاء يوم الراحة أصابهم من الملل والتعب والعناء وضيق النفس شيء عظيم لأنه تعود الحركة ولو تصورنا الحياة سكوناً وهدوءً وليس فيها ذلك التفاوت لو تصورنا مجتمعاً ما كلهم أغنياء فمن سيخدم الآخر ومن سيكون محتاجاً إلى الثاني ولو تصورناهم كلهم فقراء فمن سيجبر كسر الآخر كما يقول المثل الذي هو من الأمثلة العامية     ( انضم المتعوس على خائب الرجاء )، أو كما يقولون ( لو زرعنا لو في وادي عسى يطلع ياريت ).

 هذه الأشياء تدل على أن الأشاء المتساوية لا يمكن أن تنتج تفاعلاً يحرك طبيعة الحياة ولذلك جاء ذلك في قول الله سبحانه وتعالى { أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعض سُخرياً ورحمة ربك خيراً مما يجمعون }، أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا والمعيشة ليست متعلقة بالرزق فقط وإنما أقسام المعيشة في الحياة كلها من الذكاء، من القوة، من كل معطيات الحياة ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعض سِخرياً ورحمة ربك خيراً مما يجمعون يقول صاحب الظلال معلقاً ومبيناً أيضاً ملامح هذه السنة ( رزق المعاش في الحياة الدنيا يتبع مواهب الأفراد وظروف الحياة ومقومات المجتمع وفق نضمه وارتباطاته وظروفه العامة كلها ولكن السمة الباقية فيه والتي لم تتخلف أبداً أنه متفاوت بين الأفراد وتختلف أسباب التفاوت بحب ما تختلف بين أنواع المجتمعات والنظم لكن سمة التفاوت في مقادير الرزق لا تتخلف أبداً ولم يقع يوماً أن تساوى جميعاً الأفراد في هذا الرزق أبداً )، والحكمة في هذا التفاوت ملحوظ في جميع العصور والبيئات وجميع المجتمعات هي ليتخذ بعضهم بعضاً سُخرياً.

سؤال ما معنى هذا التسخير؟ هل هو نوع التصلت والاعتداء والتكبر؟ وتكون هذه هي أثار القسمة؟ وهذه صور من صور الرحمة؟ أو هذا مظهر من مظاهر السنة الإلهية؟ والجواب لا بل المقصود بالتسخير هو نوع التكامل الناشئ عن التفاوت أيً كان فليس فيه لأحداً على أحداً فضل، ولا لأحداً على أحداً منة ليس فيه استعلاء طبقة على طبقة، أو استعلاء فرد على فرد إن هذا معنى قريب ساذج لا يرتفع إلى مستوى القول الإلهي الخالد كلا إن مدلول هذا القول أبقى من كل تغير أو تطور في أوضاع الجماعة البشرية وأبعد مدى من ظرف يذهب وظرف يجئ إن البشر كله مسخر بعضهم لبعض ودولاب الحياة يدور بالجميع ويسخر بعضهم لبعض.

حتى نحن نقول الفقير أمره مسخر لخدمة الغني لكن أليس الغني أيضاً مسخراً بصورة أخرى للفقير وغيره أليس هو يحتاج لهذا وذلك يحتاج له كل هذا مبنياً على سنة التفاوت التي تنشأ منها سنة التدافع التي تولد فيها حكمة تقلب الأحوال والظروف والتي تنتهي إلى سنة الابتلاء التي يستخرج الله سبحانه وتعالى بها مكنونات النفوس وطبائعها وظواهر الأعمال ووجودها في واقع الحياة ويترتب على ذلك الجزاء في طبيعة الحياة إذاً لا بد أن ندرك أيها الأحبة أن سنة الحياة فيها مثل هذا سواءً كما قلنا ونؤكد للمؤمنين وللكافرين وللصالحين وللطالحين حتى لا يسأل سائل لما يبتلى هذا المؤمن وهو على خير وصلاح وإخلاص وعبادة وزهد إلى غير ذلك لما يبتلى بالفقر لما يبتلى بالضعف لما يبتلى بالمرض إنها سنة الحياة في مجملها وفيها سنناً إيمانية ليست موضوع حديثنا في هذا الدرس.

 

أقسام الناس في الحياة :

ثم ننتقل أيها الأخوة إلى أقسام الناس في الحياة وهذا أمر مهم ولعل الخاطر يجول الآن عند كثير منكم كيف سنقسم الناس كلهم في هذه الحياة وكم قسماً سيكون هذا التقسيم هل هو عشرة؟ أو يبلغ المائة؟ أو يزيد أكثر من ذلك؟ وفي الحقيقة فيما تصورت بالنسبة لطبيعة الحياة ليس إلا هناك إلا ثلاثة أقسام فقط أذكرها مع التعليق على كل قسم منها :

 

القسم الأول : الحياة الهامشية التافهة

يعيشها عدد من الناس ليس عندهم في هذه الحياة لا هدف، ولا غاية، ولا همة، ولا عزيمة، ولا رغبة، ولا طموح، ولا حتى وجود أي دافع من الدوافع التي تجعل الإنسان يتحرك حركة ما ليكون عنصراً من عناصر هذه الحياة والنبي عليه الصلاة والسلام في حديثه الصحيح يقول : ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ ).

