إنا كفيناك المستهزئين

 

مشاركة من الأخ / عبد الرحمن بن مانع

 

"بأبي أنت وأمي يا رسول الله"

من المفترض ومن الواجب أن تكون الأديان والأنبياء وكتبهم مقدسة بعيدة عن كل تطاول وأن هناك خطوط حمراء على جميع الناس في شتى بقاع الأرض إحترامها وعدم المساس بها لان ذلك يعني مساس بمعتقدات أمة وكما هو معروف أ من يؤمن بعقيدة معينة فإنه سيفديها بكل ما يملك إذا شعر أن هناك من يستهزئ بها أو يسخر منها (فلا تصبوا الزيت على النار) ولكم دينكم ولي دين.

كان في العرب قديما قبل الإسلام أوساط متنوعة تختلف أحوال بعضها عن بعض ، فكانت علاقة الرجل مع أهله في الأشراف على درجة كبيرة من الرقي والتقدم ، وكان لها من حرية الإرادة ونفاذ القول وكانت محترمة مصونة تسل دونها السيوف ، وتراق من أجلها الدماء ، بينما كان هناك في الأوساط الأخرى أنواع من الأختلاط بين الرجل والمرأة ، لا نستطيع إلا أن نعبر عنه إلا بالدعارة والمجون والفاحشة والسفاح.

ومنهم من كان يدفن البنات خشية العار والإنفاق ويقتل الأولاد خشية الفقر والإملاق وكان أساس الترابط بين القبائل هو الإنتماء للقبيلة والعصبية فكان المثل السائد عندهم أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً على المعني الحقيقي حتى جاء الرسول صلى الله عليه وسلم وعدل هذا المثل بأن نصر الظالم هو دفعه عن ظلمه ، أما العلاقة بين القبائل فكانت مفككه ، تقوم الحروب بينهم لأتفه الأسباب وتستمر عشرات السنين. وكانت المرأة تباع وتشترى كالعبد ليس لها قيمة وليس لها مكان وكانت كفة القوة هي السائدة القوي يأكل الضعيف وكان هم الحكومات أن تمتلئ خزائنها من المال ظلماً للرعية وجباية وتعسف وضرائب تجعل الناس عبيداً للحكام.

وكان الفقر هو السائد في جزيرة العرب فكانت أفقر الأمم وكانوا أبعد الأمم عن الصناعة إلا القليل منها في أطراف الجزيرة العربية وكانت الخرافات منتشرة والكهانة والسحر والشعوذة وعبادة غير الله من الأصنام والأوثان والأحجار حتى أذن الله ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وأذن الله للأرض أن يسودها السلام وأن يعم الخير في أرجائها وأن يشع النور في العالم بعد الظلام وأن تبقى هذه الرسالة الخالدة إلى قيام الساعة وكان محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين وهو الذي أصطفاه الله لحمل الرسالة إلى العالم كله من بين العالمين وقد مدحه رب العالمين فقال عنه وإنك لعلى خلق عظيم وأقر شريعته بإنها رحمة من عند الله للعالمين فقال وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. جاء محمد صلى الله عليه وسلم والعالم فوضى والناس حيارى والظلم علا في الأرض وسادت بين الناس عادات وتقاليد سيئة وأصبح الإنسان يباع ويشترى وتستهلك حقوق الضعيف من القوي ولم تعد في تعامل الناس المبادئ والقيم والأخلاق العالية إلا قليلاً فجاء محمد وعمل على تغيير هذا العالم وواجه محمد وأصحابه أصناف العذاب والسخرية والأستهزاء والمقاطعة من أبناء قبيلته بل ومن أعمامه وأقاربه لكنه وقف صامداً حتى نصره الله يكفينا أن نذكر ما وصف ما جاء به محمد واحد من أصحابه وهو جعفر بن أبي طالب عندما أمرهم محمد صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى الحبشة فلحقوا بهم على رأس وفد من كفار قريش وحملوا الهدايا للنجاشي ودبروا لهم مكيدة لكنهم لم يفلحوا فلنسمع ما قال جعفر عن محمد ورسالة الإسلام.

قال جعفر بن أبي طالب للنجاشي وكان هو المتكلم عن المسلمين: أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك ، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعقابه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد الله وحده ، لا نشرك به شيئاً ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدقناه ، وأمنا به ، وأتبعناه على ما جاءنا به من دين لله ، فعبدنا الله وحده ، فلم نشرك به شيئا ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا ، خرجنا إلى بلادك ، واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.

وطلب الملك النجاشي من جعفر وسأله هل معك شيء مما جاء به محمد فقرأ عليه سورة مريم فلما سمعها بكى حتى أخضلت لحيته وبكت معه الأساقفة ثم قال كلمته الشهيرة أن هذا وما جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة فلما كان الغد رجع عمرو بن العاص حيث كان رئيس وفد قريش إلى النجاشي قائلاً أيها الملك أن هؤلاء المسلمون يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً فأرسل إليهم الملك وسألهم ماذا تقولون عن عيسى ففزعوا ولكنهم أجمعوا على أن يقولوا الصدق كائناً ما كان ، فلما دخلوا عليه وسألهم قال له جعفر: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.

