الخطر المقابل للغلو
1077 الأحد 16 / رمضان 9 / 1438

29 مايو, 2016 - 22 شعبان 1437هـ

 

عناصر الخطبة:

* تعظيم أمور الدنيا وتهوين أمور الدين.

* التضليل الإعلامي.

* لايفتي في أمور الدين إلا أهل الذكر.

* علينا أن نتمسك بديننا ونتشبث به.

 

الخطبة الأولى

معاشر المؤمنين

وصية الله جل وعلا لكم في كتابه المبين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران: 102).

معاشر المسلمين

* تعظيم أمور الدنيا وتهوين أمور الدين:

روي عن حاتم الأصم أنه قال، فاتتني صلاة الجماعة فعزاني أبو إسحاق البخاري وحده، ولو مات ولدي لعزاني عشرة آلاف، لأن هوان الدين عند الناس أعظم من هوان الدنيا، ومصيبة الدين عند الناس أهون من مصيبة الدنيا، وربما نظن ذلك أمراً يخص رجلاً أو قلة لها تميز في التزام دينها وصلتها بربها، لكنني أمضي بكم إلى مقولة ابن حجر في شرحه على بعض أحاديث البخاري في شأن صلاة الجماعة، قال رحمه الله: (إدراك التكبيرة الأولى – أي تكبيرة الأحرام- سنة مؤكدة وكان السلف إذا فاتتهم عزوا أنفسهم ثلاثة أيام، وإذا فاتتهم الجماعة عزوا أنفسهم سبعة أيام)، وأظننا لو أردنا أن نطبق هذا النوع من التعزية، لصرنا نعزي أنفسنا في الطرقات صباح مساء، لكثرة تفريطنا وتضييعنا لأمور ديننا، وقبل أن أمضي أقف مع كلمة لإمام من أئمة التابعين، وصف فيها وصفاً دقيقاً، مايتصل بفهمنا وصلتنا بديننا، فقال الأوزاعي رحمه الله: (ما من أمر من أمر الله إلا عارضه الشيطان بخصلتين، لايبالي أيهما أصاب، أي أيهما وصل إليه الغلو والتقصير)، الغلو بالزيادة في ما ليس من الدين والتشديد بما ليس من شرعه، والتقصير هو التفريط والتساهل والتخلي والتهاون.

أحسب أن حديثنا عن الغلو كثر وعظم، وصارت له قوانين وصارت له أنظمة، والإعلام يصب صباح مساء كل مالديه من الأقوال ويهمنا ذلك، ومن شرعنا ومن ديننا أن نحذر مما حذرنا الله منه من الغلو، لكن أين نحن من جانب آخر، يكاد تتسع دائرته حتى لايخرج عنها أحد، ويعظم أثره حتى لايخلو منه بلد، وكأننا نراه في كل لحظة وآن، وليس الحديث هنا عن تكبيرة الإحرام، ولا عن صلاة الجماعة، وإن كان ذلك أساسي وفيه تفريط ينبغي أن يقال، لكني سأذكر ما انتهى إليه الحال عندما لم نقف كما ينبغي في هذا الباب، فوصلنا إلى مقولة أنه ليس في الإسلام قرآن ولا سنة شيئاً يتعلق بالحجاب، هو عادة، واستمعت ورأيت بأم عيني من تتحدث أمام الملايين على الشاشة فتقول، كيف ألبس هذا النقاب إنه يحول بيني وبين التنفس، إنه يعارض حقوق الإنسان، ليس هذا فحسب كلكم سمع وربما رأي وربما تداول الناس ذلك، ممن قالوا إنه والعياذ بالله العلاقة الجنسية خارج إطار الزواج، إن كانت بالتراضي فلا حرج فيها، ولاتدخل في الزنى ولا وعقاب عليها بل قد طالب بعضهم أن يقنن ذلك في بلاد العرب والمسلمين، في عقر دار الإسلام في كثير من الديار، ولو أردت أن أصوغ لكم ذلك، وأسوق لكم منه أخباراً ونماذج، لوجدت الكثير والكثير مما قد تعلمون عنه أكثر مما أعلم، لما تركنا القول بأن التبكير إلى الصلاة وإدراك تكبيرة الإحرام أمر يحث عليه، وقلنا لاتشددوا على الناس، ويسيروا عليهم، وقلنا لمَ نوجب على الناس ما لايوجبه الله عليهم، ولمَ نحث ونشدد على صلاة الجماعة، ولماذا نقول كذا وكذا، لما تساهلنا هنا اتسع الخرق على الراقع، وأعجبتني رسالة وصلتني أو قرأتها، قال: إذا كان عنده سفر وصل إلى المطار قبل الإقلاع بوقت كاف، وإذا كان عنده اختبار حسبَ الوقت وبكّر حتى لايتأخر، وإذا كان عنده موعد مهم مضروب اعتنى به، فإذا جاء وقت الصلاة نام وقال النوم سلطان.

