أين الخلل ؟ (1)
186 الأربعاء 19 / رمضان 9 / 1438
11 نوفمبر, 2009 - 23 ذو القعدة 1430هـ

 

 

 
المقدمة
هذا موضوع مهم في غاية الأهمية رغم عنوانه المختزل، ثم هو موضوع متشعب الجوانب، ولذا سيكون بإذن الله - عز وجل هذا العنوان - عنواناً لدرس قادم، بمعنى أن الحديث سيكون على حلقتين، وإن كان يقتضي أكثر من ذلك.
ولقد كان يجول في ذهني هذا الموضوع بما فيه من وضع للنقاط على الحروف، ومن نوع مكاشفة ومصارحة، وسيكون فيه من التفصيل والمواجهة ما هو غير مألوف، وسيكون الحديث - إن شاء الله تعالى- موزعاً إلى مقدمة تبين لنا صورة هذا الموضوع وضخامته، ثم نلج إلى التقسيمات الأخرى.
أولاً: العيوب الكثيرة 
أول سؤال يتبادر إلى الذهن هو أي خلل يقصد بهذا السؤال؟، ونعلم جميعاً، ويعلم كل أحد أن وجوه النقص كثيرة، وأن صور الخلل في المجتمعات والدول الإسلامية متعددة، فعن أي خلل - يا ترى - سنتحدث؟. 
هل نتحدث عن الخلل والانحراف السياسي؟، أم نتحدث عن الفساد والانحلال الإعلامي؟ أم نتحدث عن الزيغ والزلل الفكري؟ أم يكون الحديث عن التردي والتخلف التقني، أم تراه يكون عن التخريف والتخريب التعليمي، أم نتحدث عن الظلم وصوره، أم عن الفسق ومظاهره،هل نتحدث عن موت الضمائر، أم عن طمس البصائر؟، عندما يتأمل الإنسان يجد أنها عيوب كثيرة، وأن المساحة واسعة، والأدواء متعددة، والأسباب متشابكة.
وإنما أردت بإثارة هذه التساؤلات في مدخل هذا الموضوع حتى ندرك جسامة الخطر، وفداحة الأمر، واتساع الخرق لا أقل ولا أكثر، ولن يكون الجواب متعلقا بكل هذه المناحي، وإنما بأصول جامعة، لعلها تفتح وتكشف كثيراً من أسباب هذا الخلل الذي تعددت جوانبه، وترسخت جذوره، ولم يكد يسلم منه أحد، ولا صورة من صور الحياة، ولا مجتمع من مجتمعات المسلمين، إلا من رحم الله.
ثانياً: الأمة الغائبة
وهي صورة أيضاً ترتبط بما يراد لهذه الأمة تجاه ما هي واقعة فيه من خلل، إنه يراد للأمة أن تغيّب عن إدراك صور وأسباب الخلل، بل هناك على الحقيقة تعامي وتجاهل متعمد لهذه الأسباب، بل أكثر من ذلك هنالك ممارسة لتزييف الواقع، وتزوير الحقائق، وخداع الناس، وذلك حتى يظن الناس أنهم يمشون إلى الأمام مع أن حقيقة الأمر أنهم يراوحون في أماكنهم، بل يرجعون القهقرى إلى الخلف. بل من المهم جداً أن ندرك أن هناك قصداً لئلا نعرف الخلل، وأن لا نشخص أسبابه، ولا أن ندقق في صوره وجذوره؛ لأن بداية تصحيح الخطأ والخلل إنما تبدأ وتكمن في معرفة وجوده، ثم تحليل أسبابه. 
ولذلك من المهم جداً أن نعرف أن أعظم الخلل هو أن لا نشعر بأن هناك خللاً، وأن نظن أن الأمور على ما يرام، وأن كل شيء على أحسن وجه، وهكذا تصب الكلمات في آذاننا.
و تصافح أعيننا صفحات الجرائد والمجلات، و تردد علينا الأنباء والأخبار أن كل شيء على ما يرام، وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وبذلك يظل الناس في وهم كبير، وفي خدعة كبرى لا يشعرون بأن عندهم ما يحتاجون إلى المحاسبة والمراجعة فيه، وهذا من أهم الأمور وأخطرها.
ثالثاً: المرآة المكسورة 
والحقيقة أني أريد أن ننزل من الأمر الواسع الذي ذكرنا فيه العيوب الكثيرة، و من التجاهل لهذه العيوب، إلى قضية أقرب إلى أنفسنا وأضيق دائرة، حتى نشعر ما المقصود بهذا الحديث بالنسبة لكل فرد على حدة، لأن الكلام العام يظل عاما، ولا يؤثر في الناس ولا يدركون أنهم مخاطبون به، ولا يشعرون أن وراءه تكليفاً عملياً ومطالبة بتغيير السلوك في واقع الحياة، ولذلك يأتي هذا التدرج، وتأتي هذه النقطة المهمة، وهو أنه في واقع الأمر ليست هناك مواجهة وصراحة في كشف العوار وبيان الخلل، وليس ذلك بصفة عامة، بل بصفة خاصة تشمل كل فرد على حدة، لم تؤسس تربيتنا في كثير من صورها على هذا المنهج، ونجد الكثيرين يغضبون إذا نصحوا، وينفعلون إذا انـتـقدوا، ونلمس أن النفوس ليس لديها قابلية لأن يبدي لها أحد عيوبها، وهنا نتذكر عمر بن الخطاب- رضي الله عنه - ونترحم على جيل الصحابة، والسلف الصالح - رضوان الله عليهم - ونتذكر عمر ومقالته المشهورة " رحم الله امرؤ أهدى إليّ عيوبي ".
إن النفوس إذا لم تجبل على أن تتقبل عيوبها، وأن تعرف أخطاءها؛ فإن هذا المكمن الذي يتعلق بكل فرد على حدة، هو الذي يسبب تلك الصورة، التي ذكرنا أنها تجعل الأمة غائبة عن وعيها، وعن حقيقة أمرها، وهو الذي يجعل الخلل يستشري وتتعدد صوره، وتكثر أضراره وآثاره، وهنا يبرز لنا حديث النبي- صلى الله عليه وسلم - الذي أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وحسّنه العراقي من حديث أبي هريرة،عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه).
