الطريق إلى عفو الله
1124 الأحد 16 / رمضان 9 / 1438

14 يوليو, 2016 - 9 شوال 1437هـ

 

عناصر الخطبة:

* خلقه العظيم في العفو والصفح صلوات الله وسلامه عليه.

* إشاعة خلق العفو والتسامح بين الناس.

 

الخطبة الأولى

إخوة الإسلام والإيمان

وصية الله سبحانه وتعالى لكم في كتابه المبين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران: 102).

معاشر المسلمين

* خلقه العظيم في العفو والصفح صلوات الله وسلامه عليه:

تاريخ من هدي وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم يجذبنا إليه، وينير لنا معالم الطريق، ويرسم لنا خطة النجاح، ويبني بيننا جسور العلائق والثقة، يوم أحد في شهر شوال من العام الثالث للهجرة النبوية الشريفة، أحداثه كثيرة، وقفتنا مع حديث رواه ابن مسعود رضي الله عنه في الصحيحين قال فيه: (كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه - أي صار الدم يجري منه- فهو يمسح الدم عن وجهه ويقول، (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) ، قال النووي رحمه الله في شرحه على مسلم وقد جرى لنبينا صلى الله عليه وسلم مثل ذلك يوم أحد، يوم كسرت رباعيته وشج وجهه وسال الدم على وجنتيه، بأبي هو وأمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، في ذلك الموقف الذي كان كفار قريش يتميزون غيظاً، ويتحرقون للنيل منه عليه الصلاة والسلام، وهو يشبه في فعله نبياً من الأنبياء يمسح الدم عن وجهه ويقول: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)، أظنها سمة وخلق يكاد لايتصوره العقل، ولذا ذكر ابن القيم رحمه الله: أن هذا السلوك جمع أربع مقامات من الإحسان في مقابل إساءتهم العظيمة، أولها عفوه عنهم، وثانيها استغفاره لهم، وثالثها اعتذاره عنهم (فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)، ورابعها استعطافه لهم بإضافتهم إليه بقوله (اغْفِرْ لِقَوْمِي)، هذا هو الخلق العظيم للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

