إنها مدرسة أحد
1475 الأحد 16 / رمضان 9 / 1438

17 يوليو, 2016 - 12 شوال 1437هـ

 

 

عناصر الخطبة:

 

*غسيل الملائكة.

*شؤم المعصية والفشل والتنازع.

*بالتمحيص يتميز الخبيث من الطيب.

*في ثنايا البلايا والمحن تكون العطايا والمنح.

*التأمل والتدبر في أحداث السيرة.

 

 

 

الخطبة الأولى

إخوة الإسلام والإيمان

وصية الله سبحانه وتعالى لكم في كتابه المبين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران: 102).

إخوة الإسلام

*غسيل الملائكة:

تشدني أحداثها، وتأسرني مواقفها، وتبهرني عبرها، وتنير الطريق لي دروسها، إنها أحد معاشر المسلمين، كم في صفحاتها مايعلق القلوب بها، ومايشغل العقول فيها، وما يرسم بها معالم طريقنا، وماينير لنا بها فقه واقعنا، ومالها لاتأسرني وفيها كان حنظلة ابن أبي عامر يجاهد ويقضي شهيداً، فيخبر سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ويقول: (إِنَّ صَاحِبَكُمْ حَنْظَلَةَ تُغَسِّلُهُ الْمَلاَئِكَةُ، فَسَلُوا صَاحِبَتَهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ لَمَّا سَمِعَ الْهَائِعَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَذَاكَ قَدْ غَسَّلَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ)، من هو حنظلة ابن أبي عامر؟ أبوه أبو عامر الفاسق، من رؤوس النفاق، ومن هي زوجه؟ جميلة بنت عبدالله بن أبي ابن سلول أنظروا إلى هذه المواقف، مالها لاتبهرني وتبهركم وتبهر الأمة والعالم كله، وفيها أنس بن النضر لما انقلب ميزان المعركة، قال: (اللهم إنني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمون ممن تأخروا أو خالفوا، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء يعني الكفار، ثم مضى فرآه سعد بن معاذ إلى أين؟ إلى أين يا أنس؟ قال ياسعد بن معاذ: الجنة ورب النضر، إني لأجد ريحها دون أحد، هكذا هو الاستشعار الذي كأنما يقلب الإيمان الغيبي إلى حقيقة المشاهدة، ثم مضى يلقي بنفسه على الكفار يبحث عن الموت في مظانه، حتى قال سعد وغيره: أصيب بثمانين مابين طعنة رمح وضربة سيف، ليس فيها واحدة في ظهره)، سبحانك ربي ولو أردنا أن نمد لوجدنا مواقف لاحصر لها ولا عد في غزوة أحد، لكنني أقف اليوم ليس مع هذه المشاهد العظيمة بل مع مجمل هذه الغزوة، وأبرز مانحتاج أن نقتبسه منها، وننهله منها من الدروس والعبر، التي لا أقول إنها ذات صلة بواقعنا بل هي ترسم صورة واقعنا، في مواقف أساسية أذكر منها أربعة، وكلها أسوقها بكلام عالم رباني نوراني آتاه الله فقهاً وبصيرة، فساق لنا من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ومن هديه ما أحسب أنه من أنفس ما ألفه أهل الإسلام جمعياً، مع أنه ألفه وهو في سفره ابن القيم في زاد المعاد رحمه الله ورضي عنه.

*شؤم المعصية والفشل والتنازع:

يقول من دروس هذه الغزوة وعبرها بالنسبة لأهل الإسلام ولصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، تعريفهم سوء عاقبة المعصية والفشل والتنازع، وأن الذي أصابهم إنما هو بشؤم ذلك، {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ} (آل عمران:152) أنظروا إلى هذه الآية كيف تشخص الواقع ليس لمن كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم صفوة أصحابه، ومعهم سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك مضت سنة الله، عندما تركوا ما أوصاهم به النبي صلى الله عليه وسلم من ملازمة الجبل واختلفوا في الغنائم، وأراد الله جل وعلا أن يعرفوا سوء العاقبة للمعصية وللتنازع وللميل للدنيا، وكم في حياتنا وواقعنا أفراداً وجماعات وأمة من معاصٍ عظيمة كبيرة، مستمرة دائمة، ألفتها كثير من النفوس، وكم في واقعنا من تنازع وفشل، ثم بعد ذلك نسأل عن نصر الله ماله تأخر؟ إنها سنن الله يا عباد الله، إنها مدرسة أحد، تبث لنا عبر الزمن الممتد مالا يبث في كل التحليلات السياسية، ولا الصور الواقعية للأحداث الجارية، بل هي أعظم من ذلك، وفيها آيات تتلى إلى قيام الساعة.

