أين الخلل ؟ (2)
9 الأربعاء 19 / رمضان 9 / 1438
11 نوفمبر, 2009 - 23 ذو القعدة 1430هـ

 

 

 
المقدمة
كان الشق الأول من الحديث يسلط الضوء على الأفراد، وعلى الخلل في النفوس، والممارسات الشخصية، والتفريط في الولايات التي كلف الله - سبحانه وتعالى - بها كل فرد مسلم.
وحديثنا اليوم يتناول دائرة أوسع، سبق أن أشرت إليها في الدرس الماضي، وسيكون هذا الموضوع متضمناً لمقدمة عن الغرض والهدف، الذي ينبغي أن نخرج به من هذا الموضوع، ثم عرض للجوانب الثلاثة، جانب الحكم والسياسة، ثم جانب التربية والتعليم، ثم جانب التوجيه والإعلام، وفي كل جانب من هذه الجوانب سيكون الحديث منقسم إلى قسمين:
القسم الأول: أهمية الجانب ومدى قوته وتأثيره
القسم الثاني:مظاهر وصور الخلل في هذا الجانب
وأقول ابتداء إن الناظر لا تخطئ عينه صور الخلل، والمفارقات الكبيرة، والمباينات الشاسعة بين واقع الأمة ومنهج الإسلام.
فالناظر يرى صور الانحراف كثيرة وعميقة، و متعددة الأمثلة،وبيّنة فيما تبديه من ممارسات ظاهرة أو مستترة، حتى إن الإنسان إذا أمعن في جمع هذه المتفرقات، وأكثر من حشد الأمثلة والصور ظهرت حينئذ ربما صورة مفزعة، تجعل اليأس يدب إلى بعض النفوس، ويفت هذا الأمر في عضدها، ويوهن من عزائمها، والحق أن المسلم ينبغي أن لا يكون كذلك، بل يدفعه ذلك إلى عمل إيجابي بإذن الله عز وجل.
ما أود أن أقوله أن الصورة فيها كثير من البعد عن الواقع الإسلامي المفروض، كما عبر عن ذلك القائل عندما استدعى صور مدن الإسلام وحواضره القديمة؛ ليستنطق تاريخها الذي شهد تطبيق الإسلام والتزامه في صورة شاملة أو على أقل تقدير، هي أفضل بكثير مما انحدرت إليه الأحوال في هذه الأعصر، قال الشاعر:
فسل المدينة كم رأت من مجدنا **** إذا كان فيها للهدى أنصار
واسأل دمشق عن الذي شاهدت **** وبها معاوية الفتى المغوار
وانظر إلى بغداد واسأل ساحها **** أين الرشيد وصحبه الأخيار
وبكوفة سـائل جميع ربوعها **** هل كان للإسلام فيك منار
تجد الجواب لدى الجميع مطابقا **** لم يبق إلا الظل والآثـار
أما الرجال فقد مضوا من يومهم **** وتقلبت ببنيهم الأعصار
ولذلك أيضاً نستحضر حديث أبي الدرداء، عندما دخل على أم الدرداء مغضباً شديد الغضب، وكان سر غضبه أنه رأى تحولاً وتغيراً في حال الأمة، عن الصورة التي كانت عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال: إنه أنكر أكثر الأشياء إلا ما رأى من أمة محمد وحفاظهم على صلاة الجماعة، وقال ابن حجر تعليقاً على هذا الحديث في فتح الباري: " رحم الله أبا الدرداء لو أدرك زماننا " أي كيف لو أدرك زمانه فرأى الهوة السحيقة، والبعد الشاسع، والتغير الجذري والانحدار المخيف المرعب، فيما تردت إليه أحوال الأمة، ابن حجر يقول ذلك وهو في القرن التاسع، فكيف كذلك لو أدرك زماننا؟ حتى إن الإنسان ربما يبحث بالذات عما سنتحدث عنه، فيكاد لا يجد إلا ما ذكر الشاعر من الظلال والآثار، سواء كان في وسائل الإعلام، أو في وسائل التعليم، أو في نظم الحكم، أو في غير ذلك من الصور، حتى قال القائل يرثي حال الأمة:
بلغت أمتي من الذل حدا **** فاق في سوءه جميع الحدود
فلقد أصبحت تجر خطاها **** مثقلات في ذلة ونكود
خلف كل الورى تجر ما قد **** جربوه من طارف وتليد
بعد أن كانت العزيزة صارت **** رمز ذلة وأمة التشريد
عبث الطامعون في كل شبر **** من ثراها حتى كلاب اليهود 
وغدا جندها الأوباش جندا **** للشياطين في كل البنود
بعضهم يتبع النصارى وبعض **** يتبع المنكرون للمعبود
أشرت في الدرس الماضي أن مثل هذه الأحاديث يستعذبها بعض الناس.. تداعب عواطفهم، وتخاطب حماسهم المكبوت، وتستدعي غضبهم المكتوم، ولكنهم لا يراوحون أماكنهم بعد ذلك، فليس هذا الحديث ولا هذا الموضوع لغرض الاستمتاع وإمتاع الخيال بهذه الصور وتلك الأخطاء، وليس هو كذلك للإثارة أو للتهييج وإنما هو لأسباب ثلاثة ولعل هذه الأسباب تجمع كثيراً من الأسباب الفرعية المندرجة تحتها.
سبب الحديث في هذا المواضيع
السبب الأول: التوعية نريد أن يتحقق من هذا الوعي التام والإدراك الكامل، فلا يظن المسلم أن الحق باطل، والباطل حق، ولا يمارس الناس الأخطاء وهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً.
السبب الثاني: التحذير حتى نأخذ بمبدأ الوقاية قبل العلاج، وبمبدأ الحماية للآثار التي تجرها هذه الجوانب، وتدفع بها في وجه الإنسان، وتضغط بها على ممارساته في الحياة.
السبب الثالث: وهو آكدها وأهمها، استشعار المسئولية والقيام بالواجب نحو إصلاح هذه الأحوال 
فإنه لا ينبغي لنا أن نندب حظوظنا، ولا أن نبكي أحوالنا، بل ينبغي لنا أن يستفز ذلك الإيمان الكامل في قلوبنا، ويقوي العزم والإصرار على التشبث بديننا، وأيضاً أن يبين لنا الصورة الواضحة لأعدائنا، ومن يسيرون في فلكهم من العملاء، وأن يوجهنا ذلك كله إلى ضرورة القيام بالدعوة، وحمل رسالة الإسلام، وأن نستدعي وراء ذلك الأسباب التي تهيئ النجاح من صحة المقاصد، ومن لزوم التعاون، وجمع الصفوف، ومن ترتيب الأولويات، وما يلحق بذلك من حشد الإمكانات والطاقات؛ لأن معركة الحق والباطل معركة عميقة في الجذور، متعددة في الصور، ممتدة في الزمان، لا يمكن أن تتغير بصورة سريعة.
