كيف تقيّم ثقافتك عن القضايا الإسلامية ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
عطاء المشرف
عدد الزيارات : 190
جثا على ركبتيه
20 مارس, 2017 - 21 جمادى الثانية 1438هـ

عناصر الخطبة:

* فلا تظالموا.

* بيئة الظلم.

* التربية السيئة.

* آثار وخيمة.

* واجبات عملية.

 

الخطبة الأولى:

معاشر المؤمنين

وصية الله سبحانه وتعالى للأولين والآخرين، تقواه في كل حين {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ} (النساء:131).

معاشر المؤمنين

* فلا تظالموا:

أمر جلل، وخطب عظيم، وكارثة كبرى، ذلك الذي لا يجعلنا نعطي للأمور قدرها وحقها وعظمتها كما جاءت في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، تهوين العظيم خطر كما أن عكسه كذلك، أبو إدريس الخولاني من أئمة التابعين روى عن أبي ذر رضي الله عنه حديثاً عظيماً، وقال أهل العلم كان إذا حدّث هذا الحديث جثا على ركبتيه، أي من تعظيمه لما فيه، من استشعاره لما يجب عليه تجاهه، وهذا الحديث عظيم جليل طويل محفوظ، يكفينا في عظمته أنه حديث قدسي من كلام الله سبحانه وتعالى، حديث أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العزة والجلال أنه قال: (يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا) لاشك أنه أمر عظيم، أن يبرأ الله جل وعلا من الظلم، وأن يخاطب عباده بأنه حرمه على نفسه، ولو تأملنا قليلاً لوجدنا ذلك في كتاب الله موفوراً في آيات كثيرة، كقوله سبحانه وتعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} (فصلت:46) بل إن الحق سبحانه وتعالى يصف براءته وتنـزهه عن الظلم وصفاً دقيقاً كما في قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً} (يونس:44) أي مطلقاً ولا قليلاً ولا كثيراً، بل كما قال جل وعلا: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} (النساء:40) وهذا ولا شك فيه دلالة عظمية لامنتهى لها على حرمة الظلم وعظمة خطورته، والحرمة هنا ظاهرة باللفظ التوكيدي (إِنَّ اللّهَ) وبقوله عزوجل: (حَرَّمْتُ) بلفظ التحريم، ثم بتكرار لفظ التحريم (وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا) ثم بتأكيد الدلالة الظاهرة بالنهي في قوله (فَلاَ تَظَالَمُوا).