والكلمة الثانية هي موضوع حديثنا ألست ترى بعض الناس يجلس متكئاً وينظر في الأفق محدقاً وأحياناً يكون على قارعة الطريق ينظر فيماً يأتي وفيما يذهب فإذا سألته أي شيء تصنع لم تجد عنده جوابً ولأي حكمة تنظر لم تجد عنده جوابً أمثال هؤلاء يبحثون في الفراغ عن الفراغ ليعيشوا في الفراغ دون أن يكون لهم قصداً حتى في ملئ الفراغ فهذه صورة عبر عنها بعض السلف في مقتها وفي كونها أردى وأدنى درجات الحياة كما قال ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه ( إني لأكره الرجل فارغاً ليس في عمل أخرة ولا دنيا )، لو كان في عمل دنيا ولو لم يكن حتى من المؤمنين فإنه يكون له إضافة وإسهام في هذه الحياة ولعل الحطئة الذي عرف بأنه إن لم يكن أهجى شعراء العرب فمن أشدهم وأقذعهم هجاءً لعله كان حالقاً وذكياً وخبيراً عندما هجى من هجاه ببيت عزره عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه أي رأى أنه قد تجاوز الحد وبالغ في الإساءة حتى استحق أن يعاقبه عمر رضي الله عنه فبأي شيء يا ترى هجى الحطئة ذلك الرجل الذي هجاه هل سبه وشتمه وعيره بنسبه وأصله؟ كلا لم يقل من ذلك شيء وإنما قال بيت لعل بعض الناس اليوم يعده من المديح بل ربما بعضهم يسرح به ويتمنى لو وصف به وذلك من شدة حمقه وشدة غفلته ودناءة تفكيره وانحطاط معرفته بالحياة وطبيعتها قال الحطئة :

دع المكارم لا ترحل لبغيتها  ** وأقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

والكلام جميل ليس فيه شتم كما قلنا، وليس فيه طعن يقول له اجلس  لا تنظر إلى المكارم ولا تسعى إلى المفاخر يكفيك أن تأكل وأن تشرب لقد رأى عمر أن مثل هذا الوصف قد بلغ الإساءة التي لا تبلغها إساءة ولا تتجاوزها لماذا؟ لأن مثل هذا الوصف لإنسان لا قيمة له في الحياة ولا أثر له فيها ولا حركة ولا عمل كما قال القائل :

 

إذا أنت لم تنفع فضر فإنما  ** يرد الفتى كي ما يضر وينفع

وإن كان المعنى غير ملائم ولا مقبول لكنه ينبئنا عن بعض الناس الذين ليس لهم أي شيء ولا أي دور في هذه الحياة حتى إن الشاعر قال له ( إذا أنت لم تنفع فضر )، افعل أي فعل ولو فيه ضرر ( فإنما يرد الفتى كي ما يضر وينفع )، ولعل الرافعي الأديب يجدد لنا قوة المعنى الذي ذكره الحطئة عندما قال :

إذا أنت لم تجد شيءً في هذه الحياة ** كنت أنت معنىً زايداً عليها

وإنها لكلمة موجزة قوية عاصفة مدوية لو عقلها أولئك الكسالى والغافلون لا رأوا من صفعة قوية في لحظة غفلة إن لم تجد شيء على هذه الحياة وشيءً كما يقولن بالتنكير مع التنوير أي شيء قليلاً أو كثيراً، طيباً أو سيئاً فأنت معنىً زايد في الحياة أي لا تحسب كما يقولون عند التعداد السكاني عندما نعد السكان ينبغي أن يسقط مثل هؤلاء الناس لأنه لا وجود لهم في هذه الحياة على الحقيقة من حيث حركتهم ووجودهم في سنة الحياة التي أشرنا إليها.

وعطاء ابن أبي رباح تابعي فقيه صاحب همة عالية وصاحب حركة قوية في الحياة قال (لأن أرى في بيتي شيطاناً خير من أن أرى فيه وسادة لأنها تدعوني إلى النوم )، رأى أن الكسل والفتور والانقطاع عن العمل النافع المتحرك في هذه الحياة هو أشد من الشيطان لأن الفراغ لا بد أن يولد في آخر الأمر فعلً سيئاً وأثراً وخيماً إن الفراغ

إن الشباب والفراغ والجدة ** مفسدة للمرء أي مفسدة

ولا تطوف الخواطر السيئة إلا بذوي العقول الفارغة ..

