الترجمة النورانية لابن قيم الجوزية
9 الأربعاء 19 / رمضان 9 / 1438
06 أبريل, 2015 - 17 جمادى الثانية 1436هـ

 

ابن القيم ونشأته رحمه الله

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل الله، ومن يضلل فلا هادي له، ونصلي ونسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين سيد الأولين والآخرين، إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، نبينا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الرحمين.

أما بعد: فأيها الإخوة الكرام! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وهذا موعدنا مع الدرس الثالث بعد المائة في يوم الجمعة الموافق للثامن من شهر الله المحرم عام 1415هـ. وعنوان هذا الدرس: "الترجمة النورانية لـابن قيم الجوزية " وهي وقفات يسيرة مع ترجمة عالم من علماء الأمة، وعلم من أعلامها، ومجاهد من مجاهديها، الذين أجرى الله عز وجل على أيديهم خيراً كثيراً، ونفعاً عميماً، وخلد لنا من سيرتهم ومن آثارهم وكلامهم وعلمهم شيئاً كثيراً، والحقيقة أن هذا الموضوع أعرض منه ما أحسب أنه يفيد لعموم الإخوة، سيما في مثل هذا الدرس، وأعرض عما قد يكون من أمور يحسن عرضها للمتخصصين في علوم الشريعة أو بعضها على أقل تقدير، ونحن نريد أن نقتبس أنواراً من ترجمة ابن القيم في حاله وفي منهجه. في حاله: من خلال أخلاقه وعلمه وعبادته وما يتعلق بذلك. وفي منهجه: من خلال أمور كثيرة تميز بها وبرز فيها، وهي من أعظم ما نحتاج إليه في مثل أوقاتنا المعاصرة.

وأول ما نعرج عليه هو تسمية ابن القيم رحمة الله عليه. هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي الدمشقي الحنبلي يكنى بـأبي عبد الله ، ويلقب بـشمس الدين ، ويعرف بـابن قيم الجوزية ، وهذه الشهرة قد تختصر فيقال: ابن القيم ، وقد يقع الخطأ في تسميته كما هو واقع من كثيرين، فيقال: ابن القيم الجوزية أو ابن الجوزية وهذا وذاك غير صحيح.

فالقيم: هو الذي يقوم على الأمر، ويكون قائماً بشئونه وما يحتاج إليه، فيقال مثلاً: قيم المسجد: أي: المسئول عنه، القائم بشئونه، وقد كان أبوه قيماً على الجوزية، والجوزية مدرسة ودار فيها كتب، فـابن قيم الجوزية هو ابن الرجل الذي كان قيماً على الجوزية، ولو اختصرت فقلت: ابن القيم لكفى بغض النظر عما كان قائماً بشأنه من الأمور والأعمال.

كانت ولادته رحمة الله عليه في السابع من شهر صفر عام (691هـ) أي: في أواخر القرن السابع الهجري، وكانت وفاته في السابع عشر من شهر رجب عام (751هـ)، أي: على رأس النصف الثاني من القرن الثامن، وكانت مدة حياته ستين عاماً، وكان له خلالها جهد كبير وتاريخ عظيم.

وقفات مع ابن القيم في حاله ومنهجه:

نقف وقفات نقتبس أنواراً من حاله، ثم بعد ذلك ننتقل إلى أنوار نقتبسها من منهجه.

الوقفة الأولى: أخلاقه وخلاله التي تحلى بها وعرف بها وأقوال العلماء فيه

إن أول وقفاتنا مع الأخلاق والخلال التي تحلى بها وعرفت عنه، ولا شك أن البدء بهذا من المهمات؛ لأن غاية العلم هو أن يثمر العمل، والإيمان في حقيقته تهذيب للسلوك وتقويم لأخلاق الإنسان، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في مستدرك الحاكم : (الإيمان والحياء جميعاً، فإذا نزع أحدهما نزع الآخر)، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، وقال أيضاً: (الحياء شعبة من الإيمان)، مما يدل على أن الإيمان لا بد أن يثمر بهذه السلوكيات والأخلاقيات والعبادات، فالعلم يورث العمل الصالح.

قال ابن كثير -وقد كان من أقران ابن القيم وزملائه وأحبابه-: كان ابن القيم حسن القراءة والخلق، وكان كثير التودد، لا يحسد أحداً ولا يؤذيه ولا يعيبه، ولا يحقد على أحد. وهذه الكلمات الموجزة تنبئنا عما ينبغي أن يتصف به المسلم الحق، والعالم الذي فقه العلم حق الفقه، فهذا ابن كثير يخبرنا عن حسن سلوك ابن القيم رحمة الله عليه. وتأمل إلى قوله: كان كثير التودد.

فهذا نور ينبغي أن نقتبسه، فإن المؤمن يألف ويؤلف، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون)، فالمؤمن منبسط الوجه باش الوجه دائم التبسم، محب لإظهار السرور على إخوانه؛ وبهذا يتميز كل صاحب إيمان وصاحب علم، وليس من ضرورة الالتزام والعبادة والتهجد الغلظة والفضاضة والتجهم، فإن بعض الناس ربما غلب عليه هذا السمت، لذلك لا تراه إلا مقطب الجبين، عابس الوجه، ويظن أنه بذلك يحقق مقتضى تعبده ولوازم تعلمه! وليس الأمر كذلك.

ويقول ابن كثير رحمة الله عليه واصفا ابن القيم : لا يحسد أحداً ولا يؤذيه ولا يعيبه. جاء في مسند الإمام أحمد قصة الرجل الذي بشره النبي عليه الصلاة والسلام أنه من أهل الجنة ثلاث مرات، ثم صحبه بعض الصحابة ليرى حاله ويعرف سر بشارة النبي عليه الصلاة والسلام له، فلم ير عنده شيئاً يتميز به من كثير قيام أو صلاة أو نحو ذلك، إلا أن الرجل قال له: إني أبيت وليس في صدري غش ولا غل لأحد من المسلمين، فقال: هذه التي بها بلغت، وهي التي عنها نعجز.

فغاية التهذيب الإيماني أن يكون المرء حسن السريرة على إخوانه، يحسن الظن بهم، ولا يحمل الحقد في قلبه عليهم وإن أخطئوا عليه.كانت هذه الصفة في ابن القيم بالرغم أن له خصومات مع بعض من خالفه في الآراء، حتى سجن وأوذي، ومع ذلك كان لا يحمل حقداً، فالرجل الكبير العظيم يكون مترفعاً عن الدنايا والصغائر، ولا يجعل لخلاف الرأي أثراً على محبة القلوب، وحسن الظن بالآخرين، والتماس العذر لهم. ولذلك كان وصف ابن كثير مطلقاً، يقول: كان لا يحسد أحداً، ولا يؤذيه، ولا يعيبه، أي: ينتقصه بالعيب أو يقدح فيه سواءً في علمه أو في سمته أو غير ذلك. وقال كذلك: ولا يحقد على أحد. ولا يظنن ظان أن هذا السمت يدل على الهوان والضعف والذلة، وإنما كما قال ابن حجر عندما ذكر كثيراً من صفات ابن القيم : كان جريء الجنان، شجاع القلب، يقول الحق لا يخشى في الله لومة لائم، وقد خالف كثيرين وأصر على رأيه وأنه الحق، وسجن وأوذي فما تردد، ولا ارتجف قلبه ولا خاف ولا داهن في دينه. فتجد أن تبسمك وإدخالك السرور على إخوانك فيهما تنقية قلبك وتهذيب نفسك، بما لا يفضي إلى أن تداهن في الحق أو أن تتراجع عما تعتقده صواباً، وإنما تجمع بين هذه المحاسن كلها، وهكذا كان ابن القيم رحمة الله عليه كما في بعض هذه الكلمات اليسيرة الوجيزة التي ذكرها عنه بعض من ترجم له من أهل العلم.