وأقف وقفة يسيرة أمام هذا التمثيل النبوي (المؤمن مرآة المؤمن) 
كل إنسان إذا أراد أن يخرج ليواجه الناس عندما يستيقظ من نومه صباحاً على سبيل المثال لا بد أن يقف أمام المرآة لينظر في هيئته وهندامه، ولينظر في نظافته ووضاءته، ولا شك أنه يريد أن تكون هذه المرآة صقيلة تبدي له كل شيء، وتظهر له كل عيب أو خلل، حتى يستطيع أن يستدركه ليواجه الناس وهو على أتم صورة يحبها لنفسه، وإذا كانت هذه المرآة عليها بعض الغبار أو القتر؛ فإنه يسعى لتنظيفها أولاً لكي تظهر الصورة على حقيقتها، وهل ترون هذا المثل عندما نريد أن نقرب الصورة في طريقة تعامل الإنسان مع هذه المرآة، لو أن الإنسان جاء إلى هذه المرآة ورآها تبدي له أن شعره أشعث، وأن لونه أغبر، وأن في وجهه سواداً وأن كذا وكذا، فإذا كان عاقلاً؛ فإنه يعرف هذه الحقيقة، ويرضى بها، ويعرف أن المرآة لم تزد في حقيقة الأمر شيئاً، وإنما كانت مهمتها أنها أظهرت له الصورة بكل وضوح وصراحة ليس فيها غبش ولا مجاملة ولا تزييف ولا تزوير؛ فإنه يذهب ويعلم أن الخطأ في نفسه فيسرّح شعره، وينظف وجهه، ويزيل ما عليه من سواد وقتر، ولكن الأحمق هو الذي يغضب من هذه المرآة ثم يضربها ويكسرها لأنها أبدت له معايبه، وأظهرت له حقيقة أمره، والحق أننا في كثير من أحوالنا نكسر هذه المرآة التي تبدي لنا عيوبنا، وكثيرون هم الذين لا يرضون أن يروا الصورة على حقيقتها، وقد يفرحون عندما تخدعهم المرآة ويكون عليها بعض الغبار فيفرحون إذ لم يروا حقيقة الأمر، ويظنون أن الصورة على أحسن وجه، ولكن هذا الأحمق يخادع نفسه، فإذا خرج إلى الناس رأى كل الناس حقيقة الأمر لأن القضية لا تخفى، فنحن عندنا بعض هذا القصور، وعندنا عدم قبول لتلك المرآة التي يبديها لنا إخواننا وتكشفها لنا الحقائق التي نعيشها، والتجارب التي نمر بها، والأخطاء التي نقع فيها، ثم نصر ونستكبر، ونبقى مع المرآة الكاذبة نضحك على أنفسنا،،وإذا جاءت المرآة صادقة هشمناها كما يفعل ذلك الأحمق.
رابعاً: الموازين الجائرة 
وهي نقطة تلامسنا ملامسة مباشرة، وتمس كل إنسان على حدة، ذلك أن كثير من الناس تعود إلقاء تبعة الأخطاء على الآخرين، وإلقاء اللوم عليهم حتى أتقن كثيرون فن التخطئة والتجريم، صار لدينا إبداع وتفنن ومهارة في تلبيس الأخطاء على الآخرين، وتفصيلها عليهم، وإلقاء التبعة واللوم على غيرنا، وفي نفس الوقت تعود كثير من هؤلاء الناس أن يلتمسوا لأنفسهم الأعذار الكاذبة، وأن ينتحلوا الأسباب الواهمة التي يتنصلون بها من مسئولية الخلل، وأسرفوا في ذلك حتى أتقنوا فن العذر والتبرير، لكل مسألة عنده عذر، وفي كل قضية عنده مبرر، وكأنه لا يرى في نفسه خطأ وهو المبرأ من العيوب، والسالم من النقص، كل مشكلة إنما هي من الآخرين ولذلك يكثر في حديثنا أن ننسب ما بالأمة من الأدواء إلى الأعداء، وأن ننسب ما بالأمة من الأعداء إلى الحكام وإلى العملاء، وإلى المتآمرين، ولا ننسب شيئا من ذلك إلى أنفسنا، مع أن كثير منه إنما هو على غرار ما قال الله - سبحانه وتعالى – {أو لما أصابتكم مصيبة قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} قد كثر عند الناس - كما أشرت - إلقاء التبعة على الآخرين، والتنصل من المسئولية، وصار عند كثير من الناس حذق في أن يتهرب من المسئولية، وعنده إتقان أن يلصقها إلصاق محكماً بالآخرين، فتراه يفكِّر بعقله، وينظر بعيني رأسه، ويتتبع بكل حواسه مثالب الآخرين؛ ليجعل التبعة عليهم. ونترضى مرة أخرى على صحابة رسول الله - رضوان الله عليهم - ونترحم على أبي هريرة - رضي الله عنه - وهو يقول هذه المقالة، وتروى عنه موقوفة ومرفوعة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه، وينسى الجذع في عين نفسه) أخرجه أبو نعيم في الحلية. فيرى القضية البسيطة العابرة، وينسى الجذع في عينه لا ينتبه إلى أخطائه، يقول المناوي:" مثل يضرب لمن يرى الصغير من عيوب الناس، ويعيرهم به، وفيه من العيوب ما نسبته إليه كنسبة الجذع إلى القذاة " وذلك من أقبح القبائح، وأفضح الفضائح، فرحم الله من حفظ قلبه ولسانه، ولزم شأنه، وكف عن عرض أخيه، وأعرض عن ما لا يعنيه، فمن حفظ هذه الوصية دامت سلامته، وقلّت ندامته. 
أرى كل إنسان يرى عيـب غيره **** ويـعمى عن الذي هـو فيـه
فلا خير فيمن لا يرى عيب نفسه **** ويعمـى عن العيب الذي بأخيه
عندما نتأمل في هذه القضايا، ونرى أن تنصلنا من المسؤولية، وإلقاءها على غيرنا، هو الذي يؤدي بنا إلى مـعرفة أنفسنا، وإذا لم يعرف الفرد عيوب نفسه، ولم يكتشف الخطأ في سلوكه وتصوراته وأقواله وأفعاله، فإن ذلك يؤدي إلى أن تكون الأمة غير مدركة لأخطائها، وغير مبصرة لمثالبها ومعايبها، وهذا الذي يؤدي إلى انتشار تلك الأدواء، وأن تشيع تلك العلل، وأن تكثر صور الخلل والأمر، إننا نشكو أن المسلمين فيهم جهل، والأمة المسلمة في ذلة، الأمة تركت أمر الله، من هي الأمة؟ أليست هذه المجتمعات !!، ومن هي المجتمعات؟ أليسوا هم الأفراد !!، وهنا تبدأ الدائرة تضيق، وأقول إن صور الخلل تنحصر في ثلاثة مواضع:
أ- صور الخلل في صفوف الأفراد 
ب - صور الخلل في صفوف الحكومات
ج - صور الخلل في صفوف الدعاة والملتزمين من أبناء هذا الدين
و يعود الأمر إلى جانبين:
1- جانب الأفراد والمسؤولية الفردية 
2- جانب المسئولية العامة 
ونخص الدعاة من بين الأفراد لما لهم من دور وواجب في تلافي هذا النقص، وجلب الأدوية لتلك الأدواء، وعلاج تلك الأخطاء.
صور الخلل
أ- الخلل في الأفراد
وهنا يبدأ الحديث عن الصورة الأولى وهي صورة الخلل في الأفراد وتقديمها، لأنها هي الصورة التي تنبني عليها صور الخلل في المجتمعات، ونحن لا نريد أن يصبح الحديث عاماً بل نريد أن يوجه الحديث إلى شخصي وشخصك، وإلى ذاتي وذاتك، حتى لا تبقى المسئولية عائمة.
