كيف تقيّم ثقافتك عن القضايا الإسلامية ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
عطاء المشرف
عدد الزيارات : 265
خطبة الجمعة بعنوان الورقة الرابحة
16 يناير, 2017 - 18 ربيع الثانى 1438هـ

الخطبة الأولى

إخوة الإسلام والإيمان

وصية الله سبحانه وتعالى في آيات القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران: 102).

معاشر المسلمين

الورقة الرابحة، يذكرونها أحياناً فيما يتعلق بالاقتصاد، ويعنون بها عملات معينة دائماً من قوتها تنفع صاحبها وتربحه، أحياناً يذكرون الورقة الرابحة على الذي يتسبب في الفوز من الفريق، وأنا أحدثكم اليوم عن الورقة الرابحة التي ليس لها مثيل، ولايمكن أن يوجد لها نظير، لأنها رابحة في كل وقت، مع الصديق والعدو، ورابحة في امتداد الزمان في الدنيا وفي الآخرة، ورابحة مع تغير العلاقة مع الله ومع الخلق، رابحة دائماً وأبداً، وهي التي يمكن أن يكون اكتسابنا لها أمراً يسيراً على من يسره الله له، وربما نبحث عن الربح هنا وهناك بعيداً عنها لأمور من تقصيرنا وتفريطنا، وربما كذلك من نقص تفكيرنا ومعرفتنا، الورقة الرابحة هي السبب الأكثر للأمل الأكبر، أي أمل عندكم تأملونه في هذه الحياة، استمعوا لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال : (تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ) وإذا نظرنا وجدنا الورقة الرابحة هي السبيل الأرجى للمنزلة الأعلى، وأي منزلة أعلى مما نعرفه ونجده في قوله عزوجل: {وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (آل عمران:146) {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (البقرة:222) {وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران:134) كل الأخلاق محبوبة عن الخالق سبحانه وتعالى، وفي حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي رواه الطبراني في الكبير والحاكم في مستدركه، (أَحَبُّ عِبَادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ ؟ ، قَالَ : أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) فأعظم مرتبة هذه المحبة ورقتها الرابحة حسن الخلق، وأيسر الاختصار لزيادة الأعمار هي الورقة الرابحة مرة ثانية وثالثة ورابعة، وفيها حديث سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: (حُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ ، وَيَزِيدَانِ فِي الأَعْمَارِ) رواه أحمد في مسنده بسند صحيح، الورقة الرابحة أتم الكمال لإيمان الرجال تصديقاً لحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم : «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا») راه الترمذي وحسنه الحاكم وصححه.