فأخذ النجاشي عوداً من الأرض وقال: والله ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود ، فغضب بطارقته فقال الملك وإن غضبتم.

ثم قال للمسلمين: إذهبوا فأنتم شيوم بأرضي والشيوم بمعنى الأمان من سبكم غرم من سبكم غرم من سبكم غرم ، ما أحب أن لي دبراً (جبل) من ذهب وأني أذيت رجلاً منكم. ثم أمر برد الهدية التي جاء بها كفار قريش وخسر وفد قريش وفشلت مهمته وتحطمت آماله أمام صدق هذا الدين والذي يتخاطب مع الفطرة ولم يأتي على أنقاض دين آخر وإنما كان متمماً للأديان السماوية التي أمرنا كمسلمين بالإيمان بها وإحترامها وعدم إكراه الآخرين على دخول ديننا فنحن مـأمورون بالإيمان بالرسل وكتبهم جميعاً وهذا ركن من أركان الإيمان الذي لا يكمل إيمان المرء إلا به وأمرنا ديننا أن نتعايش مع أهل الكتاب في كل شئون الحياة والتاريخ ووقائعه لخير دليل على كل هذا عندما وقف الأمام علي بن أبي طالب واليهودي كخصمين أمام القاضي شريح وحكم لليهودي وهذه هي عدالة الإسلام

كان صلى الله عليه وسلم أعدل الناس ، وأعفهم ، وأصدقهم لهجة ، وأعظمهم أمانة ، أعترف له بذلك البعيد والقريب ، العدو والصديق وكان أشد الناس تواضعاً ، وأبعدهم عن الكبر ، يمنع عن القيام له كما يقومون للملوك ، وكان يعود المساكين ، ويجالس الفقراء ، ويجيب دعوة العبد ، ويجلس في أصحابه كأحدهم قالت عنه زوجته عائشة "كان يخصف نعله ، ويخيط ثوبه ، ويعمل بيده كما يعمل أحدكم في بيته ، وكان أوفى الناس بالعهود ، وأوصلهم للرحم ، وأعظم شفقه ورأفه ورحمة بالناس ، أحسن الناس عشرة وأدباً ، وأبسط الناس خلقاً ، أبعد الناس من سوء الخلق ، لم يكن فاحشاً ، ولا متفحشاً ، ولا لعاناً ، ولا صخاباً في الأسواق ، ولايجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح ، وكان لا يدع أحداً يمشي خلفه ، وكان لا يترفع على عبيده وإمائه في مأكل ولا ملبس ، ويخدم من خدمه ، ولم يقل لخادمه أف قط ، ولم يعاقبه على فعل شيء أو تركه قال عنه هند بن أبي هالة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان ، دائم الفكره ، ليست له راحة ، ولا يتكلم في غير حاجة ، طويل السكوت ، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقة لا بأطراف فمه ، يتكلم بجوامع الكلم – فصلاً لا فضول فيه ولا تقصير ، يعظم النعمة وإن دقت ، لا يذم شيئاً ، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها سماحة إذا أشار أشار بكفه كلها.

كان يخزن لسانه إلا عما يعنية. يؤلف أصحابه لا يفرقهم ، يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره "وجهه". يتفقد أصحابه ، ويسأل الناس عما في الناس ، ويحسن الحسن ويصوبه ، ويقبح القبيح ويوهنه. معتدل الأمر ، غير مختلف ، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا ، لا يقصر عن الحق ولا يتجاوزه إلى غيره ، لا يميز لنفسه مكانه. كان دائماً البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ، ولا فحاش ، ولا عتاب ، ولا مداح ، يتغافل عما لا يشتهي. لا يتكلم إلا فيما يرجوا ثوابه. يصبر للغريب على الجفوة في المنطق. وهذا غيض من فيض.

فيا أيها المسلمون هذا نبيكم يا من ترجون رضا ربكم ودخول الجنة إن الله يقول "قل أن كنتم تحبون الله فأتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم".

إن واجبنا عظيم نحو هذا الرسول الكريم والرحمة المهداه ونعمة الله للعالمين جميعاً أيها المسلمون أن واجبنا نحو هذا الرسول الكريم كما يلي:

1) المحبة والتقدير والتعظيم.

2) الإتباع لما جاء به والإلتزام بهديه وسنته وأن ينعكس هذا على أخلاقنا وتصرفاتنا كلها فكما نعلم أن هذا الدين نشر في بقاع كثيرة من الأرض لما رأى الناس من أخلاقيات وسلوكيات في المسلمين.

3) القيام بنشر هذا الدين والبلاغ بما نستطيع وأن يكون لسان حالنا نقول والله يارسول الله إننا نحبك أكثر من أنفسنا ومالنا وأهلنا"

4) الدفاع عن هذا الدين ومعاداة من عادى الله ورسوله لقوله تعالى "يآيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وإنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم" صدق الله العظيم

 

 

عودة للصفحة الرئيسية