عندما يقع الخلل نبحث يميناً ويساراً، نريد من نلقي عليه باللائمة، وإذا لم نجد فإننا نبحث عن أمور بعيدة، لا يمكن للسامع أن يعرّف الناس حقيقة صلتها بهذه الأدواء، فنحن عندما نقول: أن أعظم أسباب أمراضنا وعللنا هم الأعداء، يكون كلامنا كلاما عاما ليس له ضابط،- وكما يقولون - ليس له خطام ولا زمام، ونحن هنا نريد أن نمحو هذه الصورة القاتمة، لأن هذا هو التصحيح الذي نرجو أن يكون بإذن الله - عز وجل - الأساس لما يأتي بعده، وابتداءً أقول: هناك نقطتان مهمتان: 
1 ـ أن المجتمع عبارة عن أفراد، ولذلك يبقى الحديث عن المسئولية الفردية هو أساس التغيير في المجتمعات.
2 ـ لو تصورنا أن كل فرد قام بمسئوليته، وأدى واجبه، وتلافى النقص في شخصيته، فماذا يعني هذا؟، يعني أن الكثير من صور الخلل تزول تلقائياً، ولذلك عندما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - كان فرداً واحداً، وإنما أصلح المجتمع بإصلاح الأفراد، وإنما أصلح الأفراد بتغيير النفوس والتصورات والقلوب. بمعنى آخر التغيير الجذري الباطني، الذي يتناول الإيمان وحقائقه، ويتناول التصورات ومتعلقاتها، كما يتناول أثر تلك السلوكيات وممارستها في واقع الحياة.
دوائر المسئولية عند الفرد
الدائرة الأولى: المسئولية الفردية
وتعميقه يحتاج إلى دوام تذكير وتأصيل، ولو كان عميقاً بالقدر الذي جاء في كتاب الله، وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأثمر ذلك هماً يؤرق الإنسان في ليله، ويحمل همه في نهاره، ويجعله ملزما بالتغيير إلى الأفضل، وساعياً إلى التخلص من كل نقص وعيب.
ومن هنا نرى:
أولاً: أن الطبيعة الفطرية لها تعلق كبير بمبدأ المسئولية.
إذا كلف الإنسان بعمل ما، وعلم أن هناك مساءلة ومحاسبة، كيف يكون أداؤه؟،لاشك أن أداءه سيكون مختلفا عندما لا تكون هناك مسئولية ولا متابعة، ولا محاسبة، وإن كان إنسان مخلصاً وجاداً؛ فإن طبيعة النفس إن لم تكن هناك متابعة دائمة، ومحاسبة دقيقة ومعاقبة وما يلحق بذلك، فإن النفس تضعف في قيامها بمهمتها، وتتفلت في تحمل مسؤوليتها، وتتحلل من أداء واجبها.
ومن هنا كان من رحمة الله - عز وجل - ومعرفته بطبيعة الإنسان وهو القائل - جل وعلا -: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} أنه - جل وعلا - جعل الواجب المناط به مسئولية في عنقه، وجعل وراء ذلك حساباً وعقاباً، ولذلك لمّا علم الله طبيعة الفطرة البشرية، علق بعنق الإنسان المسلم هذه المسئولية، حتى يتحمل أمر الله، ويؤدي الواجب المناط به، بصورة قوية، وبهمة عالية، وبدقة متناهية حتى يأمن بعد ذلك تلك المساءلة.
ثانياً: المسئولية في المنهج الإسلامي مسئولية فردية لا يمكن أن يكون فيها اشتراك ولا اختلاط؛ فأنت في نهاية الأمر مسئول بين يدي الله - عز وجل - عن نفسك، والله - جل وعلا - يؤكد هذا المعنى، ويقرره بصورة عميقة قوية مؤثرة في قوله - جل وعلا – {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر} وقوله - جل وعلا -: {كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين}، يقول ابن كثير - رحمة الله عليه -: أي متعلقة بعملها كما قال ابن عباس - رضي الله عنه -، ونحن نعلم الرهن وهو أن يكون الشيء معلقاً بأداء ما على الإنسان من دين في عنقه، حتى يفك الرهن ويصح له الملك ويكون متصرفاً فيه كيف يشاء، والإنسان مرهون بنفسه حتى يفكها من عذاب الله سبحانه وتعالى والقيام بحق الله سبحانه وتعالى وحمل رسالة الله في هذه الحياة، ولذلك هو في هذا الرهن حتى يفكه، ولذلك - كما يقول صاحب الظلال -: كل فرد يحمل هم نفسه وتبعتها، ويضع نفسه حيث شاء أن يضعها، يتقدم بها أو يؤخر، يكرمها أو يهينها، فهي رهينة بما تكسب، مقيدة بما تفعل، ولذلك أيضاً قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) كل الناس يغدو أي ينطلق في هذه الحياة الدنيا، مكلفاً من الله - عز وجل - لكن الناس ينقسمون إلى قسمين: أحدهم يؤدي الواجب ويقوم بالمهمة، وهذا هو الذي يعتق نفسه. والآخر يفرط فيوبقها، فلذلك المسئولية بين يدي الله فردية، لا يمكن أن تكون مثل ما نسمعه من المقصرين في الدنيا عندما يقول أحدهم: لست وحدي، وإنما هناك كثيرون غيري، يقال له:نحن نريد منك ما يتعلق بك من الأخطاء، هو الذي تحاسب عليه.
ثالثاً: المنهج الإسلامي في تعميق المسئولية الفردية
إننا نعلم أننا جميعاً مسئولون ومحاسبون، ولكن ما مدى عمق الشعور بهذه المسئولية، وما مدى تأثير هذا الشعور في واقع حياتنا هذا الذي نفتقده، والذي سنرى صورته في حياتنا.
نجد أن الإنسان في هذه الحياة الدنيا عنده مسئوليات نريد أن نقارنها بهذا المنهج الإسلامي في تعميق المسئولية الفردية، لنرى هل أعطينا المسئولية الفردية بين يدي الله - عز وجل - حقها وقدرها كما أعطينا المسئولية في هذه الحياة الدنيا، أقول هناك يمكن أن تجد هذه المعالم الكثيرة
معالم من عمق المحاسبة على المسئولية الفردية في المنهج الإسلامي.
معالم المسئولية الفردية في المنهج الإسلامي
المعلم الأول: المحاسِب هو الله - عز وجل -
إذا أخطأ الطالب؛ فإنه يحمل هماً إذا كان المدرس سيسأله، ولكن إذا كان الخطأ أكبر ووصل الأمر إلى أن يسأله المدير، بمعنى كلما تعاظمت المسئولية بين من سيسأل بين يديه؛ فإنه يحمل همها، فإذا بلغت هذا المبلغ فإنه يحمل ألف هم وهم، كيف يواجه المدير؟ وكيف يبرر خطأه بين يديه؟.
فكلما كان السائل والمحاسِب ذا منصب عال، ومرتبة رفيعة، كان تأثر المسئول وخوفه من المساءلة ودقته في إتيان الأمر، واحتياطه في عدم الخطأ أعظم وأكثر، وإذا وقع في الخطأ - وإن كان يسيراً-؛ فإنه يهتم ويغتم، فما بالنا في حياتنا الدنيا نعطي الأمر قدره وحظه من الأهمية، ولكننا لا نقارنه ولا نجعل له ذلك الاهتمام عندما يتعلق الأمر بالله؟
والله - سبحانه وتعالى - يبين لنا من هو المحاسِب، إنه الله - عز وجل -، رب الأرباب، وملك الملوك، يقف كل إنسان بين يديه، ويسائله بذاته وشخصه،عن قوله وفعله وعمله، ليست القضية عابرة يقول الله -عز وجل – {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور} ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق عليه من حديث عدي بن حاتم -رضي الله عنه -: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى إلا ‏النار‏ تلقاء وجهه ‏فاتقوا النار ولو ‏ ‏بشق ‏ ‏تمرة ‏) هل استشعرت عظمة هذه المسئولية وحملت همها، كما حملت هم من تسأل بين يديه من البشر..