ولذلك من جميل القول وبديع التعبير ما عبر عنه أبو الحسن الندوي، فيما يتعلق بمسائل التغيير الجذري الذي يقع بتدرج بدون أن يشعر به الإنسان، يقول: " هناك أمران لا يحدد لهما وقت بدقة: النوم في حياة الفرد، والانحطاط في حياة الأمة فلا يشعر بهما إلا غلبا واستويا " لا يمكن أن تحدد اللحظة التي نمت فيها بالدقيقة والثانية، لكنك تراوح بين إجهاد وترنح، وبين نعاس وغفوة، ثم إذا استوى النوم وتمكّن، حينئذ يقال: إنك نمت، وكذلك أمر الانحطاط تبدأ معالم من هنا، وتبدأ صور من هناك، وتحدث ثقوب هنا وأخرى هناك، لا يشعر بها الإنسان، ثم بعد لحظات من الزمن يقول: قد حصل هنا أمر، وتغيير تسرب شيئاً فشيئاً، وتسلل إلى العقول والأفكار، وتشربته النفوس والقلوب، ثم أصبح بعد ذلك أمراً واقعاً في التطبيق سواء رضي به الناس أو اغتروا به، وظنوه صحيحاً، أو رفضوه فإن رفضهم في حقيقة الأمر ابتداء لا يغير من الواقع شيئاً.

الحكم والسياسة
أهمية الحكم والسياسة
أولاً: السلطة التنفيذية تحت تصرفه
فهو يصدر قرارات للتنفيذ، وليس توصيات للدراسة، فرق كبير بين مؤتمرات تقام وبحوث تقدّم، وآراء تناقش، ثم توصيات ربما أحياناً لا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به، أو الأوراق التي طبعت عليها، لذلك عدِّد ما شئت من الآراء، والأفكار، والمقترحات كلها لا تساوي قراراً له فاعلية التنفيذ والظهور على ساحة الواقع، فأبرز مجالات الأهمية والخطورة في الجانب السياسي، أنه يملك السلطة التنفيذية التي تنقل آراءه وأفكاره إلى الواقع نقلاً واضحاً.
ثانياً:تملك المقدرات الأساسية للأمة
فهو الذي يستطيع أن يجمع المعلومات، وأن يعرف الثروات، وأن يجمع الطاقات؛ لأن بيده - كما أشرت - من قبل مقاليد السلطة، ولذلك المقدرات الأساسية التي يقع بها التنفيذ والتغيير، هي أيضاً واقعة تحت هيمنة هذا الجانب.
ثالثاً: وضع السياسات ورسم الخارطة لكل جوانب الحياة المعاصرة
فهو يضع سياسة الإعلام، ويضع سياسة التعليم، ويضع أسس الاقتصاد، وبالتالي فهو إلى حد كبير تظهر بصماته في كل جوانب الحياة، ظهوراً واضحاً أو قاهراً كما أشرت من قبل.
رابعاً: اختيار الساسة والقادة للمؤسسات العامة
هو الذي يختار المنفذين، سواء أكانوا أفراداً، أم كانوا هيئات أو إدارات معينة تسير وفق السياسة العامة، والهوى المطلوب الذي يكون لهذا الحاكم ولتلك السياسة، وبالتالي يجد الناس أنفسهم محاصرون بعصابة تحكم القبضة عليهم، وليست ظاهرة في فرد أو أفراد محدودين، بل هي ظاهرة في عدد من الأفراد، وعدد من المؤسسات، تمارس الأدوار بشكل تلقائي واستمراري، وفي كل ناحية من نواحي الحياة.
ونعلم جميعاً أن هذا الدين قائم على مبدأ: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم}، فهذا الإسلام وهذا الدين قائم على أن الحكم فيه، والسياسة فيه مؤسسة ومنبثقة من هذا الدين، لا تخرج عنه، بل تخضع له، ولا تخالفه بل توافقه وتتابعه، ولذلك كل مظاهر الحياة، وأنظمة المجتمعات لا بد أن يحكمها الإسلام، وأن تظهر عليها صبغته.. {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون}، وقال جل وعلا: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} ولذلك أيضاً لا إقرار لمبدأ، لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة، ولا لمبدأ: دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، بل ينبغي أن نعلم أن النظام السياسي في كل مجتمع كالقلب للجسد، إن صلح كان ذلك بداية صلاح الجسد كله، وإن فسد فالغالب هو بداية لفساد يشيع، ويعمّ، وينتشر.

مظاهر الخلل في جانب الحكم والسياسة
المظهر الأول: إلغاء الخلافة الإسلامية 
ويتبع ذلك فقدان الوحدة للأمة المسلمة، إن أهم أسباب الضعف والخور والخلل هو أن هذه الأمة التي يخاطبها الله - عز وجل - بقوله: {وأن هذه أمتكم أمة واحدة} صارت أمماً عديدة وسيأتي ذكر بعض المظاهر التي تجعل هذه الأمم العديدة في كل أمة منها أقسام كثيرة وفرق دخيلة، حتى أصبحت الدائرة ضيقة، وكما قال القائل:
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا **** إذا افترقن تكسرت آحادا
وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، فإذا تجزأت سهل التهامها، وافتراسها، واحتلالها، واغتصابها، كما وقع لهذه الأمة، عندما وهت عروة رابطتها، وانحل عقد خلافتها، عندئذ تمزقت، وكان هذا أول خلل، وأول معولٍ هدم في بنيان الأمة، من عام 1343 هـ والموافق عام 1924م، وحتى يومنا هذا ما تزال الأمة تجتر الآثار المريرة، لذلك الحدث الخطير الذي دأب أعداء الله عز وجل، دهراً طويلاً وبذلوا جهوداً ضخمة وتآمروا مؤامرات عديدة، حتى وصلوا لهذه النتيجة التي هي بالنسبة لهم أعظم النتائج.
المظهر الثاني: تنحية الحكم بالشرع وإقرار القوانين الوضعية 
لما وهت الخلافة ودخل الاستعمارـ أو الاستخراب على التسمية الحقيقية ـ وتم إلغاء الخلافة، وكان على إثر ذلك مجئ الأحكام الوضعية، مستقدمة من فرنسا ومن إنجلترا إلى غير ذلك، وحكمت الأمة ولا تزال في معظم ديارها ما تزال تحكم بغير شرع الله عز وجل، وبالتالي هذه في حد ذاتها، تكاد تنسخ وتلغي كثير من مصداقية وصف الإسلامية على كثير من الدول، ولذلك انحصرت الأحكام في دوائر محدودة - كما يسمونها دائرة الأحوال الشخصية - وحتى هذه الدائرة أيضاً تم الاجتزاء منها، حتى لم يبق من تحكيم الشرع إلا أقل القليل الذي يعتبر صورة ظاهرية أكثر منه حقيقة واقعية.
ولذلك نجد أن الإعلام والتعليم والاقتصاد وغير ذلك من أمور الحياة المهمة، لم تعد خاضعة لشرع الله - عز وجل - ولا محتكمة إليه، وظلت دوائر معينة أوقاف أو وزارات للأوقاف، وبعض المحاكم وبعض البرامج الدينية، هي التي تمثل الغلالة الرقيقة من الإسلام تستر بها كثير من الأنظمة عورتها اللإسلامية، وهذه لا شك أنها تفرَّع عنها بلاء مستطير، وشر خطير، هي ما أفرزته بعد ذلك من الصور التي يأتي ذكرها حتى في الجوانب الأخرى.