الوقفة الثانية: عبادة ابن القيم رحمه الله تعالى

نقتبس أنواراً أخرى من أمر وحال عبادته رحمة الله عليه، وقد ذكر المترجمون له في هذا الشأن حالاً عجيبة، وأوصافاً غريبة، وأموراً يتعجب منها كثير منا، وقد ضعفت هممنا، وكثرت بالحياة الدنيا انشغالاتنا، وقصرنا في الطاعات، وفرطنا في كثير من الخيرات.

كان ابن كثير من أصحابه وجلسائه الذين عرفوه وخبروه، يقول: وكنت من أصحب الناس له، وأحب الناس إليه، ومعنى هذا: أنه سيكون مطلعاً على خبايا أمره، وعلى أحواله الخاصة.

ثم يقول ابن كثير رحمة الله عليه -وتأمل هذه الكلمات عندما يقولها الإمام ابن كثير وهو من هو في علمه وفضلة وتأريخه وتراجمه المعروفة-: ولا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادةً منه، وكانت له طريقة في الصلاة يطيلها ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان، فلا يرجع ولا ينزع من شأن عبادته وطوله فيها، وتفرغه لها وبذله من جهده ووقته فيها. ولم يكن ابن القيم رحمة الله عليه رجلاً منقطعاً عن الناس متفرغاً للعبادة، حتى نقول: إن هذا الوصف يليق به؛ لأنه لم يكن عنده شأن آخر، بل كان عالماً صنف مصنفات يحار العقل في فهمها وتدبرها، ومعرفة ما فيها من غزير العلم، ودقائق المسائل، وكان مع ذلك مجاهداً في الدعوة إلى الله عز وجل، ينشر العلم ويلقنه، ويرد على المخالفين، ويقوم المبتدعين، ونحو ذلك، ومع ذلك كله ما شغل عن أمر هو من أهم الأمور وأعظمها وآكدها للعالم والداعية والمسلم على وجه العموم، وهو أمر الصلة بالله عز وجل، وأمر العبادة وربط القلب به، واستمداد العون منه. ويقول ابن رجب - وهو ممن تتلمذوا على ابن القيم رحمة الله عليه، وقد وصفه في ذلك وصفاً أطول وأعجب مما ذكره ابن كثير -: وكان رحمه الله ذا عبادة وتهجد وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتأله ولهج بالذكر، وشغف بالمحبة والإنابة والاستغفار والافتقار إلى الله عز وجل، والانكسار له والانطراح بين يديه على عتبة عبوديته، ثم يقول على غرار ما قال ابن كثير : لم أشاهد مثله في ذلك، وكان في مدة حبسه مشتغلاً بتلاوة القرآن والتدبر والتفكر، ففتح عليه من ذلك خير كثير، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، وتسلط بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف.

قال: وحج مرات كثيرة، وجاور بمكة، وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة وكثرة الطواف أمراً يتعجب منه.

فذاك قرينه، وهذا تلميذه، وهما من المقربين إليه والمختصين به، العارفين بحاله، فإذا بهما يذكران هذا الوصف الذي يغلب على السامع عندما يسمعه أن هذا الرجل لم يكن له شأن إلا العبادة وحدها، ومع ذلك كان رحمة الله عليه يجمع مع هذا الشأن شئوناً أخرى عظيمة وجليلة؛ ولذلك سمت العبادة ونورها الذي يقذف بالقلب، وتوفيقها الذي يجعله الله عز وجل مسدداً لصاحبها؛ هو أمر مقتبس أصلاً من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه من العبادة مع كونه رسول الأمة، وقائد جيوشها، ومدبر أمرها، ورئيس دولتها، ومع ذلك كان هو الموصوف بالعبادة إلى الغاية القصوى التي لا منتهى إليها ولا قرب منها، وكذلك كان صحابته رهباناً بالليل، فرساناً بالنهار، كانوا يجمعون بين هذا وهذا، وعندما ضعف هذا السمت في أجيالنا المعاصرة، وفي المتصدرين للخير والإصلاح، والدعوة والعلم وطلبه، رأينا ضعفاً في الآثار: من قبول الحق، ومن سرعة الفهم، ومن غزارة العلم وغير ذلك من الأمور التي فتح الله عز وجل بها على أسلافنا من الأئمة؛ لأنهم أحسنوا ما بينهم وبين ربهم سبحانه وتعالى فسهل لهم أمورهم، وفتح لهم من أبواب خزائنه سبحانه وتعالى توفيقاً وتسديداً وإلهاماً ورشداً وصواباً في الرأي، ودقةً في الاستنباط، إلى غير ذلك مما عرفوا به واشتهروا به رضوان الله عليهم ورحمة الله عليهم أجمعين.

الوقفة الثالثة: علم ابن القيم رحمه الله تعالى

نقف وقفة نقتبس فيها من أنوار ترجمة وحال ابن القيم رحمة الله عليه في علمه.

قد قلنا ذاك الموجز في أخلاقه، وهذه العبارات الجامعة في عبادته، فلا نظن أن هذا وذاك جاء من كلام غير خبير، فقد ذكره من ترجم له أمثال ابن كثير وابن رجب وغيرهما، وابن كثير إمام عالم، فإذا قوم فهو تقويم العلماء، وإذا مدح وأثنى فهو يعرف من هذه العلوم ما يجعله يعرف مواقع الكلمات، وليس كما هو الحال في عصورنا المتأخرة، فأنت تجد من حفظ كلمةً أو كلمتين أو اطلع على كتاب أو كتابين، ربما وصف بأنه عالم الأمة وإمام الأئمة، لكن السابقين من العلماء ما كانوا يطلقون هذه الأوصاف إلا عن علم بها، وتحر فيها، ودقة في إطلاقها. قال ابن كثير رحمة الله عليه في وصف علمه: سمع الحديث، واشتغل بالعلم، وبرع في علوم متعددة لاسيما علم التفسير والحديث والأصلين، وبالجملة كان قليل النظير في مجموعه. يعني: قل أن يوجد له نظير في مجموع أحواله، من علمه، وعبادته، وأخلاقه، إلى غير ذلك كله. وقال ابن رجب في وصف علمه -وقد توسع في ذلك؛ لأنه تلميذه الذي تلقى عنه وأخذ منه-: تفقه في المذهب، وبرع، وأفتى، ولازم ابن تيمية وأخذ عنه، وتفنن في علوم الإسلام، وكان عارفاً بالتفسير لا يبارى فيه، وبأصول الدين وإليه فيها المنتهى -تأمل هذه العلوم والأوصاف- والحديث ومعانيه وفقهه ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك، وبالفقه والأصول والعربية وله فيها اليد الطولى، وتعلم الكلام والنحو وغير ذلك، وكان عالماً بعلم السلوك، وكلام أهل التصوف وإشاراتهم ودقائقهم، وله في كل من هذه الفنون اليد الطولى.