أليست هذه صورة واقعة؟ أليس فيها تعظيم لأمر من أمور دنيانا، وتهوين وتساهل لأمر هو من أصول ديننا، وأعظم أركان الإسلام بعد توحيدنا؟ فكيف حالنا وأين نحن مما وراء ذلك؟ أين نحن من تبكير قبل الأذان، وأين نحن من سنن رواتب قبلها، وبعد الفرائض؟ وأين نحن من أذكار إذا سلم الإمام رأيت بعض الناس كأنهم حمر مستنفرة يفرون ويهربون، ولم يكن عندهم مايقتضي ذلك، وليس هناك مايقتضي ذلك إذا قارناه بأمر هو أعظم والأمر في هذا كما قلت يطول.

 

* التضليل الإعلامي:

لذا لابد لنا أن نتحدث، كما نتحدث عن الغلو ونحذر من مخاطره وهو خطير، فإن هذا أيضاً خطير وربما خطره لايقل لأنه خطره يتركز في نقطة أساسية، وهي موات القلوب وعدم شعورها ويقظتها وحياتها بالمقياس الإيماني المذكور في قوله: {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} (الأنفال:29) انظروا إلى مايخبرنا الله به فيما نتحدث عنه من التقصير والتفريط {وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً} (النساء:27) أنظروا إلى الإعلام أحسب أنكم لن تخالفوا إن قلت إن نصفه يدعو إلى هذه الشهوات، ويدعونا والعياذ بالله أن نميل ميلاً عظيماً، وليته اقتصر على الشهوات بل هو اليوم يروج الشبهات، ويجعل الإلحاد حرية، ويجعل الردة تشدداً، ويجعل التمسك بالدين تعنتاً، وغير ذلك مما تعلمون، والله جل وعلا يقول: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاًً{59} إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئاً{60} (مريم) هذه صور مذكورة في القرآن كما هو مذكور {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ} (المائدة:77) كل ذلك ينبغي أن نراه، وانظروا هنا إلى المداخل الخطيرة، وإلى الأوهام المضللة، وإلى الدعايات الإعلامية التي يقع بها كثير من الخطر والضرر على ديننا وإيماننا، وعلى تعظيمنا وتقديمنا لأولويات ديننا على أمور دنيانا، ساعة وساعة، كلمة نسمعها، ويقول لك لاتشدد، ساعة وساعة، نمضي إلى صحيح مسلم لنرَ من قال هذا وبأي مناسبة، قيلت لحنظلة بن أبي عامر رضي الله عنه لما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّا إِذَا كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَيْنَا مِنْ أَنْفُسِنَا مَا نُحِبُّ، فَإِذَا رَجَعْنَا إِلَى أَهَالِينَا فَخَالَطْنَاهُمْ، أَنْكَرْنَا أَنْفُسَنَا فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي فِي الْحَالِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ حَتَّى تُظِلَّكُمْ بِأَجْنِحَتِهَا، وَلَكِنْ سَاعَةً وَسَاعَةً) ساعة من إيمان عالٍ وعبادة كثيرة، وساعة هي أدنى منها بقليل، لاتصل لا اقول الى ترك الواجبات والمحرمات، بل لاتصل إلى التفريط والتقصير في كثير من السنن والتطوعات والقربات، تلك هي ساعة وساعة، ومقولة ثانية أكاد أسمعها في كل يوم مرات، في الإعلام وفي البيئة الاجتماعية، الدين يسر، وصدقوا في قولهم لأن هذا قول رسولنا صلى الله عليه وسلم (إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ ، وَلَنْ يُشَادَّ هَذَا الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ) لكن أي يسر يقصدون، يسر وماذا فيه أن يجلس الرجل إلى المرأة، وقلوبهم نقية، وهم أهل خير وصلاح، وماذا يفعل كذا، ولماذا يفعل كذا لماذا؟ يسر الدين لماذا لانفعل هذا وهذا باسم يسر الدين.

