كيف تقيّم ثقافتك عن القضايا الإسلامية ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
عطاء المشرف
عدد الزيارات : 145
هذه بلادنا
12 مارس, 2017 - 13 جمادى الثانية 1438هـ

عناصر الخطبة:

* النعمة العظمى والأجل.

* الحكم في الدولة يقوم على تطبيق شرائع الإسلام.

* ميدان التعليم ومنهجيته التي يسير عليها.

* الإعلام يلتزم بالإسلام في كل شؤون الحياة.

* اجعل الآخرين يقتدون بمحاسن الإسلام ومزاياه.

* كيف نصنع قدوات مثالية لأجيالنا.

 

الخطبة الأولى

معاشر المؤمنين

وصية الله جل وعلا لنا في كتابه المبين إلى قيام يوم الدين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران: 102).

إخوة الإسلام والإيمان

* النعمة العظمى والأجل

قد يجتمع الجانب المعنوي والمادي في الأمر فيكمل، وأضرب مثلاً، حلي النساء قد تكون ذات قيمة عالية كونها ذهباً، لكن إن لم يكن فيها لمسة جمال كان ذلك فيها نقصاً، فإذا اجتمع الأمران قيمة معنوية ومادية وأثر ملموس حسي وأثر باطني قلبي نفسي، فإن ذلك لاشك يشكل القيمة العظمى، وعندما نتحدث هنا نتحدث عن أعظم منة لله عزوجل على عباده، التي لا يعدلها شيء، ولا يماثلها شيء، هنا أنقل لكم عن عبدالرحمن بن زيد أنه قال: (لانعمة أفضل من الإسلام، والنعم بعدها تبع لها) وقرأ قول الله جل وعلا: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (الحجرات:17) منة الإيمان والإسلام أعظم من كل نعم الدنيا، ومن كل أسباب المادة، ومن كل ما يتصل بسعة الرزق، فإذا اجتمعت هذه وتلك فلا شك أنها نعم لا يمكن لأحد أن يقدر قدرها ولا أن يرى حدها، وقد قال السعدي في تفسير هذه الآية أيضاً: (المنة لله سبحانه وتعالى، فكما أنه تعالى منّ عليهم بالخلق والرزق والنعم الظاهرة والباطنة، فمنته عليهم بهدايتهم للإسلام ومنته عليهم بالإيمان أعظم من كل شيء) {كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ} (النساء:94) خطاب موجه لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين يتنزل القرآن قال في ذلك سعيد بن جبير: (كنتم مستخفين من قومكم بإسلامكم، خائفين منهم على أنفسكم، فمنّ الله عليكم بإعزاز دينكم وإظهار شريعتكم) وقال قتاده: (كنتم على كفر فمنّ الله عليكم بالهداية للإيمان) وأريد أن أقف وقفة سريعة مع مقارنة عظيمة، نطق بها قلب عرف حقيقة النعم، وغاص إلى جوهر المعنى العظيم، في بيئة غير بيئته، وحضارة غير حضارته، وديانة غير ديانته، إنه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم  جعفر بن أبي طالب جعفر الطيار، في حضرة جمع من صناديد قريش وفي مجلس النجاشي، كانت هذه الروعة التي أحسب أننا مقصرون في إدراكها، وغائبون عن حلاوتها، ولذتها واستشعار نعمتها، يقارن ولست آتي بالحديث كاملاً فيقول فيما مضى أي في الجاهلية أي قبل الإسلام أي قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم: (كنا نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف) هذه صورة البشرية بلا إيمان، هذه صورة الحضارة بلا إسلام، هذه هي صورة الإنسانية عندما تفتقد الصلة بالله سبحانه وتعالى، ثم أعطانا الومضة الأخرى بعد بعثة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم قال: (وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده والصلاة والصيام وغير ذلك) هل ندرك المنة من الله علينا؟ وهنا أتحدث عن هذه البلاد، عن هذه المملكة، عن الأرض البلد الحاضن للحرمين الشريفين، النعمتان معاً، نعمة الإيمان والإسلام، ونعمة الرزق والرخاء، ونعمة الأمن والأمان، نعم لاتعد ولا تحصى، أريد أن أصورها لنرى هل نحن قابلون أن نفقد القيمة فنجحد النعمة؟ أو نفقد الجمال فنشوه الروعة؟ أقول ذلك من خلال صور أو من خلال نصوص لا آتي بها من عندي، ولست أنا التي أفرضها من رأسي، وإنما أقولها من نظام الدولة، ومن نصوص قوانينها وأنظمتها، لنرى أنها منّة سنعض أصابع الندم عليها، وقد عضضناها الآن بما فرطنا فيها، نظام الحكم وتعلمون أنني لا أتحدث هنا في هذا المقام بأحاديث لأجل هذا وذاك، نحن هنا في منبر يتحدث بالإسلام وللإسلام ولمصلحة الدين والأمة، ونحن في أرض الإسلام ومهبط الوحي.