وإذا شئنا أن ننظر إلى زاوية أخرى أوسع ربما لاتتعلق بنا مباشرة لكنها تتعلق بعظمة ديننا، وبجلال قدر نبينا صلى الله عليه وسلم، فإننا سنجد أن الورقة الرابحة هي الغاية النهائية للرسالة الإسلامية، كما أوجز في قوله عليه الصلاة والسلام: «بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ» رواه أحمد من حديث أبي هريرة ورجاله رجال الصحيح، أوجز النبي  صلى الله عليه وسلم كل رسالته الخاتمة ونبوته الخالدة بهذه الغاية العظيمة في الورقة الرابحة، «بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ» وإذا نظرنا إلى الوصف الأعظم للنبي الأكرم فإننا نجد قولا الحق جل وعلا أمامنا: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم:4) أظن أن في ما ذكرت ما يلفت النظر لأمور كثيرة نعتني بها ونهتم لها، وطريقها القريب وسبيلها اليسير هو في حسن الخلق، تلك الورقة الرابحة التي أزيدكم فيها مانبحث عنه من أجر وثواب وحسنات، فنحن ندرك أن الثقل الجسيم لليوم العظيم هو في حسن الخلق كما قال صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ شَىْءٍ يُوضَعُ فِى الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ» وخذوا من هذا كثيراً، لكنني هنا أقف وأتساءل ألسنا ندرك هذا ونعرفه؟ ألم تمر بنا مثل هذه النصوص؟ ألم نسمع من قبل هذه الأحاديث؟ ألسنا دائماً نعيد ونكرر أن نبينا صلى الله عليه وسلم هو النموذج الأمثل في الأخلاق الفاضلة السامية؟ أحسب أن الجواب من الجميع بلى نعرف، وهنا نسأل لماذا هذا الفقر المدقع في الأخلاق؟ لماذا هذا القصور المفزع في المعاملات؟ لماذا هذه الصورة المشوهة في التعاملات؟ إننا نعاني في الحقيقة انفصاماً خطيراً، ورؤية متناقضة، مابين عظمة إسلامنا وما بين واقع حالنا، لسنا ممن يزيد الطين بلة ولا يعمم القصور، ولكنني أريد أن أشير إلى أن الورقة الرابحة قد تكون في جيوبنا، لكننا للأسف الشديد لا نحسن استثمارها ولا استعمالها، فهي التي يمكن أن تكون دائماً الأفضل والأكمل، وأزيد مايفيدنا وما ينبهنا إلى قصورنا، من أين نجد هذه الأخلاق؟ أين نبحث عنها؟ إنها في عباداتنا التي نؤديها ونمارسها {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} (العنكبوت:45) منبع أخلاقي فريد، كل يوم يتكرر علينا خمس مرات، وأشار المصطفى صلى الله عليه وسلم إشارة بليغة عظيمة في تصوير حسي مثالي عندما قال: « أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَىْءٌ». قَالُوا لاَ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَىْءٌ. قَالَ « فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا» والخطايا ذنوب وآثام والخطايا كذلك سلوكيات وأخلاقيات سيئة، فكذب الحديث من الخطايا، وإخلاف الوعد من الخطايا، وخيانة الأمانة من الخطايا، وغير ذلك مما نعلم من الخطايا، والزكاة تطهير قلبي نفسي {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} (التوبة:103) هذه هي الغايات العظيمة، التي ينبغي أن تكون منبعاً يفيض على قلوبنا ونفوسنا وعقولنا وأرواحنا هذه الأخلاق الفاضلة، فتنعكس قولاً ونظراً وفعلاً في كل الأحوال وفي سائر المجالات، والصوم كذلك كما نعلم (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) و{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} (البقرة:197) كل هذه الغايات الأخلاقية هي روح وجوهر أساسي في العبادات والفرائض، وأيضاً نجد الأخلاق إننا نجدها في أعظم ماخصنا الله به، من كلامه العظيم في كتابه الكريم، آيات القرآن ليست كلها أحكام وليست كلها عقائد، بل أكثرها في جانب الأخلاق بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } (الأعراف:199) أليس هذا أمر الله؟ أليس (خُذِ الْعَفْوَ) كأقم الصلاة؟ أليس هذا مثل هذا؟ أليس هذا كله من كلام الله، أليس هذا كله في كتاب الله؟ {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ} (النحل:127) وغير ذلك مما لا نطبقه في واقع حياتنا، إذا اختلفنا إذا تنازعنا، إذا حصل من أحد عدوان وأذى علينا {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (فصلت:34) هل نستحضر هذه الآية عندما يشتمنا شاتم أو يعتدي علينا آثم، فنكون ممن يرتفع بأخلاقه ويرد الإساءة بإحسان أو بغض، كما الله سبحانه وتعالى في وصف عباد الرحمن {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً} (الفرقان:63) بل إن الله يوجهنا إلى نظر أبعد {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} (الأنعام:108) وغير ذلك كثير في آيات الله، القرآن كله مدرسة الأخلاق، مدرسة الأخلاق في قصة يوسف عليه السلام، من الحياء ومنع الحسد والعفة وغيرها، وغير ذلك كثير.