وثالثة ديننا دين السماحة، نزيل منه التشدد، هكذا يقولون، والدين سماحة، وقد قال ذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم (إِنَّمَا بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ) لكن السماحة فيها ولاء وبراء، وفيها آيات تنزلت بذلك في كتاب الله، لكن السماحة فيها جهاد في سبيل الله، يرد أعداء الله، ويفتح الأفق لمن يريدون أن يسمعوا كلمة الله، كل ذلك من سماحة الإسلام ولا يخرج عنه.

* لايفتي في أمور الدين إلا أهل الذكر:

وخذوا صوراً أخيرة أبينها في هذا الشأن، لأنه يحتاج إلى مزيد ومزيد من البيان، إذا أصابتك وعكة صحية لاتقصد أي طبيب، بل تسأل عن الطبيب الماهر، وتبحث عنه وتلتمس الطريق إليه، وإذا أردت أن تبني بيتاً سألت عن المكاتب الهندسية، والمفاضلة بينها، واذا أردت أن تسأل في أمر من أمور الدين حل وحرمة، سألت أي عابر طريق، أو فتحت أي موقع وأخذت منه، أو قبلت أي قول من أحد نكرة ليس معروفاً بعلم ولا بشيء من ذلك، لماذا؟ لماذا نجعل ديننا أهون علينا من أمور قد تكون أدنى مما ذكرت، حتى إن المرء منا إذا أراد أن يشتري حذاء، ربما سأل عن الأنواع وعن الماركات وعن أشياء كثيرة، وانظروا إلى ماذكره ابن سيرين مما رواه مسلم في صحيحه في مقدمته قال: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم) قد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عرض لهم الأمر اليسير، ذهبوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه ويستفتونه، وكان الصحابة إذا جاءوا إلى عمر أو وردت عليه المسألة، جمع لها الفئام من أصحاب بدر، حتى يقولوا فيها القول، وابن القيم رحمه الله صنف كتاباً حافلاً في شأن الفتيا ماذا سماه؟ (إعلام الموقعين عن رب العالمين) الذي يفتي هذا يوقع عن الله وعن رسوله، يعني يخبرنا بأن هذا هو حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، كيف بنا قد هان علينا ديننا إلى ذلك، دين رضيه الله سبحانه وتعالى لنا، وأتمه وأكمله، وجعله يعالج كل شؤون حياتنا، فما بالنا لانرضاه لأنفسنا، ولا نحكمه في كل صغير وكبير من حياتنا، وفي كل مجال وميدان في دنيانا، ونجعله مقدماً على كل أمر يهمنا، كما كان رسولنا صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وكما أراد الله لنا ووصفنا عندما نعظم ديننا قال جل وعلا: {وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِِ} (الحج:30) تعظيم الدين، تعظيم الحرمات، تعظيم الواجبات، جعْلُ الدين أوكد الهم وأعظم الشغل، هو الذي به تتعلق القلوب، وفيه تفكر العقول، وبه تنشغل الجوارح، ولأجله يضبط الإنسان أوقاته وأعماله وفقه وعلى أساسه، والله جعل لنا صلوات خمس حتى ننظم أوقاتنا و نضبط حياتنا، وفق عباداتنا لربنا كما أراد الله عزوجل ، {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} (الحج:32) هذه هي العلامة الفارقة، من عظّم شعائر الله دل ذلك على تقوى قلبه، ومن حيّت التقوى في قلبه، كان معظماً لشعائر الله، يرى الدقيق منها وهو عظيم، ويرى القليل منها وهو كثير، وليس عكس ذلك، إذا قلت لأحد انتبه كذا وكذا، قال يا أخي وما هذا؟ هذه سنة سبحانك ربي ومامعنى السنة؟ إنها سنة محمد صلى الله عليه وسلم، مامعنى السنة؟ إنها التي فرقت بين جمهور الأمة، وبين من خرجوا عنها مبتدعين ومضلين ومضللين والعياذ الله، وماذا يعني السنة؟ تلك التي كان يتنافس فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلام أمتنا عبر تاريخهم إلى يومنا، فلا يكاد أحد منهم يترك منها نزراً يسيراً، وهذا مما ينبغي أن نراجع أنفسنا فيه، نستفتي كل أحد ونأخذ الإجابة من كل أحد، ويتعرض لشأن الدين كل أحد، لاعب الكرة التي يتقنها بعضهم لايجد حرجاً أن يتكلم في معنى تلك الآية، أو في ذلك الحكم، وتلك التي تغني أو ترقص، كذلك عندها فرصة أن تقول لأن الدين ليس حكراً على أحد كما يقولون.