المظهر الثالث:اعتماد النظم الديكتاتورية على غرار المنهجية الفرعونية
التي يتسلط فيها الفرد على الأمة، وهو من أخطر هذه الجوانب والمظاهر، والتي تختزل فيها عقول الملايين، في عقل واحد، وأبصار الملايين في عينين اثنتين، وألسنتهم كلها في لسان ناطق جمعت له زوراً وبهتاناً كل أسباب العظمة والذكاء والفطنة، على غرار ما قال الله - عز وجل - على لسان فرعون: {ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} ومارست هذه النظم إلصاق كل نقيصة وكل رذيلة بكل مسلم شريف، وبكل مسلم ملتزم، على غرار منهج فرعون أيضاً، لما قال الله - عز وجل - على لسانه في شأن موسى: {إني أخاف أن يبدّل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد} فصار المصلحون مفسدين، وانعكس الحال رأساً على عقب، ومارس الفرد الذي تسلط على مقدرات الأمة وشعوبها، عندما ضعف الإيمان في قلوبهم، وذهبت الغيرة من نفوسهم، وماتت العزة في دمائهم، وكما يقول صاحب الظلال: " ما يكون ذلك في أمة رشيدة قط وما يكون ذلك في أمة عزيزة قط ". و ما يكون لفرد أن يتحكم في أمة، ولكنها الأعناق مدت له فجر والظهور حنيت له فركب، ولو كانت الأعناق شامخة، والأجساد منتصبة، ومقولة الحق تجد طريقها من قلوب شجاعة، وأقدام ثابتة، لما حصل ذلك التردي في الأمة حتى صار كما هو حال كثير من ديار الإسلام، فرد يميلها يميناً ويساراً، ويتلاعب بها حسب هواه، ونزواته، وحسب مصالحه الشخصية والفردية، ولذلك هذه الصورة هي التي دمرت كثيراً من مقومات الحياة، والقوة في الأمة المسلمة.
المظهر الرابع: التبعية لأعداء الإسلام في أنظمة الحكم وممارسات السياسة
ومن لطيف القول ما أشار إليه بعضهم في الشروط الصحيحة للخلافة الإسلامية، يذكر أهل العلم منها الحرية، بمعنى أنه لا يصح للعبد ولاية الإمامة العظمى في حياة الأمة، وحينئذ تطرق بعض المعاصرين إلى معنى الحرية من حيث الناحية الحقيقية أو المعنوية، أو هل المقصود بالعبودية أن يكون عبداً رقيقاً، أو أن يكون فاقداً لاختياره ليس له من أمره شيء ولا حول ولا طول.
ولذلك كرّس أولئك الذين تسنّموا مقاليد الحكم - ولا يزالون في كثير من ديار الإسلام - تبعية الأمة في سياساتها، وفي حكمها، وفي نظمها، وفي طريقة حياتها للأعداء، ومن هذه الصور التي تؤكد هذا هو التفريط في مقدرات وطاقات الأمة، وتقديمها على أطباق من ذهب لأعداء الأمة، فتعطى لهم الامتيازات، وتمنح لهم المخصصات، وتفتح لهم الأبواب، ويقيمون الشركات، ويستثمرون الطاقات.. إلى غير ذلك من الصور، ثم تأسيس بناء العلاقات مع الدول، بناء على رضى أولئك الأسياد.
ولذلك نرى - حتى هذه اللحظات - أن الدول الإسلامية تنتظر لتعترف بدولة، أو لتقول رأياً في مسألة، أو تتخذ قراراً في تصويت تنتظر الأسياد الكبار التي تتبع لهم من شرق الأرض أو من غربها، أو القوة العظمى - كما يقولون -الآن أمريكا، وتتوقف كل مناشط الحياة حتى تنتهي انتخابات أمريكا، أو تتوقف كل القرارات حتى تصدر قرارات البيت الأبيض ونحو ذلك، هذه التبعية ما كانت إلا نتيجة لتلك التفرقة بعد إلغاء الخلافة، و الحكم بغير ما أنزل الله، ثم تلك الفردية والدكتاتورية كرسّت بعد ذلك هذه التبعية في حياة الأمة المسلمة رغم شعوبها وأبنائها.
المظهر الخامس: المحاربة السرية والعلنية للإسلام
من المفارقات المبكية الدامية أن الإسلام يضرب بأيدي أبنائه أو المنتسبين إليه، وأن الحكومات الإسلامية إذا صح هذا الإطلاق هي التي تقوم نيابة عن الأعداء، وبالأصالة والوكالة والنيابة عن اليهود والنصارى بمقاومة الإسلام، وإعلان الحرب عليه بكل صورة من الصور، ولا أظن المسلم الواعي يحتاج إلى أدلة؛ فإنه إذا أراد دليلاً سيفاجأ بأن أمامه مئات من الأدلة، وليس العشرات منها، ففي الوقت التي تحكم فيه محاكم غربية أجنبية نصرانية فتاة مسلمة بأمر الحجاب، وأن لها الحق في ذلك، وأن هذا حرية شخصية، تأتي زعامات إسلامية تدَّعي الإسلام، تخالف أيضاً أحكام أسيادها، وتقول هذا غير صحيح، وهذا ليس من الإسلام في شيء ونحو ذلك، وتمارس هي الضغط المباشر لتغيير الواقع.
ثم الصورة الواضحة في توجيه الضربات العنيفة، والقاصمة، والمتتابعة للحركات الإسلامية، والأعمال الإسلامية بصور شرسة، لسنا نحن الذين نقولها، بل تقولها الأجهزة الغربية؛ كمنظمات حقوق الإنسان، والمنظمات الدولية، والتي بات كثيراً منها يجأر بالشكوى، ويعد التقارير إثر التقارير كما سبقت الإشارة، ويعلم كثير منكم عن التقرير المطوّل عن حقوق الإنسان في تونس، وتقرير إحدى الهيئات الأمريكية عن انتهاك حقوق الإنسان في مصر، وكثيرة هي الدول الإسلامية التي تعاني من ذلك من خلال هذه الممارسات. وأضف إلى ذلك الحرب السافرة على كل مظهر إسلامي، حتى المظاهر التي هي أبسط المظاهر مثل الحجاب، والسواك، أو لبس الثوب بدل من البنطال، أو حتى الشريط الإسلامي، وقد أشرنا إلى شيء من ذلك في درس هجوم الصحافة، أو المجلة الإسلامية، أو المقالة، وتأتي المصادرة والملاحقة بكل إمكانيات تلك الدول والأنظمة.
وحتى الحرب على أشخاص الدعاة أنفسهم بالتضييق عليهم في أرزاقهم، بتشويه سمعتهم، بإثارة الشبهات في أعراضهم ونحو ذلك من الأمور، حتى كأن همَّ هذه الأنظمة يتعلق بهؤلاء الأفراد، وبتلك المظاهر، ونسوا حال الأمة واقتصادها المتهالك، وهزائمها العسكرية المتتابعة، وتردّيها، وتخلفها العلمي والتقني، وانتهت كل المشكلات ولم تبق إلا مشكلة واحدة، تقوم بحلها الأنظمة في كثير من الدول الإسلامية، هي تصفية الإسلام والإسلاميين كما يقولون، خسروا وخابوا {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين}.
حتى في فلسطين التي يحكمها اليهود يتولى أيضاً الممثل الشرعي الوحيد – كما يزعمون – للفلسطينيين مهمة القيام بضرب الصحوة الإسلامية، والانتفاضة المباركة بالنيابة عن اليهود، يعني ليس في فلسطين حكومة عربية، أو إسلامية الممثل الشرعي الوحيد حركة فتح تقوم - كما نسمع في الأخبار - بدور الحكومة الداخلية في قمع الحركة الإسلامية الجهادية، وفي مناوئة الانتفاضة التي أقضت مضاجع اليهود.
