كيف تقيّم ثقافتك عن القضايا الإسلامية ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
عطاء المشرف
عدد الزيارات : 440
القدوة النبوية مفاهيم وآثار
28 ديسمبر, 2016 - 29 ربيع الأول 1438هـ

عناصر الخطبة:

* القدوة العملية.

* منافع ومزايا.

* ديانة وتعبد.

* القدوة المثلى.

* شمولية القدوة.

 

 

 

الخطبة الأولى

إخوة الإسلام والإيمان

وصية الله سبحانه وتعالى لكم في آيات القرآن العظيم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران: 102).

معاشر المؤمنين

* القدوة العملية:

الطرق متشعبة، والآراء ملتبسة، والمسلم معصوم بما أكرمه الله من كتابه المحكم المحفوظ، ومن هدي رسوله صلى الله عليه وسلم المعصوم، والهداية ورسم الطريق يحتاج دائماً إلى أنموذج يقتدى به، والقدوة شأنها عظيم، فهي تجسد الأفكار، وتترجم المقالات، وترسم المسارات بأقصر طريق، فالقدوة تتميز بالوضوح المشترك، فمن ليس بمتعلم قارئ، ومن قد لا يفهم الكلام بكل سهولة سيستطيع أن يستوعب القدوة العملية، فإن توضأنا أمامه الوضوء الصحيح كان ذلك معلّماً ومرشداً دون أن نفصل في أحكام الفقه، أو نذكر شيئاً من هذا أو ذاك، وميزة أخرى وهي أن القدوة تبين الإمكان، لأن كثيراً من الناس يقول إن هذا الأمر عسير، وهو شاق وغير ممكن، وللأسف أننا قد نسمع ذلك في أمور من الأمور المهمة، فذاك قائل يقول ليس من الميسور المواظبة على صلاة الجماعة في المسجد كل يوم خمسة فروض، ذاك أمر شاق، والواقع اختلف، والظروف تنوعت، فنقول أنظر إلى من يتسابقون إلى الصفوف الأولى، ولا تفوتهم تكبيرة الإحرام، فتلك حجة ودليل إمكان، وهي أيضاً وسيلة إقناع، إن كان في النفس شيء من ضعف أو تردد فرأت القدوات تسير في الطريق وتتسابق إلى المقدمة، فإن ذلك يحرك المشاعر، ويوقدها إلى أن تهب من غفلتها، وتقوى من ضعفها، وتشد من عزمها، وهذا الذي يكون من أعظم آثار القدوة، وإثارة الرغبة من أهداف ومآثر هذه القدوة، لأن المرء يغفل ويضعف، فإن رأى القدوات كثيرة، فهذا يختم في أسبوع أو في شهر، وذاك يحفظ القرآن كله، وهذا قد أنفق من المال ما أنفق، فإذا بمجالات الخير تستحث وتستميل مافي نفسه من خير، وما في قلبه من جذوة إيمان، فتميل به إلى ذلك، والناس والنفس البشرية بطبيعتها تتأثر ببيئتها، فما يروج فيها ويعظم، وما يحسن فيها ويمدح، قد يستميلها فإن كان خيراً، وهو وأمر القدوة الحسنة، جعل ذلك المجال رحباً وواسعاً.

* منافع ومزايا:

ولعل من أبرز منافع القدوة التوريث، الذي تنتقل به محاسن الأخلاق، والخلال من جيل إلى جيل، فإن رأى الأبناء في آبائهم قدوات حسنة، تشربوا تلك الأخلاق، وتمثلوا تلك الخلال، وساروا على ذلك النهج، ولا يكون ما نقوله اليوم، كنا وصرنا، وجيل اليوم وجيل الماضي، لماذا؟ لأن القدوات لم تكن حيةً قوية حاضرة كما يجب، ولأنها لم تقم بواجبها في نقل ما لديها من الخير وترسيخه في الأجيال جيلاً بعد جيل، نحن اليوم حتى على مستويات أخرى في مجالات كثيرة، نقول إن التعليم اليوم أضعف من الذي مضى، ونقول كان معلم الأمس غير معلم اليوم، لماذا؟ لأننا لم نستطع أن نقدم القدوات، ولم تقم القدوات بواجبها في أن تكون قائدة، رائدة ومعلمة ناقلة، لما عندها من خير وتجربة لمن بعدها من الأجيال، {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (الأنعام:90) خطاب رباني لرسول الهدى صلى الله عليه وسلم، ليكون امتداداً لتلك السلسلة من صفوة خلق الله من رسل الله وأنبياءه، {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} (الممتحنة:4) نموذج نصب لأمة الإسلام في زمن المصطفى صلى الله عليه وسلم، للتدليل على أن الأجيال مهما امتدت، وأن الزمن مهما تغير، تبقى القدوات منتصبة وإن كانت في أعماق التاريخ، {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} (الحج:78) هذه القدوات التي ساق الله لنا في القرآن منها قدراً عظيماً وأتمها وأكملها وجملها بالقدوة العظمى والأسوة المثلى رسولنا صلى الله عليه وسلم، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} (الأحزاب:21) هذه القدوة مختلفة، لها مزايا لا يماثلها فيها غيرها.

أولاً هي قدوة تتحلى بعصمة مطلقة، الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم في كل حاله وشأنه، سيما في تبليغ الرسالة وأداء الأمانة وهداية الأمة، كل كلمة هي وحي {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 4،3) كل هدي هو مثال أعظم في أعلى ما يكون عليه الهداية الربانية، ونحن اليوم نجد من يريد أن يهز هذه القدوات، بدعاء العصمة لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس في واحد ولا اثنين بل في أئمة كثر يزعمون لهم العصمة، حتى يجعلوا قولهم متبوعاً، وفعلهم قائداً، وليس ذلك لأحد إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قالها إمام دار الهجرة (كل يؤخذ من قوله ويترك إلا المعصوم عليه الصلاة والسلام) وهي قدوة شمولية كاملة، أنّى اتجهت وجدت لها هدياً عظيماً شافياً كافياً وافياً راقياً، إن جئت في الحياة الأسرية، أو الحياة الاجتماعية، أو الحياة السياسية، أو القضائية أو غير ذلك، وجدت القدوة منتصبة ليس في شأن يسير بل كبير، وليس في أمر عارض، بل في حياة مستمرة، وليس في مواقف من ردود الفعل بل في مناهج من تأصيل وتأسيس، من هدي المصطفى عليه الصلاة والسلام، ولذلك يعجب المرء كيف تضل أمة وفيها كتاب محفوظ ورسول معصوم عليه الصلاة والسلام، كيف تضل والمصطفى صلى الله عليه وسلم قال: (تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا : كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي) والقرآن يحذرنا، والرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا، فالقرآن يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (النور:63) وعيد من الله سبحانه وتعالى، بأن مخالفة هذه القدوة، والتنكر بالهدي النبوي مؤذن بحصول البلاء والابتلاء والفتنة والمحنة، أعاذنا الله وإياكم، وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل يأكل بشماله كل بيمينك فقال: لا أستطيع، فقال النبي لا استطعت، فما استطاع أن يرفع يده) وقال شراح الحديث إنه قال: لا أستطيع تكبراً عن الاستجابة لما أرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأمر جد خطير، وليس في هذا قليل ولا كثير، فكل هدي يثبت عنه هو موضع اقتداء، لا يقال هذا أمر عارض، ولا هذا شكل ظاهر، فإن كماله صلى الله عليه وسلم شامل في كل الجوانب، وإن هديه المطلوب أن نقتدي به لا يقتصر على شيء دون شيء، ولا حال دون حال، وإنما في كل جوانب ذلك، وانظر كذلك إلى حديثه صلى الله عليه وسلم وهو يخبرنا بالأمر العظيم، (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ) حتى المشاعر القلبية، الميل العاطفي، أعظم الرتب أن يكون هواك ومحبتك وعاطفتك فيما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من هدي، وإن كان يراه بعض الناس شاقاً، ولو رأينا والمقام يضيق كيف كانت تلك القدوة تفعل فعلها في الثلة العظيمة المباركة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لرأينا عجباً.