الدين رأس المال فاستمسك به فضياعه من اعظم الخسران

مابال دينك ترضى أن تدنسه وثوب جسمك محفوظ من الدنس

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لاتمش على اليبس

الخطر في الاستهانة الأولى، تتلوها الثانية، تتبعها الثالثة، ونبدأ بالقليل وننتهي إلى كثير، ورأينا أحكاماً قد يكون فيها وجه سائغ من الناحية الشرعية، لكنها تذكر لكي تكون محللة لعرى الالتزام، والتعظيم لشرع الله عزوجل، والتوقير لما يأتي عن الله وعن رسوله الله صلى الله عليه وسلم، والتقديم لأمر الدين الذي كان شعاراً وديدناً لأهل الإسلام في كل زمان، أن يسألوا أولاً عن صلة ذلك بدينهم، وعما يكون فيه من رضى ربهم، وعما يكون فيه من متابعة رسولهم صلى الله عليه وسلم، فيقدمون حتى في أدق الأمور وأيسرها، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيذنا من شر التهاون والتساهل والتفريط في الدين.

وأختم بمواقف مهمة أيضاً التلاعب بالألفاظ، هوّن على الناس ارتكاب المحرمات، بعضهم عن جهل وبعضهم عن التباس، وبعضهم عن هوى، أعاذنا الله وإياكم من كل ذلك، الربا فوائد وعمولات بنكية، والزنا أو الخمر مشروبات روحية، والعري فن ومهارة، وغير ذلك من الأساليب التي ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم صورة منها، وصورة من التحايل الذي يقع فيها، عندما أخبرنا عما فعل بنو إسرائيل، لما منعهم الله سبحانه وتعالى من أكل الشحوم، أذابوها فلما ذابت أكلوها، وقالوا ما ارتكبنا محرماً، ومثل هذا يقع رغم أن رسولنا صلى الله عليه وسلم حذرنا منه.

معاشر المؤمنين الأمران خطيران : الغلو والتقصير، الإفراط والتفريط، ودائرة التفريط فيها مخاطر عظيمة جمة، لاتقل عن تلك، أعاذنا الله وإياكم من الإفراط والتفريط، ومن الغلو والتقصير، وحفظ لنا ديننا الذي أتمه علينا وأكمله لنا، وجعلنا من أهل الوصية والسماحة واليسر الذي يرضاه سبحانه وتعالى عنا، والذي نأخذه ونلتمس فيه الاقتداء والاهتداء برسولنا صلى الله عليه وسلم.

أقول هذا القول واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

إخوة الإسلام والإيمان،

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإنها أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه.

* علينا أن نتمسك بديننا ونتشبث به:

وإن تعظيم الشعائر والحرمات من تقوى الله، ومن أعظم أبواب تقوى الله، فلنعظم ديننا، ولنعظم شعائرنا، ولنعظم ماحرمه الله علينا، حتى تكون قلوبنا حية يصدق فيها ماذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حديث وابصة بن معبد، لما قال وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ، وَأَفْتَوْكَ) هذه هي القلوب التي نريدها، وانظروا معاشر المسلمين، ما الذي أمرنا الله به في شأن أخذنا بأمره ، إنه أمرنا بصورة قوية وبدلالات تدل على الأهمية {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ} (الزخرف:43) ليس أمسك، وإنما استمسك أي أطلب التشبث واحرص عليه، ولاتفرط فيه، الذين يمسّكون بالكتاب، أي يكونوا مبالغين في التمسك به حريصين عليه في كل وقت وآن، في كل ظرف وحال، ونبينا صلى الله عليه وسلم قال: (عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي َعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ) هكذا هي الوصية، ليست الوصية دعونا نكون مرتاحين، دعونا نكون بلا هم ولاهمة في أمر ديننا، كلا، وليس في هذا تشدد، لأن الذي يقول إن الدين يسر ويقول {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} (البقرة:286) نقول نعم وكل شرع الله داخل في الوسع، لأن الذي يقول ذلك يقول لا أستطيع أن أصلي الفجر والدين يسر، ولايكلف الله نفسا إلا وسعها، فإذا كانت رحلته قبل الفجر كان قبل الرحلة بساعتين، لاينام ليله ولا يفكر فيما بعد ذلك من نهاره، لأن هذا عنده في الواقع الذي نراه، أكثر أهمية من تلك الصلاة المفروضة، التي ورد حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه ستة عشر من اصحابه رضوان الله عليهن (بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) نترك هذا لأجل غفوة في مكيف، وسرير وثير، ومخدة ناعمة، كيف هذا؟ {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (الأعلى: 16،17).