فهذا يدلنا على شمول علمه في مسائل كثيرة وفي فنون متعددة. وقال الذهبي -وهو من نعلم في تقويم الرجال-: عني بالحديث وفقهه، ومعرفة بعض رجاله، وكان يشتغل في الفقه، ويجيد تقريره وتدريسه، وفي الأصلين، وتصدى للاشتغال وإقراء العلم، ونشره. ويقول ابن رجب : ما رأيت أوسع منه علماً، ولا أعرف بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه -ثم يستدرك ويدلنا ذلك على دقة العلماء- قال: وهو ليس بمعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله. وقال القاضي برهان الدين الزرعي عن ابن القيم : ما تحت أديم السماء أوسع علماً منه، وقد درس في الصدرية -وهي إحدى مدارس الشام نسبة إلى صدر الدين الدمشقي- وأم بالجوزية، أي: كان إماماً فيها.

فهذه الأوصاف التي ذكرت عن بعض ما كان عليه من العلم، تجعلنا نقتبس من نور أهل العلم أنه لا بد من بذل الجهد والتفرغ والحرص على التلقي وعدم التعجل، فإن ابن القيم ما حاز هذه العلوم ولا نال هذه الرتب إلا بعد وقت طويل، وعمل كثير، وتلق متنوع، ورحلة في طلب العلم، وعكوف عليه، وسهر لأجل حفظه وإتقانه. وقال الشوكاني عنه: برع في جميع العلوم، وفاق الأقران، واشتهر في الآفاق، وتبحر في معرفة مذاهب السلف.

الوقفة الرابعة: أثر صحبة ابن القيم لشيخه ابن تيمية واستفادته منه

نحن نرى أن كثيراً منا في هذا العصر يريد أن يطلب العلم دون جهد أو عنى، ويريد أن يحصله دون طول زمن، بل يريد في لمحة من وقته أو ساعة من نهار أن يحفظ ويفهم ويدرك ويجيد ويتقن، وأما علماؤنا فقد كانوا على غير ذلك، وهذا مما ينبغي أن يتنبه له، ثم إنه قد استفاد رحمة الله عليه استفادةً واضحةً من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه؛ ولذلك وقفة أيضاً نأخذها هنا لنرى أثر الصحبة، والاقتباس، وتلقي العلم، والتربية الإيمانية العلمية والسلوكية التي غفل عنها كثير منا في هذه الأعصر.

صحب ابن القيم شيخه من عام (712هـ) حتى وفاته في عام (728هـ) أي: أنه لازمه ستة عشر عاماً، كان فيها مختصاً به، مرافقاً له، أكثر الأخذ عنه والمدارسة معه، واطلع على سائر أحواله، وقد وصف من حال شيخه الكثير والكثير، مما يدل على تأثره به وأخذه عنه، وأنه لم يأخذ عن ابن تيمية رحمة الله عليه العلم وحده، وإنما أخذ عنه العلم والسلوك، وأخذ عنه الحال الإيماني والوصف التربوي، كما أنه أخذ منه أمر مهم وهو المنهجية في أخذ العلم والاستنباطات ونحو ذلك مما يأتي ذكره، وقد قال ابن القيم في وصف هذه العلاقة أبيات. يحكي فيها عن نفسه وما مضى به من الأحوال:

يا قومُ واللهِ العظيم نصيحةٌ *** من مشفق وأخٍ لكم مِعوانِ

جرّبت هذا كلَّه ووقعت في*** تلك الشباك وكنت ذا طيرانِ

حتى أتاح لي الإله بفضله *** من ليس تجزيه يدي ولساني

حبرٌ أتى من أرض حرّان فيا *** أهلا بمن قد جاء من حـران

فالله يجزيه الذي هو أهلُه *** من جنة المأوى مع الرضوان

أخَذّتْ يداه يدي وسار فلم يَرُم *** حتى أراني مَطْلَعَ الإيـمان

ورأيت أعلام المدينة حولها *** نزل الهدى وعساكر القرآن

ورأيت آثارا عظيما شأنُها *** محجوبةً عن زمرة العميان

وقال ابن كثير رحمة الله عليه: إن ابن القيم صحب ابن تيمية لما عاد الشيخ من الديار المصرية في سنة (712هـ) ولازمه إلى أن مات، وأخذ عنه علماً جماً.

وقال ابن حجر في الدرر الكامنة: إنه غلب على ابن القيم حب شيخه؛ حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله، بل ينتصر له في جميع ذلك، وهو الذي هذب كتبه ونشر علمه.

وهذا الكلام من ابن حجر رحمة الله عليه ليس على إطلاقه؛ فإن ابن القيم قد استقى من شيخه أن المجتهد لا يقلد، وأن المصدر الذي ينبغي أن يعود ويرجع إليه العالم هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولذا فقد خالف ابن القيم شيخه في مسائل عديدة، ولم يكن موافقاً له في كل شيء، وإن كان استفاد منه كثيراً، وقد قرر ذلك في كتبه وطول النقل عنه، وكان يقول: أفدت ذلك من شيخنا، وكان يقول: ما أطلقت من قول شيخ الإسلام فأعني به ابن تيمية ونحو ذلك مما كان ينسبه إليه ويستفيده منه، ولكنه مع ذلك خالفه في مسائل ليست قليلة، وليس هذا موضع ذكرها، لكني أذكر بعض هذه المسائل، مثل مخالفته لشيخه في فهم كلام للإمام أحمد في مسألة الرضعة الواحدة، والاعتداد بها، وكيف تكون الرضعة. وكذلك أيضاً مسألة تتعلق بعدة الأمة، فقد خالف فيها شيخه، وغير ذلك من المسائل. وما نقتبسه هنا أيها الأحبة! أنه لا بد لطالب العلم من الشيخ الذي يتلقى عنه العلم، ويتعلم منه السلوك والسمت الصالح، ويأخذ عنه النهج الذي يفتح الله به عليه في معرفة ما يأخذ من العلم وما يدع، وكيف يأخذ هذا العلم، وكيف يصنع به ويستفيد منه وينشره، إلى غير ذلك من الأمور؛ لأنه ليس المطلوب هو مجرد حفظ العلم وتلقيه، بل كيفية الإفادة منه، والتعريف به، ونحو ذلك من الأمور اللازمة التي يحتاج إليها كثيراً.