ومدرسة أخرى أيضاً بين أيدينا نستطيع أن نقتبس منها في كل حركة وسكنة، وفي كل مجال وميدان، رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم جمع الله له بين أمرين ليس بالضرورة أن يجتمعا، فقد يكون المرء حسن الخلق لكنه ليس حسن الخلقة، وقد كان من هؤلاء كثر، منهم عطاء بن أبي رباح من أئمة التابعين من أهل العلم والفضل والخلق والتقى، كان دميم الخلقة لكن الله عزوجل جعل رسوله صلى الله عليه وسلم أجمل الناس خَلقاً، وأكمل الناس خُلقاً، وهنا سنجد كل شيء، الخلق في القول وفي النظر وفي المعاملة ومع الأهل ومع الأصدقاء ومع الأعداء وفي السلم وفي الحرب، وفي الحركة وفي السكنة وفي كل ميدان من هذه الميادين، ونحن نريد الورقة الرابحة التي أخبرنا هو صلى الله عليه وسلم بغنائها وثرائها ونفعها وفائدتها في كل الأحوال وعلى امتداد الزمان بل إلى مابعد الحياة الدنيا في الأخرة.

وانظر كذلك إلى جانب آخر، وهو جانب الأعلام من القدوات، في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم آلاف من أصحابه رضوان الله عليهم، سنجد رقة أبي أبكر وعدل عمر وحياء عثمان وشجاعة علي، وأنوار مقتبسة من تلك الهامات العظيمة والقدوات السامية، وغيرهم على مدى تاريخ أمتنا العظيم، فيهم قدوات كثيرة يمثلون أنموذجاً أخلاقياً يعكس هذا الإيمان، ويصور حقيقة هذا الإسلام، وتظهر فيه آثار العبادة، وليس كحال انفصامنا وابتعادنا الذي نراه في واقعنا اليوم، وإذا أردنا أن نمضي فإننا سنقترب الآن أكثر فأكثر، المعلمون والمعلمات من مصادر التربية الأخلاقية، إما سلباً وإما إيجاباً، ومما ذكر عن عقبة بن أبي سفيان أنه قال لمؤدب ولده: (ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح ولدي إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة عليك) المعلمون والمعلمات قدوات، فإذا كذبوا في حديثهم أو أخلوا بواجباتهم أو كانوا نابين أو آخذين بالكلام البذيء في حديثهم، فإن ذلك ينعكس على تلاميذهم، وربما نجد أثراً لهذا واضحاً في واقع حياتنا، ونقترب أكثر فأكثر لنوجه الحديث إلى كل واحد منا، الآباء والأمهات، هم سيما للأطفال الصغار المصدر الأول والبصمة الأعظم لتأكيد هذه الورقة الرابحة في نفوس الأبناء، وكلنا ربما يحفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما قالت المرأة لابنها تعال هاك اعطك فلما جاء أعطته تمرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما إنك لو لم تعطه لعدت أو لكتبت كذبة) كم نكذب كذباً كأنما نعلم فيه أبنائنا، قله لست موجوداً، لاترد عليه وقل له كذا وكذا، نحن نزرع الورقة الخاسرة بأنفسنا، وننزع الورقة الرابحة بسلوكياتنا، كم نحن في حاجة إلى هذه المراجعات إذا أردنا تلك الورقة الرابحة، وكنا معتقدين بأهميتها، وأهميتها خطيرة جداً لأنها هي وجه مجتمعنا، إن الناس لن ينظروا إلى صلاتنا وإن طالت، ولا إلى صيامنا وإن امتد، ولا إلى عمرتنا وحجتنا إن تكررت، لأن ذلك لن يصلهم منه شيء فهو بينك وبين ربك، لكنه سيصله منه تبسمك في وجهه، وحسن كلامك إليه، وصدق وعدك ووفائك له، تلك هي الأخلاق

فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت                  فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا

إن الناظر إلينا من غير ملتنا وإن المعايش لنا والساكن بيننا من غير ديننا لن يعرف عن ديننا وعن ثقافتنا وعن مجتمعاتنا إلا من أخلاقنا، وإن تشدقنا بما قد نقول من الأمثال فإنه لن يغير ذلك من نظرته عنا، لكن خلقاً واحداً ومعاملة حسنة ربما تغير، وقد سبى النبي صلى الله عليه وسلم قلوب كثيرين ممن كانوا ألد أعدائه بعظمة وحسن خلقه عليه الصلاة والسلام، فالورقة الرابحة بين أيدينا، أسأل الله عزوجل أن ييسر لنا العناية بها والاهتمام بها والحرص عليها والسعي إليها والتعليم لها، اللهم كما حسنت خلقنا فحسن أخلاقنا، اللهم أهدنا لأحسن الأخلاق فإنه لايهدي لأحسنها إلا أنت، وأعذنا اللهم من شر الأخلاق فإنه لايعيذنا منها إلا أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

إخوة الإسلام والإيمان

وإن الورقة الرابحة التي نتحدث عنها أمرها مهم، ولأن كنا نحرص على أن نتعلم - وهذا واجب - أن نتعلم العقيدة وأن نعرف الفقه في العبادات، لكننا مطالبون بأن نتعلم الأخلاق وأن ندرسها، نحن في مناهجنا ندرس الرياضيات والفيزياء والكيمياء لكننا ربما لانخصص موادً خاصةً تدرس في الأخلاق والقيم الإسلامية، التي نحتاج إلى ترسيخها والتربية عليها، ونحن هنا نجد أيضاً أن الدروس العلمية تغلب في المجالات كلها من العلوم المختلفة في التفسير وفي الحديث والفقه وربما يكون الأقل منها في التزكية والتربية والأخلاق، والجميل هنا أن الأخلاق في الإسلام واحدة، ليست عندنا أخلاقاً شافعية وأخرى خنفية وثالثة حنبلية أو مالكية الخلق واحد، والخلق مع الجميع واحد، {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة:8) العدل مع العدو كالعدل مع الصديق، بل ينبغي أن يكون الإنصاف حينئذ أكثر تحرياً وأشد دقة، حتى لايكون هناك ميل بالنفس إلى من هو على دينك أو إلى من هو ذو قرابتك ونحو ذلك، إذاً نحن نتكلم عن قضية هي من صلب ديننا، هي من أساس إيماننا وهي من ثمرات عبادتنا وهي في آيات قرآننا وهي مشاهدة وغالبة في سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم، وهي روحٌ وجوهر أساسي في حضارتنا، ومع ذلك لازال هذا الأمر متغيباً بقدر كبير.

والأخلاق لها مزايا أخرى، فهي فطرية ليست بحاجة إلى أن يتكلفها الإنسان، فالإنسان السوي ذو الفطرة النقية يميل إلى الخلق الحسن، وتأسره الأعمال والأخلاق الفاضلة، لأنه بطبيعته:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم              فطالما استعبد الإنسان إحسان