إن حقيقة الانفعال القلبي، والتأثر النفسي، والحضور لهذه المسئولية الفردية، وعظمة المحاسِب - سبحانه وتعالى - ليست في نفوسنا كما ينبغي أن تكون، كما كانت في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين.
المعلم الثاني: لا وساطة ولا شفاعة عند الحساب
عندما ترتكب الخطأ في الدنيا فيمكن أن تلتمس الوسطاء والشفعاء، وقد يتطوع بعض محبيك للتدخل في الموضوع، لكن الحساب والمسئولية عند الله - سبحانه وتعالى - بلا شفاعة ولا وساطة، كما قال - سبحانه وتعالى – {فما تنفعهم شفاعة الشافعين}.. {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} وكما صور الله - عز وجل - هول ذلك اليوم، وهول المسئولية بين يدي الله - عز وجل – {يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكل امرئ يومئذ شأن يغنيه} وقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يقدّرون هذا الأمر قدره، وينفعلون به أعظم انفعال، ويتأثرون أصدق تأثير.
فهذه عائشة- كما في مسند أحمد، وسنن أبي داود، ومستدرك الحاكم ‏- ذكرت النار فبكت. فقال رسول الله ‏- ‏صلى الله عليه وسلم -‏: ‏ما يبكيك؟ قالت: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله - ‏صلى الله عليه وسلم -‏ ‏أما في ثلاثة مواطن فلا ‏‏ يذكر أحد أحدا؛ عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أو يثقل ! وعند الكتاب حين يقال: ‏{هاؤم اقرءوا كتابيه} حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أم في شماله أم من وراء ظهره ! وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم.
فإذن ينبغي أن يدرك الإنسان أن هذه المسؤولية لا وساطة فيها ولا شفاعة ولا استثناء ولا إمكان للمراجعة وتصحيح الخطأ.
المعلم الثالث: دقة المحاسبة 
في الحديث عن المسئولية في الحياة الدنيا يمكن أن تكون هناك أمور صغيرة، يتجاوز عنها أو لا يشملها الحساب.
لكن الحساب بهذه المسئولية الفردية بين يدي الله - عز وجل - حساب دقيق يجعل كل شيء داخل في دائرة المسئولية كما يقول الله - عز وجل -: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} ويقول الله - عز وجل - يصف حال الكافرين: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً} ويقول الله - عز وجل – {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً} 
هذا الأمر يكون على أكمل صورة من الدقة لا تفوت شاردة ولا واردة هذا الحساب، ولا تخرج شاذة ولا فاذة عن هذه المسئولية، وتأملوا حديث أسماء بنت عميس - رضي الله عنها - في مسند الإمام احمد وهي تقول: يا رسول الله إن قالت إحدانا لشيء ‏ ‏تشتهيه لا ‏ ‏أشتهيه، يعد ذلك كذبا؟ قال:‏ (‏إن الكذب ‏‏ يكتب كذباً، حتى تكتب ‏ ‏الكذيبة ‏‏ ‏كذيبة). 
كل شيء بحسبه صغيراً وكبيراً، فليس هناك ذلك التجاوز الذي يقع في مسئوليات هذه الحياة الدنيا.
المعلم الرابع: المحاسبة على بواطن الأمور
لا تحاسب إلا على ما يظهر وما يبدو للناس أو للمسئول الذي يسألك، لكنه لا يستطيع قطعاً أن يعرف ما تخفيه، وما قد تستطيع ستره من الأخطاء، وما قد تورّي به من الأمور حتى لا يفطن إلى ما أوقعت من الخلل، ولكن بين يدي الله يجب أن تعلم أنه الله - سبحانه وتعالى – {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور}، وأنه {الذي يعلم السر وأخفى}، نحن نعرف السر، ونتعجب كيف يمكن أن يطّلع الإنسان على الأسرار، وإذا علمنا أن الله - عز وجل - يعلم السر فهل لنا أن نتصور ما هو أخفى من السر؟ منتهى تصورنا أن نعرف السر، والله - عز وجل - يكشفه ويطلع عليه، بل يكشف ما هو أخفى من السر مما لا نتصوره ولا ندركه بعقولنا أصلاً، ولذلك يقول الله - عز وجل – {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار * له معقبات بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله..} ثم قال الله - عز وجل - عقب هذه الآية مباشرة {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}
فما هو التغيير؟ إنه تغيير ما في النفوس من الداخل.. هذه الأسرار، تلك الضمائر، تلك النوايا، تلك الخفايا، هذه الصورة التي تخفى على الناس، ويحمل كل أحد بين جنبيه من فساد النية ومن سوء الطوية ومن سوء الظن ما الله به عليم، ويبدو للناس ويظهر للناس وهو متجمل بقول حسن، وبظاهر فعل طيب، ويخفى عليه أن الله - سبحانه وتعالى - سائله بعمق عن هذه الأمور كلها.
المعلم الخامس: شمول الحساب 
وهو أن الحساب في الآخرة شامل، أنت عندما تسأل كطالب؛ فإنما تسأل عن دائرة معينة، والموظف في وقت الدوام فقط، ويسأل عن عمل بعينه، لن يُسأل عن نظره أين سرح به؟ ولا عن فكره أين ذهب به؟، ولا عن خاطره أين مضى به؟، بل يسأل في وقت معين عن شيء معين،، سيسأل عن العمل الذي كلف به، أما المسئولية بين يدي الله - سبحانه وتعالى -، فإنها تنتظم كل الأمور لا يخرج منها شيء أبداً، يقول الحق - جل وعلا -: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً} كل ذلك ينتظمه السؤال، ويدخل في دائرة المسئولية، ليس هناك تقييد بزمان، ولا تحييد بعمل معين، بل هو كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه الترمذي بسند حسن عن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي- صلى الله عليه وسلم - (لا تزول قدم عبد يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس:عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، و ماله من أين اكتسبه،وفيما أنفقه،وماذا عمل فيما علم) فتصور هذا السؤال كله، وتأمل هذه المسئولية بين يدي الله - سبحانه وتعالى - التي تشمل كل شيء، والتي نقع فيها من الأخطاء بالليل والنهار وبكثرة لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، هذا اللسان تسأل عنه في كل كلمة ولفظة {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}، ويقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم - كما في البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - (إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً فيهوي بها في جهنم)، وكم هي الكلمات التي نتكلمها؟ وننتقد بها الآخرين، ونلوك أعراضهم، ونجتر بها سيرتهم، وننتقد منهجهم، دون أن نأخذ المنهج الصحيح في حسن الظن بهم، والتماس العذر لهم، وإبداء النصح لهم، وإعانتهم على تغيير واقعهم، والتعاون معهم على البر والتقوى، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم (إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكُهم)، ويقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: (إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه)، ونعلم جميعاً حديث معاذ الذي قال فيه: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟!، فقال - عليه الصلاة والسلام -: (ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكب الناس على وجوههم - أو على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم؟!) ولذلك في حديث عقبة بن عامر- رضي الله عنه - أنه سأل رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: ما النجاة؟، قال (أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك).