الوقفة الخامسة: تصانيف ابن القيم وتآليفه

وقفة أخرى نقتبس منها أيضاً أنواراً أخرى، وهي ما يتعلق بكتبه وتآليفه؛ لأنها أثر من آثار علمه، ويعجب المرء بما كان لسلفنا الصالح رضوان الله عليهم من همة وعزيمة، وما أمدهم الله عز وجل به من توفيق وتسديد. يقول ابن كثير في شأن مؤلفاته: وله من التصانيف الكبار والصغار شيء كثير، وكتب بخطه الحسن شيئاً كثيراً، واقتنى من الكتب ما لا يتهيأ لغيره تحصيل عشره من كتب السلف والخلف. وهذا وصف إجمالي سنذكر بعض تفصيله. و ابن رجب يقول: كتب بخطه ما لا يوصف كثرةً، وصنف تصانيف كثيرةً جداً في أنواع العلم وكتابته ومطالعته وتصنيفه، واقتنى من الكتب مالم يحصله غيره. وكان كلام ابن حجر في وصفه في هذا الباب من أجمل وأنفس ما يقال، يقول: وكان مغرماً بجمع الكتب، فحصل منها ما لم يحصل غيره. يعني كان يجمع الكتب ويقتنيها، ونحن نعلم أن الكتب في ذلك العصر لم تكن مطبوعة بآلاف وعشرات الآلاف كما هو في عصرنا، فكان تحصيلها وجمعها وتتبعها ونسخها أمراً فيه مشقة وجهد وعناء لا يعرفه إلا من كابد ذلك أو بعضاً منه أو اطلع عليه.

يقول ابن حجر : وكان مغرماً بجمع الكتب، فحصل منها ما لم يحصل غيره، حتى كان أولاده يبيعون منها بعد موته دهراً طويلاً سوى ما اصطفوه لأنفسهم. من أولاده إبراهيم وعبد الله كانا من العلماء، وقد درسا بعد موت والدهما في المدرسة الصدرية، وكان أحدهما من أهل الفتيا والقضاء، وهما من أهل العلم، فاصطفوا لأنفسهم كتباً، ومع ذلك كانت كتبه من الكثرة أنهم باعوا بعضاً منها على مدىً طويل من الدهر والزمن.

وقال ابن حجر في وصف تصانيفه -وهذا إطلاق عجيب دقيق مفيد من ابن حجر -: وكل تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف، وهو طويل النفس فيها، يتعاني الإيضاح جهده فيسهب جداً، ومعظمها من كلام شيخه يتصرف فيه في ذلك، وله في ذلك ملكة قوية، ولا يزال له يد في ذلك، ويبسط مفرداته وينتصر لها. إن قبول المؤلفات وسريانها بين الناس دليل من أدلة التوفيق الإلهي، وقد ذكر العلماء في تراجم بعض أهل العلم هذا المعنى كثيراً، وهو أنه رزق القبول في تصانيفه، أو انتشرت تصانيفه، وتلقاها الناس بالقبول، أو سارت الركبان بتصانيفه في حياته وأخذ بها العام والخاص، ونحو ذلك من الأمور التي ذكرت في بعض العلماء الأعلام الذين ما نزال اليوم نقرأ كتبهم ونتتلمذ عليها، ونرجع إليها، ونعتبرها عمدة الكتب التي خلفها سلف الأمة، مثل: كتب ابن القيم وابن تيمية والإمام النووي وابن حجر والذهبي وغير أولئك من الأعلام رحمة الله عليهم أجمعين. يقول الشوكاني معلقاً بعد نقل كلام ابن حجر : وله من حسن التصرف مع العذوبة السائدة وحسن السياق ما لا يقدر عليه غالب المصنفين، بحيث تعشق الأفهام كلامه، وتميل إليه الآذان، وتحبه القلوب، وليس له على غير الدليل معول في الغالب، وقد يميل إلى المذهب الذي نشأ عليه، ولكنه لا يتجاسر على الدفع في وجوه الأدلة بالمحامل الباردة كما يفعل غيره من المتمذهبين.

وانظر إلى هذا المعنى الذي أضافه الشوكاني وهو معنى جميل جيد وواقعي حقيقي، فإن ابن القيم رحمة الله عليه اشتهر بعذوبة عبارته، وسلاسة أسلوبه، وعلو بلاغته، وحسن عبارته، وكثرة استشهاده بالأمثلة والأشعار والبلاغات ونحو ذلك، مما يجعل كلامه مقبولاً في النفوس، وله وقع في القلوب كما قال: تميل إليه الآذان، وتعشقه وتحبه القلوب، وهذا قول واقعي يعرفه من قرأ في كتبه رحمة الله عليه. وهذا أمر نحتاج إليه، وهو ما قاله عنه ابن حجر : يتعانى في التوضيح والتبيين وبسط المسائل حتى تعرف، فليس أمر التعليم وتفهيم الناس أمراً هيناً، وإنما يحتاج إلى معرفة طرق التدريس والتعليم، وقد كان ابن القيم قد أخذ بالحظ الأوفى والأوفر من هذا الوصف، وكتبه مع وضوحها وجمالها فيها العلم والتفصيل والتفريع الذي هو من شأن تخصصات العلوم ودقائقها، إلا أنه كان يسهب بحيث يفهم عنه ويقبل منه، ويكون قد أقام الحجة والدليل بالطريقة الواضحة البينة، وهذه الصفة من الأمور المهمة التي ينبغي أن نستفيدها وأن نقتبسها.

الوقفة السادسة: استعراض مؤلفات ابن القيم في شتى العلوم

وقفة وجيزة في شأن العلم، نستعرض فيها بعض مؤلفات ابن القيم التي صارت من المؤلفات المشهورة، وسنذكر بعض ما يتعلق بها عندما نتكلم عن الأنوار المقتبسة من منهجه في التأليف. فقد ألف رحمة الله عليه في الإيمانيات والروحانيات كتباً كثيرة ومن أشهرها وأوسعها وأنفعها "مدارج السالكين شرح منازل السائلين" للهروي . وألف كذلك "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين" وهو في أمر الصبر والشكر، وفيه كلام نفيس في التربويات والإيمانيات.

وألف "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" وهو في أمر المحبة الإلهية وما يتفرع عنها من كلامه على أمر المحبة والعشق، وما يتعاطاه الناس من ذلك، وما يذم منه، وما يمدح، ونحو ذلك مما توسع فيه، وهو كتاب من الناحية الأدبية يعتبر في الرتبة العليا الذي صاغ فيه ابن القيم الكلام بأسلوب عجيب فريد، وبسجع قوي غير ملول، وشنفه وطعمه بأبيات شعرية هي من أروع أبيات الشعر العربي في هذا الباب. وألف أيضاً في الإيمانيات فيما يتعلق بأمور العقائد كتاب "الروح" و"حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح". وألف في المسائل العلمية المتعلقة بالعقيدة والتوحيد والرد على أهل الكلام، كما كان شيخه؛ لأن العصر في ذلك الوقت كان يقتضي هذا، ولنا وقفة وجيزة ستأتي إن شاء الله عن الفترة والبيئة التي عاش فيها. ألف "شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل" وقد أتى فيه بمنطق القوم وبلسانهم وحجتهم، ونقضها على طريقتهم ومنهجهم، ودحضها بالحجج من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت كتبه من عناوينها فيها مدلولات عجيبة، فهذا اسمه "شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل" وهي المسائل التي خاض فيها الخائضون فاضطربوا وحاروا، وتقلبت قلوبهم وأصبحوا على شوك الشك متقلبين، فهذا الكتاب شفاء لهذا المريض بهذه الشبه والشكوك، ينزعها منه ويدحضها له ويعدمها بالكلية، حتى يطمئن قلبه ويبرأ من علة الشك.

له كتاب آخر "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" وهي صواعق من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبطلت حججهم، وأفنت أمرهم، وأحرقت مقالاتهم، والكتاب من عنوانه مطابق لهذه العناوين.

وكذا ألف كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية".وله النونية المشهورة واسمها "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية" وغير ذلك أيضاً من الكتب.

وأما في شأن الفقه وما يتعلق بمسائله، فله الكتاب البديع الرائع الذي هو "إعلام الموقعين عن رب العالمين" ذكر فيه مسائل وضوابط في الفقه والقضاء والفتيا والتقليد والاجتهاد والتمذهب ونحو ذلك، وأتى فيه بنفائس عظيمة وجليلة ربما تستحق أن تكون مواضيع لدروس عديدة، وقد أفدنا من هذا الكتاب في دروس كثيرة، ومنها على سبيل المثال الدرس الذي كان بعنوان: اللباب في السؤال والجواب.

وألف كتاب: "الطرق الحكمية في طرق الإثبات" وغيرها من الكتب الكثيرة في هذا المجال. وفي السيرة له الكتاب المشهور المعروف "زاد المعاد في هدي خير العباد" وهذا الكتاب فيه مزايا كثيرة جداً يضيق المقام عن حصرها، لكنه جمع فيه بين ما كان يسمى بكتب الشمائل وما كان يسمى بكتب السير والمغازي، فجمع المنهجين معاً في كتابه، إضافة إلى ما في هذا الكتاب من التحريرات التاريخية، والمسائل الفقهية الدقيقة التي توسع فيها كثيراً في بعض المواضع، فجمع في كتابه هذا بين التاريخ والفقه والسيرة والشمائل، وغير ذلك من العلوم، ومنها تعرضه لعلل بعض الأحاديث، وقد ألف هذا الكتاب أثناء سفره، أي: من غير كتب ولا مراجع، وإنما مما كان يحفظه في رأسه وفي قلبه من هذه النصوص والعلوم، وقد ذكر بعض الباحثين المعاصرين أنه ألف في السفر الكتب التالية:

1- مفتاح دار السعادة.2- روضة المحبين. 3- زاد المعاد.4- بدائع الفوائد. 5- تهذيب سنن أبي داود .

هذه الكتب ألفها في حال السفر، ولو نظرت إلى بعضها لرأيت فيها علماً جماً لو عكف عليه الباحثون وتفرغوا له، ربما لم يأتوا بجزء منه، وهذا يدلنا على علمه الواسع. وتميز ابن القيم بالكتب المتعلقة بالناحية التربوية النفسية، وله في ذلك: "إغاثة اللهفان" و"الجواب الكافي" وغيرهما من الكتب التي تتكلم على أمر الذنوب والمعاصي، وأمراض القلوب وعللها وأدوائها مما هو أيضاً معلوم وواسع.وقد توسع ابن رجب في ذكر هذه المؤلفات كثيراً، فنحن من خلال هذه الوقفات نؤكد على ما ينبغي أن نستفيده من هذه الترجمة في شقها الأول: ما يتعلق بحال ابن القيم في أخلاقه وخلاله، وفي عبادته وتهجده، وفي علمه ومؤلفاته، وأيضاً في استفادته من شيوخه وتعلمه على أيديهم.

وننتقل الآن إلى الشق الثاني وأحسب أن له أهميةً أكبر من الشق الأول: وهو ما يستفاد من منهج ابن القيم رحمة الله عليه الذي قرره في كتبه، وعرف به في حاله وتقريره للمسائل التي تعرض لها.

منهج ابن القيم فيما يتعلق بمؤلفاته المختلفة وكيفية الاستفادة منه

يمكن تقسيم كتب ابن القيم إلى ثلاثة جوانب أساسية:

الجانب الأول: فيما يتعلق بالعقائد.

الجانب الثاني: فيما يتعلق بالفقه. الجانب الثالث: فيما يتعلق بالروح والتربية الإيمانية والسلوكية. وليس هذا المقام مغنياً ولا كافياً في الإتيان على هذه المسائل بما يكفي ويجمع كل ما فيها، وإنما نشير من ذلك إلى ما يتسع له المقام، ويليق بحال مثل هذا الدرس العام.

منهج ابن القيم فيما يتعلق بالعقائد

كان للإمام ابن القيم رحمة الله عليه في جانب العقائد منهج واضح بين، وهو مستفاد من منهج السلف رضوان الله عليهم ورحمهم الله تعالى أجمعين، فقد قرر منهجهم في كتبه، وكانت له في ذلك ملامح عامة يمكن إيجازها في الأمور الآتية:

الأمر الأول: الاعتماد الكامل التام على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعندما نقول هذا يحسب بعض الإخوة أننا نقول قولاً من باب تحصيل الحاصل، لكني أقول: ليس الأمر كذلك، فإنه في عصر ابن القيم وقبله وبعده وإلى عصرنا يوجد من طوائف المسلمين ومن بعض أعلامهم من كان يرى تقديم العقل على النقل، ومن الناس من يأخذ بمسائل علم الكلام وبالدلائل العقلية، وأوجد مسائل منطقية وأنواعاً من الفهوم والعلوم شوشت على صفاء المنهج العذب الذي يستقى من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

والحق أن ابن القيم رحمة الله عليه في كتبه كثيراً ما يستدل بالكتاب والسنة في الرد على بعض من خالف أو أخطأ أو ابتدع في مسائل الاعتقاد، وأذكر مثالاً واحداً فحسب على هذا الأمر دون تطويل فيه: وذلك في مسألة رده على من أول اليد بالقدرة، فقد احتج عليهم بآيات من كتاب الله عز وجل تلجم الخصم الحجة وتعجزه عن الرد، أوجز كلامه حتى لا يطول بنا المقام، لقد استشهد بقول الله عز وجل في قصة خلق آدم: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:75]، فيقول: لو كانت اليد تؤول بالقدرة، فما وجه التثنية هنا؟ أي: لو كانت اليد بمعنى القدرة لكان يغني أن يقول: لما خلقت بيدي، ولك أن تضع هذا السؤال ثم تطوف بعقلك وفكرك ما شئت، فلن تجد جواباً إلا أن هذا المنهج غير صحيح، وأن الإثبات الذي اعتمده أهل السنة هو الصحيح، ثم ثنى على ذلك بنصوص كثيرة من القرآن فيها ذكر اليد واليدين لله عز وجل بما يبطل حجة الخصم ولا يدع مجالاً لمثل هذا التأول، وذكر آيات كثيرة في هذا الشأن نصوصاً من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، فهو يأتي بهذا المنهج ويعتمد عليه ويعول عليه.

الأمر الثاني الذي نقتبسه من نهجه رحمة الله عليه: هو أنه كان يأخذ بالحجج العقلية رديفاً؛ وذلك لأمور مهمة كثيرة منها: أن الشارع لم يلغ العقل أصلاً، وإنما جعل العقل الصحيح يوافق النقل الصحيح، وليس هناك تعارض كما قال ابن تيمية رحمة الله عليه.

ثم أيضاً لإقامة الحجة على من أخذوا بمثل هذه الحجج: فهو ينقض حجتهم بنفس منطقهم ومن خلال منهجهم، وهذا أيضاً قد برع فيه واستفاد كثيراً من شيخه رحمة الله عليهما جميعاً، ولقد برع في هذا خاصةً في كتابه "الصواعق المرسلة".