الإنسان أسير إلى من يحسن إليه ، الكلمة الطيبة تؤثر فيه، الابتسامة المشرقة تسعد قلبه، وبالتالي تعود أو تتجسر العلاقات وتتحسن الصِلات فيما بيننا ويكون المجتمع يكون له صورة أخرى، والأخلاق اجتماعية فالصدق في كلامك مع الناس، والوعد في أعمالك معهم، والأمانة في بيعك وشرائك معهم فأنت ليس الأخلاق أن تكون وحدك، كما قال الرافعي الأديب عمن يعتزل المجتمع خوفاً من الرذائل قال: (فلعمري إن اعتزالك لهو رذيلة الرذائل، فمن أين يعرف صدق الرجل ولم يتحدث مع أحد، ومن أين تعرف أمانته ولم يتعامل مع أحد) وهكذا، ينبغي أن ندرك أن الأخلاق روح تسري في المجتمع، فإذا نضبت فإن ذلك يؤدي إلى الجفاف الذي نراه، إلى اليبس في العلاقات وإلى التنافر والانشغال بالذات، وتضخم الأنانية على حساب المجتمع، والأخلاق أيضاً في طبيعتها نافعة ومفيدة، تجلب لك الخير والثمرة القريبة فضلاً عن العاجلة، والثمرة الدنيوية فيما تراه من المعاملات حتى تجارياً، إن كنت أميناً في تجارتك ستزيد أرباحك ويعظم زبائنك ويكثرون وهكذا ، فضلاً عما ترجوه من أجر ومثوبة عند الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك أيضاً تحتاج هذه الأخلاق إلى مجاهدة، لأن من الأخلاق ما هو فطرة وهبة وجبلة من الله سبحانه وتعالى، يعطي الله عزوجل إنساناً سعة في البال والصدر فيكون حليماً ليس سريع الغضب، كما جاء في حديث أشج بن عبد القيس في الصحيح: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ» فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، أَنَا تَخَلَّقْتُهُمَا ، أَوْ جَبَلَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمَا ؟ قَالَ : بَلِ اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا قال يا رسول لله جبلت عليهما) لكن النبي صلى الله عليه وسلم بين لنا من وجه آخر أن الأخلاق يمكن أن يكتسبها المرء وأن يجتهد في تحصيلها، فهو الذي قال لنا عليه الصلاة والسلام (إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ) وفي الحديث الصحيح قال: (مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفُّهُ اللَّهُ ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ) أي من يطلب الصبر ويجتهد فيه ويغالب نفسه عليه ويجاهدها فيه سوف ينال ذلك عاجلاً أو آجلاً، فينبغي لنا أن نجاهد أنفسنا في ذلك لنمثل صورة الإسلام الصحيحة على الوجه المطلوب.

أحسب أن الحديث لو يطول يميناً ويساراً ولو نذكر فيه قصصا وأخباراً لايفيد ذلك شيئاً ما لم تكن هذه الأمور:

أولها: أن نوقن أن الأخلاق جزء أساسي من ديننا من إيماننا من عبادتنا ونعطيها أولويتها اللائقة بها.

 ثانياً: أن ندرك أن من أسباب تحصيل سعادة الدنيا ونجاة الآخرة حسن الخلق كما جاء في النصوص.

ثالثاً: أن نلتمس الأجر والثواب والحسنات بحسن الأخلاق، بالبشاشة بالإهداء بغض الطرف بكف الأذى، ونعتقد أن هذا يزيد ميزان حسناتنا كما تزيده صلاتنا وتلاوة قرآننا وغير ذلك من الأعمال الصالحة.

رابعاً: أن ندرك أن هذا من واجباتنا تجاه أبنائنا وتجاه مجتمعنا تجاه أبنائنا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} (التحريم:6) وتجاه مجتمعنا {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} (التوبة:71) لابد أن نقوم بهذا الواجب الإصلاحي العظيم، في نشر الأخلاق والتربية عليها والتعريف بها، ولدينا من كتاب الله وسنة رسوله وتاريخنا ماليس عند أمة من الأمم، وللأسف الشديد أن بعضاً من أبنائنا اليوم ينبهرون بما قد يكون من صور في تلك المجتمعات شرقاً وغرباً، وينسون أنهم في كتابهم وأنهم في سنة نبيهم وأنهم في إسلامهم أعظم من ينبغي أن يكونوا قائمين بهذه الأخلاق وممثلين لهذه القيم.

أسأل الله سبحانه وتعالى كما حسن خلقنا أن يحسن أخلاقنا، وأن يهدينا لما يحب ويرضى، اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد وألهمنا الرشد والصواب، اللهم إنا نسألك أن ترينا الحق حقاً وترزقنا اتباعه وأن ترينا الباطل باطلاً وترزقنا اجتنابه، اللهم اهدنا لما اختلف من الحق بإذنك، اللهم اجعلنا سلماً لأوليائك، حرباً على أعدائك، ووفقنا اللهم لطاعتك ومرضاتك، أسبغ علينا نعمتك، وأسبغ علينا سترك، وأحسن ختامنا وعاقبتنا في الدنيا والآخرة.

 

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0