أمران أذكر بهما هنا، نحن في زمن فيه فتن عظيمة، وبلايا كبيرة، ورزايا جسيمة، ودماء تسفك، وأرواح تزهق، واختلاط فيه كثير من الأمور التي لايكاد المرء يستبين فيها الحق من الباطل، ما الذي يوصى به في مثل هذا، لايوصى حينئذ بأن اتركوا دينكم، أو تخففوا منه، أو كونوا حضاريين أو تقدميين، بل العكس كذلك هو الذي يوصى به، كلما زادت الاضطرابات، وكثرت الأفكار، وعظمت الشبهات، كلما كنا معنيين بأن نزداد تشبثاً بديننا، ولست أنا الذي أقول لكم ذلك، بل يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم، في صورة عظيمة تمثل اهتمامه العام، واهتمامه الخاص بأقرب الناس إليه وبآل بيته من أزواجه ومن أهله، استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فزعاً ثم قال: فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج وحلق بين اصبعيه، ثم قال من لي بصويحبات الحجر) أزواجه أي ليستيقظن ويقمن الليل ويصلين، لأنه كلما عظمت الفتن كلما كان الأمر محتاجاً إلى مزيد من الصلة بالله، والقرب منه، والإكثار من عبادته، والإقبال على طاعته، والحرص على التمسك بكل أمر من أمره، وكل هدي من هدي رسوله عليه الصلاة والسلام.

وثانية نحن مقبلون على شهر رمضان، ولعلها فرصة عظيمة، أن نراجع المسار في الاهتمام والتعظيم للدين وشعائره وشرائعه، فرصة عندما نهتم في هذا الشهر ونزداد حرصاً فنسابق إلى الصفوف الأولى، ونبقى بعد الصلوات، ونؤدي النوافل، ونستكثر من الدعاء، ونعظم من الاستغفار، ونصنع أموراً كثيرة، لماذا نجعلها مقتصرة على شهرنا فقط؟ لماذا ونحن نعلم أن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم كان يستغفر في يومه وليله مائة مرة، وفي رواية سبعين مرة، أفكر في نفسي ولست فيكم، هل أفعل ذلك كل يوم، وأنا وأنت أكثر حاجة للاستغفار، ممن قال الله سبحانه وتعالى له:{لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} (الفتح:2) هكذا فنحن معنيون لنغتنم هذه الفرصة القادمة، ثمة أمر ثالث أيضاً اليوم نستقبل إجازة طويلة، ومرة أخرى يقرنون لنا الإجازة، يقولون لماذا تذهبون إلى مكة؟ لماذا تنبهون الأبناء أن يغتنموا الأوقات في حفظ القرآن؟ الإجازة دعوهم يترفهون، لابأس، لكن هل نريد ترفيهاً فيه حرام؟ هذا الذي لانريده، ولماذا لايكون لنا متعة في القرآن؟ ولماذا لاتكون لنا سعادة ونحن في ظلال مكة، أو في رحاب المدينة المنورة؟ لماذا حرمنا هذه السعادة الحقيقة، بسعادة الماديات من طعام أو شراب أو لهو أو غير ذلك؟ كل هذا مما نحتاج أن نراجعه، ونحرص عليه، وننتبه لأنفسنا فيه.

عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ومن يشتري دنياه بالدين أعجب

وأعجب من هذين من باع دينه بدنيا سواه فهو من ذين أخيب

نسأل الله عزوجل أن يعيذنا وإياكم من التفريط بالدين، ومن الغلو في الدين، ونسأله سبحانه وتعالى أن يسلك بنا سبيل الصالحين، وأن يجعلنا بكتابه مستمسكين، ولهدي نبيه صلى الله عليه وسلم متبعين، ولآثار السلف الصالح مقتفين.

اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسألك لين القلوب وغفران الذنوب برحمتك يا علام الغيوب، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اجعلنا اللهم من عبادك الصالحين، واكتبنا في جندك المجاهدين، وجعلنا اللهم من ورثة جنة النعيم.