وومضة أخرى أحسب أنها في مقام عظيم ينبغي أن تلتفت إليه أنظارنا، وهو موقف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه من الظلم، وهو ينصب نفسه قدوة للأمة وللبشرية، ويبين لنا الحساسية الإيمانية العظيمة من هذا الظلم، فها هو أبو هريرة رضي الله عنه يروي لنا من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ» رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ بربه من أن يظلم أو يظلم، وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يظلم، لكنه يعلمنا أن أمر الظلم خطير، وأن البراءة منه ليست بيسيرة، وأنه لابد للمرء أن يستعين بربه استعاذة حتى يبرأ من هذا الظلم، بل إن هذا الحديث قد روي بلفظ عن أبي هريرة فيه الأمر لنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تعوذوا بالله من الفقر والقلة والذلة وأن يظلم أحدكم أو يظلم) رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه، قال ابن رجب رحمه الله في وصف التأثر والالتزام الذي ينشأ عن فقه النصوص والإيمان بها قال: (فمن سلم من ظلم غيره، وسلم الناس من ظلمه، فقد عوفي) وكان بعض السلف يقول: (اللهم سلمني وسلم مني) لا أحد يظن أنه لايمارس ظلماً فنحن – إلا من رحم الله – قد نقع في الظلم في كل يوم، في معاملات كثيرة، مع أبنائنا مع أزواجنا مع من يعملون معنا من خدمنا، بل إنه يقع ظلمنا لأنفسنا، وهذا غيض من فيض، وتأمل إلى تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لنا من خلال فعله الذي هو قدوتنا، يجعل ذلك الأمر ديدناً لنا في كل يوم، فقد روى زيد بن ثابت في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأذكار التي تقال كل صباح ومساء: قل كل يوم حين تصبح والحديث طويل قال وفيه: أَعُوذُ بِكَ اللَّهُمَّ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَعْتَدِيَ أَوْ يُعْتَدَى عَلِيَّ) رواه أحمد في مسنده والطبراني وقال الهيثمي رجاله ثقات، وفي حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا إذا خرج أحدنا من منزله في كل يوم أكثر من مرة أن يقول: (بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ) ثم يدعو (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَضِلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ) فهل نستشعر فعلاً هذا المعنى العظيم الذي تبرأ الله جل وعلا بجلاله منه، وذكره في آيات كثيرة، وتبرأ منه رسولنا صلى الله عليه وسلم يذكره في دعائه وفي ذكره ويتعوذ منه على هذا النحو، لأن الظلم ظلمات يوم القيامة، وظلم الإنسان لنفسه يقع باطّرافه ما حرم الله عليه، وبانسياقه وانصياعه لهواه على أمر ربه ومولاه، ولذا قال جل وعلا: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (النحل:118) وظلم الإنسان للآخرين باب واسع لا منتهى له، يكفي أن نستمع فيه إلى جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم في كلمات ثلاث، لكن تفصيلها وتفريعها وصورها كثيرة جداً، عندما بين النبي صلى الله عليه وسلم الحرمة من المسلم على المسلم فقال: (إَنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ) فكل عدوان على عرض ولو بكلمة سخرية واستهزاء، وكل عدوان على مالٍ ولو في قليلٍ، وكل عدوان على نفسٍ ولو بجرحٍ، فكل ذلك داخل في هذه الحرمة العظيمة للظلم، بل إن الحق سبحانه وتعالى قد ذكر صوراً من ذلك منصوصاً عليها، لفظ الظلم كما قال جل وعلا: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} (النساء:10) والنبي صلى الله عليه وسلم يصف بعض المعاملات ويدمغ عليها بوصف الظلم لاستحقاقها ذلك فيقول: (مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ) مماطلته وهو قادر على أن يفي ويوفي، وكم في المحاكم والقضايا، من ذلك التهرب والتلاعب والتسويف في حقوق الناس ما نعلم منه الكثير.

* بيئة الظلم:

وانظر كذلك إلى أمر أعم، أحسب أن جل الناس لايكاد يبرأون منه {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} (الأحزاب:58) أذية المؤمن كما قلت ولو بسخرية أو بغيبة أو بنميمة كل ذلك داخل، قال ابن كثير: (أي ينسبون إليهم ما هم منه برءاء لم يعملوه ولم يفعلوه، فذلك هو البهتان أي البهت الكبير، قال أن يحكي أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات مالم يفعلوه على سبيل العيب والتنقص لهم، ثم أشار إلى أن أكثر من يكون مستحقاً لذلك هم الكفرة، والذين أيضاً ينتقصون من حكم الله سبحانه وتعالى في كتابه برضوانه عليهم من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فينتقصهم من ينتقص ويعيبهم من يعيب، فيكون داخلاً في مثل قوله سبحانه وتعالى) هل نحن نستشعر خطورة الظلم؟ وهل نحن مع ما رأينا ونسمع ونعلم من هذه الصورة العظيمة في براءة الله وبراءة رسوله صلى الله عليه وسلم من الظلم.

ووقفة ثانية معاشر الإخوة، علام يدل وجود الظلم؟ أين أسبابه؟ وماهي بيئته التي تنتجه؟ أولها ضعف استشعار عظمة الله سبحانه وتعالى وقلة الخوف منه، وعدم الاكتراث بعاقبة الظلم الوخيمة في الدنيا قبل الآخرة، فالظالم الذي يبغي ويبطش ويلحق الأذى بهذا وهذا، ويأخذ مال هذا وحق هذا، ويعتدي على عرض هذا أو هذا، كأنما -والعياذ بالله- لايستحضر أن الله جل وعلا مطلع عليه، وأنه قال كما في الحديث الصحيح عن دعوة المظلوم (لأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ).