الأمر الثالث في هذا المنهج: أنه كان يستقرئ استقراءً عظيماً جداً لنصوص الكتاب والسنة في المقام الواحد، مع ذكر المأثور عن الصحابة والتابعين بجمع فريد، ومعنى ذلك: أنه لا يكتفي في الموضع الواحد بالدليل الواحد، الذي قد يكون للخصم فيه تأويل أو له عنده شبهة أو نحو ذلك، فأنت ترى أنه قد يأتي في المسألة الواحدة بمئات الأدلة، وهذا كان نهجه في تقرير المسائل العقدية، فقد كان يفصل فيها تفصيلاً، ويسهب إسهاباً، ويجمع جمعاً طويلاً في كل ما يتعلق بهذه المسألة من الأدلة النقلية النصية، ومن أقوال وأحوال الصحابة والتابعين، ولا شك أن الله عز وجل قد نفع به وبغيره من علماء الأمة؛ لكونهم نقلوا وثبتوا دعائم مذهب السلف الصحيح بهذه الأدلة النقلية الجامعة، وبإثبات ما نقل وأثر عن الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين، وأهل القرون الثلاثة المفضلة الأولى، الذين كانوا في جملتهم على الحق والصواب، ولم تكن قد كثرت في عصورهم الفتن، ولا تعددت الفرق.

الأمر الرابع: أن ابن القيم رحمة الله عليه كان يأخذ بمبدأ الشمول والكمال في مسألة تقرير هذه المسائل، بمعنى: أنه لا يأخذ المسألة جملةً ويرد عليها جملةً، بل يأخذها بشكل شامل فيرد منها ما يرد، ويقر منها ما يقر، وهذه مسألة من المسائل الدقيقة التي يغلط فيها كثير من الناس، فقد يأتي إلى مذهب من المذاهب أو مقالة من مقالات أهل الفرق، فيردها بالكلية، وقد يكون فيها بعض الحق والصواب، فلما استفصل ابن القيم رحمة الله عليه في هذه المسائل وطول النفس فيها، بين أن هذه المقالة فيها وجه حق وهو كذا وكذا، وفيها وجه باطل وهو كذا وكذا، أو قد يكون هذا حقاً، لكن بضوابط هي كذا وكذا، وهذا أمر مهم جداً من ناحية التأصيل العلمي، ومن ناحية مراعاة حقوق الآخرين، والحرص على أعراض المسلمين، حتى لا يتهموا بالباطل أو بالخطأ، أو بأنهم خالفوا الكتاب والسنة كما نرى من تعجل بعض المتعجلين في أوقاتنا المعاصرة، فما أن يسمع عن إنسان أنه قال كلمة أو قال كلاماً يحتمل بعض الأقوال إلا قال -على سبيل المثال-: إن فلاناً من الصوفية أو من الحلولية؛ لمجرد كلمة واحدة، ثم يرد كل ما عنده من قول وفعل، وهذا كما هو معلوم أمر غير صحيح في هذا الجانب. هذه بعض الملامح السريعة في هذا الجانب.

 

منهج ابن القيم فيما يتعلق بالفقه

أنتقل إلى الملامح الأخرى المتعلقة بالناحية الفقهية: ابن القيم رحمة الله عليه كان في هذا الشأن متميزاً، وقد أفادنا منهجه كثيراً في مجالات متعددة.

فإن لـابن القيم في منهجه الفقهي ملامح ومعالم أساسية منها:

الأول: الدعوة إلى مذهب السلف في المسائل الفقهية، وتقديمه لأقوال الصحابة والتابعين على أقوال من جاء بعدهم، والتفريق بين هذه وهذه في مراتب سيأتي ذكرها.

الثاني: التحرر وعدم الجمود.

الثالث: محاربة التلاعب بالدين.

الرابع: تفهم روح الشريعة.

وأوجز القول في كل واحدة من هذه الملاحم والمعالم: المعلم الأول: ارتباطه بسلف الأمة في المسائل الفقهية، فقد عقد ابن القيم رحمة الله عليه في أول كتابه "إعلام الموقعين" وكذا في آخره فصولاً مطولةً في أن فتاوى الصحابة والتابعين وعلمهم وما قالوه من الآراء هو الأقرب إلى الحق، والأوفق للصواب، والأكثر مطابقة لما يستنبط من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ممن جاء بعدهم، وفصل في ذلك ودلل عليه، لماذا؟ لأن بعض الناس في ذلك العصر وحتى في عصرنا يرون أن قول الصحابي أو قول التابعين شيء لا يهمنا، وأنه لا يهمنا إلا الكتاب والسنة، صحيح أنه يهمنا الكتاب والسنة، ولكن فهمهم أصوب، وعلمهم بهما أكثر؛ ولذلك طول ابن القيم في هذا المقام وأتى بكلام نفيس، وبحث جليل عظيم في آخر المجلد الرابع من إعلام الموقعين. وهذه المنهجية مهمة جداً، على سبيل المثال: مسألة قول الصحابي الواحد الذي ربما لم تعضده السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، أو قد يكون ظاهره مخالفاً للسنة يقول: يحمل هذا على ستة أوجه -أذكر بعضاً منها-: إما أنه فعل ذلك نقلاً عن النبي عليه الصلاة والسلام ولم ينسبه له، أو نسبه ولم ينقل لنا ذلك أو كذا أو كذا، ثم قال: الوجه السادس: أنه أخطأ وخالف في ذلك ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: واحتمال وقوع خمسة من ستة أقرب من احتمال وقوع واحد من ستة، فيكون قول الصحابي مقدماً على غيره، وله مرتبته التي يعتبر بها ويستأنس بها. وقال فيما يذكر في أصول الفقه: كلام الصحابي إذا لم يوجد له مخالف يعد معتبراً مأخوذاً به في الجملة، وإن كان كما ينقل عن الإمام أحمد أنه لا يجعله حجةً، لكنه لا يرى دفعه والإعراض عنه؛ لما للصحابة من منزلة ومزية في العلم والأخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم. المعلم الثاني: أمر التحرر وترك الجمود، قد كان في عصر ابن القيم وقبله بأكثر من قرن نوع من العصبية المذهبية والتقليد والجمود، الذي جعل كثيراً من المسلمين يرون تقليد غيرهم هو الواجب اللازم عليهم، وضعف بذلك طلبهم للعلم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فنرى ابن القيم رحمة الله عليه هو أحد أقطاب المدرسة التي كانت في ذلك العصر تجدد معنى الارتباط بالكتاب والسنة، والأخذ منهما لمن تأهل لذلك واستجمع المواصفات التي يأخذ بها من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد عاب التقليد وذمه وبين المأخذ الشرعي عليه، وبين أن المقلد قد قلد دينه دون أن يبذل جهده في تعرف الحق من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفصل في ذلك، وقد نقل عن بعض من كانوا آخذين بالمذاهب أقوالاً تدل على الإفراط الشديد في مسألة التقيد بالمذاهب والتقليد لها، حتى قال أحدهم: كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ! ونقل ابن القيم عن هؤلاء أنهم كانوا إذا نزلت بالمفتي أو الحاكم نازلة يقولون: لا يجوز أن ينظر فيها في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا أقوال الصحابة، بل إلى ما قاله مقلده ومتبوعه ومن جعله عياراً على القرآن والسنة، فما وافق قوله أفتى به وما خالفه لم يجز له أن يفتي به، وإن فعل ذلك تعرض لعزله عن منصب الفتوى والحكم!فمثل هذه المقالات المنتشرة ميزها ابن القيم وفندها ورد عليها، وبين أنواع التقليد المحرم، وذكر أنه أنواع ثلاثة:

الأول: الإعراض عما أنزل الله عز وجل، وعدم الالتفات إليه اكتفاء بتقليد الآباء، وهذا كان شأن الكافرين والمشركين.