*بالتمحيص يتميز الخبيث من الطيب:

ومحطة ثانية هي أقرب إلينا وأكثر أهمية لنا في واقعنا، قال فيها: أن يتميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر وطار لهم الصيت دخل معهم في الإسلام ظاهراً من ليس معهم فيه باطناً، فاقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن سبّب لعباده محنة ميزت بين المؤمن والمنافق، فأطل المنافقون برؤوسهم في هذه الغزوة، وتكلموا بما كانوا يكتمونه، وظهرت مخبآتهم، وعاد تلويحهم تصريحاً، لو قلت لكم إن أحداً يكتب هذا عن واقعنا اليوم، لقلتم قد وصفه وصفاً دقيقاً، وقد قاله ابن القيم منذ قرون يصف به ويستخلص به العبر من ذلك الذي وقع قبل 1400م في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وماذا كانت النتيجة كما يقول، عرف المؤمنون أن لهم عدواً في نفس دورهم، وهو معهم لايفارقونهم، فاستعدوا لهم وتحرزوا منهم {مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} (آل عمران:179) كم ظهر من خبث كان مستتراً، وكم علا رأس بنفاق كان متوارياً، وكم رأينا من هذا التمحيص الذي ظهرت فيه عداوة، لا أقول لأمتنا بل لديننا ليس للملتزمين أو المتمسكين بدينهم، بل صار العداء اليوم ظاهراً، يقال عن كتاب الله عزوجل، وينال به والعياذ بالله من مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستهزأ فيه والعياذ بالله بشرائع الإسلام، وما كان ذلك ليكون إلا بعد أن تكالبت الأمم، وكان ومايزال في هذا الواقع أهل الإسلام في ضعف مادي، ليس عندهم تلك القوة، لكن إيمانهم الذي يسوقهم الله إلى الرجوع إليه والاستمداد منه، هو الذي سيكون فيه الخير، أنظروا إلى ماقاله رسولنا صلى الله عليه وسلم في هذه الوقائع والأحداث، من دروس وعبر وما استنبطه منه أصحابه ومن جاء بعدهم، فهذه كلمات للفضيل بن عياض يقول: (الناس ما داموا في عافية مستورون، فإذا نزل بهم البلاء صاروا الى حقائقهم أي رجعوا إلى حقائقهم فصار المؤمن إلى إيمانه والمنافق إلى نفاقه) وكم رأينا وسمعنا ونسأل الله عز وجل أن يثبتنا ولايزيغنا وأن يجعلنا ممن لايبدلون دينهم ولايبيعون قيمهم ولايؤثرون دنياهم على آخرتهم، فإن مانراه هو عبرة لنا، لايأمن أحد أن يقول إني ثابت على الحق حتى يدعو ربه، اللهم لاتزغ قلوبا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، كان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يدعو لنفسه فيقول: (اللهم مُثَبِّتَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دَيْنِكَ)، كم رأينا اليوم من صور لم يعد فيها ثبات بل فيها تلون، وليس فيها تلون فحسب بل فيها تراجع، وليس فيها تراجع فحسب بل فيها نكوص وتبديل كامل والعياذ بالله، أعاذنا الله واياكم من ذلك.

جزى الله الشدائد كل خيرٍ ..... وإن كانت تغصصني بريقي
وما شكري لها إلا لأني ..... عرفت بها عدوي من صديقي

فتلك منارة هادية، ينبغي أن ننتفع بها ونلتفت إليها في واقعنا اليوم.