ولا تمر الأفعال الشنيعة إلا بذوي الكسل والخنوع والخمول حتى إذا انبعثت نفوسهم يوماً لم تنبعث إلا بمثل هذا الشر وفي الحقيقة نجد لذلك أمثلة كثيرة لا شك أننا نعرف أمثلة من أمثلة أهل الكفر في هذا ضروباً عديدة وصنوفاً غريبة وأشياء لا تخطر على عقل العاقل بل حتى ولا تخطر في مجالات المجانين فنحن نعرف أن بعضهم يصنعون أمور عجيبة ويجعلون في حياتهم من المسالك والأعمال والأفكار ما لا يمكن أن يكون له وصف أعظم إلا من مثل هذه الأوصاف التي أشرنا إليها وهؤلاء نقول في حقهم ليس بعد الكفر ذنب فسواءً جعلوا همهم في تربية الكلاب أو في تنظيف القطط أو جعلوا دورهم في الحياة أن يعيشوا تحت ظلال الأشجار وأن يكون كما يسمون بهؤلاء السايبين كالأنعام أو هم أظل فليس بعد الكفر ذنب لكننا نجد ووجدنا في مجتمعات المسلمين اليوم من يمثلون صورة عظيمة هائلة من الهامشية والتفاهة ودناءة التفكير وقلة الاهتمامات وموات الهمم وانعدام الأثر والحركة في الحياة وللأسف إن هذه الدائرة تكبر وتنمو ويشمل الفراغ عدداً كبيراً من الشباب وتلف البطالة أعداد أكبر من الرجال وتستهوي التفاهات آلاف مؤلفة من الفتيات والنساء حتى أصبحت الأفكار تحوم حول الأحذية واللابسة واللاغطية وتحوم حول أمور دنيئة تافهة ليست لها قيمة في هذه الحياة.

القسم الثاني : الحياة الإيجابية الضايعة

أربابها قوم عندهم همم ولهم جلد وعندهم عطاء ولهم في دروب الحياة مشقة وعناء وكفاح ونصب لكنه في غير الميدان الصحيح وعلى غير الطريق الدويم وأولئك الذين وصف الله سبحانه وتعالى أعمالهم { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورا }، ووصف الله سبحانه وتعالى في تصوير بليغ سيرة جهودهم في هذه الحياة وثمرة عرقهم وعناءهم في هذه الحياة أنه كالسراب الذي ما يزال المرء يلهث وراءه { مثل الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيء ووجد الله عنده فوفاه حسابه }، أولئك قوم عندهم جهود وأعمال وطموحات وأعمال لكنهم قصروها في غاياتهم الذاتية أو جعلوا حدودها الحياة الدنيوية لم يكن عندهم هدف إلا الحياة بطبيعتها وقوتها وشهواتها وملذاتها فصنف جعل المال غايته فهو يقدح لأجله ويفكر فيه ويلتمس السبل إليه ويتنكب المصاعب والمشاق حتى يبلغ القسم الأعظم منه ويركب الصعب والذلول حتى يصل إلى القمة فيه وكل ذلك هو نوع من مدافع الحياة ونوع من إضفاء أثر في هذه الحياة ونوع من تقديم منفعة لكنها محصورة في دائرة هذه الحياة ومن ثم فإن أمثال هؤلاء وإن أضافوا في الحياة شيء عظيماً بطبيعتها الحياتية وفي صورتها المدنية وفي مخترعاتها التقنية إلا أنهم في واقع الحياة الذي يتعلق بغايتها ونهايتها وما بعدها هم أيضاً في الحقيقة أصفار على الشمال من زجه آخر وبنظرة إيمانية أخرى وكننا أيضاً لا بد أن نقدر جهودهم وأن ننظر أيضاً إلى العبرة في حياتهم.