ولو أننا عملنا بهذا الحديث لاستغرق منا العمر كله حتى نستغرق آخر نفس من أنفاسنا، ونحن نحتاج أن نمسك ألسنتنا، وأن تسعنا بيوتنا، وأن نبكي على خطايانا.
ولذلك أيضاً عندما يتأمل الإنسان شمول هذه المسئولية في كلماته، وفي أفعاله، وفي نيته وفي باطنه، ثم في كل وقت من أوقاته، في كل لحظة من لحظاته، في كل ثانية من وقته، ينبغي أن يعلم أن الله - عز وجل - ما جعل له هذا الزمن وما مد له في العمر إلا ليقوم بالمهمة، وليحمل الرسالة، وليؤدي الواجب، فإذا تخلف فكل لحظة تكون عليه لا له.
ولذلك نبهنا النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح البخاري عنه - عليه الصلاة والسلام -: (‏أعذر الله إلى امرئ أخر أجله‏ حتى بلغه ستين‏ سنة)، والله يقول {تبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً * وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً}، جعلهما يخلف بعضهما بعضاً، وتتوالى بهما الأيام، وتتعاقب بهما الأسابيع والشهور والسنون، كل ذلك ليعمر هذا الوقت بطاعة الله - عز وجل -، وليؤدي به الإنسان عمل يفك به رقبته، ويعتق به نفسه من عذاب الله - سبحانه وتعالى -.
ثم انظروا – أيضاً - إلى ما لا نتصور أنه داخل في دائرة الحساب، يقول - جل وعلا – {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} وقد ذكر ابن كثير قصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما خرج يوماً فلقي أبا بكر - رضي الله عنه – فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما أخرجك يا أبا بكر؟ فقال: أخرجني يا رسول الله الذي خرجت له، فقال: ما أخرجني إلا الجوع، فقال: وأنا كذلك، ثم لقيا عمر - رضي الله عنه – فقال: ما أخرجك يا عمر؟ فقال أخرجني الذي أخرجكما، فقال لهما النبي - صلى الله عليه وسلم -: هل فيكما من قوة فنخرج إلى تلك النخل نصيب منها !، ثم أتيا أبا هيثم - من الأنصار - رضي الله عنه، فاستعذب له الماء، وذبح لهم العناق، فأكلوا وشربوا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:(والله لتسألن عن نعيم هذا اليوم)، وفي تفسير {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} قال بعض أهل العلم: هو شبع البطون، وبارد الماء، وظلال المساكن واعتدال الخلق ولذة النوم، كل ذلك يُسأل فيه العبد كيف أدى حق الله - عز وجل-، وقال سعيد بن جبير - رحمة الله عليه -: يسأل عن شربة العسل، وقال مجاهد:عن كل لذة من لذات الدنيا، وقال الحسن البصري - رحمه الله -: عن الغداء والعشاء، وذلك من النعيم، وقال ابن عباس: صحة الأبدان، والأسماع، والأبصار.
فهل تأملنا هذا الحساب؟ وهل قمنا بحق هذه الجوارح؟، وهل شكرنا هذه النعم؟، وهل أدينا هذه الواجبات؟، وهل أدينا الفرائض؟ وهل أدينا تبعة المسئوليات؟، وهل شعرنا بعمقها وأصالتها،وتغييرها في نفوسنا وقلوبنا، وتأثيرها في واقعنا وسلوكنا، سؤال ينبغي أن يسأل الإنسان نفسه، وأن يضع أمامه مرآته حتى ينتبه إلى هذا الأمر، وليس هذا فحسب بل هناك أيضا صورة دقيقة من أمر لا يكاد يخلو منه أحد، وهو السؤال عن حقوق العباد وعن ما يتعلق بظلمك للآخرين وتجاوزك لحدودك، واعتدائك على غيرك، ولذلك ورد عند الإمام البخاري في الأدب المفرد (من ضُرب بسوط ظلماً اقتص له يوم القيامة) وفي صحيح البخاري (من كانت عنده ‏‏ مظلمة لأخيه ‏ ‏فليتحلله منها ‏ فإنه ليس ثم دينار ولا درهم ‏ من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن ‏ له حسنات أخذ من ‏ سيئات أخيه فطرحت عليه).
وهذه كلها تؤكد عمق هذه المسئولية الفردية، ونحن نعلم أن المساءلة في الأمر الدنيوي في حد ذاتها نوع من العقوبة، فالموظف الذي يحال إلى التحقيق، لو أثبت التحقيق براءته فإن في ذات التحقيق نوع من العقوبة، يحصل به بعض الجرح في سمعته، وبعض الثلب في سيرته، لأنه أوقع نفسه موقع شبهة، أو فعل ما يستدعي مساءلته، فكيف إذا تصورت ذلك الحساب ودقته وشموله وعمقه بين يدي الله - عز وجل -.
وعائشة - رضي الله عنه - تصور لنا ذلك، عندما تقول كما في الحديث الصحيح ‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال ‏ ‏ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك. فقلت يا رسول الله: أليس قد قال الله تعالى {فأما من أوتى كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً} ! ‏فقال رسول الله -‏ ‏صلى الله عليه وسلم - ‏:‏ إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب. بمعنى أن هذه المحاسبة في حد ذاتها دقيقة.
أقول إذا نحن مسئولون مسئولية فردية بكل هذا العمق، وهذه المسئولية محاسِبها والسائل عنها هو الله - عز وجل - ولا فيها واسطة ولا شفاعة، ولا يخفى عنها أمر خفي ولا سر، ولا تتجاوز عن صغير ولا كبير، ولا يخرج منها وقت ولا زمان ولا مكان، ولا سمع ولا بصر ولا نظر، ولا تتجاوز عن أمور من أمور الحياة الدنيا و نعيمها، ولا تخرج عن دائرتها حقوق العباد وظلمهم، وهي في حد ذاتها- أي المساءلة - عذاب وهلاك وشدة وهول، لو تصور الإنسان المسلم هذه المسئولية بهذا العمق، الذي يبينه كلام الله، وحديث رسوله - صلى الله عليه وسلم - وواجه نفسه بها، وسأل هل أدى الواجب الذي عليه؟ هل قام بالمسئولية التي أنيطت به؟ هل أدى كل ما كلف به وما أمر به من صغير وكبير؟ لو شغل نفسه بهذا السؤال لوجد أن فيه من التقصير شيئا كثيراً لا يعلمه إلا الله - سبحانه وتعالى -.