*في ثنايا البلايا والمحن تكون العطايا والمنح:

وثالثة ساقها ابن القيم رحمه الله هي بالنسبة لي أعجبها وأحبها وأبعدها عن تأملنا ومعرفتنا، قال فيها رحمه الله: (أنه سبحانه وتعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته، لم تبلغها أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها، إلا بالبلاء والمحنة، فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه) صفوة الصحب الكرام من أصحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم هيأ لهم مكاناً عالياً ورتباً منيفة، لكن أعمالهم لاتبلغها فجعل هذا البلاء سبباً لأن يرتفعوا الى مالم يكن لهم ارتفاع بأعمالهم، فانظروا كيف يكون هذا البلاء، هو فضل من الله وخير يسوقه لعبده، وقد قال سيدنا صلى الله عليه وسلم: (أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ) وهم الذين يبتليهم ويقدر عليهم البلاء، ولا أحد يسأل البلاء لكن نسأل الله العافية لكن إن جاء البلاء سألنا الله سبحانه وتعالى أن يرضينا بقضائه، وأن يصبرنا على بلائه، وأن يجعلنا نرى الخير فيما يسوقه لنا من ذلك، وأن نرى المنح فيما يجري علينا من المحن، وذلك ما ثبتت به أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد روى الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه عن رسولنا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا ، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرًّا أَمْسَكَ عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فيكون عذابه موفوراً كاملاً، وأما عذاب الدنيا فهو تكفير وتخفيف من ذلك، وفي حديث أبي هريرة أيضاً عند الترمذي في سننه بسند صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لاَ يَزَالُ الْبَلاَءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمَؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَفِى وَلَدِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ» كل البلاء بالصبر يعفو الله به ويحط به الخطايا ويمحو به الذنوب، فكم في ذلك من خير لو تأملنا، لا أحد يطلب البلاء كما قلنا، لكن إذا اقتضى ذلك قدر الله وجرى به قضاؤه فإننا نكون ملتبسين لهذا كما بينته لنا أحداث سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ورابعة أختم بها، ولنا فيها عبرة وأي عبرة، قال فيها: (إذا أراد الله أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم، ومحقهم ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم ومبالغتهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم والتسلط عليهم، فيمحص أولياءه بذلك من ذنوبهم وعيوبهم، ويزداد بذلك أعداؤه من أسباب محقهم وهلاكهم) وكأني بكم ترون ذلك، وكأني بكم تعجبون من هذا البغي والطغيان الذي يزداد ويزداد، ولله فيه حكمة، حتى يقصم الجبارين، وحتى ينزل بهم سخطه وعذابه، وقد استوفوا من الأسباب مايستوجب هلاكهم ومحقهم، كما قال سبحانه وتعالى {وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} (آل عمران:141).

ولذا العنوان كله {لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} (النور:11) إن كنا ننظر بمنظار الإيمان، إن كنا نسلم ونرضى بالقضاء والقدر، إن كنا نبحث عن الاحتساب ونبحث عن الأجر وعن تكفير الخطايا، ونسأل الله أن يثبتنا ويربط على قلوبنا ويحسن ختامنا، ويجعلنا على الحق والخير والهدى والتقى لانزيغ ولانضل، فيرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ويهدينا لما اختلف فيه الناس من الحق بإذنه، وذلك مانسأل الله سبحانه وتعالى إياه، فمدرسة أحد هي مدرسة عظيمة نحتاج في كل مرة وفي كل مناسبة أن نقف عندها أحسب أن كل سطر فيها وكل حدث من أحداثها وكل مقولة من مقولاتها فيها الكثير والكثير ونحن عنه غافلون ومن الأخذ به مقصرون.