الله سبحانه وتعالى بين لنا سنة أيضاً تتعلق بهذا في قوله { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفي إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، وألئك ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون}، هذه سنة من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها كل الأهداف التي فيها بما فيها الأهداف العلمية والتقنية والعسكرية كلها أهداف مرتبطة بالحياة الدنيوية وفيها أثر في هذه الحياة { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفي إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون، وألئك ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون}، إن للجهد في هذه الأرض ثمرته سواء تطلع صاحبه إلى أفق أعلى أو توجه به إلى منافعه القريبة وذاته المحدودة فمن كان يردي الحياة الدنيا وزينتها، وعمل لها وحدها فإنه يلقى نتيجة عمله في هذه الحياة الدنيا ويتمتع بها كما يريد في أجل محدود ولكن ليس له في الآخرة إلا النار، لأنه لم يقدم للآخرة شيء ولم يحسب لها حساباً فكل عمل الدنيا يلقاه في الدنيا ولكنه باطل في الآخرة لا يقام له فيها وزن وحابط من حبطة الناقة إذا انتفخ بطنها من المرض قال صاحب الضلال : " وهي صورة مناسبة للعمل المنتفخ المتورم في الدنيا وهو مؤدي إلى الهلاك " ، ونحن نشهد في هذه الأرض أفراد اليوم شعوباً وأمماً تعمل لهذه الدنيا وتنال جزاءها فيها ولدنياها زينة، ولدنيها انفتاح فلا يجوز أن نعجب ولا أن نسأل لماذا لأن هذه سنة الله في هذه الأرض ولكن التسليم في هذه السنة ونتائجها لا يجوز أن ينسينا أن هؤلاء كان يمكن أن يعملوا نفس ما عملوه ونفوسهم تتطلع للآخرة وتراقب الله في المكسب والمتاع فينال زينة الحياة الدنيا ولا يبخسون منها شيء وينال كذلك متاع الحياة الأخرى هذا الأمر في غاية الأهمية لا بد أن نعترف بأن من أهل الكفر ومن أهل الضلال أن من أهل الفساد من بين المسلمين من هو صاحب قوة وصاحب عطاء وصاحب إضافة إلى هذه الحياة إن لم يكن على المسار الصحيح والطريق القويم ورحم الله عمر بن الخطاب عندما قال ( اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة )، جلد الفاجر له جلد ونصب وتفكير وتدبير وتخطيط وتنظيم وسعي وجد حتى ينال القوة التي يريدها أو الغاية التي ينشدها أو المال الذي يطلبه أو المرأة التي يحبها لا بد لكل غاية من جهد وعطاء فمن جعل غايته الآخرة فإنه له أيضاً غايات في هذا السبيل ويجعل الغاية الأخرى كما هي المقصود الأعظم ويجعل السعي يحقق غايات دنيوية والغاية الأخروية يجمع بين الحسنيين وينال الكدح المطلوب في هذه الحياة وينال الأجر المنشود في الآخرة أما أن يكون أصحاب الإيمان والصلاح أصحاب قعود وكسل وليس عندهم همة ولا عمل ولا إنتاج في هذه الحياة ثم يقولون كيف ذهبت الصناعة إلى أهل الكفر وكيف كانت القوة العسكرية عند أهل الباطل فهذه سنة الحياة.

لا يمكن أن تنام وأن تغفوا وتدعوا وتصلي ثم تريد بعد ذلك أن تكون مخترعاً عبقرياً أو مفكراً لودعياً أو غير ذلك من الأمور فهذه الأمور لها ضريبتها ..

تبغي النجاة ولم تسلك مسالكها ** إن السفينة لا تمشي على اليبس

والعشاق نضرب مثلاً في هذا العشاق هم العشاق المعروفون الذين يحبون النساء ويتعلقون بهم حتى في تاريخ العرب وما سطرت تواريخهم من أخبار العشاق ماذا صنعوا؟ ضحوا بالغالي والرخيص وقطعوا الأواصر والعلائق واجتازوا البراري والقفار كل ذلك من المحبوب والمعشوق ومن أجل الغاية التي ارتبطوا بها أو تعلقوا بها وهكذا ينبغي أن ندرك أن هناك إيجابية والله عز وجل قد بين أن هناك العمل الواحد الذي يكون فيه الكسب والسعي لكنه يختلف باختلاف المقاصد والنيات والأهداف والغايات ( ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) وقبل ذلك ( من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته لله ورسوله ) فكذلك الذي هاجر هاجر لأجل المرأة هاجر لأجل الدنيا وكم نرى من الناس ضربوا أمثلة من الناحية الحياتية العملية المجردة أمثلة فيها حكمة وفيها عبرة ألست ترى بعض الذين عندهم أو جمعوا أموالاً عظيمة كيف جمعوها ؟ بدءوا من الصفر بل بدءوا من تحت الصفر ولكنهم فكروا ودبروا وصبروا واحتملوا وواصلوا واستمروا فكان لنا فيهم من هذا الوجه عبرة وعبر لو أخذناها واستفدنا منها ونحن معنا إيماننا وأهدافنا وغاياتنا لجمعنا بين الحسنيين أم أن نكون بلا ذلك فلا يكون المثال الآخر الذي يبين لنا ضياع هذه الإيجابية أن أولئك القوم إلى أين تنتهي بهم نجاحاتهم أين ينتهي بهم النجاح الذي بذلوا ضريبته من أوقاتهم وعرقهم وعنائهم وأموالهم أين ينتهي بهم ينتهي بهم لفراغ نفوسهم وانعدام إيمانهم إلى صور مشوهة وإلى نهايات عجيبة ألست ترى من كدح طول عمره حتى جمع الملايين ثم عند موته أوصى بها إلى كلب أو أوصى بها إلى أشياء عجيبة وسخيفة ليدلك أنه رغم نجاحه الباهر في هذه المسيرة كان صفراً في تفكيره وعقله ونتيجته النهائية ومحصلته الأخيرة وكذلك كثير من الصور أولئك الذين يسمون بالنجوم من أهل الفن الممثلات الشهيرات وغيرهم الذين نالوا المال والجاه والظهور والبروز كم رأينا في اعترافاتهم من حكم وعبر أنهم اعترفوا بأن كل الذي حققوه لم يكن شيئاً ذا قيمة وذا بال بالنسبة لهم هم حتى يبينوا وينفوا ذلك عن الناس الآخرين وهذه أيضاً نقطة مهمة .

