إنها زوجتك
180 الأحد 16 / رمضان 9 / 1438

04 أغسطس, 2016 - 30 شوال 1437هـ

 

عناصر الخطبة:

1- عنف أسري خطير.

2- وصيته صلى الله عليه وسلم الأزواج بزوجاتهم.

3- كيف نتعامل مع زوجاتنا بالمودة والرحمة.

4- الترفيه عن الزوجة والأنس والحب.

5- الخلل الأسري الذي يسود المجتمعات هو سبب غياب الصلة.

6- لابد أن نرسم هديه في كل ما من شأنه دوام العشرة والمودة.

الخطبة الأولى

إخوة الإسلام والإيمان

وصية الله سبحانه وتعالى لكم في آيات القرآن {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران: 102).

معاشر المسلمين

 

1- عنف أسري خطير:

خطب وحدث أحسب أنه يحتاج إلى وقفات لا وقفة واحدة، ولست هنا أشرق وأغرب في واقع أمتنا بأحداثه الجسام، بل أتحدث عن مجتمعنا الذي نعيش فيه، وقد كان بالأمس حدث تداولته وسائل التواصل عن رجل قتل زوجته طعناً بالسكين حتى أزهق روحها، وعندما تبحث لاتجد شيئاً حتى الآن، لكنني متأكد أنكم قد علمتم وسمعتم عن ابن قتل أباه، أو عن أب قتل ابنه، من أمور لم نكن نسمع عنها ولا نعرفها فيما مضى إلا نزراً يسيراً، واليوم لا أقف إلا عند الحادثة الأخيرة، عن رجل يقتل زوجته، ولن أتحدث بالتوازن فيما بين الزوج والزوجة فلذلك حديث آخر، لأن هذا قد قتل، لكن آخرين وهم غير قليلين يشتمون ويضربون ويسيئون ويؤذون ويجرحون، والعنف الأسري في نسبته الأكبر هي من الأزواج ضد الزوجات، ولذا وقفتي هنا لكي نعود إلى رشدنا، ولكي ننساق وننصاع بقوة هي أعظم من قوة الأمن، وبحكم هو أقوى من حكم القضاء، وبتوجيه هو أعظم من كل توجيه، لن أخاطبك وأخاطب نفسي بشيء إلا ما بما خاطبك به الله جل وعلا وما خاطبك به رسوله صلى الله عليه وسلم، سأخاطبك أيها الزوج وأقول لك أتعلم من هي زوجتك؟ أتعرف من هي هذه الزوجة؟ إنها التي أمرك الله جل وعلا في كتابه وآياته التي تتلى إلى يوم القيامة وقال: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (النساء:19) قال ابن كثير في تفسيره طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيأتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت مثله كما قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (البقرة:228) بل قد قال حبر الأمة وترجمان القرآن، ابن عباس رضي الله عنه: إني لأحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي، وقال الجصاص من علماء الحنفية في (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) ترك أذاها بالكلام الغليظ، والإعراض عنها والميل إلى غيرها، وترك العبوس والقطوب في وجهها من غير ذنب.

2- وصيته صلى الله عليه وسلم الأزواج بزوجاتهم:

أحسب أني جئت بالأدنى، فكم من مقطب وناظر نظراً شزراً بعينه، وكم من مطبق شفتيه لا ترى له أثر ابتسامة في وجه زوجه، إن هذا مناقض لأمر الله جل وعلا، ليس لتوجيه هذا ولا ذك ولا لنصح هذا ولا ذاك، إنها آيات القرآن، وهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا) رواه البخاري ومسلم، تأمل هذه الوصية الألف والسين والتاء للطلب والوصية هي الرعاية الكاملة الشاملة، التي كأنما قد فقدت كل رعاية وعهد بها إليك، فالذي يوصي من بعد موته كأنما قد ترك كل أمر لمن أوصاه، وهكذا يوصي النبي الأزواج بالزوجات، ويخبر أن في طبعهن الذي خلقهن الله عليه بعض ما قد لايستقيم إلا بالمداراة، والمجاملة، وحسن العشرة، وغض الطرف، وغير ذلك مما هو معلوم، ولذا قال (فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا) مازالت الوصية قائمة لئن لا يظن أن هذا الطبع الذي قد يكون يترك لأجله المرء تلك العشرة، وذلك الإحسان، من هي هذه الزوجة التي قد تسيء إليها أو ترفع صوتك عليها؟ إنها من أسباب السعادة التي أخبرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الحاكم في مستدركه وصححه ووافقه الذهبي قال عليه الصلاة والسلام: (سَعَادَةٌ لِابْنِ آدَمَ ثَلاَثَةٌ ، وَشَقَاوَةٌ لِابْنِ آدَمَ ثَلاَثَةٌ ، فَمِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ).

وأنا أنتقل بكم إلى هذا الحديث التي تحفظونه وترددونه وسأقوله وأردده، ولكنني دائماً أعجب منه واليوم سأجعلكم تعجبون منه عجباً، يورثكم لوماً على تقصيركم، وعتباً على تفريطكم، وتقريعاً لما فرطتم فيه من حق أزواجكم، هذا رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم قدوتنا المثلى يقول: (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي) خير الناس خير المسلمين من كان محسناً لزوجه مكرماً لها، قائماً بواجبها معطياً لحقها، مدخلاً السرور عليها، قال عن نفسه عليه الصلاة والسلام بأبي هو وأمي: أنه هو خير الأزواج لأزواجه، فلنأخذ هذه الصورة حتى أقول لك من هي زوجتك؟ وكيف تعاملها، كما عاملها من هو خير الناس لأهله عليه الصلاة والسلام.

امدحها واثن عليها، فقد قالت أمنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ) رواه مسلم، امدح قل كلمة طيبة، واعلم أنه يجوز الكذب في هذا الباب بنص حديث نبينا صلى الله عليه وسلم، حتى لو مدحتها ليس فيها كاملاً.

3- كيف نتعامل مع زوجاتنا بالمودة والرحمة:

وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم يعطينا عنواناً آخر عظيماً قد لا نعرفه في الواقع إلا يسيراً، أعلن حبها وقل ذلك للملأ حتى ولو وصرحت باسمها، فلما خوطب في شأن خديجة وهو يتذكرها ويتعهد صويحباتها بالهدايا قال في تبرير ذلك (إِنِّي رُزِقْتُ حُبَّهَا) ولما سئل عن أحب نسائه صرح بذلك عليه الصلاة والسلام وكان مع عائشة يشير إلى هذا الحب بسلوك عملي كما صرحت وقالت: (كنت أشرب وأناول النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فيه في الموضع الذي وضعت في فيه، يعني حيث وضعت فمها، وكنت أتعرق العرق يعني تأخذ قطعة من اللحم فيه عظم فتأكل منها، قالت فيأكل من حيث أكلت) صلى الله عليه وسلم ، فلننظر إلى هذه اللفتات الزوجية المحبة تحقيقاً لقول الله سبحانه وتعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم:21).

قبّلها، ومن عجب هذا الحديث لأم المؤمنين رضي الله عنها وهي تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم، وفعل المضارع هنا على يدل على أنه كان متكرراً وليس نادراً، وأنه ربما عادة وليس شيئاً غريباً أو فريداً، وروت أيضاً عند ابن سعد في الطبقات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف بأزواجه، فيضع يده ويقبل كل واحدة منهن، فإذا بلغ آخرهن من عندها الليلة قعد عندها فبات، هكذا كان رسولنا صلى الله عليه وسلم.

تحملها، وأنت ربما تشكي وتبكي وتقول فعلت في وتصنع كذا وكذا، وقد سقت لك الحديث من قبل، وهذا الفاروق عمر رضي الله عنه يقول: صخبت علي زوجتي أو امرأتي فراجعتني يعني أخذت وردت، فأنكرت ذلك عليها، كيف تتكلمين، كيف تراجعينني في قولي، هذا هو الفاروق عمر رضي الله عنه، فقالت: (وما لي لا أراجعك، والله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل) يحصل أن تغضب أو أن تقول شيئاً تحملها، هكذا كان خير الناس لأهله عليه الصلاة والسلام.