* ديانة وتعبد:

وهذه القدوة بالنسبة لنا تأخذ جوانب عدة، أولها: أنها ديانة وتعبد، ليس الأمر لشخص عظيم من البشر، ولا لرجل فاضل في الخلق، بل لنبي متبوع من أصل إيماننا لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومن أصل إيماننا أن يكون هوانا متبع لما جاء به رسولنا عليه الصلاة والسلام، {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر:7) {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} (النساء:80) والآيات في هذا كثيرة، إذاً نحن لانتبع النبي صلى الله عليه وسلم لمجرد عظمته وهو عظيم، ولا لعظمة خلقه وهو عظيم، وإنما لأننا نتقرب إلى الله عزوجل بهذا الاتباع.

والجانب الثاني: أن هذه القدوة مشبوبة بالعاطفة فهي مقترنة بين الحب والاتباع، {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} (آل عمران:31) وحب النبي صلى الله عليه وسلم كذلك دين وعاطفة، ولو رأينا ما رأينا من مواقف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لرأينا صور حب حقيقي، ليس بالضرورة أنه منفصل عن الاتباع لكنه متجسد في صور عظيمة، هذا ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأتي يوماً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فيبكي فيقول ما يبكيك، فيقول ذكرت يوم القيامة يارسول الله، فتكون في مقام أعلى لا أبلغه، فذكرت أني لا أراك، فبكيت لذلك)، أنظروا إلى هذا الشعور الذي طاف وانتهى بما وراء الدنيا إلى يوم القيامة، وأنه قد لا يكون له حظ في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم، وانظروا إلى سواد بن غزية في يوم بدر، يوم كان النبي يسوي الصفوف، وقال استو ياسواد وكان في يده عصا، فقال: أوجعتني يا رسول الله، فكشف النبي عليه الصلاة عن بطنه في فوره، وقال: اقتص لنفسك ياسواد، فأهوى سواد إلى بطن النبي صلى الله عليه وسلم يقبله، قال ما حملك على ذلك، قال: يارسول الله رأيت ما نحن فيه فأردت أن يكون آخر عهدي بالدنيا أن يمس جسدي جسدك) وأما شأن الاتباع فنحن نعلم كيف كانوا يتبعونه في كل صغير وكبير من الأمور ولعل في سير بعض أصحاب النبي نموذجاً واضحاً، كابن عمر رضي الله عنهما، الذي كان ينيخ ناقته في السفر حيث أناخ النبي صلى الله عليه وسلم ناقته، وهكذا وهكذا، فهذه القدوة ليست مجرد أمر عابر في حياتنا، بل هي من نبض قلوبنا، وهي من مشاعر نفوسنا، وهي من خواطر عقولنا وآمال وطموحات أحلامنا، التي نرجوها لأنفسنا في دنيانا وما بعد دنيانا في آخرانا عند الله عزوجل، نسأل الله عزوجل أن يكرمنا واياكم.