المظهر السادس: إثارة القوميات والنعرات الجاهلية لتمزيق الأمة الإسلامية
وهذه صناعة من صناعات الساسة، ومن ألاعيب أنظمة الحكم، فما من بلد إسلامي إلا ونسمع فيه مشكلة أقلية، ومشكلة عرقية، ومشكلة مذهبية، مع أن عوامل الوحدة في الأمة الإسلامية تتوافر بما لا يكون في غيرها أبداً، ولكن سياسة " فرّق تسد "، التي أيضاً بنى عليها فرعون طغيانه وجبروته.. لما ذكر الله في شأنه ووصفه، أنه جعل أهلها شيعاً، أي جعل الأمة الواحدة شيعا؛ حتى يستطيع أن ينفرد بكل فرقة على حدة، لتوافقه أو ليعاقبها، فهذه النـعرات أيضاً سياسة مدروسة، وممارسة مشاهدة في أغلب ديار الإسلام والمسلمين، يمارسها أولئك الحكام، وتلك الأنظمة.
المظهر السابع: المسيرة الاستسلامية مع اليهود
التي تكشفت اليوم وقائعها، ولم تعد بخافية على أحد،بداية من كامب ديفيد، وانتهاءً بأوسلو، ومروراً بمدريد، ظهرت الأوراق، وتكشّفت الحقائق التي بيَّنت أن الأمر مخطط قبل أن يدخل اليهود إلى فلسطين، وأن هناك من الزعامات، والقيادات العربية أو الإسلامية من كان ضالعاً في تلك المؤامرات قبل أو بعد أو إلى مالا نهاية، وكلما تشدد اليهود تنازل حكام الدول الإسلامية عن مقوماتها، ومطالبها، وقوتها، وكما سبق أن طال الحديث عن " اللاءات " التي تحولت إلى عدد كبير من " نعم "، حتى " نعم " صارت هي النغم، هذه أيضاً من أكثر الممارسات التي بثت في الأمة فكر اليهود، وانحلالهم، وتفريقهم، وعبثهم بالمقدرات، ولعبهم بالاقتصاد، وغير ذلك مما جرت آثاره من التطبيع الذي له أكبر وأبرز الآثار في تفريغ الأمة من كل مقوماتها.
المظهر الثامن: ترسيخ أسس الفساد الإداري والاجتماعي 
وذلك من خلال صور كثيرة، أبرزها انعدام العدل، وانتشار الواسطة، والمحسوبية، والترفيع، والإعلاء، والتنزيل بحسب الهوى، وبحسب اعتبارات أخرى، مما جعل أغلب دول العالم الإسلامي، تعاني من الفساد الإداري والاجتماعي، وتحلل المبادئ والقيم، حتى إن الناس صاروا يمتدحون - مثلاً - في الغرب أن الذي يعمل يجد منزلته، بينما في ديار الإسلام الذي يعمل ويخلص لا يجد له مكاناً، بل ويضرب على أم رأسه، وكذلك هناك التزام بالمواعيد، وهناك التزام بالإنتاج، وهنا على عكس ذلك، هناك أنظمة محكمة، وقوانين منضبطة، و هنا تسيّب وفوضى، كل ذلك مبدأه من القمة التي تصدر الأدواء والأمراض في عموم قاعدة المجتمعات الإسلامية.
المظهر التاسع: إيجاد أسباب الصراع والانفجار في المجتمعات الإسلامية
إيجاد أسباب الصراع من خلال كبت الحريات، ووجود المفارقات التي لا تبلغها العقول، ولا ترضاها النفوس، ويحصل هناك هذا التحول نحو الشعور بالظلم والقهر، وكذلك التزوير والمصادرة في الانتخابات في أغلب الدول الإسلامية، نجد القصص المضحكة والديموقراطيات، وصور الحرية المتاحة، وأكثر ما في هذه الحرية وجوداً، هو أنه يسمح لك أن تتكلم، أو أن تكتب، لكن لا يقع في الواقع مما تقول وتكتب شيئا أبداً، فيكون من باب تنفيس الهموم، من غير تأثير في الواقع.
المظهر العاشر: الحرص الشديد على التستر بالدين
وهذا يكاد يكون في الفترة الأخيرة معلماً بارزاً في توجهات أكثر الدول الإسلامية، ففي فترة مضت في غيبة الوعي، والصحوة الإسلامية، والقوة الإسلامية في نفوس وقلوب الناس، كان من الممكن أن يعلنوا الكفر الصراح، والحرب السافرة، واليوم لأن الناس في غالبهم صاروا ينادون بالإسلام، ويطالبون بتطبيق الشريعة، ويرفضون كل مخالفة شرعية، فلا بد أن تقدم هذه الأمور، أو أن تغلّف بغلاف، ولكن المضمون واحد من حيث السخرية والتهكم، كما يكتب على أنواع الأسماك المستوردة " مذبوح على الطريقة الإسلامية "، كل شيء لا بد أن يكون له ملصق بأنه صدر عن حكم إسلامي أو من منطلق الإسلام، ورأينا اليوم من لم يكن له معرفة بالفرق بين الآية والحديث يتكلم باسم الإسلام؛ لأن هذا الأمر أصبح أحد أسباب صمامات الأمان، التي ينبغي الأخذ بها، والاحتياط لها، ولذلك هذه الجوانب كلها أفرزت وكرّست كثيراً من الصور الخطيرة في حياة الأمة المسلمة.
التربية والتعليم
أهميته وخطورته 
أولاً: شمول التعليم من الصغر إلى الكبر وانتظام الأجيال القادمة تحت مناهج ومؤسسات التعليم
فإن التعليم أصبح اليوم ضرورة، ولم يعد هناك في غالب الأحوال والمجتمعات مكان لغير المتعلمين، وأصبح الناس يحرصون على تعليم أبنائهم أكثر من حرصهم على لقمة العيش، أو السكن المرفّه أو نحو ذلك، وربما يقتر على نفسه، وعلى أسرته في مقابل أن يوفر المال ليعلم ابنه، فهو يسلّم ابنه لهذا التعليم ومناهجه، وبالتالي فمن أهم مكامن خطورته أنه يشمل الجيل القادم إلى حد كبير باستيعاب شبه كامل.
ثانياً: التأثير الفكري والعلمي 
نعلم أن التعليم بالتعلّم، والحلم بالتحلّم، عندما تعلّم الإنسان، وتركز فيه منهجاً؛ فإن ذلك يصبغ الفرد بصبغة المنهج الذي تعلمه، ولذلك لما جاءت الهجمة الشيوعية على ديار الإسلام صبغت المناهج بالفكر الشيوعي الأحمر.
ثالثاً: أن العملية التعليمية تتميز بالتركيز والتفاعل
فالعلم ليس مقالة تريد أن تقرأها أو كتاب تستمع به، بل هو منهج مقرر، يعاد ويكرر، ثم يعرض بصورة متفاعلة، يلقيه مدرس يسعى أن يقنعك به، ويعيد لك القول مرة بعد أخرى حتى تفهمه، فهو يلقنك وإن شئت قلت: يرغمك، وأحياناً يطعّمك بتلك الأفكار والمبادئ، فليست قضية عابرة، فضلاً عن أن هذا التركيز يشمل صوراً من منهج محدد، واختبارات وتأكد من الاستيعاب وحوافز للمتفوقين، فهي عملية بنائية، ترسيخية، مركّزة، مبنية على تفاعل وليست على اختيار، ولذلك تكمن خطورتها في تلك الجوانب.