الدائرة الثانية: المسئولية عن من يرعاه من أهل وقرابات وتلاميذ ونحوه
إن الإنسان ليس مسئولا عن نفسه فحسب، بل مسؤول عن رعيته وأسرته وأهله، وعن من ولاه أمرهم ممن هم تحته؛ مسئولية عمل أو تربية أو توجيه، والله - عز وجل - يقول: {يا أيها الذين آمنوا قو أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} فلست مطالبا أن تحمي نفسك فقط، وأن تقيها من النار، بل يدخل ضمن مسئوليتك، مسئوليتك عن أهلك، فإذا نظرنا إلى كثير من صور الخلل التي نراها في المجتمعات وننسبها إلى المجتمعات، فسنرى أنها مرتبطة بنا وبأفراد محدودين، لكنهم أرادوا أن يشيع الأمر، وأن لا تحدد المسئولية، من هن هؤلاء المتبرجات من النساء؟ ومن هم هؤلاء الضائعون من الأبناء؟، وما هي هذه الصور التي تنخر في مجتمعات المسلمين؟، ستجد أنها كلها مرتبطة بضياع المسئولية الفردية، هذه المرأة إما أنها بنت لأب، أو زوجة لزوج، أو أخت لأخ، أين هذا الذي فرط في مسئوليتها، فلم يقم بشأن القوامة على النساء، ولا بأمر تربية الأبناء؟، ستجد أن الخلل يكمن في مثل هذه المسئولية الفردية، ولماذا نشكو ونرى صور اجتماعية تبدو في مجتمعاتنا، ولا نريد أن نكشف لأنفسنا أنها متعلقة بذواتنا ومسئوليتنا الفردية؟!، إننا عندما نرى هؤلاء الأطفال في الشوارع يتلفظون ببذيء الألفاظ، ويمارسون سيئ الأعمال، ويضيعون الكثير من الأوقات، ولا تجد بعد ذلك من يسألهم، ولا من يقوم بأمرهم، وكأنهم لا أب لهم ولا أم ولا أسرة، وليس هناك نوع من تحمل هذه المسئولية، ثم نشكو أيضاً من فساد الأخلاق.
وكثير من أرباب الأسر يجلبون إلى بيوتهم الفساد، ويشيعونه بين أهليهم، فيجعلون أبناءهم نهباً للشاشات الفضية، يتعلمون زائغ الأفكار، ومنحل الأفعال، ويتلقون منها كثيراً من بذيء الأقوال، ثم بعد ذلك يشكو من آثار ذلك، بل يجلب لأبنائه ولأسرته الأفلام الماجنة، أو التمثيليات الفاضحة، ولا يرى في ذلك غضاضة، وينشر في بيته مجلات وصور كثيرة، ثم نرى أن تفريطه في هذه المسئولية هو الذي يجر العاقبة، ليست عليه بل على أسرته كلها، بل على المجتمع من ورائه.
لو تصورنا أن كل إنسان قام بمسئوليته في هذه الدائرة التي تولى أمرها، وسيسأله الله عنها، وسيتعلق أفراد أسرته وأبناؤه به عند الله - عز وجل -، ويحاسبونه بين يدي الله - عز وجل -، ويتهمونه بما قصر في حقهم من النصح والتوجيه، والأمر والنهي، كل ذلك لو تأملنا أن الإنسان واجه به نفسه لانتهى الأمر. لو أن الإعلام فسد مهما فسد، لو أن البث المباشر جاء بالكفر البواح، وجاء بالفساد الذي ليس بعده فساد، لكنه لم يجد من يستقبله، ولا من ينظر إليه، ولا من يضيع وقته معه. فسنبقى في حماية لأنفسنا ولأبنائنا ولأسرنا.
إن سلاح المقاطعة ينبغي أن يعلم الإنسان أنه مسئول عنه ولذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - عمّق دائرة هذه المسئولية وأصَّلها وجذَّرها في المجتمع بشكل عام، عندما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما صح عنه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -:(كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) بدأ بأول صورة الإمام مسئول عن رعيته إلى آخر صورة لا يتصور فيها تحمل المسئولية وهو الخادم مسئول عن مال سيده، ثم كرر - عليه الصلاة والسلام -: (ألا وكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) فعندما نرى كثير من صور الخلل سندرك تماماً أنها مرتبطة بتفريط الأفراد فيما أمرهم الله به وفي تضييعهم لمسئوليتهم التي أناطها الله - عز وجل - بأعناقهم، ولذلك عندما نعلم هذا الأمر ينبغي لنا أن لا نشيع الخطأ، بل ينبغي أن نواجه به أنفسنا، لو أن كل واحد أصلح بيته وأقام أمر الله في أسرته، لكانت كثير من هذه الصور والانحرافات تزول تلقائياً، ولكن ضاع الشعور بهذه المسئولية وتبعتها من حياة الأمة.
الدائرة الثالثة: مسئولية المجتمع
أنت لست مسئولا عن نفسك ولا عن أسرتك فحسب، بل أنت مسئول عن المجتمع كله، وقد يبدو ذلك لأول وهلة غريباً أو بعيداً عن التصور، ولكنه هو الأمر الذي أراده الله - سبحانه وتعالى - من المسلم المؤمن الذي يفقه سر وجوده في الحياة، ويعرف غايته في هذه الدنيا، والله جعل شرف هذه الأمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} والله -عز وجل - جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دليل على المحبة والولاء، المحبة انبعاث قلبي، وميل نفسي، والولاء نصرة عملية، وتأييد فعلي، كيف يكون ذلك بالأمر والنهي؟ نحن نعلم أن الصورة التي تتبادر إلى الذهن عندما آمرك بالمعروف وأنهاك عن المنكر أني لا أحبك، وأني أبغضك، وقد تنقبض نفسك، وهذا فقه غير صحيح، وهو فقه غير إيماني، بل الفقه الإيماني الذي يذكره الله - عز وجل - في قوله: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض}، الولاء هو المحبة والنصرة. كيف يحققونه؟ قال: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} ينبغي أن تعلم أن مهمة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر نوع من الولاء للمؤمنين، ولذلك عدم حمل مسئولية المجتمع، وعدم تحمل مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هي التي يتسرب بسببها البلاء، ويشيع بسببها الخلل، دون أن يفطن له الناس، كيف يقع المنكر؟ وكيف تتجذر جذوره؟ وكيف ترسخ أركانه؟، عندما يقع المنكر فتغض الأبصار عنه، وتسكت وتخرس الألسن عن ذكره و ذكر خطأه، وتجبن القلوب عن بيان الحق، ويكون فيها من ينطبق عليه الوصف الذي جاء في الأثر" الساكت عن الحق شيطان أخرس " عندما يكون هناك في المجتمع شياطين خرس كثيرون، عندئذ يبقى المنكر وينتشر، و يكون خفياً فيظهر، ويكون قليلاً فيكثر، ثم بعد ذلك يهون في قلوب الناس، فلا يعود لهم إنكار له حتى في القلب. ثم بعد ذلك يصبح مبرراً مقبولاً، ثم ينقلب المنكر معروفاً والمعروف منكراً وليس ذلك أمره يتعلق بعموم الناس فحسب بل هو مبعثه من ذلك التفريط عندما لم يقم الفرد بمسئوليته.
يقول ابن كثير عند تفسير الآية التي سبقت الإشارة إليها {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}: والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فرض واجب على الأمة كلها، ولكنه كذلك فرض بحسبه على الإنسان المسلم، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: {من رأى منكم منكراً فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان} ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم (سيكون منكم أمراء تعرفون منهم وتنكرون) ثم قال عليه الصلاة والسلام (فمن أنكر بيده فهو مؤمن ومن أنكر بلسانه فهو مؤمن ومن أنكر بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان)، يسلب الإيمان عندما لا يكون غيرة على حرمات الله -عز وجل -، ولا انتصار لدين الله، ولا تحرك لمنع ارتكاب المنكرات، وتجاوز الحدود، وممارسة المحرمات، ولذلك شبه النبي - صلى الله عليه وسلم - التشبيه البليغ عندما قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها‏، كمثل‏ قوم استهموا ‏على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا ‏على من فوقهم؛ فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا)
إننا نحسن إليهم عندما ننكر عليهم، إننا نحسن إليهم عندما نضرب على أيديهم و نضيق الخناق عليهم، عندما نشنع على من أشاع المنكر منكره، وعندما نناجزه بكل ما نستطيع باليد أو باللسان أو بالقلب، ومن المسلّم به أنه ينبغي ألا يكون هناك مجال للترخص والتساهل في إنكار المنكر، لئلا يفضي إلى تشرب المنكرات والرضى بها، وانقلابها من منكر إلى معروف، إن مهمة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مهمة جماعية، وعندما يتخلى كل إنسان عن مسئوليته، و يقول كل إنسان:هذه ليست مسئوليتي، وينتظر الآخرين لينكروا المنكر عنه، ولينكروا المنكر بالنيابة عنه، تشيع المنكرات وتترسخ، ثم تصبح قوية معلنة، وأصبح الناس يقرون بها، وكثير منهم لا يدركون أنها منكرات، وأصبح هناك ضعف شديد في القيام بالإنكار عليها بعد أن استفحل شرها، وبعد أن تجذرت أصولها، ولذلك قال أبو بكر - رضي الله عنه -: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم) إنما حرمت الأمة إجابة الدعاء، وإنما تمكن منها الأعداء، وإنما ذل فيها الصلحاء، لأن كل فرد فيها لم يقم بهذه المهمة، ولم يبغض ذلك المنكر، ولم يُبدِ السخط على مرتكبيه، بل بش في وجوههم، واستقبلهم وصافحهم، بل ربما عظمهم. ووقع كثير من المسلمين فيما وقع فيه بنو إسرائيل، كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم – عنهم عندما كان أحدهم يرى صاحبه على المنكر، فيقول يا هذا لا تفعل فإنه لا يحل، (إن ‏ ‏بني إسرائيل ‏ ‏لما وقع فيهم النقص كان الرجل فيهم يرى أخاه على الذنب ‏ ‏فينهاه عنه فإذا كان الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وشريبه وخليطه...)‏‏ فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ‏
ولذلك نبهنا النبي - صلى الله عليه وسلم - على مثل هذه الأدواء، وتلك الأمراض التي فيها ترك مهمة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فمن تمام المسئولية الفردية التي يحاسب عنها الإنسان المسلم بين يدي الله - عز وجل - أن يقوم بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، و ألا يرى أن مسئوليته قاصرة على نفسه و بيته، لأن تركه لهذه المسؤولية العامة سيصيبه في نفسه وفي أهله، عندما تنتشر آثار تلك المنكرات وتستشري، وهذا هو واقعنا في حياتنا، في مجتمعاتنا، وفي مجتمعات الدول والأمم الإسلامية، إنما كان الأمر على هذه الصورة، عندما ترك الناس هذه المسئولية المهمة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفي حمل رسالة الإسلام في الدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى -، وفي استشعار الإنسان أنه مسؤول عن هذا الدين، وعن حرمات الله - عز وجل -، فتح الباب لكل جاهل و فاسق، ولكل عدو لينال من هذا الدين، فيدعو إلى الفسق والفجور، أو يكتب ما هو معدود من الزيغ والانحراف، وأن يقع الناس في كثير من المحرمات والمخالفات، دون أن يكون هناك صورة إيجابية في التغيير.
وعدم التغيير يفضي إلى تغير النفوس تجاه المنكر، وعدم الانفعال بالصورة الإيمانية المطلوبة، حتى يخشى أن يحق علينا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ولكن من رضي وتابع) وقوله: (وليس وراء ذلك حبة خردل) ولذلك تتمة هذه المسئولية تتعلق بأن يكون الإنسان المسلم يشعر بأنه مسئول عن كل صورة، وعن كل عمل في هذا المجتمع، لو تصورنا أن كل إنسان بهذه الصورة، لوجد أن مرتكب المنكر فرد أو فردين، وعشرة وألف من الناس يقولون: لا تفعل هذا لا يجوز، وهذا حرام، وهذا يقول: لماذا فعل هذا؟ وهذا يشتد عليه، وهذا يلين معه، وهذا ينصحه، وهذا يزجره، وهكذا تتوقف دائرة الفساد التي تبدأ كما تبدأ القطرة، تنقط فوق الصخرة فإذا القطرة تفتت هذه الصخرة، لأننا لم نحمي تلك الصخرة من أثر تلك القطرة.
قال الشاعر:
وأول الغيث قـطـر ثـم ينهمر **** ومعظم النار من مستصغر الشرر
وقال آخر:
لا تـحـقـرن صـغــيـرة **** إن الـجـبـال مـن الحصى
وهذا واقع حياتنا، واليوم نشكو ونشكو مما يقع في المجتمع، ولكننا قليلاً ما نتحمل ونقوم بمسؤليتنا لنغير هذا الواقع، وننكر ونبلغ دعوة الله، ونقول كلمة الحق، لا نخشى في الله لومة لائم.
وقفة أخيرة
أعلم بعد هذه الجولة أن الحديث لم يكن له بريق؛ فالبريق الأكثر لمعاناً، والأكثر خطفاً للأبصار، والأكثر حباً للنفوس هو النقد العام، الذي يكون موضوع حديثنا في الدرس القادم، أعلم أن الناس يريدون أن يتحدث المتحدث عن الحكومات الفاسدة، وعن الطغاة والجبابرة، وعن الإعلام المنحل، وعن التعليم المنحل...، فيقولون: نعم هذا هو الخلل، وهذه هي الأخطاء، لكنهم لا يستعذبون ولا يستلذون، عندما يقال لهم هذه المسؤولية الفردية التي تحاسب فيها عن قولك وعن نظرك وعن سمعك، وكذلك المسئولية التي تتحملها عن أهلك وعن زوجتك وعن ابنك، ثم أنت مسؤول أيضاً عن المجتمع، وعن جارك، وعن ما تراه بعينك، وعن ما تسمع عنه بإذنك لا يستعذبون هذا بل يريدون أن يشفوا غيظهم، وأن يكرروا تلك الصورة من الغيبوبة التي لا نريد أن نعيشها، ولا نريد للفرد المسلم أن يظل فيها، يريد أن يظل مغمض العينين، لا يرى إلا الآخرين، لا يريد أن تكون أمامه المرآة التي ذكرتها وأكرر ذكرها، أعلم من هذا الحديث الذي ذكرت بعض جوانبه، أنه ليس بالحديث الجديد، ولو أننا تفقهنا حق الفقه، ونظرنا بأعين قلوبنا، ومشاعر نفوسنا، ثم دققنا الحساب في يومنا وليلتنا، وأجرينا به الميزان في أقوالنا وأفعالنا لكنا في صورة أخرى.
فإني أؤكد مرة أخرى أن مبعث الخلل إنما هو ما يتعلق أولاً وأصلاً بهذه الدائرة الضيقة، وما الفائدة عندما يستعذب الناس ذلك الحديث الذي يتناول الآخرين ويتناول القمم العالية التي في غالب الأحوال ليس بإمكان الإنسان مباشرة وبأساليب سريعة أن يغيرها، ماذا ستفعل عندما تقول: أن الحكم ليس بما أنزل الله - عز وجل - وأن فيه فساداً؟ ماذا ستفعل عندما تؤكد وتقول ما يعرفه كل أحد، وما يسمعه كل إنسان، وما تراه كل عين من أن الإعلام فيه ما فيه من الانحراف والفسق والفجور، ولكنك أنت الملك والحاكم بأمر الله - عز وجل - فيما تملكه من الحواس، فنريد أن نقف أمام أنفسنا فيما نملك من التغيير، أنت تملك التغيير في نفسك، وفي بيتك وفي المجتمع القريب منك ثم لا تغير، فكيف تريد أن تغير فيما وراء ذلك من الأمور الكبيرة، والأحداث الجسيمة والخطيرة، إنها قضية خطيرة أن يعيش الإنسان في غيبوبة عقلية، يمارس النقد، ويعلو صوته بالنقد اللاذع، والكلمات الشديدة ثم يذهب بعد ذلك ليملأ بطنه بالطعام، ويملأ عينه بالمنام، ولا يغير في الواقع شيئاً، ولذلك ما بدأت به من حديث أحب أن أؤكد عليه؛ وهو أن الخلل مبعثه ومنشؤه أننا لم نغير ما بأيدينا؛ فكيف نريد أن نغير ذلك التغيير، والله - عز وجل - عندما ربط سنة التغيير في هذه الحياة قال: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} هذا الأمر الذي تملكه، وتلك القدرة التي في يدك، وتلك المسؤولية التي بين لحظة وأخرى تستطيع أن تمارسها، يستطيع كل إنسان، وكل رب أسرة أن يمارس عملاً ميدانياً تنفيذياً مباشراً، يستطيع أن يخرج الغناء الماجن، والأفلام الداعرة، يستطيع أن يمنع المجلات، يستطيع أن يربي الأبناء، يستطيع أن يقيم الزوجة والبنات على أمر الله - عز وجل -، فإذا عجز في ذلك فهو فيما وراءها أعجز، ولا نريد أن نبقى كما يريد لنا كثير من الساسة أو كثير من الأعداء والعملاء، أن نبقى أصحاب كلام، وأصحاب تفنن في الألفاظ اللاذعة، والتوريات العميقة التي - كما يقولون -: تلسع لسع العقرب. من غير ظهور ولا انكشاف، دون أن يكون هناك صورة تغييرية تأثيرية، وهذا الحديث أيضاً هو الذي ينبغي أن نذكره أولاً لماذا؟ لننصرف نحن إلى هذا الميدان الأول، وهو ميدان تغيير النفوس، ماذا تصنع لتغيير هذا المجتمع؟، غيّر أنت فرداً، وليغيّر الفرد فرداً آخر، وليغيّر الأفراد أفرادا آخرين حتى يتغير مجموعة من الأفراد، وتتغير بها مجموعات من الأسر، وتتغير بها مجموعات من البيئات والمجتمعات، يصلح بها كثير من الأحوال، و اعلم أن الخير الذي يحجب عن الأمة، والبلاء الذي ينزل بها، ليس بالضرورة دائماً أن يكون متعلقاً بالأمور والأعمال العامة، بل هو متعلق أحياناً بالحالات الفردية كما في البخاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (كنت أريت ليلة القدر فتلاحى فلان وفلان من الناس فرفعت). حجب هذا الخير بسبب ملاحاة اثنين من المسلمين، ومجادلتهما وارتفاع أصواتهما؛ فإن خلل النفوس والتقصير في الواجبات الفردية هو حائل من حوائل الرحمة، وموجب من موجبات العقاب، و هو الذي تترتب عليه الصور العامة، فينبغي أن لا نكون ممن يحبون النقد فقط، وأن لا نستمرئ الصورة التي قدمت بها في أول هذا الحديث، بل ينبغي أن نكون أكثر صراحة ومواجهة وتأثيراً، والتزاماً بالتغيير العملي في واقع هذه الدوائر، مسئوليتك الفردية، أو مسئوليتك الأسرية، أو مسئوليتك الاجتماعية، ولو تصورنا أن الثوب به رقع كثيرة وانشغل كل إنسان برقعة واحدة منها، مهما طال وقت رقعها وخياطتها؛ فإن بعد لحظة من اللحظات، سنجد أن كثير من هذه الرقع قد سترها هذا العمل، وأذهب عوارها، وكذلك كثيرة هي الأمور التي يترتب بعضها على بعض، وكما تكونوا يولى عليكم، وكما يكون حال الناس تكون الأجناس، وكما يقولون: من جالس جانس، وإذا شاع في النفس وفي الفرد الواحد علل وأمراض، فإن ذلك مؤذن بأن تكون فيما هو أوسع من الدوائر،، أحببت في آخر هذا الحديث أن أؤكد هذا المعنى، لأننا سنتعرض إلى تلك الصور العامة من الخلل، وتعرضنا لها ليس لغرض ذلك التلذذ الذي لا أحبه ولا أنصح به، ولا أريد أن يبقى الإنسان متعلقا به، ينفس به الإنسان عن نفسه، ويشفي به ما يجول في خاطره، أو ما قد يقع له من هم، وإنما أذكره لأمرين مهمين:
أولاً: الوعي والإدراك حتى إذا قمنا بحق أنفسنا نعلم العوار والخلل الذي يحيط بنا، والذي يفرض علينا، فلا نكون مغفلين، ولا نكون جهلاء بما يدبر لنا، وما يحاك حولنا،
ثانياً: أن نكون على أهبة الاستعداد بمكافأة تلك الأعمال العامة، بأعمال صالحة دعوية عامة، ليس المراد بالنقد هو شهوته ولا لذته، ولا نوع من التعالي والافتخار به، كما قد يقع في كثير من المجتمعات، وأنا أعلم وتعلمون أن الناس يميلون إلى من يحسن النقد اللاذع، ويتكلم بالصوت العالي، ويشخص بكل صراحة ووضوح، لكنهم لا يفطنون إلى ما هو متعلق بهم، وما ينبغي أن يكون أسلوب الحديث من الناحية العملية التغيرية، وأقول كما قال الله - عز وجل -: {أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} والبداية لرأب الصدع، ولتدارك ذلك الخلل العريض هو أن تبدأ من قيامنا بحق أنفسنا، فالله أسأل أن يبصرنا بعيوبنا، وأن يلزمنا قبول النصح والإرشاد، وأن يقينا نزغات أنفسنا وهواها وشهواتها، وأن يجعلنا ممن يقومون بالأمر حق القيام به.