وجانب ثالث أن هذه القدوة جد واجتهاد، لن ينالها من يريد أن ينام ويغمض جفنيه، وأن يأكل كما يقولون ملء بطنه، ويريد بعد ذلك أن يكون في الصفوف الأولى من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، نعم العاطفة والمحبة والاقتداء بالفرائض، لكن التفاوت بعد ذلك في كثير وكثير من الأمور العظيمة الجليلة التي استبق إليها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن الأمر سهلاً ولا هيناً، كما جاء بعض التابعين إلى حذيفة بن اليمان وقال، كيف كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كنا نجهد أي نتعب لم يكن الأمر سهلاً، لم يكن طريقاً مفروشاً بالورود، لم يكن أمراً هنيئاً ننام فيه ونستيقظ كما نحب ونشتهي، فقال هذا الرجل من شدة حبه وعاطفته ورغبته في ما يتعلق برسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: لو أدركناه لما تركناه يمشي على الأرض، أي حملناه على أعناقنا، فقال حذيفة ملفتاً النظر: لو كنت معنا يوم الأحزاب، وذاك اليوم الذي اجتمعت فيه شدة البرد مع شدة الجوع مع شدة الخوف، حتى ربط النبي صلى الله عليه وسلم على بطنه بحجرين، وكان ما كان، قال: لو كنت معنا حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يأتيني بخبر القوم فلم يقم أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لشدة ما كان من الأمر، فقال: من يأتيني بخبر القوم وأضمن له العودة، فلم يقم أحد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قم يا حذيفة، فلم أجد بداً حين سماني، ويصف حذيفة عودته، وهذه الرواية عند مسلم في صحيحه، قال: فوافيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً يصلي فدخلت بين رجليه أستدفئ من البرد، نعم لم يكن أمر حمل الرسالة وأداء الأمانة وصحبة النبي صلى الله عليه وسلم أمراً هيناً، بل فيه أمر رابع كذلك، وهو التضحية والفداء، وذاك ما كان فارسه المبرز طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، لما كان يقول نحري دون نحرك يا رسول الله، ولما جعل ظهره ترساً يتلقى الأسهم يوم أحد حتى لايصاب النبي صلى الله عليه وسلم بأذى، وذاك الصحابي العظيم الجليل لما قيل له، وهم سيصلبونه الآن على جذع النخلة، أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت آمن في أهلك، فقال: ما أحب أن يصاب محمد صلى الله عليه وسلم بشوكة وأنا آمن في أهلي، هذه هي القدوة التي تمثلها الجيل الأول، من خريجي مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم، الصحابة رضوان الله عليهم.

والطريق إلى ذلك الصدق الإيماني بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وصدق المحبة له عليه الصلاة والسلام، ثم العلم والمعرفة، لابد أن نعرف سيرته، لابد أن نعرف حديثه، لابد أن نعرف الأحكام التي بلغنا إياها، والسنن التي هدانا إليها، كيف نريد أن نقتدي به ونحن نعرف ربما أو أجيالنا يعرفون من سير غيره أكثر مما يعرفون من سيرته، ولذا يجب أن يكون من أولوياتنا أفراداً وأسراً أن نعلم السيرة النبوية، والهدي النبوي في سائر جوانب الحياة، في بيوتنا ومساجدنا، فلنقرأ هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولنعرف سنته وأحكامه وما كان عيه في سائر أحواله.

* القدوة المثلى:

والأمر الثالث: النظر إلى القدوة المثلى بالنسبة لنا في الاقتداء برسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم أصحابه، فهم أعظم من اقتدى به، وأصدق من أخلص له، وأنفس من أحبه، حباً لا مثيل له، ففعلهم قدوة لنا، وترجمتهم للاقتداء به صلى الله عليه وسلم هي الطريق الذي ينبغي أن نسلكه فما أخذوا به أخذنا، وما تركوه تركنا، وما قالوا به قلنا، لأنهم أقرب إليه وأعرف به، وأصدق معه عليه الصلاة والسلام، وهم الذين أثنى عليهم الله عزوجل في كتابه {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} (الفتح:18) {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ} (التوبة:100) ذلك يدلنا على أننا أيضاً ينبغي أن نتعلم من هؤلاء رضوان الله عليهم، لنرى كيف نقلوا لنا سنته، وكيف حفظوا لنا القرآن الذي نزل عليه، وكيف جاهدوا حتى حملوا رسالة الإسلام، وكيف أقاموا الدولة وأسسوا العدل، وجعلوا المساواة نهجاً، والتنمية تعم الخلق أجمعين، ذلك هو الذي أيضاً أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ) وحين قال: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، قال لا أدري أذكر قرنين أو ثلاثة)

والأمر الرابع : هو المجاهدة، فإن أمر الأخذ بالدين والاتباع للرسول عليه الصلاة والسلام، يحتاج إلى همة وقوة، والنفس تركن إلى الأرض، والهوى يغلب أحياناً، والغفلة تعم في بعض الأحوال، ولذا يحتاج المرء دائماً إلى مجاهدة وتصحيح، {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (العنكبوت:69) فإن ضعفنا فلنعد للقوة، وإن غفلنا فلنعد للتذكير، ولنجدد ذلك في مجتمعاتنا حتى تبقى قدوة رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم كالنور الذي يشع في ليلنا ونهارنا، وكاد الروح التي تسري دائماً في عقولنا ونفوسنا، فدائماً يكون لنا تجديد لهذه المجاهدة بأمر الله عزوجل.