مظاهر الخلل في التربية والتعليم
المظهر الأول: الفصام النكد بين التعليم الديني واللاديني
مع بدايات القرن المعاصر ظهر ما يسمى بالتعليم الديني والتعليم المدني، ولحق ذلك التفرقة بين الخريجين، فالذي يتخرج من التعليم المدني يأخذ الوظائف والمناصب، والذي يتخرج من التعليم الديني يبقى من المساكين والدراويش الذين يراوحون مكانهم، وينتظرون فتات الرزق من موائد المتسلطين، ثم أيضاً احتقار المدرس الذي يدرس المواد الدينية، و من تلك المعالم أيضاً ظهور الفكر العلماني كشعار سياسي، وتعليمي، وإعلامي، واجتماعي، واقتصادي، فالعلمنة ليست تنحية الدين عن السياسة، بل هي تنحية الدين عن الحياة كلها.
المظهر الثاني: هامشية التعليم الديني الموجود 
ورغم فصل التعليم الديني؛ فإنه تعرض لكثير من التهميش، من ذلك قلة الحصص ووضعها.. فحصة الدين تأتي في آخر الحصص، أو في آخر الدوام، مع كونها قليلة، وأكثر الدول الإسلامية يوجد فيها- بالذات في المراحل المتقدمة في المدارس- مادة اسمها مادة الدين والتربية الإسلامية، فيها التفسير، والفقه، والحديث، والعقيدة، وكل شيء، ومع ذلك تتواضع صفحاتها، وتكبر حروفها، إلى غير ذلك من التهميش الواضح للتعليم الديني.
المظهر الثالث:عدم إدخالها في نسبة النجاح للشهادة
حيث لا تأثير لها في النسبة، فعندما تعطى له النسبة التي يدخل بها إلى الجامعة أو ينال بها مرتبة الشرف، يخرجون المواد الدينية والإسلامية فلا تخرج في الشهادة، ولا تحسب في النسبة، مطلوب منه فقط فيها النجاح، وإذا أخفق في المواد الدينية، وهو متفوق في غيرها، فلا بد أن ينجح في الدينية؛ لأنه قد تفوّق في غيرها.
المظهر الرابع: تدني علامة النجاح
فعلامة النجاح في المواد العلمية عالية، أما علامة النجاح في المواد الدينية فتكون أقل، ففي بعض الدول تكون علامة النجاح ثلاثين - يعني يكفي ثلاثين درجة من مئة لينجح - وفي بعضها أربعين وأكثرها خمسين مساواة مع غيرها من المواد.
المظهر الخامس: التفريغ من الهوية الإسلامية
ويظهر هذا في المواد الإسلامية وغير الإسلامية، فلا يوجد ربط بين المواد التي تدرس، خاصة المواد العلمية، و المنهج الإسلامي، حتى قال أحد الباحثين من المتخصصين بعبارة جميلة تلخص هذا المعنى: " فالسؤال الذي يبدو لي منحصراً هو إلى أي مدى ترتبط مناهجنا في التعليم وطريقة تدريس هذه المناهج بتصورنا عن فلسفة الكون وطبيعة الحياة؟ ذلك التصور المستمد من إيماننا بالله، و بعبارة أخرى هل هذه المناهج وفي طريقة تدريسها في أكثر الجامعات الإسلامية ترتبط بهذا التصور الإيماني؟ "، ثم يجيب فيقول: " لعلي لا أكون مخطئاً إن المرء سيضنيه البحث دون أن يعثر على مثل هذه الصلة، إن العلوم في أكثر الجامعات الإسلامية التي تدرّس وهي مقطوعة الصلة بهذا التصور، ستبحث ولن تجد هذه الصلة، وينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير؛ فإن تلك في جانب وهذه في جانب آخر ".
إن من معالم تضييع الهوية الإسلامية في المناهج التعليمية والسياسات التعليمية، أنها لا توضح حقائق التاريخ الإسلامي، ولا تربط الأمة بتاريخها، فتجد أن كتاب التاريخ المعاصر، تزدحم صفحاته حتى يكاد الجلد أن يخرج منها، وكما أشرت مرة في تغيير المناهج أن حظ عمر بن الخطاب وتاريخه اختصر إلى سبعة أسطر، وتاريخ عثمان بن عفان اختصر إلى خمسة أسطر في مناهج التاريخ الذي يدرس حالياً في مصر، سبعة أسطر وخمسة أسطر ! بينما إذا جاء التاريخ المعاصر، والقضايا الأخرى تأخذ بعداً عميقاً، ثم التركيز على الإبعاد عن الهوية الإسلامية، فهناك مصر فرعونية، والعراق آشورية، وتركيا طورانية، ومن هذه النسب التي لا يراد لها أن ترتبط بالإسلام، وقريباً في مجلة الوسط تحقيق عريض في مصر عن قضايا منها الهوية، " ما هي هوية المجتمع في مصر؟ " طبعاً قضية العربية والإسلامية كان الأكثر لا بد أن يضعها، لكن كثير من الآراء تركز على الفرعونية والإفريقية، والارتباط بدول البحر المتوسط، أي شيء يريدون أن يربطونا به؟ لو قلنا: هي عربية وإسلامية، يقولون: يوجد شعوب أخرى، ولا تبقى هذه هي الهوية الأساسية التي يدور المحور حولها.
أيضاً من معالم التفريغ التركيز على التغريب أو المذاهب، التي تتبعها السياسات التعليمة، سواء أكانت شيوعية أم رأسمالية، أم غير ذلك.
المظهر السادس: إهمال منارات العلم الإسلامي العريقة
فبحجة تطوير الأزهر تم تفريغه من محتواه في عصور ماضية، وكذلك جامعة الزيتونة في تونس، وتمّ سحب الدراسات الإسلامية، لئلا تكون مخصصة في هذه الجامعات، وجعل أقسام منها في كليات الآداب، وفي أقسام وكليات ليس لها صلة بها؛ حتى تصطبغها ببعض الصبغة، وتبقي منها الظلال، والآثار الباهتة، والضعيفة، ولذلك حتى في آخر الأخبار في الزيتونة، يفرض على الطلاب والطالبات الدارسين في هذه الجامعة الإسلامية ممارسات وأنشطة كما يسمونها رياضية، واحتفالات، لا تمت للإسلام بصلة، حتى يفرضوا على الدارس أن يمارس الخطأ، فيدرس ما هو مكتوب، بعيداً عما هو ممارس في الواقع، إجباراً كما هو مشاهد.
المظهر السابع: سياسيات الابتعاث التي تهدف إلى تكريس هذا الجانب.