القسم الثالث - وهو موضع حديثنا ومربط الفرس كما يقولون - : الحياة الريادية السامية

تلك الحياة التي يجتمعوا فيها كدح الدنيا وهدف الآخرة تلك الحياة التي يجتمعوا فيها الإيمان وفهم السنن والمعرفة بطبيعة الحياة مع الجد والعمل والبذل فيها والله سبحانه وتعالى قد بين أن أهل الإيمان لا يرضون بالدون ولا يحبون الصفوف المتأخرة فقال جل وعلا في سياق الآيات الذاكرة لأوصاف عباد الرحمن قالوا ماذا ؟ { واجعلنا للمتقين إماما }، هم لم يريدوا أن يكونوا من المتقين وحسبك بالمتقين منزلة ومكانة لكنهم أرادوا الإمامة في المتقين ليكونوا في مقدمة الركب ليكونوا الذين عرفوا الطريق وأبصروا الغاية ثم كدحوا لأجل الوصول إلى الغاية ولأجل السير على الطريق والله سبحانه وتعالى قال أيضاً في أولئك { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون }، ( إنما تنادوا الإمامة في الدين بالصبر واليقين ) كما قال ابن القيم وغيره من العلماء فليس الأمر هين !

لا تحسب المد تمراً أنت آكله ** ولن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر

والله سبحانه وتعالى جعل هذه الأمة كلها أمة ريادة سامية لا بد أن ترتبط بالغايات العظيمة وأن لا يكون لها من الأعمال إلا الأعمال المشرفة العالية البالغة العلو في الرتبة ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله كل الأمة مطالبة بأن تكون فيها دائماً هذه الريادة التي ينبغي ألا تكون إلا لأمة الإسلام وأن المسلمين عندما ضعفوا عنها تخلفوا عنها كانت لهم ذلك التراجع وذلك التأخر الذي فرطوا فيه في الأخذ بسنن الحياة ومعرفة طبيعتها فضلاً عن كونهم فرطوا في كمال إيمانهم وفي استقامتهم على شرع ربهم سبحانه وتعالى { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر }، والله عز وجل قال { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر }، لا بد أن ندرك أن هذه الحياة هي حياة عطاء عطاء الدنيا وعطاء الآخرة أيضاً والله سبحانه وتعالى قد ضرب لنا أمثلة والنبي عليه الصلاة والسلام قد شبه لنا تشبيهات حتى ندرك طبيعة دورنا في الحياة الله سبحانه وتعالى قال { مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تأتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس }، عندما نتأمل في هذا المثل الذي ذكر أهل التفسير بأنه مثل ضربه الله عز وجل لكلمة التوحيد وحقيقة الإيمان في قلب الإنسان المؤمن ماذا نرى في هذا المثل ؟ إننا نرى فيه جمال وبهاء ونرى فيه بذل وعطاء ونرى فيه قوة وفداء مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة وهذا الوصف طيبة طيبة في أي شيء طيبة في ثمارها طيبة في رائحتها طيبة في منظرها طيبة في فوائدها طيبة في كل شيء وهكذا ينبغي أن يكون أهل الإيمان والإسلام وأهل الريادة والسمو كلامهم طيب فكرهم طيب وعملهم طيب ونواياهم طيبة وعطائهم طيب لا يصدر منهم إلا الخير ولا يكون منهم إلى الإضافة الإيجابية في هذه الحياة لينتفع الناس كلهم منهم في هذه الحياة برهم وفاجرهم ولينتفعوا هم من أثر حرثهم في هذه الحياة وزرعهم فيها ليجنوا الثمار في الآخرة عند الله سبحانه وتعالى مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة فرعها ثابت ليس هذا العطاء وليس هذا الخير نزوة عابرة أو سحابة صيف لا تلبث أن تنقشع وإنما جذورة مترسخة ولذلك لا بد أن نرسخ جذور الإيمان والوعي والإدراك إذا أردنا أن نرسخ القوة في العطاء في هذه الحياة نحن نرى من أهل الكفر من يعطي ومن يقدم ونحن نعرف أن منهم من يتبرعون للأعمال الخيرية وكذا لكن هذا لا يكون فيه الطيب الذي ذكر بعمومه وشموله لكل الجوانب ولا يكون كذلك أيضاً في كل الأوقات والأحوال ولا يكون كذلك متجرداً من المنافع الذاتية فبعضهم إذا رأى اختلاف أو رأى غياب مصلحة قطع ما كان يعطي من عطاء أو رأى اختلاف في ظروفه قطع أو غير ذلك فإن هذه ظروف عابرة أما هذا أصلها ثابت وفرعها في السماء وثبات الأصل دليل على القوة والقوة دليل على الاستمرار والعطاء وفرعها في السماء فهي ظاهرة بينة وهي منارة هادية وهي تستمد قوة الرسوخ باستمداد قوة من الله سبحانه وتعالى ومن الإيمان به جل وعلا ثم إذا بك تتصور هذه الشجرة الآن لو تخيلتها لتخيلت شجرة شامخة عالية جميلة زاهية ذات أثر ونفع عظيم وفائدة كبيرة وكذلك ينبغي أن يكون المسلم.