الثاني: تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهل لأن يؤخذ بقوله. الثالث: التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المقلد.

وقال: هذه كلها مذمومة.

وقد بين ابن القيم الخلاف بين التقليد وبين الاتباع، وبين من يقصر عن درجة الاجتهاد، وأن له أن يأخذ بقول غيره، ونقل عن الشافعي وغيره أنهم عندما لا يجدون دليلاً يأخذون بما أوثر عن الصحابة رضوان الله عليهم، وقلدوهم فيه، بل قد قال الشافعي في بعض فتاواه: أقول بهذا وأقلد فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهكذا كان ابن القيم يؤصل هذا المنهج ويوضحه، وأكثر ما بين ذلك في كتاب "إعلام الموقعين"، وذكر له أمثلة رائعة في كتاب "زاد المعاد" وغيرها من كتبه رحمة الله عليه.

المعلم الثالث: التلاعب بالدين، وأنه ليس لكل أحد أن يأخذ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهو غير أهل لذلك، فيهرف بما لا يعرف، ويخلط ويأتي بالعجائب، فقد كان من منهج ابن القيم أيضاً حياطة الدين، وذلك بسد باب التلاعب بالدين، ومن أعظم ذلك انتصابه للكلام في الحيل والرد على الحيل وإبطالها؛ لأن الحيل المقصود بها ما يكون من التحايل بصورة فقهية من الناحية الشكلية، فيظنها الظان صحيحة ويجوز ويسوغ لنفسه بها فعل ما لا يجوز شرعاً، وعلى سبيل المثال: المحلل الذي يتزوج حيلة ليحلل المرأة لزوجها الذي بانت منه بينونة كبرى، وقد عقد ابن القيم مباحث مطولة في إعلام الموقعين وفي غيره أيضاً لإبطال هذه الحيل وما استدل به أربابها، فقد استدلوا ببعض الأمور وببعض ظواهر الآيات في قصص، واستدلوا بأحاديث كقوله صلى الله عليه وسلم: (إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب) واستشهد بعضهم بقصة يوسف عليه السلام لما ورى وأخفى على إخوته قصة أخيه، وما صنع، قالوا: كل ذلك يدل على جواز الحيل. وكذلك ما هو معلوم من قصة أيوب عليه السلام في قوله عز وجل: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ} [ص:44]، فإنه جمع مائة عود وضرب بها ضربة واحدة تحلة القسم، وغير ذلك من الأدلة. فهو رحمه الله جاء على هذه الأدلة ورد على من استدل بها، وبين الخطأ في الاستدلال، ثم استعرض ذلك بما يدل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه سلف الأمة رضوان الله عليهم.

المعلم الرابع وهو مهم جداً: اعتبار المقاصد والنيات والعوائد والأحوال في مسائل الفتوى والأحكام، وقد عقد ابن القيم في أول المجلد الثالث من إعلام الموقعين فصلاً في هذا، فهو يقول: النية لها أثر في الحكم، ليس المقصود بالأحكام الفقهية الظواهر الشكلية، بل إذا كانت للمرء نية فإنها قد تؤثر في إبطال الصحيح من الأحكام، مثلاً: مسألة المحلل التي ذكرناها سابقاً، قد يعقد الرجل نكاحاً صحيحاً، لكن ما دامت نيته أنه يقصد بهذا النكاح هذا الغرض ولا يقصد غيره، بل يريد أن يتوصل به إلى أمر مذموم شرعاً؛ فهذه النية لها أثرها؛ ولذلك اعتبار المقاصد والحكم والعلل التي استنبطت من نصوص الشارع، والمقاصد التي روعيت في الأحكام الشرعية مع مراعاة اختلاف العوائد والأحوال؛ أمر عجيب جداً سيما في أمور المعاملات والبيوع. وقد ذكر ابن القيم على تغير الفتوى باختلاف الأحوال والعوائد والمقاصد والنيات أكثر من مائة مثال، مما كان في عهد الصحابة، ومما اقتبسه من نصوص الكتاب والسنة، مما يدل على أن هذا الأمر مهم جداً، وإلا كان الأمر كما قال ابن القيم : فينسب حينئذ للشريعة أمور لا تصح نسبتها لها؛ لأن الشريعة مبنية على العدل، وكلها محاسن، فلا ينبغي أن تكون هناك أمور تعارض المقاصد الحسنة الكلية لهذه الشريعة الغراء، فهذه المعالم المنهجية مما ينبغي أن يستفاد منها، ومن اطلع على كتب ابن القيم يستفيد منها فوائد مباشرة وواضحة.

 

منهج ابن القيم فيما يتعلق بالجانب الإيماني التربوي

إن ابن القيم رحمة الله عليه لم يكن فقط ممن يقررون المسائل الفقهية على القواعد الأصولية، ويهتمون بالرد على الأقوال فحسب، وإنما خاض في علم القلوب وأحوال النفوس وما يتعلق بذلك، وأتى في هذا بعجب عجاب، وفند فيه كثيراً من الأخطاء، وبين فيه كثيراً من المحاسن التي غفل عنها كثير من الناس؛ ولذلك كان له في ذلك كتب كثيرة كما أشرت إلى بعض منها، ونستطيع أن نسميه من فقهاء الإيمان، هناك فقه الحكم الظاهر، وهناك الفقه الإيماني الذي هو من المقاصد الأساسية لهذا الدين، فنحن مثلاً عندما نأخذ كلام ابن القيم في آثار الذنوب والمعاصي، وعندما نأخذ كلامه على حياة القلوب وموتها وظلمتها ونحو ذلك، نرى ما كان عنده مما يسمى اليوم بعلم النفس، أو علاج الأمراض والعقد النفسيه ونحو ذلك، فإنه قد أتى في هذا الأمر بأشياء كثيرة مفيدة نافعة. وأوجز أيضاً ملامح أساسية في هذا الشأن:

الأول: وهذا يتكرر معنا كثيراً: الاقتباس من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في تقسيم القلوب ومعرفة أنواعها وأدوائها وعللها وعلاجها، فإن هذا قد أكثر منه ابن القيم رحمة الله عليه كثيراً.

الثاني وهو من الأمور المهمة جداً: البناء على الأثر العملي، ليست القضية في الأمور الإيمانية قضايا أقوال كما خاض في ذلك بعض المتصوفة، وبعض الذين أرادوا أن يخلوا أنفسهم من الأعمال، فقالوا أقوالاً جميلة، وتغنوا بأشعار موزونة رقيقة، وتمايلوا طرباً، ورأوا أن هذا هو حال أهل الإيمان فحسب، كان ابن القيم رحمة الله عليه -كما سأذكر بعضاً من نصوصه الكثيرة- يربط حقيقة الإيمان والعلو في الرتب الإيمانية وصفاء القلب ونقاء السريرة وغير ذلك من الأمور؛ بالتزام الشرع والإتيان بالفرائض والإكثار من النوافل، وبيان أنه ليس هناك تفريق بين علم الحقيقة وعلم الشريعة، كما يقولون.