المظهر الثامن: انتشار المدارس والمناهج الأجنبية
وتكاد المدارس الراقية والمحترمة والمعترف بها، تكون أجنبية في كثير من البلاد الإسلامية، فتلك جامعة أمريكية، وتلك مدرسة فرنسية، لتمارس هذه الجامعات دورها بمنهج واضح، إنها ليست إسلامية أبداً لا تتستر حتى بشيء من تلك الأستار الضعيفة أو الواهية، وهذا كله باسم السفارات، وباسم لقاء الحضارات، بينما البلاد الغربية المتمسكة بهويتها لا ترضى بذلك، وتحارب هذا، والمدارس العربية والإسلامية في أكثر الدول الأوروبية ليس معترفاً بها بالصورة التي يعترف بمدارسهم عندنا، بل بعض المدارس ما تزال تلاحق أو تعاني من القوانين الموجودة في تلك الدول التي لا تسمح لها بأن تكون ذات مناهج تعليمية متكاملة، وشهادات معترف بها ونحو ذلك، والمناهج الأجنبية، واللغات الأجنبية، والتدريس بها، فعندما تدرّس اللغة الإنجليزية حتى تأتي بالمنهج الجيد في اللغة الإنجليزية، لا بد أن يكون المدرس إنجليزياً، والمؤلف شخص إنجليزي، وتجد الطلاب مسلمين وعرب، فلماذا لا يؤلف منهج يراعي هذا الجانب؟ وتجد أن المناهج - حتى التي تدرس هنا في جامعاتنا - فيها مواضيع وقصص لا تراعي الأمور الشرعية، فمثلاً مادة الأدب الإنجليزي فيها قصص تذكر شرب الخمور، والقبل، وغير ذلك من المخالفات الشرعية والمحرمات؛ لأن الكاتب يذكر قصة قومه، وأحوال مجتمعه، وحتى نتعلم اللغة الإنجليزية لا بد أن نتعلم المفاسد النصرانية والغربية، بينما يغضب منك الياباني عندما تكلمه بالإنكليزية، بل ربما يضربك، ويبطش بك، و يعرض عنك، كما حدثني كثير ممن زاروا تلك الديار، سواء في اليابان أو في الصين، وهو لا يقبل أن يتكلم بغير لغته، الألمان لا يدرسون في جامعاتهم إلا باللغة الألمانية، اليابانيون والصينيون الذين لغتهم أعقد لغة في العالم؛ لأنه ليس لها حروف، ليس هناك حرف وحرف وتجمع بعد ذلك الكلمات، كل كلمة لها رسمة، فبعدد الكلمات تحفظ الرسومات، ويموت الكبير وهو لا يعرف كل مفردات لغة قومه، ومع ذلك لا يدرسون إلا بلغتهم، وإذا أخذوا هذه اللغات يدرسونها كمادة لغوية في المخاطبة، وبالقدر المحدد، وأغلب الدول الإسلامية تدرس باللغة الإنجليزية، وباللغة الفرنسية، حتى إذا تكلم الطالب من هؤلاء باللغة العربية تشك في عروبته، ويذكرك باللهجة التي طغت علينا الآن مع كثرة السائقين والخدم، وصارت مفرداتنا أكثر عجمة من العجم.
المظهر التاسع:اختلاط الجنسين 
في أكثر الدول الإسلامية يذهب الزائر إلى الجامعة، فلا يعرف هل هو في مؤسسة علمية أم في معرض أزياء؟ أو في ملهى ليلي أو في حديقة لتبادل الحب والغرام، وضياع التعليم وضياع الأخلاق في الوقت نفسه؟ وأخيراً تمنع الجامعة من تدخل متحجبة، أو متنقبة من باب أولى، لماذا؟ لأن هذا الحجاب سوف يضغط على عقلها فلا تفهم المحاضرات والدروس، فينبغي أن تتخلى عنه !.
المظهر العاشر: العبث بالدراسات اللغوية وإخراجها من حضانة الدين 
يقولون لك: في لغة الأدب والشعر ينبغي أن لا يحكم بالإسلام من ناحية التحليل والتحريم، وهذه أذواق وعواطف وإبداعات، وكما قال زعيمهم الأول " طه حسين " وهو ممن بدءوا هذه المسيرة يقول: " فالذين يزعمون أننا نتعلم العربية ونعلمها لأنها لغة الدين فحسب، ثم يرتبون على ذلك ما يرتبون من النتائج العلمية والعملية، إنما يخادعون الناس، وليس ينبغي أن تقوم حياة الأمم على الخداع؛ فإن اللغة العربية ليست ملكاً لرجال الدين يؤمنون وحدهم بها، ويقومون وحدهم من دونها، ويتصرفون وحدهم فيها " يريد أن يدخل هو في الدفاع عن اللغة العربية وتبنيها، ثم يقول:" لكنها - أي اللغة - ملكٌ لجميع الذين يتكلمون بها، من الأمم، والأجيال، وكل فرد من هؤلاء حر في أن يتصرف في هذه اللغة تصرف المالك، متى استوفى الشروط التي تبيح له هذا التصرف "، وطبعاً هذه الشروط تسير وفق الأهواء فيتصرف في اللغة كأنه مالكها، وبالتالي يبث فيها سمومه، ويضعف مقوماتها، ونحن نعرف أن اللغة هي الوعاء الذي جاء فيه هذا الدين بكتاب الله - سبحانه وتعالى - وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ومن هنا طبعاً جاءتنا الدعوة إلى العامية، وجاءتنا مناهج الحداثة الكفرية، وجاءتنا أيضاً الإباحية التي سماها بعض الأدباء عبيد الأدب[نظرية الأدب للأدب] وَ [النظرة الفنية الأدبية]، بغض النظر عن أي قيمة أخلاقية أو معنى إسلامي، وكذلك جاءنا الشعر الحر، ثم أيضاً الأدب الشعبي، وغير ذلك من مظاهر العدوان على اللغة العربية.
المظهر الحادي عشر: تدريس التعليم المحرم شرعاً وإهدار الطاقات فيه
فعندنا كليات للقانون والقوانين الوضعية وأقسام لها، وفي البلاد الإسلامية وهناك المعاهد العليا للموسيقى، وكليات الفنون الجميلة التي تدرس النحت والتماثيل، وكأننا قد ملئنا البلاد بعلماء الفلك والذرة؛ حتى نحتاج إلى تعليم الفنون الجميلة كالرقص الشرقي وغيره، وقد سبق أن ذكرنا في درس المجلات أن إحداهن قالت لماذا نكرّس علماء للذرة، وأبحاث للذرة، مما يهدد أمن العالم وسلامه، يكفي أن نبني مدارس لتعليم الباليه، والرقص الشرعي؛ حتى نتطور ونرقى.. إلى آخر ما يكرّس، وتهدر فيه الطاقات، والأموال، والمتخصصين، وحملة شهادات عليا، ودكتوراة في هذه الأمور السخيفة.
المظهر الثاني عشر: عقم العملية التعليمية
يغلب على الأنظمة التعليمية في البلاد الإسلامية الاهتمام بالكم دون الكيف، فهم يخرجّون أعداداً هائلة ممن لا يفقهون مما تعلموا شيئاً، بل ربما لا يعرفون مما تعلموا إلا العناوين، أيضاً بين العملية التعليمية، والمسائل الروتينية فالمدرس يعلّم، وعليه أن يقسّم الدرجات بين ثلاث وأربع، وأسئلة شفهية، وعنده توجيه، وعنده تصحيح، وعنده بعض الأمور، وأشياء شكلية كثيرة، يعرف هو أنها شكلية، ويعرف من يراقبه أنها شكلية، ويعرف من وضعها أنها شكلية، ومع ذلك هي أساسية، ولها الأولوية، وكل ذلك على حساب العملية التعليمية، أيضاً بين الجانب النظري والعملي أغلب الدراسات نظرية، أما المعامل والبحوث والتطبيقات العملية فدائرتها أضيق ما تكون بين الثبات والأنظمة المتجددة.