واسها، شاركها حتى في الأمور اليسيرة، فإن المرأة رقيقة سريعة العبرة، وعاطفتها تجعلها تتأثر بكل حدث تأثراً سريعاً، وهذه صفية رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم في قصة جميلة فريدة عجيبة تقول: كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر وكان يومها، فاستقبلها وهي تبكي، لماذا لأنها تأخرت، قالت: حملتني على بعير بطيء فتأخرت فبكت، فماذا صنع النبي صلى الله عليه وسلم قال: فجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يمسح بيديه عينها ويسكنها أو ويسكتها، أنظر إلى هذه الصورة الجميلة، ما قال لها ما هذه السخافة تبكين لأجل هذا السبب التافه، كلا بأبي هو وأمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، هكذا ينبغي أن نتعلم، هذا هو الهدي النبوي، لو سألت أحدكم اليوم ما الذي تفعل بعد الصلاة؟ يقول أؤدي السنة؟ ما الذي تفعل في كذا؟ يقول أقوم بالسنة، أليست هذه سنة عملية مطردة بعنوان واضح فيه الخيرية كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم.

لاعبها وأدخل السرور إلى نفسها، فقد روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كما تعرفون قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم تعالي أسابقك، هو الذي قال، فلو ذهبت اليوم لتقول لزوجتك تعالي أسابقك أحسب أنك ستقول وكيف يكون ذلك؟ وأين سيذهب وقاري؟ وكيف ستكون منزلتي، تعساً لنا إن فكرنا بهذا ونحن نعلم أن رسولنا الأعظم قد فعل ذلك، قالت، قال لي: تعالي أسابقك، فتسابقنا فسبقته برجلي يعني سباق الرجل، قالت: فلما حملت اللحم وبدنت سابقته فسبقني، فقال: هذه بتلك، وكان يضحك عليه الصلاة والسلام، أين نحن من هذا؟ ونحن لا نقول اليوم إن أحداً شتم أو ضرب، نحن اليوم نقول اليوم عن رجل قتل، ولانقول إنه شاب غر، ولا نقول إنه داعشي منحرف التفكير متطرف، بل هو رجل عاقل راشد أب لأبناء، ما الذي يحصل في مجتمعنا؟ ذلك ما نحتاج أن نرجع فيه إلى ما نتحدث عنه في هذا السياق والمزيد والمزيد فيه كثير، كما نرى فيما جاء في كل مناحي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

اختر لها ماتحبه، سواء من الأسماء أو من الأزياء أو من الأطعمة، فيما هو في قدر الطاعة وفيما هو من المعروف، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينادي عائشة فيقول لها: يا عائش وهذا عند العرب يسمونه الترخيم وفيه نوع من التودد والتلطف، وروى أحمد في مسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: يارسول الله كل نسائك لها كنية إلا أنا، لأن عائشة كانت صغيرة، ولم تكن ذات ولد ولم تلد من بعد، لكن أزواج النبي كن كبيرات وبعضهن كن أمهات، قالت يارسول الله كل أزواجك لها كنية إلا أنا، فكناها النبي صلى الله عليه وسلم بأم عبدالله.

4- الترفيه عن الزوجة والأنس والحب:

رفه عنها، فقد قالت أم المؤمنين عائشة لأنها كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم مار فمرت بالمسجد والحبشة يزفنون بحرابهم في يوم العيد، فقالت: فوقف النبي صلى الله عليه وسلم ينظر، ووقفت خلفه، فكنت إذا عييت جلست، وإذا قمت اتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو واقف في بعض الروايات انتهيت انتهيت، حتى انتهت، تحرك عليه الصلاة والسلام هكذا ينبغي أن نكون.

الأنس والحب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا كان يظهره ويبينه، وكان أيضاً يعلمنا الفن الذي ننتبه فيه إلى مشاعر المرأة وطبيعتها، كما روى جابر قال: كنا في سفر، فلما وصلنا قال النبي صلى الله عليه وسلم «أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلاً - أَيْ عِشَاءً - كَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ»، أما إذا جئنا في السرد فالأمر ظاهر بين، كما في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلى في بيته ألين الناس، ضاحكاً، بساماً، وماضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة ولا خادماً قط، وسئلت كيف يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته، قالت: كان يكون في مؤنة أهله يخدم، هذا في البخاري وفي بعض الروايات وفي غيره، كان يخصف نعله ويرتق ثوبه ويكون في مؤنة أهله، حتى إذا أذن المؤذن قام كأنه لايعرفنا.

وهذا الأمر الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم صوره بصورة بغيظة، فيها قدر من اللوم والتقريع الذي أحسب أنه يلفت النظر، ويعيد إلى الرشد عند من كان له قلب أو ألق السمع وهو شهيد، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين يقول: (لاََ يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ) يشتمها ويضربها ثم يعاشرها، أين هذا من هذا؟ وأعلم أننا الآن يستحضر بعضنا الشق الآخر وأنا أعرفه وأنتم تعرفونه، ويقول: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} (النساء:34) ويستحضر الآيات في التربية والتأنيب، وكلنا يحفظها {فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} (النساء:34) كل ذلك نعرفه، لكن الذي يعرفه أكثر منا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف كانت قوامته، هل كان فيها إلا هذا كله الذي ذكرناه وربما هو غيض من فيض وقليل من كثير، ألسنا نحن في حاجة أن نعرف هذا السلوك، وهذا المصطلح وهذا الحق القرآني {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} (النساء:34) كيف هو نموذجه ولاشك في ذلك هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم.

5- الخلل الأسري الذي يسود المجتمعات هو سبب غياب الصلة:

فإذا سقت لك هذا الهدي كله وهو قليل كما قلت من كثير، فإن هذا هو والقوامة صنوان لايفترقان، وهذا ما ينغي أن نعلمه وهذا ماينبغي أن نستعيد فيه السبب الرئيس في أكثر ما جرى في مجتمعاتنا من خلل، إنه سبب واحد صلتنا بديننا، لو أن الإنسان في كل أمر ينتبه إلى أمرين هما روح هذا الإسلام، وجوهر شهادة التوحيد لا إله إلا الله يراقبه ويتقيه، محمد رسول الله يتبعه ويتمسك بهديه، انتهت القضية، ليس عندنا شيء نقوله ولا أمراً نخترعه ولا قول نخترعه من رؤوسنا، بل هذا الذي ساقه الله إلينا وأكرمنا به، فيوم تركنا ذلك يوم ضعفت تقوى الله في القلوب، ويوم لم نعرف أو تجاهلنا ما قد نعرف من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وألقينا الأذن والأعين إلى الأقوال وإلى الانحرافات عقديةً وسلوكيةً في الإعلام وفي البيئة الاجتماعية وفي العادات والتقاليد وغير ذلك، نشأ عندنا مانشكو منه من عنف أسري وبيوت للحماية، وهواتف للشكوى، وكأننا في ميدان معركة، وكأننا في حلبة مصارعة أو ملاكمة، ولسنا في بيوت مودة ورحمة، وليس في البيوت سكن وسكينة، نحتاج أن نراجع أنفسنا ونراجع مقياسها آيات القرآن، ونموذجها هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم.

أسأل الله عزوجل أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يجعلنا بكتابه مستمسكين، وبهدي نبيه صلى الله عليه وسلم الله متبعين، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

معاشر المؤمنين

6- لابد أن نرسم هديه في كل ما من شأنه دوام العشرة والمودة:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإنها أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من التقوى تقوى الله في النساء والأزواج، ومع أني قد قلت قولاً ربما يقول بعضكم أكثرت علينا، فإنني سأزيدكم وسأزيدكم لأني أعلم أننا جميعاً نحب لأنفسنا الخير، أعلم أن كثيرين منا يحرصون على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وربما يتأسون به في القضاء، فإذا فاتته سنة بعد صلاة الظهر ربما يقضيها بعد العصر أو نحو ذلك، وتجده يحرص حتى يؤدي السنن كاملة ويحمل معه السواك وإذا نسي لام نفسه، أقول الآن أليس هذا الهدي من سنته، فإن قصرت فراجع واقض، اعمل قضاء، إن لم تكن قد أضحكت زوجتك فأضحكها، إن لم تكن قد غازلتها فغازلها، إن لم تكن قد أسعدتها فأسعدها، إن كنت قد أخطأت في حقها فاعتذر لها، لنعدل البوصلة ونحدد مسار الاتجاه الصحيح، ولن أتكلم اليوم عن الزوجات وواجباتهن فهذا أمر تعرفونه وأنتم فيما أرى أقدر على أخذه بالحسنى وهذا المطلوب، وأحياناً هذا الذي ننكره عليكم وعلى أنفسنا جميعاً معاشر الرجال، لذا أقول وأزيد، إننا في حاجة إلى ترسم لهدي نبوي الكريم العظيم الذي فيه كل المحاسن التي بها تستدام العشرة، وتستمال النفوس، وتستطاب القلوب، ولايصبح هناك مجال لا لشياطين الإنس ولا لشياطين الجن أن يثيروا هذه الضغائن، والمواقف التي تحيل هذه الأسر اليوم إلى مآسٍ نرى بعضها، وإن كان الحمد لله الخير فينا أكثر، لكننا لانريد لقليل من هذا الانحراف أن يعظم، بل نريد له أن يزول، وأن نتعاون وأن نراجع أنفسنا، اليوم أخاطب هنا رجالاً أحسب أن أكثرهم متزوجون ولهم أزواج، كم أتمنى أن يجعلوا على أنفسهم من لحظتهم هذه أن يرجعوا ويصححوا وأن يعلنوا، وهم متبعون لرسول الله عليه الصلاة والسلام، في كل ما ذكرت وفي غيره مما لم أذكره، فلذا ينبغي أن ندرك هذا وأن ندرك أن المحور الأساسي الذي تصح به جوانب حياتنا كلها هو ديننا وإسلامنا، لابد أن نتعلمه، لابد أن ندعوا إليه، لابد أن نتواصى به، لابد أن نقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه الصحيح فيه، لابد أن نأخذ بالموعظة الحسنة، لابد أن نقوم بأمر الدعوة {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (يوسف:108) لابد أن نقيم الإسلام، وهو الذي سيعصمك من كل الأضرار والأخطار النفسية والدنيوية والأخروية أيضاً، لأنه يعصمنا كما قلنا في صلتنا بالله، وفي صلتنا بعباد الله، ولأن لدينا منهجاً في كتاب الله، وقدوة حية في هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا عذر لنا فلا عذر لنا، فلا عذر لنا.

فأسأل الله عزوجل أن يديم الحب والألفة والمودة والرحمة في بيوتنا، وبين الأزواج والزوجات، وبين الآباء والأبناء، والأمهات والبنات، وأن يديم علينا نعمة السكن والسكينة، والمودة والرحمة، وأن يزيل أسباب الشحناء والبغضاء والخصومة وكل أسباب النزاع والشقاق.

نسألك اللهم يا حي ياقيوم أن تجعلنا قائمين بحق أزواجنا وأبنائنا على الوجه الذي يرضيك عنا، اللهم ياحي ياقيوم أصلح أزواجنا ونسائنا وبناتنا وأبناءنا، وأدم علينا بنعمتك ورحمتك يارب العالمين نعمة الإسلام في كل خلق وفي كل سلوك، نسألك اللهم ياحي ياقيوم أن تردنا الى دينك رداً جميلاً وأن تجعلنا بكتابك مستمسكين وبهدي نبيك صلى الله عليه وسلم متبعين.