الثالث: أن ابن القيم رحمة الله عليه فند الباطل من الآراء والأقوال والمعتقدات التي دخلت في أمر التعبد والسلوك ورياضة النفوس وتهذيب القلوب، فقد أنكر وحدة الوجود وبين زيفها، ورد على ترك التكاليف وبين حقيقة هذه الأمور بياناً شافياً وواضحاً.

الرابع وهو مهم جداً: ربطه بين العبادات والأعمال وآثارها الإيمانية في القلب والنفس، وقد أتى في زاد المعاد بأقوال مطولة نفيسة في بعض هذه المسائل، ربما عندما يسمعها السامع أو يقرؤها القارئ لا يرى إلا أنها من أقوال بعض أهل التصوف الغالين فيه، وما ثم شيء قد خرج من فيه ومن كلامه إلا الحق، وإنما كان ينطق بلسان يغترف من قلب شفاف ونفس طاهرة قد تهذبت بهذه الأعمال الإيمانية؛ لأن بعض الناس اليوم أرادوا -عن حسن نية في بعض الأحوال وعن جهل في أحوال أخرى- أن يردوا الغلو الذي وقع والشطحات التي حصلت من بعض من جنح في أمور العبادات والتزهد والترهب؛ فردوا معها أصل الأثر الإيماني، وأنكروا لذلك بعض الأمور إن لم ينكروها بنص قولهم فقد يفهم ذلك من أحوالهم ومجموع أقوالهم، كأن ينكروا ما يقذف في القلب من نور، وما يقع له من تطهير من أثر العبادة والإيمان، وما يقع أيضاً من أمور حسية سواءً بالرؤى الصالحة أو الكرامات أو غير ذلك من الأمور؛ حتى إن ابن تيمية رحمة الله عليه قد بين مثل هذا وأفاض فيه كما في بعض الرسائل والمسائل، حتى إنه عد الإلهام عند تساوي الأدلة مرجحاً عند صاحبه، يعني: يترجح به قول من الأقوال عند صاحبه، ما دام هذا الإلهام لرجل مؤمن صالح؛ لأن هناك شواهد من الأدلة تدلنا على أن التقوى والإيمان والصلاح له أثر في معرفة الحق، وله أثر أيضاً فيما يتعلق بهذه الآثار الإيمانية من ذوق حلاوة الإيمان وطعمه، ومن النور الذي يكون للعبد من أثر هذه الطاعات، ونحو ذلك من الأمور التي تقع له من توفيق وتسديد وإلهام وكرامة، وغير ذلك في حدود ما ثبت دون تجاوز، وأذكر بعض مقالاته في مثل هذه المسائل، وهذا الباب على كل حال من الأبواب المهمة التي أرى أن كثيراً من الشباب تدفعهم حماستهم إلى إنكار كثير من الأمور الإيمانية والتربوية أثناء إنكارهم للباطل الذي فعله بعض المتصوفة؛ ولذلك ترى بعضاً منهم يقول: إن مدارج السالكين لا تصح نسبته لـابن القيم! وذلك لأنه رأى أن ابن القيم تكلم على المنازل والمراتب على غرار ما كانوا يتكلمون فيه، مع أنه ما تكلم على ذلك إلا بكلام صحيح في جملته، واستدل لهم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ورد على الهروي كما سأذكر بعض الأمثلة في بعض ما خالفه فيه، أولم يوفق فيه في بعض الجمل والعبارات ونحو ذلك، وأيضاً بعضهم قد لا ينسب إليه "حادي الأرواح" أو "الروح" أو غيرها من الكتب، وأقول: ليس ثمة ما يدعو إلى عدم تصحيح نسبة هذه الكتب إلى ابن القيم فإن في كلامه وكلام شيخه من قبله وكلام غيرهما كـالذهبي سيما في مواضع كثيرة من سير أعلام النبلاء وغيرها من كتب التراجم ما يدل على أن هذا أمر مألوف معروف، وهو أيضاً المنهج الذي اقتبسوه مما نقلوه عن السلف من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، فأذكر بعض النقولات السريعة لنختم بها هذا الكلام بين ابن القيم رحمة الله عليه مذهب التصوف فقال: أصل هذا المذهب ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، والتمسك بالأئمة والاقتداء بالسلف، وترك ما أحدثه الآخرون، والمقام على ما سلك الأولون. وأيضاً يقول ابن القيم في معرض رده على بعض ما ذهب إليه غلاة المتصوفة: قيل لبعض الصوفية: قم إلى الصلاة فقال: يطالب بالأوراد من كان غافلاً وكيف بقلب كل أوقاته ورد يعني: هذا من الواصلين كما يقول، وإنما الصلاة عندهم للغافلين، أما الذين قلوبهم حية موصولة بالله عز وجل -كما يزعمون- فإنهم لا يحتاجون إلى ذلك.

فقال ابن القيم رحمة الله عليه: فمن لم ير القيام بالفرائض إذا حصلت له الجمعية- يعني: اجتماع القلب- فهو كافر منسلخ من الدين، ومن عطل لها مصلحةً راجحة كالسنن الرواتب، والعلم النافع، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنفع العظيم المتعدي، فهو ناقص، أي: أن فعله ناقص وفيه خلل. أيضاً يبين المقياس الأساسي في معرفة هذه الأمور: لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتفع إلى الهواء فلا تغتروا به، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود والشريعة.

ونقل عن عبد الله الخياط قوله: الناس قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مع ما يقع في قلوبهم- يعني: بحسب ما يقع في قلوبهم-، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام فردهم من القلب إلى الدين والشريعة. المسألة التي في الدين ليست مسألة قلوب وأذواق ومواجيد، وإنما الأصل في الشريعة العمل بالشرع، فهو الذي يورث القلب الخير والاستقامة والصلاح ونحو ذلك.

وأيضاً: علق على كلام للهروي في منازل السائرين، وإن كان هو متعقباً له، لكنه كان متأدباً معه، يقول ابن القيم في تعليقه على قوله: ويطوي خسة التكاليف: يقصد عبء التكاليف، لكن ليت الشيخ عبر عن هذه اللفظة بغيرها، فوالله إنها لأقبح من شوكة في العين وشجىً في الحلق -يعني: أن العبارة قبيحة لم يوفق فيها- وحاشا التكاليف أن توصف بخسة أو تلحقها خسة، وإنما هي قرة عين، وسرور قلب، وحياة روح، صدر التكليف بها عن حكيم حميد، فهي أشرف ما وصل إلى العبد من ربه، وثوابه عليها أشرف ما أعطاه للعبد سبحانه وتعالى. وهكذا كانت له مثل هذه التعليقات والكلمات الجميلة.وله أيضاً الفوائد الواضحة التي هي من آثار العبادة والعلم.وقد ذكرت بعض النقولات التي تبين لنا هذا الأمر، وأحب أن أؤكد على أن كلام ابن القيم على التزكية في كتبه ومؤلفاته من أعظم ما يستفاد منه فيها رحمة الله عليه.