والنبي عليه الصلاة والسلام نعرف في الصحيح لما سأل قال ( ما مثل شجرة مثلها كمثل المسلم قال ابن عمر فوقع الناس في شجر البوادي فوقع في نفسي أنها النخلة وفي القوم أبي بكر وعمر فاستحييت فسكت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها النخلة لا يتحات ورقها ولا ينعدم ظلها ولا ولا ولا ) ذكر أهل الشرح الحديث في هذا المعنى كلاماً نفيساً فهذه النخلة تتميز بماذا بقوة جذورها ورسوخها فهي ليست سهلة في أن تقتلع بل هي آخر ما يقتلع من الأشجار وأيضاً فيها معنى الشموخ والعلو والارتفاع وفيها معنى الحلو والرعاية بتفرع جذوعها أو أغصانها وظلها دائم في أول النهار وأخره والانتفاع بجذوعها وليفها وسعفها وتمرها واستمرار عطائها فتمرها بسر ورطب وتمر وغير ذلك ويستفاد منها من كل وجه وكذلك هي صورة مقربة صورة من حيث النفع والعطاء في هذه الحياة ومن حيث أيضاً الامتداد والاستمرار ومن حيث الجمال والبهاء لا بد أن نقرن دائماً الجمال والبهاء لأنه ليس مطلوباً أن نؤدي الأعمال دون أن يكون فيها صورة الجمال والبهاء صورة أنها مقدمة لهذه الإنسانية البشرية كلها فضلاً على أن تكون مقدمة لأهل الإيمان والإسلام فضل أن تكون مدخرة عند الله لصانعيها وعامليها أجراً وثواباً يحتسبونه ويأملونه عنده سبحانه وتعالى ……

.. الأمثلة التي ذكرت في شأن الصديق ومنهم قال ( مثل السيف الذي ينبغي ألا يفارقك ) وطبيعة المسلم الذي يريد معالي الأمور يحتاج إلى أن يكون إيمانه ودعوته وفهمه لرسالته وغايته كالسيف الذي معه يقطع به عوائق الطريق ويرهب به العدو ويجعله مناط للنجدة والاستنجاد عند من يحتاج إليه لأنه صاحب قوة وصاحب سلاح وكذلك يعطيه صورة من الهيبة والبهاء والنضارة والجمال وهو يجمع أسباب القوة وكذلك أسباب الرحمة وكما شبه المشبهون أيضاً أهل الخير والصلاح بأنهم ملح الطعام وقال قائلهم ( من يصلح الملح إذا الملح فسد ) هذا أيضاً معنى مهم لا بد أن نعرفه وهذا الملح نعرف أنهم يحفظون به الأطعمة ويجعلونه سبب للبقاء والاستمرار للنفع والفائدة وكذلك ينبغي أن يكون أهل الإسلام والإيمان ولو ذهبنا لنستقصي لعرفنا وينبغي أن نعرف وينبغي أن نوقن وينبغي أن نجذر هذه المعرفة وأن نشيعها لأننا لو لم نكن كذلك لما عرفنا قيمتنا ولما عرفنا قدرنا أي لما عرفنا عظمة إيماننا وأهمية إسلامنا إذا عرفنا ذلك ينبغي أن نعرف أقدارنا نحن لا نفتخر بأنفسنا لكننا نفخر بإيماننا ولا نعتز بذواتنا ولكننا نعتز بإسلامنا ولا نشرف بشخوصنا وإنما نشرف بإتباعنا لرسولنا صلى الله عليه وسلم نحن أمة خاتمة نحن أمة إنقاذ نحن أمة ريادة نحن الأمة التي تتلفت إليها البشرية في كل زمان ومكان حتى تسلم إليها القيادة وترخي لها العنان وتتنحى لها عن منصة القيادة والريادة لتقود البشرية إلى مرضاة الله عز وجل وإلى حلاوة الحياة وإلى سبيل النجاة حلاوة في هذه الحياة وأسباب للنجاة في الآخرة بإذن الله عز وجل إن لم نكن مدرك أننا كذلك وإن لم نكن نوقن أننا ينبغي أن نكون كذلك فمعنى ذلك أننا لم نعرف حقيقة إيماننا وإسلامنا وأننا لم ندرك طبيعة غايتنا ورسالتنا ولم نستشعر أهمية خلافتنا ووراثتنا وهذه مشكلة كبيرة وينبغي أن ندرك كما قال القائل ( أننا نحن الذين نمنح الحياة جمالها ومغزاها نحن الثقل الذي يمنع الأرض أن تميل وما من منصف إلا ويتساءل معنا كيف الحياة إذا خلت منا الظواهر والبطاح أين الأعزة والأعنة عند ذلك والسماح )، ينبغي أن يتولد من ذلك كله إدراك عميق هذا الإدراك مهم جداً ينبغي أن يتولد الإدراك حتى تعرف أنه

قد هيئوك لأمر لو فطنت له ** فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل .

فإذا أدركت إدراكاً حقيقياً تولد عن الإدراك إقدام ولا يكون إدراك بلا إقدام ولا يكون إقدام بلا إدراك من الذي يتقدم هو الذي يعرف غايته ويعرف مهمته ويعرف واجبه ورسالته هو الذي يتقدم فإذا حققنا الإدراك تولد عنه الإقدام

إذا القوم قالوا من فتن خلت ** أني عنيت فلم أكسل ولم أتبلد

وذو الجوشني رجل صحابي جليل لقيه النبي صلى الله عليه وسلم بعد بدر وقال له ( هل لك أن تكون معي في أوائل هذا الأمر قال لا قال فما يمنعك منه قال رأيت قومك كذبوك وأخرجوك وقاتلوك فأنظر فإذا ظفرت عليهم أمنت بك واتبعتك وإن ظهروا عليك لم اتبعك ) فكان ذو الجوشني بعد إسلامه متأخر يتوجع على تركه الإسلام حين دعاه متى ستكون من المتقدمين بعد أن يسبقك الناس بعد أن يسبقك العاشقون للنساء في ميدان الحياة بلا هدف ولا غاية بعد أن يسبقك الكافرون وهم يريدون القوة والمتعة واللذة فيبذلون ويفكرون ويخترعون ويتملكون ويتحكمون ويتسلطون وأنت ما زلت قابعاً في ذيل الركب لم تدرك الغاية ولم تتقدم لها لا شك أن هذا أمر خطير وإذا أدركنا وأقدمنا فسوف يكون بعد الإدراك والإقدام إغناء سنغني هذه الحياة ونقدم لها ما يكون صورة بهية جميلة ويكون أيضاً ذا نفع وفائدة وسنمثل إسلامنا ونطبق ونظهر آثار إيماننا حتى يفيء الناس إلينا ويؤمنوا عندما يروا الصورة المشرقة الوضيئة والتمثيل الكامل والتطبيق الأمثل كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته كم دخل من الناس بالمعارك والجهاد وكم دخلوا أضعاف أضعافهم بالرؤية والمشاهدة ورؤية أولئك القادة والرواد الذين ضربوا الأمثلة العظيمة ..       

تعيرنا أنى قليـل عديدنـا ** فقلت لها إن الكرام قليل

وما قل من كانت بقاياه مثلنا ** شباب تسامى للعلا وكهول .

ينبغي أن ندرك أننا إذا تقدمنا فنحن عندنا رصيد يمكن أن نملأ جيوب الناس وعقولهم وقلوبهم ونفوسهم عندنا الشيء الذي يفتقر إليه ويحتاج إليه كل الناس من العصاة والضلال والكفار والفسقة والأغبياء والتائهون كل أولئك نحن الذين نملك أن نغني نفوسهم وقلوبهم وعقولهم بما عندنا من اليقين والإيمان وما عندنا من نور القرآن وما عندنا من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم وما عندنا من تاريخ أمتنا وما عندنا من إشراق أسلافنا وما عندنا من رصيد عظيم مذخور في ثنايا هذه الحياة كلها كما قال عليه الصلاة والسلام ( لا تزال طائفة من أمتنا الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله )

والناس ألف منهم كواحد ** وواحد كألف إذ أمر عنا .

لا تقل إذا أردت أن تتقدم إنك ضعيف أو إن العدد قليل أنت غني بما عندك من ميراث النبوة وما عندك من تاريخ الإسلام وإذا عرفنا وعمقنا الإدراك وتحركنا بالإقدام وتوجهنا بالإغناء فينشئ عن ذلك الإعلاء الذي نعلي فيه راية الإسلام ونرفع المنارة الهادية للناس ونجدد في تاريخ الإنسانية النور الإيماني والهداية الربانية والريادة الإسلامية ويكون من وراء ذلك أمر عظيم ولا شك أننا نملك كل هذا بما أتانا الله عز وجل ولكننا نرتكب جريمة عظمى عندما لا نستخدم ما أتانا الله فيما أمرنا الله به لنعمر الدنيا وفق منهج الله ولنبتغي في الآخرة أسباب النجاة ولعل بيت المتنبي الذي ذكر بعض أهل الأدب أنه لم تقل العرب بعده ولا قبله مثله قط يعد معلماً بارزاً في هذا المعنى ..