* التربية السيئة:

والأمر الثاني هو التربية السيئة، التي لانعلّم فيها الأجيال أن لايظلموا ولو بهيمة، وأن لايظلموا ولو في قليل، وأن لايظلموا ولو كان ذلك فيما يقال كأنما هو في اللهو أو في الطرفة أو في غير ذلك من المجالات، لو علّمنا أولئك الأبناء ذلك وانتصبنا قدوات لهم، لرأينا كيف ينشأ في النفوس والقلوب شفافية إيمانية تبرأ من الظلم في أدنى صوره، ولكننا نجد أن هذا المعنى يكاد يكون غائباً، لايلقن لايعلم للأبناء في البيوت أو في المدارس، بل نرى عكس ذلك، نرى آباء يظلمون فيفرقون بين بنات وأبناء، ونرى آباء يظلمون زوجاتهم أمام أبنائهم، وصوراً من الظلم نعيشها في المجتمع الذي نحن معنيون به ومسؤولون عنه وقادرون على التغيير فيه، ونرى مثل ذلك أيضاً ربما نجد معلماً يظلم طالباً لصالح طالب، فحينئذ تكون بيئة الظلم كأنما هي شائعة ذائعة، وكأنما هي مقبولة معروفة -سلمنا الله وإياكم من كل ذلك- وانظر كذلك إلى أمور أخرى من أعظمها توفر مصادر القوة والسلطة سواء كانت مالاً أو كانت جاهاً، وهذا الذي نراه أيضاً في سلوكياتنا، عندما ننفعل فنبطش بخادم أو عامل، عندما نكون أصحاب سلطة في إدارة فنظلم موظفاً ونقدم آخر ونصنع ونصنع، نحن بأنفسنا نمارس الظلم وليس ما ندعيه دائماً بأننا نشكو من ظلم الآخرين، ولا نكاد ننظر أيضاً إلى ممارساتنا وننظر إليها بعين الذي يتبرأ من الظلم في كل صوره، ويخشى على نفسه من ضرره وخطره، وكذلكم مما يجعل الظلم ينتشر ويفشوا، الإعانة عليه والدفاع عمن يقوم به، وتلك مصيبة كبرى، وأحياناً يكون ذلك من باب أن هذا الظالم قريب أو من قبيلتي أو نحو ذلك، واثلة بن الأسقع من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم سأل كما في سنن أبي داود النبي صلى الله عليه وسلم قال: يارسول الله، ما العصبية؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنْ تُعِينَ قَوْمَكَ عَلَى الظُّلْمِ» فتقول كما قال الجاهليون:

وهل أنا إلا من غزية إن غوت                غويت وإن ترشد غزية أرشدي

أنا مع قومي وإن كانوا على باطل، وإن كانوا قد ظلموا -والعياذ بالله- ، ونرى الدائرة تتسع، فيبدأ الانتصار للأجناس والجنسيات فهذا يقول أنا كذا، وأنا مع بني بلدي وإن كانوا على خطأ، وهكذا تتسع الدائرة -والعياذ بالله- فيصبح الظلم فاشياً وخطيراً، ومن أسباب ذلك أيضاً، عدم الأخذ على يد الظالمين، من أمن العقوبة أساء الأدب، من اعتدى ثم لم يعاقب، من ظلم ثم لم يؤاخذ فإن ذلك يكرس الظلم والعياذ بالله.

* آثار وخيمة:

ولعلنا نقف وقفة تتبع هذه وتزيدها أهمية، وهي ما الآثار التي تترتب على وجود الظلم؟ فضلاً عن فشوه وذيوعه أعاذنا الله وإياكم، ونحن اليوم نشكو من أمور كثيرة، أحسب أن بعضاً منها كما هو ثابت في النصوص سببه وجود هذا الظلم على هذا النحو الذي ربما وصفت بعضه، خراب البلاد ونشر الفساد من أعظم الآثار، وقد ذكر الألوسي في تفسيره قال: روي عن ابن عباس أنه قال: إني أجد في كتاب الله أن الظلم يخرّب البيوت، ثم تلى قول الله جلا وعلا: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا} (النمل:52) أي بسبب الظلم، تدور الدوائر -والعياذ بالله- ويصبح الحال خراباً بعد العمران -أعاذنا الله وإياكم- والهلاك كما قال سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} (هود:102) ومن الآثار وهو مما ينبغي أن يكون موضع عظة واعتبار لأن الناس يرونه بأم أعينهم، تعجيل العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ، مِنَ الْبَغْيِ، وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ) والبغي هو الظلم والعدوان، وكم رأينا من ظالم عجلت له عقوبته، إما في صحته وإما في هلاك ماله أو في أبنائه أو في غير ذلك أعاذنا الله وإياكم، ومن ذلك أيضاً التسليط بأن يسلط الله على الظالم ظالماً أظلم منه، كما قال جل وعلا: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً} (الأنعام:129) بل قال الرازي في تفسيره تعليقاً على هذه الآية، ماهو جدير بأن نلتفت إليه وننتبه له قال: (تدل على أن الرعية إن كانوا ظالمين فالله تعالى يسلط عليهم ظالماً مثلهم، فإن أرادوا أن يتخلصوا من ذلك الأمير الظالم فليتركوا الظلم) لأن الله قال: (فَلاَ تَظَالَمُوا) لو رفعنا الظلم فيما بيننا لأكرمنا الله عزوجل برفعه عنا في كل أحوالنا وفي سائر أوضاع أمتنا، نسأل الله عزوجل أن يعيننا ويعيذنا من تلك الآثار للظلم، وأخيراً وليس آخراً والإيجاز هو المقام، أن الظالم لايفلح، وأن الظلم لايكون معه فلاح، لأن الحق سبحانه وتعالى قال: {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} (الأنعام:135) لن يكون هناك فلاح قطعاً ويقيناً لأن هذا قول الحق عز وجل كما يقول سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} (يونس:81) نسأل الله عزوجل أن يعيذنا من الظلم، وأن نظلم أو نظلم، ونسأله عزوجل أن يرفع الظلم عن عباده المؤمنين في كل مكان، إنه ولي ذلك والقادر عليه أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