* الحكم في الدولة يقوم على تطبيق شرائع الإسلام:

في المقدمة في موقع وزارة الخارجية قبل نظام الحكم النص التالي: (تمثل الدعوة الإصلاحية التي قامت على أساسها الدولة السعودية الركيزة التي اعتمد عليها الحكم فيها، وتقوم تلك الدعوة على أساس إقامة شرائع الإسلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتطبيق الشريعة الإسلامية، وإصلاح العقيدة، وتنقيتها من البدع، وهي بذلك تستمد مبادئها من المبادئ الإسلامية)، وأول مادة في النظام تقول كما أحسب أن كثيرين يعرفون (المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية، دينها الإسلام ودستورها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولغتها اللغة العربية) هذا السطر في بلاد أخرى أيه الإخوة يقاتل ويجاهد المسلمون المخلصون ليثبتوه في نظمهم أو في دساتيرهم، وهل الشريعة مصدر من المصادر أو المصدر الرئيس وغير ذلك، وهنا النص واضح قاطع إنه كتاب الله وسنة رسوله، وفي المادة السابعة النص (يستمد الحكم سلطته من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع أنظمة الدولة) هذا الذي يقال فيه يعلو ولا يعلى عليه، هذا الذي يكتسب القطعية في العلو، فكل شيء يخالفه ينقض، وكل شيء يعارضه يرفض، وكل شيء يسيء إليه لابد أن يعالج ويقاوم، وانظر كذلك إلى المهمة التي لهذه الدولة، بحسب النصوص المذكورة (تحمي الدولة عقيدة الإسلام، وتطبق شريعته، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتقوم بواجب الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى) هذه مهمتها، هي التي نصت على ذلك، وليس لها فيه خيار بالمناسبة، لأن هذا هو أمر الله عزوجل لكل من يقوم في أمة الإسلام، أن يكون دوره وأن تكون مهمته أن يمضي حكم الله في كتابه، وأن يمضي هدي نبيه صلى الله عليه وسلم في سنته، وأن يقيم شريعة الله في مجتمعه، بل انظروا إلى ما هو أكثر، مادة أخرى وأختم بها لأني لست هنا في صدد السرد الكامل (تنشئ الدولة القوات المسلحة - ما الغرض منها؟- وتجهزها من أجل الدفاع عن العقيدة والحرمين الشريفين والمجتمع والوطن) وانظر إلى ما قدم وإلى ما أُخر وأنت تدرك، هذا وهو قليل من كثير.

وأنتقل بكم إلى ميدان آخر، لأني أريد أن أصور القيمة، القيمة التي لا نقدرها قدرها، والتي عندما نخرقها هي بسنة الله يأتينا منها كثير وكثير مما لا نحبه ولا نقبله، لكننا قد فرطنا فيه فجاءنا ما نستحقه.