العفو والتسامح، الصفح ليس عمن أخطأ بكلمه، أو ربما أعرا بنظره، بل عمن كانوا يريدون قتله، وأدموا وجهه، وقال كما صح عنه عليه الصلاة والسلام في معركة أحد أيضاً: (كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ)، فلإن كان قد عفى عن هؤلاء في ميدان المعركة وهم يريدون قلته، وقد نالوا منه عليه الصلاة والسلام، وجرحوه وكسرت رباعيته كما نعلم، وهو يقول: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) ذلك هو الهدي النبوي، تلك هي الأخلاق المحمدية، تلك هي القمة التي لا أحسب أن أحداً يبلغها، وقد ورد في حديث عبدالله بن عمر في وصف النبي صلى الله عليه وسلم وهو طويل وفيه (وَلاَ يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ) والمشهد الأعظم كلنا يعرفه، كما روى في كتب السيرة لما فتح عليه الصلاة والسلام مكة، صلى في البيت بين الساريتين، ثم خرج وقال: (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ مَاذَا تَقُولُونَ ، وَمَاذَا تَظُنُّونَ؟ قَالُوا: نَقُولُ خَيْرًا، وَنَظُنُّ خَيْرًا: أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ، فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ} (يوسف:92) هؤلاء الذين نالوا منه بالأذى اللفظي، والأذى الحسي، وحاربوه وناصبوه العداء وألبوا عليه الأحزاب، ثم أمكنه الله منهم، وجاء في موقف القوة لا في موقف الضعف، وجاء في موقف إمضاء العقوبة فسما فوق كل ما يمكن أن يكون من تشفي النفوس، ومن غيظها، ومن استخدام البطش والقوة، إلى رفعة عالية سامية الذرى، فقال: (لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ) وقصة يوسف مثل عظيم عليه السلام، اخوته فعلوا مافعلوا من الكيد والتدبير والحسد وكل مانعلم، ثم في آخر الأمر قال: {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} (يوسف:100) ساوى بينه وبينهم، ثم قال (لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ)، نحن في موسم عيد، وفي موسم سبقه موسم صوم وذكر وتلاوة، من المفترض أن يكون قد غسل القلوب، حتى تطهرت وأصبحت صافية نقية، والصدور صارت سليمة، والعفو صار سمة، والتسامح صار لغة، والصلة عادت تجبر ماكان من انقطاع، واعجب إن شئت أن تعجب لمن لايزال رغم كل هذا مازال مقاطعاً أو مخاصماً أو بينه وبين قرابة له أو جيران له ممتد أعواماً وأعواماً، وهو يرى هذه القمة العظيمة في خلق المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وهكذا كان في حاله كله فقصة عكرمة ابن أبي جهل وهو أيضاً من صناديد قريش، وهو نجل أبي جهل الذي استمر في مناصبة العداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هلاك أبيه في بدر، ولما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة، ولى فاراً هارباً، لأنه لايظن أن هناك مساحة في نفس النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عفوه ستشمله، فذهبت إليه زوجه وقد أسلمت، وأخذت له أماناً وقالت له ارجع، فجاءت الرواية وقد جاء عكرمة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: إن هذه أخبرتني أنك أمنتني، فقال عليه الصلاة والسلام أنت آمن، فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأنك رسول الله، وأنت أبر الناس، وأنت أصدق الناس، وأنت أوفى الناس، ثم قال طالباً من النبي صلى الله عليه وسلم وواصفاً حاله قال: وإني لمطأطئ رأسي استحياءً منه، لما كان منه مما مضى، قال: فقلت يا رسول الله: استغفر لي كل عداوة عاديتكها، أو موكب أوضعت فيه أريد فيه إظهار الشرك وحرب الإسلام، فدعى له النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللَّهُمُ اغْفِرْ لِعِكْرِمَةَ كُلَّ عَدَاوَةٍ عَادَانِيهَا ، أَوْ مَوْكِبٍ أَوْضَعَ فِيهِ يُرِيدُ أَنْ يُصَدَّ عَنْ سَبِيلِكَ)، هذا هو رسولنا صلى الله عليه وسلم، هذا هو قدوتنا العظمى والمثلى، وهو أيضاً كانت له قصة مع وحشي قاتل حمزة رضي الله عنه، قال له: «ويحك يا وحشي غيب عني وجهك فلا أراك»، وهكذا وهكذا سنرى العفو سمة في سيرته وهديه صلى الله عليه وسلم، ما انتقم لنفسه قط، بل ورّث ذلك وعلّمه لأصحابه، حتى جاءت الآيات القرآنية تعلمنا أننا نحن أمة العفو، سيما فيما بين أهل الإسلام، سيما فيما بين الجيران، سيما فيما بين الأقارب وذوي الرحم والأرحام والأصهار، هذا أبوبكر رضي الله عنه أصابه ما أصابه في حادثة الإفك، التي لاك الناس فيها عرض أم المؤمنين رضي الله عنها، فبرأها الله عزوجل من فوق سبع سماوات بآيات تتلى إلى قيام الساعة، وكان من بين من خاض في ذلك مسطح أبن أثاثة، وكان قريباً لأبي بكر من الفقراء، وأبوبكر ينفق عليه ويعطيه فأوقف نفقته، موقف طبعي بدهي، فأنزل الله جل وعلا آيات تتلى، يحض فيها أبابكر أن يغير موقفه، الله يخاطب كما في القرآن: {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ} (النور:22) وهنا ملحظ مهم أن النداء للعفو من الله سبحانه وتعالى، وأن الجزاء مقابل، إن ابتغيت عفو الله فليكن جسرك إلى ذلك، وطريقك إليه العفو عن الناس، الراحمون يرحمهم الرحمن، ما بالنا تضيق صدورنا، وصدر نبينا صلى الله عليه وسلم وصدور أصحابه وصدور أهل الإيمان تتسع لما هو أعظم من ذلك، كثير من خصوماتنا على أمور تافهة، وكلمات عابرة، ومواقف لاتقدم ولا تؤخر، ومع ذلك نتشنج ولانسمح ولا نعفو، ويأتي مثل هذا الموسم في العيد بعد هذه العبادة كما قلنا، المفترض أن يكون قد دمر كل شيء من تلك الضغائن أو تلك الأحقاد أو تلك الآثار، أو تلك الكلمات أو المواقف، فسبحان الله ينبغي أن نتنبه إلى ذلك ونحرص عليه ونلتفت اليه.

وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كذلك، له مواقف ومنها موقف عظيم يربطنا أيضاً بآيات القرآن، عيينة بن حصن الفزاري جاء إلى المدينة وابن أخيه الحر بن القيس نزل عليه وهو من جلساء الفاروق عمر رضي الله عنه، فقال له إن كانت لك صلة بهذا فاستأذن لي عليه، فأخذ له الإذن فدخل عيينة بن حصن وكان رجلاً فيه غلظة وفيه خشونة في الخلق، فقال: هيه يابن الخطاب والله ما تعطينا الجزل ولاتحكم فينا بالعدل، يقول هذا لصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما سلك عمر الفاروق فجاً إلا سلك الشيطان فجاً آخر، فيغضب عمر فيقول الحر بن قيس لعمر رضي الله عنه إن هذا من الجاهلين، وإن الله أمر رسوله فقال: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف:199) فما تجاوزها عمر وكظم غيظه، وعفى وتجاوز الموقف، هؤلاء هم الذين يمتثلون آيات القرآن، يمتثلون هذه الآيات التوجيهية المباشرة، الذي خوطب بها نبينا صلى الله عليه وسلم وخوطبت بها أمته كلها من بعده، وخوطب بها كل مسلم إلى قيام الساعة، وهذا هو الخطاب الرباني {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (الشورى:40)، قال السعدي في تفسيره ثلاث مراتب: مرتبة العدل ومرتبة الفضل ومرتبة الظلم كلها في هذه الآية، أولاً مرتبة العدل (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) لك أن ترد بالمثل فحسب، لكن الأفضل هو الفضل، قال: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) وكلمة أصلح أن العفو من آثاره أنه يصلح النفوس ويصلح الأحوال وتستقيم به الأمور، فمن عفى وأصلح، ماله؟ أجره على الله، وحسبك بهذا فضلاً وأجراً وثواباً، وأحالك الله على ثوابه وفضله، وهو الذي لاتنفد خزائنه سبحانه وتعالى، ثم قال: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) وتلك المرتبة الأسوأ التي لاتقبل فيها الصفح بل ترد الصاع صاعين، كما يقولون لنا الآن، لاتسكت إذا أعطاك كلمة فرد عليها عشراً، وان اجترأ عليك بشيء فرد عليه ضعفاً، هكذا يقولون لنا والقرآن يقول لنا: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} (المؤمنون:96)، {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} (الشورى:37) قال ابن كثير في تفسيره: أي سجيتهم وحليتهم وطبعهم، يختص بالصفح والعفو عن الناس، وليس من سجيتهم الانتقام من الناس، سجيتهم يغفرون بصيغة المضارع المستمرة، لم لا تسمح نفوسنا بالعفو؟ لأننا في تصوري لم نرتق إلى التعلق الصحيح التام القوي بكتاب الله عزوجل، ولم نتأثر التأثر المطلوب بشخص وهدي وسيرة رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم، إن كنا نحبه، إن كنا نقتدي به، فليس في أمور دون أمور، بل في هذا الأمر، وفي مثل هذه السمات الخلقية، الاقتداء أولى، وهو لاشك أصعب، لكنه أعلى مرتبة وأرفع درجة وأعظم أجراً عند الله سبحانه وتعالى، وهو الذي أخبرنا عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم ومنه قال: (وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا) لأن الناس يقولون لك إذا عفوت فأنت ضعيف، أنت ذليل، دائماً مواقفك هزيلة ونبيك صلى الله عليه وسلم يقول: (وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا) قال القاضي عياض في شرحه على صحيح مسلم، أمران أو الأمر على جانبين، ظاهره أن من عرف بالصفح ساد وعظم في قلوب الناس وزاد عزه، وهذا من أثر صلته بالله واقتدائه برسوله صلى الله عليه وسلم، أما الأمر الثاني قال أن يكون أجره على الله وفي الآخرة عزته هناك، وهذا خبر من الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، شيء لابد أن نوقن به، إن عفوت فأنت تنال مرتبة العزة بإذنه تعالى في الدنيا وفي الآخرة، فبادر إليها واسبق إليها، ودعك من كلام الناس، وخذ كلام خير الناس عليه الصلاة والسلام، وفي حديث عبدالرحمن بن عوف أيضاً ثلاثة أقسم عليها النبي صلى الله عليه وسلم ومنها (وَلاَ يَعْفُو عَبْدٌ عَنْ مَظْلَمَةٍ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ تَعَالَى إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه أحمد والبزار وأبو يعلى في مساندهم بسند صحيح.