معاشر المؤمنين

* واجبات عملية:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله فإنها أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى اتقاء الظلم ومجافاته ومجانبته، وإن علينا في ذلك واجبات كثيرة، ليس على مستوى الآحاد بل على مستوى الآحاد تجاه المجتمع، سواء كان تجاه الأسرة أو تجاه المجتمع أو تجاه الأمة كلها، فنحن أمة أمر بمعروف ونهي عن المنكر {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} (آل عمران:110) يجب من الواجبات الشرعية كما جاء في قوله الله جل وعلا عدم الركون إلى الظلم والظلمة {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} (هود:113) وقال الزمخشري في تفسيره مصوراً أو ذاكراً بعض صور الركون إلى الظلمة قال: (الانحطاط في هواهم، والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم، والرضى بأعمالهم، والتشبه بهم، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم) وكل ذلك من صور قد نلامسها في أمورنا العامة أو الخاصة أو سائر الأمور الكبرى، وكذلك ماذكره الله عزوجل من أسباب الإعانة فإن الله جل وعلا لما ذكر العقوبة لفرعون قال: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} (القصص:8) وذلك أمره عظيم، والنبي صلى الله عليه وسلم حذرنا فقال: (الظلم ثلاثة، فظلم لا يغفره الله وظلم يغفره الله وظلم لا يتركه الله، فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك وقال الله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان:13) وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه الله فظلم العباد بعضهم بعضًا حتى يدين لبعضهم من بعض) وقد روي الحديث بسند حسن، وهذا كله يجعلنا أمام مسؤولية عظيمة تجاه الظلم في دوائر عدة، أولها وآكدها الاجتهاد والمجاهدة من البراءة في الظلم سواء ظلم المرء لنفسه بالمعاصي والهوى، أو ظلم المرء لمن ولاه الله أمرهم، ولمن كان له سلطة عليهم، وكذلك الظلم فيما يكون به الحق وإحقاقه، وبيان الصواب من الخطأ فإن ذلك أيضاً يدخله، ثم كذلك ينبغي لنا أن ننتبه إلى أن الأمور دوائر، فكلما اتسعت الدائرة في القوة أو في المسؤولية أو في الامكانية كلما كان الظلم فيها أشد خطراً وأعظم ضرراً، وربما كذلك كان أعظم جرماً، وأكثر عقوبة عند الله سبحانه وتعالى، ولذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم أعظم وأهم وأولى الصفات المتعلقة بإمام المسلمين العدل، فقال لما ذكر السبعة الذين يظلهم (إِمَامٌ عَادِلٌ) ودائماً يتكرر العدل، لأن عدله يعم الأمة وينصلح به الحال، وكذلكم إذا كان العكس في ذلك -أعاذنا الله وإياكم- ثم كذلك مايكون من حال كل إنسان في دائرته كما أشرت، والأمر في هذا خطير، ونحن نرى صوراً كثيرة، نراها في مجتمعاتنا في الظلم كما قلت، في الدائرة الأسرية بين الأزواج والزوجات، والأبناء والآباء، ونراه في الدائرة المجتمعية بين الجيران وبين الشركاء، ونراه في الدائرة العامة في الأمة بين الرعاة والرعية، وبين القضاة والمتقاضين والمتحاكمين، وكل منا يعرف صوراً من ذلك، ينبغي لنا أن نبرأ منها ونحن نعلم أن في أبناء أمتنا مظلومون عدا عليهم من عدا، من حاكمٍ جبارٍ ظالمٍ ربما قتل وأهلك أكثر مما فعل أعداؤه، ونرى كذلك ممن اعتدى ولفق لهم التهم، والإعلام الذي يفتري على الناس هو ظالم كذلك، وصور أخرى كثيرة ينبغي -لا أقول أن ننتبه لها- وإنما أن ننتبه للخطر الذي يقع علينا منها، فكلنا في كل أحوالنا وفي سائر أوضاعنا نحتاج إلى براءة حقيقية، تبدأ من استشعار لعظمة خطورة الظلم في قلوبنا ونفوسنا وخوفنا من آثاره علينا في دنيانا قبل أخرانا، ومن آثاره علينا في أحوالنا وأبنائنا وأرزاقنا وأمننا فإن الظلم له آثار وخيمة، وحسبنا تلك الكلمات الموجزة من جوامع كلم المصطفى صلى الله عليه وسلم (الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) هو ظلم لكنه يكون ظلمات، وأين ذلك؟ يوم القيامة، أعاذنا الله وإياكم.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أهل العدل والعادلين، وأن يبرأنا من الظلم والظالمين، وأن يجعلنا من أسباب إشاعة العدل وانتشاره، ومن أسباب مواجهة الظلم واندحاره، ونسأله عزوجل أن يرفع عن بلادنا وعن بلاد المسلمين كل ظلم وعدوان، ونسأله سبحانه وتعالى أن يعم بلاد المسلمين بالعدل والإنصاف.

اللهم ياحي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام نسألك اللهم أن تغفر ذنوبنا، وتستر عيوبنا، وتحسن خاتمتنا، وتجعلنا من عبادك الصالحين، وتكتبنا في ورثة جنة النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين.

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0