أكثر التغييرات في النظم التعليمية في العالم الإسلامي، فكل يوم يخترعون نظاماً جديداً، وطريقة جديدة، وكذلك بين المؤهلات والواسطات التي ذكرناها، فالذي يتفوّق ويتخرج بأعلى الدرجات لا يحظى بالفرصة لكي يدرس ويتخصص، ويأتي غيره ممن له طرق أخرى فيصل، وكذلك بين الانطواء النظري، والانفتاح العملي معلوم أن الجامعات في كثير من ديار العالم، أنها هي التي تحل مشكلات الاقتصاد، وتقدّم التقنية، وتطوّر المصانع، أما الجامعات عندنا في غالب الأحوال تقدم كتباً تحفظ، ثم يستفرغها الطلاب على صفحات الورق، وآخر الظواهر ما تردده وسائل الإعلام الغربية من ضرورة تغيير المناهج في البلاد الإسلامية؛ للقضاء على جذور الإرهاب، وهو ما يسمى بـ " سياسة تجفيف المنابع " وقد بدأت بعض الدول الإسلامية بحذف بعض الموضوعات المتعلقة بالجهاد، والعلاقة مع اليهود، تنفيذاً لهذه السياسة.
التوجيه والإعلام
أهميته وخطورته
أولاً: اتساع دائرة التعامل 
فالخطاب الإعلامي موجه للمجتمع بكل فئاته المتعلم وغير المتعلمة ويصل لجميع أفراد المجتمع.
ثانياً: تعدد الوسائل في القديم 
كان هناك عندك كتاب، وجواب، وبحث، أما الآن فصحيفة، وإذاعة، وتلفزيون، وبث مباشر، وفيديو، وإنترنت.
ثالثاً: عمق وقوة التأثير 
لأن هذا المعلم يبقى معك فترة، ويتفاعل معك، ويأتيك المشهد الذي يغيّر تغييراً قوياً في العواطف والأفكار.
رابعاً: امتداد زمن التأثير 
المدرسة أربع ساعات، أو ست ساعات، أما هنا فمن وقت الإشراق إلى وقت الغروب.. إلى أن يدلهم الليل، موجات الأثير تحمل لك كل شيء من هذه المواد الإعلامية.
خامساً: اتساع رقعة التأثير
فالتعليم في القرى النائية تجد هناك مدرسة واحدة، ابتدائية، وإذا كبرت فمعها متوسطة، وإذا اتسعت فثانوية، أما الجامعات فقليلة، أما الإعلام فكل قرية فيها إذاعة وفيها تلفزيون وفيها قنوات؛ لأن هذه القنوات تعبر القارات بدون تعب، ولا تحتاج إلى مبان، ولا تحتاج إلى مدرسين، ويتكلم المذيع من مكانه ويسمع شرق الأرض وغربها.
مظاهر الخلل في الإعلام
المظهر الأول: التناقض وتكريس الخصام
فهناك برنامج ديني يقول: التبرج حرام، ثم تأتي بعده تمثيلية فيها التبرج بأجلى صوره وأوضحها ! وهناك برنامج طبي يحذر من التدخين وآثاره، ثم يأتي الفيلم الذي يكاد أن يخرج الدخان فيه من شاشة التلفاز من كثرة ما يرى أحياناً من كثرة المدخنين !
أيضاً إدارة للبرامج الدينية في كل دائرة تلفزيونيه، وتقدم هذه الإدارة البرامج بعيدة من كل شيء، صفحة إسلامية في كل مجلة وجريدة، ليبقى هناك إسلام، وهناك شيء لا علاقة له بالإسلام؛ حتى المجلات التي ليس لها - كما يقولون - في الإسلام نصيب لا من قريب ولا من بعيد، لا بد لها من صفحة في ظلال الإسلام، أو صفحة فتاوى، أو صفحة الدين، كل ذلك لإيجاد هذا التناقض في حس الناس وفي واقع الحياة.
المظهر الثاني: تهوين المحرمات وتبريرها
فتمارس المحرمات عبر وسائل الإعلام بصورة تلقائية، وتشرب الخمور، وتمارس الفواحش، وتظهر القبلات، ويظهر التبرج، ويظهر على أنه أمر عادي، بل ربما يظهر على أنه مطلوب ومرغوب إلى آخره.
المظهر الثالث: تضييع الهوية 
فلا يكاد المرء يعرف ما هي الشخصية التي يريد الإعلام أن يصوغها، فهل هو يريدها الشخصية العربية المعتزة بعروبتها، أو الشخصية الوطنية المنتمية لوطنها، لا تعرف ما الذي يريده الإعلام؛ لأنك تشاهد خليطاً غير متميز ورقع شوهاء مختلطة ممتزجة، لا يعرف أولها من آخرها، فليس هناك مناهج مدروسة، ولا سياسات مرسومة في وسائل الإعلام، بل على طريقة القس زويمر الذي قال: " لا نريد المسلمين أن يدخلوا المسيحية، نريد أن يخرجوا من الإسلام " المهم أن يخرج من هذه الهوية، وبعد ذلك فليضع في أي واد من الأودية،ونرى ممارسات بلهاء في بعض وسائل الإعلام حيث لا هدف ولا غاية، وبعضها فيها جانب آخر - وهو أخطر - وهو تركيز هويات غير إسلامية.. تركيز للمسخ الإجرامي، بعضها يدعو إلى بعثية خاسئة، أو شيوعية خاسرة، أو رأسمالية ماكرة، أو إباحية داعرة، أو إلحادية كافرة، إلى آخر ذلك مما يكرس هذه الجوانب.
المظهر الرابع: يأتي فقدان البعد الإسلامي في النقد والتحليل
انطلاقا من هذه الصورة الهلامية والببغاوية في التقليد، والنقل لكل مواد الإعلام الغربية، ننقل الأخبار، وتقع الأحداث، وليس هناك أي تسليط للضوء على تقويمها في ميزان الإسلام، وارتباطها بسنن الله - عز وجل- أثرها نفعاً أو ضرراً على المسلمين، كل ذلك لا أثر له، لا من قريب ولا من بعيد إلا فيما ندر، وهناك صورة أخرى تزيد في هذا، لا تكتفي بعدم صدق النقل، ودقة التحليل بالمنهج الإسلامي، بل تتركه وتغير فإذا بالمجاهدين ثوّار، وإذا بالملتزمين متطرفين، وإذا.. وإذا، إلى آخر ذلك فهو أيضا يزيد في بعد هذا الجانب.
المظهر الخامس: تزييف القدوات
حتى يقال للرجل: ما أعلقه ! ما أظرفه ! وليس في قلبه من الإيمان حبة خردل، ولذلك نجد أن التسليط الذي يسلطه الإعلام وأضواءها، تبرز قدوات يسمون بـ " النجوم والأبطال "، وتأتينا العبارات من خلال هذه الوسائل، سواء عن أهل الفن أو أهل الرياضة.. " حطمنا أسطورة الصين ".. " قهرنا امبراطورية اليابان ".. " هزمنا قوة الألمان "، وذلك إما أن يكون في حصول فوز رياضي في مباراة، أو حصول فيلم من الأفلام في مهرجان على جائزة أو مرتبة، وبالتالي استطعنا أن ننافس، وأيضاً تكريس ذكرى وفاة فلان.. بطولة فلان.. جهاد فلان، ومنهجه في الحياة، وآراءه في الأزمات..
عندما تأتي أي قضية، أو أي حدث، فالذين تسلط عليهم الأضواء هي هذه النوعيات، رغم خوائها وفسادها إلا أنها تبرز للمجتمع كقدوات، وبالتالي تزييف هذه القدوات، ويتأثر الناس بها سلباً في تصوراتهم وسلوكياتهم.
المظهر السادس: المتاجرة بالغرائز والتلاعب بالعواطف 
أي المواد الإعلامية سواء في شرق أو غرب، لا بد أن تأتي في هذين الجانبين.. المتاجرة بالغرائز، والتلاعب بالعواطف -كما يقولون - مشاهد أو أفلام بوليسية، لا بد أن يكون أساسها وبطولتها تتعلق بالحب والغرام، والعشق والهيام، وما يلحق بذلك من كشف العورات، وإثارة النزوات، وتأجيج الشهوات، كل هذا مخالف لما ينبغي أن يكون في حياة الأمة المسلمة، ثم كنت ربما قبل أكثر من عشر سنوات أركز على جانب التلاعب بالعواطف، كتبت مقالاًَ بعنوان: [الحياة فن]، ذكرت فيه أن الناس ينفعلون ويحزنون، بل يبكون وتدمع أعينهم، والسبب هو أن البطل في الفيلم مسكين حرم أو ظلم أو سجن، وقد يفرحون ويهللون، بمعنى أن مشاعر الحب والبغض، ومشاعر الولاء والبراء، ومشاعر الحماس والانفعال، ومشاعر الانقباض والحزن، أصبحت أمر تتسلط عليه هذه الوسائل الإعلامية، حتى أني أعلم وأعرف في فترات مضت، أن الشباب في سن المتوسطة والثانوية، عندما كانوا يقرأوون قصص، أو روايات مثل [قيس وليلى]، يبقى معها وقتاً طويلاً، وتدمع عينه، ويحزن لمأسآة قيس وما وقع له.. كل ذلك داخل في هذا الإطار، ويحصل من وراء ذلك إفساد الأذواق، وتقويض الأخلاق، وإضعاف الإيمان في القلوب، وإجهاض الإسلام في السلوك.
المظهر السابع: تضييع الأوقات وتبديد الطاقات
أموال تصرف على هذه الوسائل في كثير من البلاد، أضعاف أضعاف ما يصرف على الزراعة، والصناعة، والتعليم.
ولقمة العيش التي يبحث عنها الناس فلا يجدونها إلا ملطخة بالأوحال، وعندما تطأ أيديهم، بل ربما أعناقهم النعال، ومع ذلك تصرف المبالغ الهائلة في هذه الوسائل، رغم أن الحاجة ليست بالدرجة المهمة على هذا النسق، ورغم أنها تؤدي هذه الأدوار السلبية، والأوقات تتحنط أحياناً أمام أفلام الكرتون، وتتصلب أعناق الشباب أمام المباريات، وتتعلق أبصار الفتيات بالتمثيليات، وتنشغل القوى الفكرية، وتنشل الحركة المرورية أحياناً بسبب هذه الموجات الإعلامية، وقريباً يحدثني أحد المدرسين في إحدى الكليات: أنه في يوم من الأيام كان هناك ثلاثة فصول كاملة خاوية على عروشها؛ لأنه كانت هناك مباريات تبث في التلفاز في وقت الصباح على ما فهمت على أقل تقدير.
المظهر الثامن: تغيير الأفكار وتبديل الاهتمامات 
فتغيير أفكار الناس واهتماماتهم وطموحاتهم بناء على هذا الجانب.
المظهر التاسع: تكريس التبعية وإحياء التقليد 
من خلال تمجيد الأجنبي وتعظيم الغربي، دائماً الأجنبي والغربي هو الذي يظهر في الصورة المشرقة وكذا، والعربي والمسلم يظهر حتى في إعلامنا العربي والإسلامي، يظهر العربي في صورة الأبله والساذج والضعيف والمتخلف، وبالتالي نعلم أنه لا بد من خلال هذا التكريس أن يرتبط الناس بالغرب، وبالأمم القوية، وبالأمم المتحضرة، وأنه لا يمكن أن نسير ولا أن نتقدم إلا إذا أخذنا هذا الجانب.
المظهر العاشر: محاربة الإعلام الإسلامي بالإعلام 
فإذا تحجبت المذيعة لا يمكن أن تظهر على شاشة التلفاز، وإذا أريد أن يكون بدلاً من المقدمات الموسيقية نشيداً إسلامياً، فلا يمكن أن يكون ذلك؛ لأن هذا سيظهر لماذا كان هذا هنا؛ لأن الجانب الآخر سيكون هناك دلالة على أن الجانب الآخر محرم، أو غير مشروع.
وأخيراً هجمة شرسة مجددة رغم الإعلام الذي ذكرنا فيه هذه المظاهر من الخلل، إلا أن هناك أمور تزيد على هذا مثل ما قرأت في ندوة في مجلة [روز اليوسف] حول الرأي الآخر في وسيلة التلفاز يقول بعضهم: أن التلفاز وسيلة ترفيه، وليس مجال لطرح الآراء والأفكار، يعني الناس لتضحك ولتنام، ولتستمتع وتعيش كما يعيش المخدرون من المدمنين، وكذلك هجمة قوية، ومزيد من الانحلال، بل ذكر بعض الكتاب أن مرد التطرف الذي يسمونه، ويدعونه أن أجهزة الإعلام كرست هذه الجوانب عن طريق البرامج الدينية التي بثت هذه الأفكار، وقد سبق أن ذكرنا قبل ذلك عدد ساعات البث وموازينها، أقول: أيها الإخوة إن الموازين انعكست ويذكرنا ذلك بقول أبي العلاء المعري:
إذا وصف الطائي بالبخل مادر **** وعير قسا بالفهاهة باقل
وطاولت الأرض السماء سفاهة ****وفاخرت الشهب الحصى والجنادل
وقال السهى للشمس أنت ضئيلة **** وقال الدجى للصبح لونك حائل
فيا موت زر إن الحياة مريرة **** ويا نفس جدي إن دهرك هازل
هذه الصور المقصود أن نتوعى لها، وأن نعرف حقيقتها، أن نحذر من آثارها،ونتحمل مسئوليتنا تجاه الإصلاح وهذا الذي يدعونا لهذا الحديث، وأخيراً ينبغي أن يكون في حس كل إنسان مسلم، أن لايركز دائماً على هذه الأخطاء، وليركّز على الدائرة التي ذكرتها من قبل، وهي الأخطاء من الأفراد، فيما تملكه أنت من طاقات في عقلك وتفكيرك، ووقتك، وثقافتك، وعلمك، ومشاعرك، وحماسك، فيما تملكه أنت من أبنائك وأسرتك، فيما تملكه من كلمة حق تقولها، أو مقالة صدقة تكتبها، أو إنكار منكر تمارسه، كل هذا هو الذي ينبغي أن نواجه به أنفسنا، كما أشرت في مسألة المرآة حتى يكون ذلك بداية لهذا التصحيح.
أقول: إن الجوانب كثيرة ومتعددة، وأؤكد ثانياً وثالثاً، أن ذكر هذه المظاهر من الخلل لا يراد بها الاستمتاع، ولا يراد بها الإثارة، بل يراد بها أن نخطو خطوات عملية في ميدان التغيير والإصلاح.