وانظروا إلى المواقف العملية التي أحسب أننا نحتاجها، لنراجع طريقتنا في فهمنا للمعاملات، ابن مسعود كان عنده بعض المال، ووضعه في عمامته ففقد المال، بحث عنه وكان معه بعض الناس فغلب على الظن أن أحداً ما سرقه، فظلوا يقولون اللهم اقطع يد السارق، اللهم افعل به كذا، فماذا قال ابن مسعود رضي الله عنه؟ قال: (إن كان حمله عليها حاجة فبارك له، وإن كان حمله اجتراء على الذنب فاجعله آخر ذنبه)، انظروا إلى النفوس التي تحب الخير للناس، انظروا إلى النفوس التي تفيض بهذه السماحة والعفو والصفح، لانريد أن ننتظر حتى نلبس الناس الإثم، أو حتى نفرح بوقوعهم في الخطأ، أو حتى نمسك عليهم - كما يقال – الهفوات، كلا، بل نحن أسمح بذلك كما أمرنا الله وكما تلقينا ولقننا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا سبط النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنه ماذا يقول؟ يقول: (لو أن رجلاً شتمني في أذني واعتذر مني في الأذن الثانية قبلت منه)، أي في وقت قصير وليس بعد دهر طويل، هذه هي النفوس التي تريدنا عند الله، التي تريد أن تسموا بالأخلاق عما يكون من النفوس الضيقة والصدور الضيقة.

وأخيراً وليس آخراً والمواقف كثيرة، معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه يقول وهو مشهور بالحلم: (عليكم بالحلم والاحتمال حتى تمكنكم الفرصة)، يعني إذا كان هناك من يسيء لك عليك بالحلم والاحتمال، ليس بيدك شيء حتى تمكنكم الفرصة، وإذا أمكنتك الفرصة حينئذ أن ترد الصاع صاعين؟ قال: عليكم بالحلم والاحتمال حتى تمكنكم الفرصة، فإذا أمكنتكم فعليكم بالصفح والإفضال، هكذا تأتي آيات القرآن، هكذا تأتي مواقف سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، هكذا تأتي مواقف طلاب مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم ونحن امتداد لها، ونحن أتباع سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، ونحن من أمة خاتم الرسل عليه الصلاة والسلام، فما بالنا لانحقق ذلك، ولانتسابق إليه، ولانتنافس فيه، ولانتواصى به، ولا يكون هو السمة الغالبة في حياتنا {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (الأحزاب:21).