ولاشك أن هناك كثيراً من المبطلات التي قد أفسدت علينا أن تكون القدوة في موضعها الصحيح، من لدن قدوتنا الأولى عليه الصلاة والسلام، إلى كل من اقتدى به وتمثل به، وسار على نهجه من القرون المفضلة إلى آخر الزمن، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (َلاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ) هذه مبطلات منها أن تخالف الأفعال الأقوال، وهذا من أقبح الأمور، وأشدها ضرراً على أمر القدوة، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} (الصف:2) وفي حديث أسامة بن زيد في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ يَا فُلاَنُ مَا لَكَ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَيَقُولُ بَلَى قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ آتِيهِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ» مما شوش على مجتمعاتنا أن انتصبت قدوات تخالف أقوالها أفعالها، فتنصح الناس بالاستقامة، وهي على غير ذلك، وتأمرهم بالنزاهة وهي على غير ذلك، وتحضهم على العدالة وهي على غير ذلك، وهذا الذي شوش على أجيالنا حتى في مدارسنا، يسمعون التعليم يقول لهم، ويرون المعلم يقول لهم بسلوكه شيئاً آخر، ربما في بيوتنا يقول لهم الآباء ولكنهم يرون أفعالهم مخالفة، تلك هي قاصمة الظهر التي تقوض أثر القدوة وأهميتها وفائدتها، والانتصار للنفس والاستكبار عن الحق، قد يكون المرء قدوة لكن في موقف معين ينتصر لنفسه، ويستكبر أن يقول إني أخطأت، أو أن يرجع إلى حق غفل عنه، وذلك من أعظم أسباب سقوط القدوات أعاذنا الله وإياكم، رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، لما صلى الله عليه وسلم تجوز وسلم بعد ركعتين، قال ذو اليدين لأن الصحابة هابوا أن يكلموا النبي صلى الله عليه وسلم، وهم يعلمون أن الوحي ينزل، فقالوا ربما نزل وحي بذلك، قال: يارسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت، لم يكن من ذلك من شيء، فلما قال الصحابة بلى يارسول الله، قال: إنما أنسى لأسن، وقام وصلى عليه الصلاة والسلام، ولما أتاه الرجل خائفاً ترتعد فرائصه، قال: (هَوِّنْ عَلَيْكَ فَإِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ) هكذا كان تواضعه، ويوم دخل مكة منتصراً، طأطأ رأسه حتى لامست لحيته ظهر دابته تواضعاً لله سبحانه وتعالى، تلك هي القدوات تُمَحَصْ في المواقف التي ينبغي أن تكون فيها منتصرة للحق لا للنفس، ومذعنة للحق لا مستعلية عليه.

وأخيراً وليس آخراً ينبغي أن ننظر إلى القدوة في مجتمعاتنا في كل الدوائر، وفي سائر المجالات، وإن لا فإننا سنجد نقصاً لاتكمل به آثار القدوة التي نرجوها، فنسأل الله عزوجل أن يعلق قلوبنا بطاعته ومرضاته، وأن يعلق قلوبنا بهدي رسولنا صلى الله عليه وسلم، وأن يجعلنا جميعاً حريصين على حسن الاقتداء والاهتداء بهدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

معاشر المؤمنين

* شمولية القدوة:

القدوة شمولية، فلا ينبغي ولا يحسن أن نجعلها في جانب ونتركها في جانب، وأن نتبع في جانب ونتقاعس في آخر، وخاصة إذا كان هذا التقاعس وللأسف الشديد يبرر له بتبريرات يراد لها أن تكون منسوبة للدين أو لمصلحته، فالنبي صلى الله عليه وسلم في مواقفه كان حاسماً، وهنا أشير إلى مواقف حتى أبين أن الاقتداء يختل على مستوى الأمة ولا يكون في المستوى المطلوب، فهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم في موقفين اثنين يبين لنا كيف ينبغي أن تكون النصرة والأخوة لمن يعتدى عليه من أهل الإسلام والإيمان، امرأة في سوق بني قينقاع في المدينة، يأتي شقي من أشقيائهم فيربط طرف ثوبها بأعلاه، فتقوم فتنكشف عورتها، فتصيح فينتدب لها أهل الإسلام، ويحصل في ذلك ما يحصل، وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم إثر الحادثة لامرأة واحدة ولمقتل واحد يأتي بكل المسلمين ويحاصر يهود بني قينقاع ويجليهم من المدينة، لم كان منهم من هذا العدوان المخالف لما عاهدوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويوم الحديبية وقبل إبرام صلحها وقد أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه رسولاً يفاوض كفار قريش، وجاءت بعض الأخبار أن قريشاً قتلت عثمان رضي الله عنه، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة، وبايعهم على الموت، مع أنه كان محرماً، ولم يأت من السلاح إلا بسلاح الراكب، ولم يرد قتالاً، وقال: (وَاللهِ لاَ يَدْعُونِي الْيَوْمَ إِلَى خُطَّةٍ، إِلاَّ أَجَبْتُهُمْ إِلَيْهَا)، لكن المسلم وحرمة دمه جعلته يبايع أصحابه على القتال، حتى بدى غير ذلك وقضى الله أمراً غيره، والأمر في هذا كثير وكثير، في شأن النبي صلى الله عليه وسلم في مجال المعاملة لغير المسلمين في آفاق كثيرة وغيرها كثير، ومن جهة أخرى أيضاً، لابد أن ندرك أننا لم نرضي أعداء ديننا حتى ولو انسلخنا منه كلية، لأن الله أخبرنا بذلك فقال: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} (البقرة:120) وقدوتنا العظمى عليه الصلاة والسلام أخبرنا فقال: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ ؟) فالتنازل والتميع لايزيدنا إلا ضعفاً وهواناً ونظرةً ذليلة عند أولئك الذي جاريناهم أو جاراهم بعضنا، ومن جهة أخرى يفت ذلك في عضدنا، ويفرق صفوفنا، ويمسخ قدواتنا، ويكون المقتدي المتأسي المتمسك بالكتاب وبالسنة، على هدي صحيح وبحكمة كاملة، يكون شاذاً، ويقبحه الإعلام القبيح، ويشنع عليه، وهذا من أسباب تشويه القدوة ومسخها ما يجري في وسائل الإعلام، في كثير منها على  أقل تقدير، يوم تنصب القدوات على ما هي عليه من مخالفة لكتاب الله ولهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، ولموافقة لغير أهل الإسلام، ولغير ذلك مما تعلمون، وفي الوقت نفسه تشوه كل من يلتزم دينه، ويتأسى برسول الله عليه الصلاة والسلام، وتكون السخرية حتى في الهدي والسمت واللباس الذي أساسه اقتباس واهتداء واقتداء برسولنا صلى الله عليه وسلم، وهذا كما قلت من الأسباب العظيمة التي فيها خلل ينبغي أن لا نستسلم له، الإعلام نستطيع أن نصده، فلا نتلقى عنه، والتعليم إذا سرى فيه خلل نستطيع أيضاً أن نعالجه، إن كنا نحن بأنفسنا نموذج قدوة وجعلنا القدوة في بيوتنا التي نحكمها ولا يحكمها غيرنا، والتي نحن مسؤولون عنها بين يدي الله عزوجل، ولاينافسنا في إدارتها وفي شأنها أحد إلا إذا فرطنا وقصرنا، فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن يلهمنا الرشد والصواب، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واهدنا اللهم لما اختلف فيه من الحق بإذنك يارب العالمين، اللهم اجعلنا سلماً لأوليائك حرباً على أعدائك، اللهم يا حي ياقيوم انصر من نصر الدين، واخذل من حارب الإسلام والمسلمين، اللهم يا حي ياقيوم يا ذا الجلال والإكرام نسألك من فضلك وإحسانك أن تهدي قلوبنا وأن تطهر وتزكي نفوسنا، وأن تهذب أخلاقنا، وتحسن أقوالنا، وتصلح أعمالنا، وتضاعف أجورنا، وترفع درجاتنا، وتبلغنا فيما يرضيك آمالنا.

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0