* ميدان التعليم ومنهجيته التي يسير عليها:

ميدان آخر أيها الأخوة هو أعظم الميادين في المجتمعات ميدان التعليم، سياسته الحاكمة منهجيته التي يسير عليها، هي التي تشكل الأجيال، لست أدري ما أقول لكم، عندما كنت أقرأ وأراجع كأني بهذه النصوص والله أشعر أن كل فقرة منها تزن أضعاف أضعافها من القيم المادية التي يمكن أن تكون، في المقدمة أيضاً وفي البداية وقبل أن يخاض في المواد هناك كثير وكثير، ما هي الأسس والمبادئ العامة في أول مادة من سياسة التعليم في بلادنا، أسس عامة تصل إلى خمسة وعشرين، أولها الإيمان بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، منطلقات، منطلق آخر التصور الإسلامي الكامل للكون والإنسان والحياة، هكذا تصاغ الرؤية التعليمية في العلوم الطبيعية فيزياء وكيمياء وغيرها، وكذلك في العلوم الأدبية والإنسانية، في علم النفس وعلم المجتمع، ورؤية إسلامية تنبثق من أصالة عظيمة عريقة ليس لها مثيل، لأنها مستندة إلى أصول في دين الله عزوجل الذي رضيه لعباده وللبشرية جمعاء، وبند آخر رائع بديع جميل، الرسالة المحمدية هي المنهج الأقوم للحياة الفاضلة، التي تحقق السعادة لبني الإنسان وتنقذ البشرية مما تردت إليه من فساد وشقاء، عندما تكون هذه رؤيتنا كيف تكون مناهجنا وكيف يكون معلمونا وكيف تكون بيئتنا التعليمية، تؤمن ابتداءً بأن ديننا وشريعتنا هي الأفضل والأمثل والأكمل لهذه الحياة وهؤلاء الناس وللبشرية كلها، هي الأمثل والأكمل والأفضل كما قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء:9) أي في كل المجالات، في الاقتصاد في السياحة في البيئة في غيرها وغيرها وغيرها من المجالات، هذه هي الرسالة المحمدية، وانظروا إلى فقرة أخرى، تقرير حق الفتاة في التعليم بما يلائم فطرتها ويعدّها لمهمتها، على أن يتم ذلك بحشمة ووقار وفي ضوء شريعة الإسلام، لا أحسب أن أحداً لو أراد اليوم أن ينتقي وأن يؤسس سيجد مثل هذه السياسة الرصينة الأصيلة المنهجية العلمية الدينية التربوية التي لا أحسب أن هناك مزيداً عليها، ولست هنا أزايد ولكنني موقن بذلك، ولو رجعتم لوجدتم ما هو أعظم مما قلت، لأن كلاً منكم سينظر بنظرة تبهره وتجعله يشعر بعظيم منة الله أن هذا هو الذي ينبغي، وهو الذي يجب، وهي الذي وضع ليحكم سياسة تعلمينا وغيرها وغيرها، وأخيراً وليس آخراً، هنا في هذا المعنى في أسس هذا التعليم وهذه السياسة، أن شخصية هذه البلاد مميزة بما خصها الله من حراسة مقدسات الإسلام، وحفاظها على مهبط الوحي، واتخاذها الإسلام عقيدة وعبادةً وشريعةً ودستور حياة، وهذا غيظ من فيض كما قلت لكم، ونحن نؤمن بأن هذا الدين هو الذي يصلح أحوال البلاد والعباد، وهذا مكرس في مناهجنا وفي سياساتنا.

وأشير أيضاً إلى ومضة أخرى أخيرة، لأن هذا الميدان الثالث ميدان الإعلام، له أيضاً أثره الكبير في التأثير على عقول الناس وأفكارهم، وعلى ميولهم وأهوائهم، ونحن اليوم نشكو ونصرخ من الإعلام من هنا وهناك، لو قلت لكم شيئاً من هذا الذي نحن فيه، ومن الذي وضعت له السياسة المحكمة الصادرة عن أعلى سلطة في الدولة، لرأينا أننا كانت بين أيدينا ولا تزال بين أيدينا هذه النعم العظيمة، ونحن نقصر في اغتنامها ونفرط في الانتفاع بها، وننقض بعضاً من عراها، ثم نشكو، ونشكو اليوم من أمور كثيرة، من قضايا الأسرة والتفكك الأسري وغير ذلك، نشكو من ضعف التعليم وانخرام الجانب التربوي في منظومة التعليم، فضلاً عن الجانب التعليمي والتقني وغيره، كل ذلك عنوان واحد أيها الأخوة بقدر ما نقترب ونتمسك ونفقه ونفهم وننظر الرؤية المستقبلية منطلقة مرتبطة بكتاب الله وسنة رسوله، وما حبانا الله به في هذه البلاد من الالتزام النصي السياسي المنهجي القانوني بذلك، بقدر ما يكون لنا خير كثير، وبقدر التقصير والتفريط يكون غير ذلك، في سياسة الإعلام وما أدراك فيها كثير وكثير (يلتزم الإعلام في هذه البلاد بالإسلام في كل ما يصدر عنه، ويحافظ على عقيدة سلف الأمة، ويستبعد من وسائله جميع ما يناقض ذلك، والمهمة يعمل على مناهضة التيارات الهدامة والاتجاهات الإلحادية، وينظر إلى الأسرة على أنها الحلقة الأساسية في بناء المجتمع والمدرسة الأولى في تربية الجيل، ويعمل على تغذية ذلك) والأمر في هذا كثير معاشر الإخوة.

* اجعل الآخرين يقتدون بمحاسن الإسلام ومزاياه:

عندما ننظر إلى هذه البلاد ينبغي أن ندرك اليوم مع المتغيرات شئنا أم أبينا، أردنا أن نكون ننقل واقع وحقيقة أو نُتهم بأننا نزايد، هذه البلاد آخر الحصون، وهنا أعجب أيها الإخوة عندما يأتي من بيننا ومن الناطقين بألسنتنا ومن بني جلدتنا من يسعى إلى نقض هذه النعم، وقد قلت إنها معنوية ومادية، وقلت إنها تجمع بين القيمة والجمال، لأن الله عزوجل خص هذه البلاد التي تقوم على الحرمين لهذا المعنى الاعتباري العظيم، كما ورد في آيات متعلقة بالحرمين {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} (قريش:4) {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} (العنكبوت:67) ونحن نعلم أيضاً أن رزق الله عزوجل، وأن الخير والاطمئنان والاستقرار مرتبط أيضاً بالاستقامة على أمر الله، وحسن الطاعة والصلة به سبحانه وتعالى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} (الأعراف:96) ونحن نعلم هذا كله، العجيب عندنا أن هذا التفرد في بعض الجوانب الذي يعد ميزة كبرى، هو عند بعض من أرى أنهم لاينظرون نظرة واعية، حتى لا أتكلم الآن بقضية دينية أو إسلامية، عندما تكون لك مزية وهذه المزية أعلم وتعلمون أن الناس يأتون إليها ويبحثون عنها، سأذكر بعض ذلك، بعض الناس يقولون لماذا نحن البلد الوحيد في العالم الذي ليس عندنا أو ليس فينا أو ليس معنا كذا وكذا؟ وسأذكر أمثلة حتى أبين لماذا نحن نشعر بالنقص لنكون مع الآخرين؟ لماذا لايقلدنا الآخرون؟ لماذا لانكون نحن القدوة؟ نحن البلد الذي ينظر إليه الناس، فيقولون هذا الذي نريده، خذوا مثالاً، لا أعلم أن الخطوط الجوية في معظم بلاد الدنيا عربية وإسلامية إلا وتقدم الخمور والمسكرات، لماذا نحن لا نقدمها؟ هل هذا منطق؟ نحن عندنا تعليم بفضل الله عزوجل منفصل من الروضة حتى الدكتوراه، نستطيع أن نعلم الفتيات، وعندنا من أعدادهن مايبز وينافس في الكثرة والعدد الأبناء، واستطعن أن ننجح وأن يأخذ بناتنا الشهادات العليا من الجامعات العالمية عبر وسائل ووسائط، لماذا نقول لا؟ لماذا نفصل التعليم، اليوم يعود الناس إلى ما نحن فيه، ونحن نعكس الاتجاه والتيار، وهذا كثير وكثير ممانراه، إخوتي الكرام لقد منّ الله علينا في هذه البلاد بالنعمتين معاً، النعم المعنوية المتمثلة في أعظم المنن، نعمة الإيمان والإسلام، نحن مشاركون المسلمين نعم، لكن ليس في بلاد العالم كله إسلامية وغير إسلامية سوى كعبة واحدة، وبيت لله حرام واحد، وحرم نبوي واحد، ومثوى رسول الله صلى الله عليه وسلم واحد، وهذا الذي قلته لكم اليوم لايجد أحد مثله في أي بلد، بأن يكون النص الذي ينبغي أن يكون ملزماً يربطنا ربطاً واضحاً أكيداً جلياً قوياً بكتاب الله وسنة رسوله بهذا الدين العظيم، رجوعاً إليه وانطلاقاً منه وافتخاراً به، وعملاً على نشره، وتحملاً لمسؤولية أمانته والدفاع عنه، هذا هو شرفنا وهذا هو عزنا وهذه هي نعمة الله الكبرى علينا، ونحن بعد ذلك قد نفرط، أذكر موقفاً واحدً لطبيب من بلاد الشام كان في فرنسا، وكان في أرقى المستشفيات وهو كما يقولون في أعلى درجات الطب، لقيته وقد جاء إلى هنا وانتقل عمله إلى هذه البلاد، وبالذات في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقلت له متعجباً، قال بالنسبة للمزايا المادية فقدت أكثر من نصفها، لكنني هنا أجد روحي، وأجد نفسي، وأحفظ أسرتي، وأنتقل إلى بلد أسمع فيه الأذان، والمساجد ممتلئة، والأسواق تغلق عند الصلاة، مشاهد عظيمة، مآثر لا تشعرون بقيمتها، لكن يشعر بها من حرم منها، بل من حرم منها في أصل بلاد الإسلام، ونحن نعرف كيف عانى المسلمون في بلاد كثيرة في الشام وفي العراق وغيرها، يحاسب المرء إذا صلى في مسجد واحد خمس صلوات، فلماذا نجحد نعمة الله؟ ولماذا نفرط في الجمال الذي جمع بين هذه المآثر كلها؟ عندما ندبر لاسمح الله، وعندما نعمل كل عمل، هذا الدين عظيم يشمل كل مناحي الحياة، ويعطيها وجهتها، ويضع لها حدودها ومعالمها، ويطهرها مما يشوبها، إن أردت ترفيهاً فالإسلام ميدانه في الترفيه واسع وعظيم، إن أردت تعليماً فهو أساس التعليم ومنطلقه، إن أردت تقنية، إن أردت إعلاماً، لماذا؟ لماذا نربط بين كثير من الأشياء مرتبطة بالحرام؟ لماذا نقول إن السياحة لابد فيها من الفجور والزنى والخنا حتى يأتي الناس؟ لعلهم لايأتي إلينا أحد، نحن يأتينا الآلاف والملايين، لا يأتينا الأوروبي من تلك القارة الجميلة ويأتينا هذا من هنا وهناك إلى أرض جرداء ليس فيها ظل ولا ماء، لايأتي وقد اقتضت حكمة الله عزوجل كما في دعاء إبراهيم الخليل عليه السلام {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ} (إبراهيم:37) {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}(الحج:27) يتركون الأنهار والطقس الجميل ويأتون إلى حر مكة اللاهب وهم سعداء، والواحد منهم في لحظة واحدة يقول إن حجتي هذه أو زيارتي أو صلاتي في الحرم بالنسبة لي تعدل الدنيا ومافيها، ونحن نريد أن نخرب أو أن نفسد هذه النعم، أسأل الله عزوجل أن يحفظ علينا النعم، وأن يبصرنا بعيوب أنفسنا، وأن يجعلنا مدركين لحقائق نعم ربنا، ويجعلنا ممن يذكر النعم ويشكرها، ليحفظها الله علينا ويزيدها لنا، إنه جل وعلا ولي ذلك والقادر عليه، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

معاشر المسلمين

قلت وأعيد، إن قولي هذا إنما هو قول على ما يجب أن يكون في المنبر الذي يذكّر بالله، وبهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، والواقع أيضاً يحكي هذا، ونحن اليوم نستحضر أيضاً ذلك الحديث العظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يرويه النعمان بن بشير الذي ذكر فيه السفينة (مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا) ولو أردنا أن نتحدث عن هذا المحور المهم الذي شرعه الله عزوجل في شريعة الإسلام، حتى قال بعض أهل العلم في تعظيمه (إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سادس أركان الإسلام) هو الذي يقيم ويحفظ ويسدد ويقوّم، لأن الله سبحانه وتعالى قال: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} (آل عمران:110) وهذا مبدأ مهم لابد أيها الإخوة الكرام أن يعلو صوتنا بالحق وبالحكمة والموعظة الحسنة، لأن الخرق في سفينتنا.

* كيف نصنع قدوات مثالية لأجيالنا:

أيها الإخوة إننا نفرق أيضاً بين أمرين، بعض الناس يقول إن هذه المنكرات موجودة وهي كثيرة وفلان أو كذا أو في البيوت... قلنا فرق بين هذا وبين أن يكون -والعياذ بالله- الإعلان الرسمي والترخيص العام، هل رأيتم في بلادنا -لا قدر الله- مكاناً يبيع المحرمات والمسكرات، اليوم في بعض الدول الأوروبية مسموح نظاماً أن تباع بعض أنواع الحشيش، فهل سنمضي لكي نقلد هذه البلاد هنا وهناك، وهل نحن اليوم في مانصنع نحسن إلى أجيالنا، ونحن نريد أن نصنع القدوة لشبابنا وأجيالنا، كيف نصنع لهم القدوة بلسان أعجمي غير مبين؟ العناوين والأسماء، والفعاليات أصلاً مقتبسة منسوخة، الأشكال والمظاهر، الألبسة والصور لاتمت لا إلى ديننا ولا إلى مجتمعنا ولا إلى تاريخنا، لماذا؟ هل نحن تائهون لا أصل لنا؟ هل نحن منبتون لا حضارة عندنا؟ هل نحن ليس لنا أصول؟ نحن أصل الأصول بإسلامنا، نحن أعظم حضارة بديننا، نحن أقوى الأمم بقوة ديننا وإسلامنا، لماذا؟ نصبح كأننا أذيال نتبع، ونحن قادة ينبغي أن نقود، هذه هي الهزيمة النفسية التي  ينبغي أن نبرأ منها، وهذه هي الهزيمة النفسية التي ينبغي أن نجنب أجيالنا، اليوم نحن نقول كنا، واليوم أجيالنا كان كذا واليوم صار كذا، لماذا؟ لأننا فرطنا نحن الآباء نحن الأجداد، لم نورث مانعتز به وما نعرفه لأجيالنا تعليمنا لم ينقل ذلك، لم يعكس هذه السياسة، إعلامنا لايطابق هذه السياسة بل يناقضها ومن ثم اتسع الخرق على الراقع، أسأل الله عزوجل السلامة، والأمر كما قال فاروق الأمة رضي الله عنه: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومتى ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله) طريق الذلة ممهد، فخذه إن أردت أن تسير باتجاه الشرق أو الغرب أو حيث ماشئت، لن يكون لك عزة إلا وأمامك ونصب عينيك كتاب الله وسنة رسوله، فرداً كنت أو أسرة أو مجتمعاً أو دولةً أو أمة وحضارة، هذه سنة الله الماضية والتاريخ القديم والحديث والمستقبلي لابد أن يكون مطابقاً لها {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الملك:14) {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (الرعد:11).

أسأل الله عزوجل أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم اجعلنا بكتابك مستمسكين، ولهدي نبيك صلى الله عليه وسلم متبعين، ولآثار السلف الصالح مقتفين، اللهم يا حي ياقيوم ياذا الجلال والإكرام اصرف عنا الفتن والمحن ماظهر منها ومابطن، اللهم اصرف عنا شر الأشرار، وكيد الفجار، وشر طوارق الليل والنهار، اللهم احفظ بلاد الحرمين بيضة للإسلام والمسلمين، ولاتجعل فيها ما ينقض ذلك ولا يعارضه، اللهم من أراد بهذه البلاد خيراً فوفقه لكل خير، ومن أراد بها شراً فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه، اللهم إنا ندرأ بك في نحور الإسلام يارب العالمين، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم أكفنا شرهم، واقطع عنا ضرهم، وابطل مكرهم، وأحبط كيدهم، واجعل بأسهم بينهم، واجعل الدائرة عليهم، وأقر أعيننا بخذلانهم وهزيمتهم يارب العالمين، اللهم لاترفع لهم راية، ولاتبلغهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم عبرة وآية، اللهم مكن في بلادنا وبلاد الإسلام لأهل الخير والرشاد واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد.

 

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0