ولم أرى في عيوب الناس عيباً ** كنقص القادرين على التمام

نحن أن كنا ناقصين فنقصنا مع قدرتنا على التمام لتوفر كل أسباب التمام والكمال البشري وفق المنهج الرباني فليس عند غيرنا أسباب الكمال ومع ذلك بلغوا صور من الكمال في مجال الحياة الدنيوية حتى من ضعف إيماننا ومن انهزامنا في نفسياتنا أصبحنا ننظر في كمالهم فنراهم أهل الحضارة ونظنهم أهل العلم ونحسبهم أهل التقدم ونعرف أنه لا يمكن أن نبلغ شئوهم كما يظن بعض الجهلة وبعض الذين طعنوا في كبريائهم وهزموا في نفسياتهم وطموحهم فارتدوا وكأنهم عادوا أقزاماً ينظرون إلى كل قزم حولهم كأنه عظيم وكأنه كبير وما ذلك لكبر فيه ولا عظمة وإنما لتقزم وضعف وضمور في نفوسهم وقلوبهم ولذلك قال أو من ذلك قول ابن الجوزي رحمه الله ( من علامة الكمال كمال العقل وعلو الهمة والراضي بالدون دنيء ) لا بد أن نطلب المعالي لا بد ألا نقنع بما دون النجوم ..

إذا غامرت في شرف مروم ** فلا تقنع بما دون النجوم

وهذا وصف أيضاً يذكرنا به أحد الدعاة عندما يصور لنا أجيال الأمة وهي بعيدة عن هذه الريادة وما ينبغي أن نكون عليه حتى نتفرد ونتميز إن الكثير من أبناء الأمة اليوم إنما هم غثاء وفيهم من أنواع الغفلات والشطط والفساد والعدوان ما فيهم وفيهم كل متردية ونطيحة وما أكل السبع ومن لوثه الربا وأذهله الخمر والدعاة من بين أظهرهم من بين ظهرانيهم ينفردون بالمناقب والصدق والعفاف والجد والهدي النقي ينبغي أن نكون من المتميزين الذين يدعون إلى الله ويعرفون غايتهم في الحياة ويتحملون مسؤليتهم اتجاه أمتهم واتجاه دينهم واتجاه تاريخهم الذي امتد عبر هذه السنوات كلها وعبر هذه القرون المتعاقبة لم تنفصم فيه في أي فترة من فترات الزمان إلا وفيها كوكبة ريادة وحملة دعوة ورافعو رايات للدعوة والفداء والتضحية والبذل والعطاء وهذا القسم هو الذي نحب أن نكون منه وأن نسير في خطاه ولعلنا أيضاً نذكر أنفسنا ببعض ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما ينبغي أن ندركه لنعرف كل مثل هذه المعاني التي أشرت إليها في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأبي هريرة أيضاً قال إن النبي عليه الصلاة والسلام قال ( ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ) طريق صعب مهمة ليست هينة ولكنها جزء من طبيعة الحياة بل هي في حقيقة الأمر لذة وحلاوة الحياة وأيضاً يقول عليه الصلاة والسلام ( كل الناس يغدوا فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ) كل الناس سيشقى ويتعب لا تظن أن الذي لا يحمل رسالة لا يشقى ولا يتعب طبيعة الحياة تعب كلها الحياة وكد لا يمكن أن يكون فيها راحة دائمة فإذا كان ولا بد من التعب فليكن تعب في موضعه وليكن تعب في مساره الصحيح وليكن تعب يؤدي إلى الراحة الحقيقية وليكن تعب يقابله العوض الصحيح ولعل أبرز ما يؤثر في نفس الإنسان تلك الحادثة العظيمة التي سجلتها آيات القرآن في قصة البكائين في يوم تبوك لما جاء البكاءون للنبي عليه الصلاة والسلام يريدون أن يحملهم ليذهبوا إلى نزهة ليذهبوا إلى شيء من متاع الدنيا ينالونه من غير تعب ولا نصب كلا بل كانوا يريدون أن يحملهم ليركبوا الصعاب ويتحملوا المشاق ويذهبوا إلى حمام الموت فلما حرموا هذه المشقة وجدوا أنهم قد حرموا اللذة فبكوا حزناً على ما فاتهم من هذا العناء في سبيل البذل والعطاء على طريق الهدي الصحيح والنهج القويم والسنة النبوية الشريفة وفي ضوء المنهج الرباني الكامل ولذلك سيتعس الناس ويتعبون ولكن كل بحسبه.

كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام ( تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة وعبد الخميلة إن أعطي رضي وإن لم يعطى سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ) كل هؤلاء صرعى يتعبون ويشقون ولكنهم يتعسون ثم قال عليه الصلاة والسلام ( طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع ) إي لعدم اكتراث الناس به ومعرفتهم له فهذا الذي ينبغي أن نحرص عليه وأن نعرفه في طبيعة الحياة وأن نأخذ به متميزين عن أصناف الناس في هذه الحياة.

فنسأل الله عز وجل أن يبصرنا لعيوب أنفسنا وأن يعيننا على أداء مهماتنا والقيام بواجباتنا واستغلال أوقاتنا ..