فنسأل الله عزوجل أن يبصرنا بديننا، وأن ينير قلوبنا بتدبرنا بكتاب ربنا، وأن ينفعنا ويهدينا ويبصرنا بالعبر والدروس والحكم في سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

معاشر المؤمنين

*التأمل والتدبر في أحداث السيرة:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإنها أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من مواطن التقوى التي تغيث القلوب وتنيرها، التأمل والتدبر في أحداث سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ونحن نرى اليوم مايجري من أحداث في واقعنا، ونحسب أننا لو نظرنا إلى أحد لرأينا فيها كل شيء في واقعنا، فهي المعاصي وشؤمها وعقوبتها، وهو الفشل والتنازع وعاقبته الوخيمة وآثاره الوبيلة، وهو أيضاً التمحيص الذي يثبّت به أهل الإيمان، ويفضح به أهل النفاق والخذلان، وهو أيضاً ما يريد الله به الخير لعباده، تكفيراً لذنوبهم، ورفعة لدرجاتهم، وسمواً بهم إلى ما أراده لهم من الخير، كما قال جل وعلا: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء} (آل عمران:140) فالشهادة أعلى مرتبة من بعد الصديقية وبعد النبوة، وهي مرتبة يحبها الله سبحانه وتعالى ويجزي عليها ما لايجزي على غيرها، لذا قال: {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء} (آل عمران:140) فهو يصطفي للشهادة من يحبهم، لأنه يكافئهم ويجزيهم بأجر عظيم لامنتهى له ولاتصور له، فانظر يا أخي إن نظرت إلى ذلك لترى أحداث الشام ومآسي العراق ومشكلات وآلام اليمن، ومايجري قبل ذلك في أرض الإسراء، كله بقضاء الله وقدره، كله نؤمن أنه مكتوب في الكتاب قبل أن يبرأ الله الخلق بخمسمائة ألف عام كما ورد في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، كله يجب أن يكون لنا فيه إيمان لايتزعزع، ويقين لايطرأ عليه شك، بأن هذا فيه رحمة وحكمة جرى به قضاء الله سبحانه وتعالى، فنهيئ قلوبنا لتكون على قدم راسخة في اليقين، وعلى علو إلى مراتب الإيمان العظيم، ذلك ماينبغي أن نأخذه ونستفيده، أنظروا إلى الفوراق يا إخوة، نحن أهل إيمان واسلام نحن أهل قرآن نحن أتباع سيد الخلق صلى الله عليه وسلم والقرآن خاطبنا فقال:{إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} (النساء:104) البلاء بالنسبة لنا نظرتنا الإيمانية وإسلامنا واتباعنا لقرآننا واستمساكنا لهدي نبينا يجعله مختلفاً، كما أخبرنا عليه الصلاة والسلام: (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ، وَلاَ حُزْنٍ ، وَلاَ أَذًى، وَلاَ غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ) نحن نعلم لكننا نرجو الثواب بالاحتساب، نحن قد تمضي الأرواح وتزهق، لكنها موقنة بأن وراء ذلك نعيماً خالدا، ومثوبة عظيمة في الجنان، لذلك لانقارن لانقول مات من هؤلاء ومات من هؤلاء كما قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بتلقينه عليه الصلاة والسلام عندما قالوا: أعل هبل، قال الله أعلى وأجل، قالوا: يوم بيوم بدر، قال: لا لاسواء، قتلاكم في النار وقتلانا في الجنة، لا تنظروا إلى المقاييس الأرضية بل انظروا إلى المقاييس الإيمانية فيستبين لكم وجه الحق، وترو الأمور على غير مايراها الدنيويون الذين لايرون إلا مواطيء أقدامهم، وحدّهم هذه الحياة الدنيا ولا شيء من دورائها، إن هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع، كما قال الجاهليون والكفار من قبل لذلك نتميز.

وهذه أحد مدرسة قائمة فلننهل منها ولنتربى فيها، ونسأل الله عزوجل أن يكشف عن أمتنا الغمة، وأن يرحمها وأن يذهب عنها رجس الشيطان، وأذى الأعداء، وعدوان البغاة، وطغيان الطغاة.

ونسأل الله عزوجل أن يجعل كيد أولئك الأعداء في نحرهم، وأن يشغلهم بأنفسهم، وأن يجعل بأسهم بينهم، وأن يجعل الدائرة عليهم، اللهم لاترفع لهم راية، ولاتبلغهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم عبرة وآية، وأرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، اقذف الرعب في قلوبهم، وزلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر ياقوي يا عزيز يامتين يا جبار