أسال الله سبحانه وتعالى أن يعيننا ويوطن نفوسنا وقلوبنا على الصفح والعفو والمسامحة، إنه جل وعلا ولي ذلك والقادر عليه، وأسأله سبحانه وتعالى أن يغفر لي ولكم إنه جل وعلا الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

معاشر المؤمنين

* إشاعة خلق العفو والتسامح بين الناس:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإنها أعظم زاد يقدم بها العبد على مولاه، وإن من أعظم مواطن التقوى حسن الصلة بالخلق، وهي من آثار حسن الصلة بالخالق سبحانه وتعالى، ولذا أضيف على ماذكرت والمواقف كثيرة، منها موقف أختم به لأنتقل إلى الختام، موقف لعبد الملك بن مروان وقد جيء له ببعض من كان يستحق العقوبة، فسأل رجاء بن حيوه يستشيره ما أفعل؟ قال: (قد أعطاك الله ما تحب من الظفر فأعطه مايحب من العفو)، أنظروا الى الناصحين للحكام وللولاة وللسلاطين، لم يقل أبطش به واضرب به واجعله عبرة لغيره، قال: أعطاك الله ما تحب من الظفر فأعطه مايحب من العفو، فعفى عنه.

وأضيف لأختم، إن كان بعض النفوس لم تسمح بالعفو، فليكن بيننا سعاة بالصلح، فإن رسولنا صلى الله عليه وسلم كان يقوم بنفسه ويأخذ معه بعض أصحابه، لينتقل من مكان إلى مكان ويسعى بالصلح بين من وقع بينهم خلاف وشقاق، فلنجعل هذه الأيام أياماً لانخرج منها وهي قريبة العهد برمضان، وقريبة العهد بصلاة العيد، وقريبة العهد بهذا الموسم العظيم الذي نتزاور فيه ونتهادى، بأن نقطع كل قطيعة، فنصل من قطع، وأن نعود إلى كل أمر كان فيه مؤاخذه فنمحوه بالعفو والصفح، وخيرهم الذي يبدأ بالسلام، ادفع بالتي هي أحسن، جددوا معاني القرآن، جددوا هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم بصورة عملية، وليكن كل منا داعية للعفو والمسامحة، لا مؤججاً ولا مثيراً للضغائن كما نصنع أحياناً فيما ننقل من الكلام، إن فعلنا ذلك طابت نفوسنا، واطمأنت قلوبنا، وصرنا من أصحاب سلامة الصدر، والقلوب المطمئنة لاتحمل ضغينة، ولا يوترها حقد، ولا يحرقها حسد، ولا يوغرها كل هذه الأمور التي إن سمونا فوقها نلنا الأجر من الله، وكنا نمثل النموذج المطلوب بالاقتداء برسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم، اجعلوا هذه المقولات التي ذكرتها عنواناً لكم في يومكم هذا، اسعوا بها إلى أسركم، ارجعوا بها إلى بيوتكم، حدثوا بها جيرانكم، أنشروها في مجالسكم، عودوا بها عندما تبدأ الأعمال إلى زملائكم في العمل، أشيعوا لا أقول ثقافة بل خلق العفو والصفح والمسامحة والسماحة، حتى تعود إلينا تلك الصورة الجميلة المشرقة التي قادنا إليها، وسما بنا إليها، وطلب منا أن نقتدي به فيها رسولنا صلى الله عليه وسلم.

أسأل الله عزوجل أن يسل سخائم قلوبنا، وأن يجعل قلوبنا تمتلئ بالحب والمودة والصفح والعفو على إخواننا المسلمين، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واهدنا اللهم لما اختلف من الحق بإذنك يارب العالمين.

اللهم تول أمرنا وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا اللهم فيما يرضيك آمالنا، اللهم طهر قلوبنا، وزك نفوسنا، وهذب أخلاقنا، وحسن أقوالنا، وأخلص نياتنا وأصلح أعمالنا، وضاعف أجورنا، وارفع درجاتنا، اللهم ياحي ياقيوم اجعلنا سلماً لأوليائك، حرباً على أعدائك، وفقنا لطاعتك ومرضاتك، خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، واجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا