كيف تقيّم ثقافتك عن القضايا الإسلامية ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
تحليلات وآراء
عدد الزيارات : 502
نحو فهم أعمق.. للواقع الإسلامي
17 أكتوبر, 2016 - 16 محرم 1438هـ

وكأني بصاحب الكتاب في مقدمته الولهي.. يوقظ الوسنان.. وينبه الغافل ويأخذ بيد هذه الأمة، يريد أن يجذبها من كبوتها التي طالت سنيها، فيصدر المقدمة بالآية الكريمة {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} (آل عمران: 110)، ويعقب قائلاً: في هذه الآية دلالة واضحة علي أن مهمة هذه الأمة ليست ترتيب شؤونها الداخلية، ونشر أعلام الهداية بين أرجائها فحسب، وإنما إصلاح شؤون العالم، وإرشاده إلي بر الأمان في أمور الدين والدنيا، وهذا ظاهر قوله تعالي: {أخرجت للناس}.

ولم تكن حاجة الناس في أنحاء المعمورة ماسة إلي الهداية الربانية في يوم من الأيام كما هو اليوم حيث يقود العالم علي مستوي التوجهات العريضة حال الفكر والفلسفة والسياسة والإعلام.. وهؤلاء هم أكثر الناس حيرة واضطرابًا وخوفًا من المستقبل، وأدي الإنتاج المادي الضخم في عالم الأشياء إلي الشعور لدي كثير منهم بالفخر والاعتزاز بما أنجزوه من السيطرة علي الطبيعة كما أنتج ذلك نوعًا من الشعور بالاستغناء عن هداية السماء..

 وهكذا إلي أن يصل إلي قوله: هذه الصورة تنطبق بصورة أساسية علي شعوب عالم الوفرة والتمكن العلمي والتقني، أما الأمة التي أودع الله في عقيدتها ومبادئها إمكانات هداية العالم وإرشاده، كما أودع في أراضيها ودماء شبابها وسواعدهم إمكانات ضخمة تؤهلهم لأن يكونوا رقمًا صعبًا متميزًا في عالم المادة وموازين القوي، فإنها تواجه مشكلات كثيرة علي الصعد الثقافية والاجتماعية والتقنية والاقتصادية والسياسية..والكتاب يعالج موضوعات حضارية مهمة للأسباب الآتية:

1 - إن مجالات البناء والصراع الحضاري حين تكون رحبة ومتعددة فإنها تتيح لكل فرد من أفراد الأمة المساهمة فيها، كل في مجاله وتخصصه.

2 - إن المواجهة التي فرضت علينا مواجهة شاملة، وعلي كافة الصعد ومن ثم فإن تفهمها وكسر موجاتها يحتاج إلي التحرك الشامل علي كل المحاور.

3 - إن محاور التحضر المختلفة تتفاعل وتتكامل بعضها مع بعض.

4 - إن قبول التحدي علي المستوي الحضاري يؤهلنا لمحاولة امتلاك عناصر "الرؤية الشاملة" التي تغطي مساحات واسعة من الأحداث والأفكار.

الكتاب للأستاذ عبد الكريم بكار، و يقع في عناوين قصيرة، ولذا فهي متعددة وكثيرة.

1 - ما الحضارة?

يقول الكاتب: الحضارة في اللغة: الإقامة في الحضر، وقد ذكر ابن خلدون: أن الحضارة هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه، من المطابخ والملابس والمباني والفرش والآنية، وهناك تعريفات أخري منها تعريف تايلور وهو: كل ما يتقبله الإنسان باعتباره طريقة للعمل والتفكير، وكل ما يتعلمه ويعلمه لغيره من الناس.

وتعريف ديورانت: أنها نظام اجتماعي يعين الإنسان علي الزيادة من إنتاجه الثقافي.

ويقول الكاتب: إن الحضارة نوع من الامتزاج والتفاعل بين العقائد والتصورات والأخلاق والنظم الاجتماعية وما توفر من معطيات ثقافية مع الخبرات الفنية والعملية لينتج وفرة في عالم الأشياء، ويذكر الكاتب أن العديد من الباحثين يقسمون الحضارة إلي روح وجسد، روحها الثقافة وجسدها المدنية.

2 - التحدي الحضاري

يذكر الكاتب - أن الله تعالي - جعل الدنيا دارًا للابتلاء {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور} (الملك: 2) وكل ابتلاء يحتاج إلي نوع من التبصر والموقف المبصر يحتاج إلي توفيق وعون من الله تعالي، ومن ثم فإن من الحكمة البالغة أن يردد المسلم في كل يوم {اهدنا الصراط المستقيم} (الفاتحة: 6)، والخير والشر والشدة والرخاء لا يمكن أن تستمر علي شخص أو أمة، وإذا فهمنا التحديات فهمًا صحيحًا أمكننا مواجهتها، وهذا يوقظ فينا روح المحافظة علي الخير والاستزادة منه.

درجـات التحـدي:

التحدي عند الكاتب ثلاث درجات:

1 - التحدي المعجز: وهو مواجهة المرء لصعوبات تفوق طاقاته وإمكاناته وهذا ينطبق علي الأفراد والأمم والجماعات.

2 - التحدي الضعيف: وهو التحدي الذي لا يتطلب جهدًا إضافيا من المرء أكثر من الجهد الذي يؤديه: وهذا التحدي يؤدي إلي تخلف (سببًا في تخلف الأمم).

3 - التحدي المنتج: هو التحدي الذي نملك المقدمات للاستجابة له ،ولكن هذه المقدمات ناقصة والأدوات التي نملكها أيضًا غير كافية، وإنما نحتاج إلي إضافات من عمل الفكر واليد، وتاريخ الدول المتقدمة هو تاريخ المواجهة المنتجة الواقعة ضمن الإمكانات المقاربة، فالدولة هي التي توفر البنية الأساسية فليس في استطاعة الفرد أن يستورد الطاقة مثلاً، وليس في وسعه أن يبني جامعة، وعلي الصعيد السلوكي فإن الفرد يرتقي إذا ما وجد القدوة والتي تعمل الدولة علي إيجادها.

الشـقاق الثقافي

ليس المجتمع مجموعة من البشر لا يجمع بينهما سوي اسم المكان الذي يعيشون فيه، وإنما هو مظلة لمجموعة من العلاقات والعقائد والتوجهات والتطور التاريخي المشترك بينهم، ولا نظن أن هناك حضارة أكدت التجانس الثقافي بين أبناء الأمة الواحدة أكثر من الحضارة الإسلامية، وهذا الآن واضح من الوثيقة التي وضعها الرسول (صلي الله عليه وسلم) لتجمع الأديان المختلفة في المدينة المنورة علي أرضية واحدة، علي الصعيد الداخلي الإسلامي أعطي لنشر العلم بالعقيدة والأحكام الأساسية أولوية علي كل شيء، ووحد الإسلام مصادر التلقي والمعرفة وإحكام مناهجها من أهم العوامل التي تؤدي إلي بناء مجتمع إسلامي كامل علي أسس فكرية وعقيدية لا علي أسس قبلية وعصبية.

الإسلام حريص علي صون الثوابت من العبث والدين نفسه هو الذي يجدد الثوابت والأصول، وعلي التخطيط الثقافي أن يستجيب لذلك كليا.

الإسلام أيضًا يحث علي الاستنباط والاستفادة من الخبرات العالمية في شتي المجالات بما لا يتصادم مع هديه وتوجيهاته، وقد كان المسلمون أيام إقبال الإسلام أقرب إلي الإبداع والتجديد وقابلية التنوع، والمنهج الرباني في رسم خطوط الثوابت، وترك مساحات للحركة والتجديد والاحتكاك مع الثقافات الأخري إنما ينسجم مع مبدأ كوني يعتمد علي التعدد في إطار الوحدة.

أسباب الشقاق الثقافي

1 - تدفق الثقافات الأجنبية:

حين رأي أبناء الإسلام الفوارق الكبيرة بين واقع أمتهم وواقع المجتمعات الأخري نتيجة اختلاط الثقافات بين "حارات الكرة الأرضية" - علي حد تعبير الكاتب - "ولا سيما الأبناء الذين درسوا في الغرب، ولأن الموازنات لن تكون لصالحنا حيث المنتجات التي لم تصنعها الدول الإسلامية بالإضافة إلي الخلافات وأشكال التقزم تجتاح العالم الإسلامي، وأيضا إلي دعوات جديدة أنفقت عليها البلايين وهي مناقضة في مضامينها لكثير من المقولات الإسلامية، كما أن تشبع أبناء المسلمين بالثقافة الغربية "دراسة - قراءة - استماعا" أدي كل ذلك إلي نشوء أجيال من المسلمين تشكك في الألوهية والوحي والنبوة، وصدر ذلك في صورة اعتراضات علي صلاحية الإسلام لقيادة الحياة، وواجه أصحاب الغيرة هذه الموجة.

محنتنا مع بعض المثقفين

يقول الكاتب: إن بعض المثقفين يرون أن الثقافة والمدنية الغربية نموذج يحتذي به، ومن ثم فإن المطلوب اللحاق بركب الحضارة الغربية بدون تمييز ولا تدقيق ويجعلون الإنجاز الغربي مقياسًا لصحة ثقافتنا وتقدمنا، وهذا أدي إلي تحطيم كل البنيات الثقافية والاجتماعية لدينا لتهيئة التربة للغراس الغربي، ولكن لا يمكن التحاكم إلي الحضارة الغربية، حيث إنه إنجاز تاريخي لا يتسم بسمة الثبات والاستقرار وهؤلاء المتغربون غضوا الطرف عن عنصر التطور التاريخي، حيث إن الحضارة الغربية هي الثمار اللانهائية لكل التفاعلات التي تمت خلال القرون الخمسة الماضية، ومن ثم فإن نقل التجربة الغربية سيعني إغفالاً لكل الفوارق التي تفصلنا عنهم، والنتيجة هي هدم البني المحلية دون وجود إمكانات لإقامة بنيات حديثة، فكانت كل الكتابات والمحاولات تستهدف إرساء ثقافة محاكية للثقافة الغربية، فكانت النتيجة اتساع الهوة بيننا وبينهم، ومن الخطأ الظن أنه يمكن تغيير المعتقدات من خلال البحوث والدراسات، إن مهمة الدراسات أن توفر أحسن الأجواء لتفعيل العقائد وزيادة الوعي.

2 - الركود الحضاري:

يقول الكاتب: إن الركود الحضاري سبب من أسباب النزاع الثقافي، وهذا الركود يدل علي ضعف أداء المبادئ، وهذا الضعف يفسر علي أنه ضعف في المبادئ نفسها، ويمتد الركود الثقافي أيضًا إلي خلخلة التوازن الثقافي والاجتماعي، لأن الحركة تؤمّن نوعًا من التواصل والالتحام بكل الأبعاد، وتمزج بين الفكر والعمل، والخطر الثالث الناتج عن الركود هو الاندفاع نحو الرسم في الفراغ، حيث انعدام الحركة يعني اضمحلال التجارب، ويؤدي إلي الحرمان من القبض المتجدد علي الحقائق، والفهم المتناحي لمنطق العلاقات الكلية القائمة علي المحيط الدولي والكوني، وانقسم المثقفون تجاه كل الأحداث العالمية، لأن القاعدين عن الفعل لابد أن يقعوا ضحايا لردود الفعل.

3 - الجدل بين القديم والجديد:

يؤكد الكاتب أن الحركة دائمة، فهناك كل يوم جديد ينسخ شيئًا كان بالأمس جديدًا، والجدل بين القديم والحديث يؤدي إلي التوازن والاتزان الحضاري، فالقديم يحد من طيش المندفعين نحو كل غريب، ودعاة التطور يحولون بين الأمة والركود والإخلاد إلي الكسل نتيجة العكوف علي الموروث، وهذا الجدل في رأي المؤلف يعد نافعًا، لكن حين يأتي الجديد ليجهز علي مقومات الثقافة الأساسية فإن الثقافة تفرز نوعًا من العطالة الضرورية كي تحافظ علي توازنها ريثما تستجمع قواها، لهذا فإن دعاة التبعية لشرق أو لغرب قد بعثوا روح المقاومة والاستجابة للتحدي في دماء ثقافتنا الإسلامية بعد طول رقود، ورب ضارة نافعة!

والجدل بين القديم والجديد يؤدي إلي تجديد الثقافة في حالات تواصل التراث واستمرار فاعليته وعطاءاته، ولكن المشكلة الأساسية في عملية الجدل القائمة أن الذين احتكوا بالثقافة الغربية من أبنائنا جعلوا الشرع في مواجهة العقل، وجعلوا تراثنا كله نقيضا للتحديث فلا عقلانية إلا بالخلاص من الشريعة، ولا تحديث إلا بالإجهاز علي التراث وغسل ذاكرة الأمة منه، ونجحت مجموعة من المثقفين المحدثين في شق المجتمعات الإسلامية إلي شقين:

الأول - عصري يحتكر السلطة والثقافة والثروة، والثاني - تقليدي محروم من كل سلطة وثقافة وإمكانية، وتحول الكثير من الشرائح الاجتماعية إلي خدم لأصحاب الكفاءات علي أن يكونوا الوسيط بين الشرق والغرب، أي أن يسهلوا نهب العالم الشعبي واستغلاله وتطوير التجارة، وبالتالي أن يعمقوا هذه الهوة التي تفصلهم عن الأغلبية الشعبية، إن النهضة المهتدية بهدي الشريعة الغراء هي التي يمكن أن تكسر من حدة الجدل بين الماضي والحاضر.

4 - الموقف من التراث:

يقول الكاتب: إن التعامل مع التراث قد يكون محفزًا وملهمًا وقد يكون مثبطًا ومقعدًا، والتراث في نظر الكاتب هو ما انحدر إلينا من عطاءات الآباء والأجداد علي المستويات المعنوية والمادية، ويؤكد الكاتب أن الكتاب والسنة ليسا تراثًا فهما فوق الزمان والمكان، حيث إنهما وحي والوحي لا يتطابق مع التراث فليس التراث وحيا ولا الوحي تراثًا، ونحن جزء من التراث لا يمكن أن ننفلت منه، والهجوم علي التراث شرس وهدفه سلخ المسلم من تراثه، وذلك لكي يسهل توظيف المسلم في الخطط الاستعمارية بسلبه كل أسلحة المقاومة، والمتغربون يدعوننا إلي الانتماء إلي نمط ثقافي تسوده أدبيات الغرب ومقولاته، ويتم ذلك من خلال الدعوي بأن الثقافة الغربية علي درجة من الشمول والاتساع والعالمية تؤهلها لأن تكون البديل.

 وهم بذلك يتجاهلون أنه ليس هناك ثقافة عالمية بهذا الوصف، وإنما هي ثقافة محلية تمد إشعاعاتها نحو الثقافات الأخري، ولا يمكن أن تحل محل تراث الآخرين إلا إذا افترضنا وجود شعب تخلص من كل ماضيه وموروثاته النفسية والفكرية وتخلص من معطيات المكان الخاصة، ويقابل هذا الفريق الجاحد فريق أغرق في الالتحام بالماضي إلي حد الذهول عن الواقع والاغتراب عنه فكان إصلاح الواقع محدود، وهذان القطبان حوّلا الساحة الثقافية إلي ساحة معارك ملتهبة، وفي الحالة الإسلامية يجب أن ندقق بصورة خاصة في التفريق بين الأحداث والوقائع والظواهر.

إن موقفنا من التراث ينبغي أن يتراوح بين التوظيف والاستلهام والتجاوز والاعتبار والنقد، ومن هنا فإن عدم التعامل مع التراث بالجدية والحصافة المطلوبة سيؤدي إلي أضرار بالغة لديننا ودنيانا، وإن من وظائف العقيدة تفسير التاريخ وتقويمه.

التخلف عن المنهج الرباني

يقول الكاتب: إن مقاييس المسلمين المتعلقة بالتقدم والتأخر تختلف عن مقاييس غيرهم، فليست مهمتنا إعمار الأرض وتحقيق الرفاهية فقط، إنما محاولة التحقق بالعبودية الكاملة لله تبارك وتعالي، ونشر تعالميه وإعلاء كلمته، وهذا تعبدًا لله واستجابة لأمره وسعيا وراء توفير أجواء التدين، ولكي نرصد التخلف العقدي والمنهجي والسلوكي والمادي نلحظ الآتي:

1 - انحرافات في مفاهيم العقيدة فيما يتعلق بالذات الإلهية أو الرسالة أو القضاء والقدر في كل البلدان.

2 - الجهل المطبق بأحكام هذا الدين، نظرًا لانتشار الأمن وتحجيم مادة التربية الإسلامية وتشويه الكثير من وسائل الإعلام لحقائق هذا الدين وأركانه وإسدال الستار علي جانب وتجاهل جانب آخر، والدليل عدم وجود إحصاءات ونسب الذين يحافظون علي الصلاة مع أن بريطانيا العلمانية لها إحصاءات للملتزمين بالمسيحية.

3 - غلبت النزعة المادية وسيطرت علي مشاعر المسلمين وهمومهم نتيجة التأثر بالحضارة الغربية المادية، فظهرت ألفاظ غربية واضمحل لفظ الصالح والتقي وحل محله لفظ الإنسان الناجح وغابت كلمة ابن حلال وحل محلها "كَدْع" و"شاطر".

4 - اختلال الترتيب الشرعي بين أنواع المطلوبات والمنهيات مثل: الاهتمام بالأضحية وغسل الجمعة أكثر من الصلاة.

5 - التقصير الكبير في نشر الدعوة الإسلامية خارج المجتمعات الإسلامية والتقصير في التوعية الإسلامية.

بعض الجذور

والأسباب المختلفة لما نحن فيه

يقول الكاتب: إن استقصاء الجذور والأسباب لما نحن فيه يحتاج إلي كتب عديدة، ولكن فلنقتصر علي ما نراه ذا خطر وأهمية خاصة ومنه:

1 - ظهر في صدر الإسلام نوع من اختلاف وجهات النظر والانقسام بين أصحاب الخبرة وأصحاب القرار، مما جعل مشاعر التمزق والحيرة والقلق تسيطر علي حس المسلم فالمثقفون وأهل التخصصات صاروا بعيدين عن المعايشة اليومية لمعاناة القيادات التي تريد تكييف الواقع والمصالح مع المبادئ التي تؤمن بها، وراحوا يرسمون في الفراغ، فتضخمت جوانب في الثقافة وضمرت جوانب، وأضعف هذا أصحاب القرار فحرمت الدولة الإسلامية من الخبرات والكفاءات.

2 - إبان انطلاق أوروبا تحررت من قيد الكنيسة وراحت تجري حواراتها مع الطبيعة وتجوب مجالات البحث العلمي، بينما كانت جهود العثمانيين في البحث العلمي متواضعة.

3 - كثير من القوي الفاعلة في العالم الإسلامي لا تعرف موقعها الحضاري علي خارطة العالم ولا تعرف حجم الهوة التي تفصل بيننا وبين العالم المتطور، وذلك لأن الأجهزة الإعلامية لا تكشف الحقائق فهي لا تذكر إلا الإنجازات، وتخفي حجم المشكلات.

وكثير من الصفوة غرقوا في تخصصاتهم النظرية العلمية، مما أفقد الرؤية الشاملة والإحساس بنبض الأمة وقدرت بعض الجهات بأن ردم الهوة بيننا وبين الغرب يحتاج إلي 150 سنة، والأرقام والإحصاءات لدينا قليلة وغير دقيقة، وذلك يعود إلي الاستعمار حيث كان يحجب الإحصاءات، بل ويتم تزويرها.

4 - حين غزت أوروبا العالم الإسلامي لم يكن لديها حضارة تنقلها أو رسالة، بل لم تكن حريصة علي نقل أي شيء، كان الدافع الأول هو نهب المواد الخام والآثار والكنوز والمخطوطات، وتأمين أسواق لمنتجاتهم، فمثلاً حاصرت بريطانيا الاقتصاد الهندي لدرجة أنها كانت تقطع أصابع الفتيات حتي لا يعملن بالحياكة، لأن الحياكة ينبغي ألا تتم إلا في "مانشستر" ..

وفي لبنان حدث مثل هذا من الفرنسيين حيث أمروا بقطع أشجار التوت عندما كانت صناعة الحرير اللبنانية تنافس صناعة الحرير في "ليون"، يضاف إلي ذلك نهب الثروات حيث نهبت بريطانيا المسماة "بالعظمي" في الفترة من 1757 - 1815م من الهند ما يتراوح بين 500 مليون جنيه و1000 مليون جنيه استرليني وتصور ضخامة هذا المبلغ يظهر عندما تعلم أن رأس مال الشركات المساهمة التي كانت تعمل في الهند قرب نهاية القرن 19 بلغ 26 مليون جنيه استرليني.

5 - لم يخرج المستعمر حتي ترك خلفه الكثير من المشكلات الثقافية، حيث كان يري أن السيف وحده لا يحقق ما يريد، فأقنعوا الشعوب الإسلامية بتبني عاداتهم وتقاليدهم علي جميع الصعد.

6 - السيطرة الإعلامية للعالم الغربي، حيث استفاد الغربيون من التطور التقني الضخم في تنفيذ سياساتهم المختلفة من بسط سلطان ثقافاتهم، والترويج لمصنوعاتهم وتشكيل عقول الناس.

7 - ومن عوامل التخلف ترسيخ التخلف المادي بما نسميه "بأحادية المنتج" أدي ذلك مع أسباب أخري إلي نتيجة وخيمة وهي تراجع أسعار المنتجات الإسلامية وأكثرها خام، وتحكم الدول الصناعية بتلك الأسعار علي حين ترفع أسعار منتجاتها بطريقة شبه حرة لا تقيدها إلا المناخة العالمية، لقد استفاد الغرب من سيطرتهم في تهميش العلاقات الاقتصادية بين الدول الإسلامية، فإذا فاض لدي شعب منتج لم يجد سوقًا إلا في الغرب، وإذا احتاج إلي شيء لم يجده إلا هناك.

أخلاق المجتمعات النامية

وذهنيتها ونفسيتها

يقول الكاتب: إن الانطلاق الحضاري يقوم علي نوع من الأخلاق الاجتماعية لكي تتمكن القوي الاجتماعية من الحركة والعطاء والانسجام والاستفادة، وبذلك تتواضع ظواهر الركود الحضاري وتستمد كينونتها ونموها، والمجتمعات النامية والراكدة حضاريا تفقد القدر الضروري من التجانس الحضاري ولابد من وجود العدد الكافي من العقول الواعية، وكثير من جوانب الحياة لا يمكن عزلها عن التأثير والتأثر كما يظل القلب نابضًا وإن نام الجسد..

من هنا فإن مدي استقامة أخلاق أي مجتمع أو تدهورها مرتبطة بسلم القيم السائدة، والإسلام يريد من المسلم أن يكون النموذج الأمثل في صعد الرقي والخير والحق والكمال، وهناك صفات أخلاقية في مجتمعاتنا الإسلامية موسومة باللاشرعية منها:

1 - ضعف الفاعلية. 

 2 - قلة الاكتراث بالوقت.

3 - ضعف المبادرة الفردية. 

 4 - النمطية.

5 - الانفرادية.          

6 - الشكلية.

7 - مقاومة التغيير.

العقلية السائدة في المجتمعات النامية

يذكر الكاتب أن هذه العقلية هي مجموعة العقائد الرئيسة والعادات النفسية والصور الذهنية التي يحملها فرد من الأفراد، والركود الحضاري يؤدي إلي ضعف الأداء العقائدي والمبدئية، ومن هنا تكون مجمل أحكام وتصورات الأفراد أهم سماتها: "اللامنطقية" و"اللامنهجية"، النتيجة هي التيه والتخبط والغشاوة.. هذه العقلية لها سمات منها:

1 - ضعف مثاقفة التساؤل.

2 - اضطراب منهجية التفكير.

3 - قصور التفكير الجدلي.

4 - ضعف الحاسة النقدية.

النفسية السائدة في المجتمعات النامية

يقول الكاتب: إن الحالة الراهنة محصلة للتجارب غير الناجحة أو الناجحة نجاحًا جزئيا، ولابد لهذه الإخفاقات من ترك انعكاساتها النفسية التي تؤدي إلي تأصيل عدد من الصفات النفسية المَرَضية، ومن هذه الصفات:

1 - القهر.

2 - فقد الثقة بالنفس.

3 - الشخصية الازواجية: يؤكد المؤلف أن الظروف السيئة التي يعيشها المسلم علي المستوي الثقافي والاجتماعي والاقتصادي تجعله في نوع من المحنة الدائمة، فالمنظومات المكونة لكينونته ليست في حالة وئام، والامتثال الاجتماعي يفرض عليه تصرفات ليس لها رصيد في قناعته، ونتيجة لذلك فإن الإنسان يسوّغ لنفسه سلوكًا مزدوجًا فالعامل يعمل إذا كان عليه رقابة ويكيل المديح لرب العمل ويظهر الحرص عليه إذا كان موجودًا، وإذا كان غائبًا اختلف كل شيء.

4 - الآنية.

5 - الشعور بالدونية:

يقول الكاتب: إن أمراض الكسل والجهل والخنوع والفوضي من مظاهر الركود الحضاري ومسبباته موجودة بكثافة في المجتمعات النامية، وبالإضافة إلي التشويهات النفسية العميقة من الاستعمار الطويل، نعرف الآن أسباب إحساس كثير من الشعوب النامية بعقدة النقص، ورحنا نخجل من كل شيء وطني، وأصبحت كلمة (منتج وطني) رمزًا للرداءة شكلاً ومضمونًا، والزهد في كل ما هو محلي، وأصبحنا نتباهي بالدول الأوروبية وانتمائنا إليها، وأصبحنا نأخذ دور المستعمر.

6 - طغيان الانفعال وغلبة العاطفة علي العقل.

7 - الإسقاط:

يقول الكاتب: إن مشكلات المجتمعات النامية تجعل أبناءها يندفعون بشكل عفوي نحو اصطناع آلية يسوّغ من خلالها وضعية الواقع الذي يعيشه، وذلك بإلقاء أسبابه وتبعاته علي عدو خارجي، والمسئولون عن هذا الواقع كثيرون ومنهم: الاستعمار، والظروف الصعبة، وتركة الآباء والأجداد، ومقصود الإنسان الذاتي، ولا تطرح الأمور عندنا علي هذا النحو، وإنما توجه أشعة النقد نحو الخارج مع تبرئة النفس من المسئولية والقرآن يلفت أنظارنا إلي أن القصور الذاتي هو علة والمآسي.

{أو لما أصابتكم مصيبة قد أصَبتُم مثليها قلتم أني هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله علي كل شيء قدير} (آل عمران: 165).

وهذا الإسقاط يأخذ أشكالاً متعددة في تعليم المسئولية علي ضعف الطلاب والمدرسة علي الأسرة والأسرة علي المدرسة وهكذا.

مظـاهر التخلف المادي

يؤكد الكاتب أن تخلف الأمة عن مواكبة المنهج الرباني وضعف الالتزام المطلوب به هو الذي يولد كل أنواع التخلف المادي التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية اليوم، والمشكلة الكبري في التخلف المادي أنه يحرمنا من الأجواء المناسبة للتفاعل مع المنهج الرباني، فتحسين الوضع المادي للإنسان ضروري جدًا إذا ما أردنا للناس أن يرتقوا إلي مستوي الإسلام، وأن يتفاعلوا مع أوامره ونواهيه، ونسلط الضوء علي بعض جوانب الحياة المادية للحياة الإسلامية المعاصرة.

1 - الجهل: يقول الكاتب: إن أول ما نزل علي العرب من القرآن { اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربُك الأكرم. الذي علّم بالقلم. علّم الإنسان ما لم يعلم}(العلق: 1 - 5) وكأنه يبين للناس أن العلم هو نقطة الانطلاق لاستيعاب المنهج الرباني، وأشد أنواع الجهل التي نعاني منها هو الجهل بديننا، والناظر لأحوال الأمة يجد أن أقل اهتمام بالقراءة والكتابة وأقل ما ينفقون علي البحث العلمي، وهذه بعض المفردات التي يعاني منها العالم الإسلامي:

أ - الأمية: يقول الكاتب في العالم الإسلامي دولاً تصل نسبة الأمية فيها إلي 90% اليمن الشمالي مثلاً ومالي وبوركينافاسو، وهناك دول تتراوح نسبة الأمية فيها بين 60: 90% بنين، وبنجلاديش والسودان، ومن 30: 60% ماليزيا - البحرين - أندونيسيا - تركيا - مصر - الجزائر، ونسبة الأمية في أمريكا وروسيا لا تزيد عن 1%، وفي أوروبا 3%، ومتوسط الأمية في العالم الثالث 45%، أما في العالم الإسلامي يصل إلي 58%، وكذا بالنسبة لنسبة التعليم تنخفض إلي حد 37% لطلاب المدارس بين سني 5 أعوام إلي 19 عامًا... إلخ.

ب - الإنفاق علي البحث العلمي: يقول الكاتب: إن أقل القليل هو الذي ينفق علي التعليم وإن كان الإنفاق علي التعليم لا يعني الإنفاق علي البحث العلمي، والإنفاق علي البحث العلمي يدر الأرباح الطائلة، وتشير بعض الأبحاث إلي أن الدول المتقدمة صناعيا تنفق ما بين 2 - 4% من إجمالي ناتجها القومي في توظيف البحث العلمي من أجل التنمية، علي حين أن الدول الإسلامية لا يتعدي ما تنفقه في هذا المجال 3،0% علي ضخامة الدخول القومية في الدول الكبري وضآلتها في الدول النامية.

أنفقت الدول العربية علي البحث العلمي في عام 1390هـ حوالي 115 مليون دولار، وبعد عشر سنوات ارتفعت إلي 400 مليون دولار، في حين أن الدول المتقدمة أنفقت في نفس العام 62 مليار دولار وصل عام 1400هـ إلي 195 مليار دولار، والإنفاق علي البحث العلمي ضروري لأنه  لا سبيل إلي تطوير منتجات رخيصة إلا من خلاله، فاليابان أنفقت عام 1408هـ 74 مليار دولار وفي العام الثاني 81 مليار دولار، وكوريا الجنوبية أنفقت عام 1408هـ 8 بلايين دولار وفي عام 1409هـ وصل إلي 11 بليون دولار، وذلك لأننا لم ندخل عصر التصنيع بالفعل.

ومن نتائج ضعف الإنفاق علي البحث العلمي: ركود حركة الثقافة، وقلة إعداد الكتب والعلماء والناشرين، فنسبة سكان أوروبا عام 1393هـ كانت 5.12%، ونصيبها من الكتب كان 45% ونسبة سكان الاتحاد السوفيتي 5.6% من سكان العالم، وأنتج 14% من مجموع الكتب، وأفريقيا تمثل 7.9% من سكان العالم، وإنتاجها من الكتب 7.1%، وتجارة الكتب غير مربحة مما جعل الناشرين يعتنون بالكتب التي تهم المراهقين - معظم رسائل الماجستير والدكتوراة لا تطبع، وإليكم هذه الإحصائية المخجلة بين أعداد العلماء والناشرين العرب والعلماء الناشرين اليهود.

سنة 1387هـ (465).

سنة 1397هـ (1348).

سنة 1403هـ (2616).

سنة 1387هـ (1125).

سنة 1397هـ (3284).

سنة 1403هـ (4661).

العلماء العرب الناشرين لا يشكلون سوي نصف العلماء الناشرين اليهود.

2 - قلة أعداد العلماء  والتقنيين  في العالم الإسلامي:

يقول الكاتب: إن انتشار الأمية وضعف الإنفاق علي البحث العلمي وركود بحوث استنبات التقنية ستؤدي إلي ضعف نسب أعداد العلماء التقنيين إلي مجموع السكان في العالم الإسلامي بسبب قلة المؤسسات التي تضم العلماء وضعف حركة التصنيع، عدد العلماء في العالم الإسلامي إلي عدد السكان لا يكاد يذكر 21 في المليون بنجلاديش، 190 في المليون مصر، (بينما تتراوح النسبة عند غير المسلمين بين 4300 في المليون و8200 في المليون)، والتعليم المهني حدث عنه ولا حرج.. وهكذا.

4 - هجرة الأدمغة من العالم الإسلامي:

 يقول الكاتب: إن المشكلات التي يعيشها العالم الإسلامي من أهم أسباب رحيل العلماء والنابهين وذوي الخبرة إلي العالم الصناعي، وهذه تمثل عقبة كأداء أمام الدفع بجوانب التنمية المختلفة، وتتضح الأهمية لهذه العقول من قول "سان سيمون": "إذا أضاعت فرنسا الخمسين الأوائل من علمائها، ومثل ذلك من أهل فنها وصناعتها وزراعتها قطعت رأس الأمة"، ويقول البروفيسور جورج سيلتز - أمام اللجنة التي شكلت لدراسة ظاهرة هجرة الأدمغة العلمية إلي أمريكا:

 "إن الدول النامية تعيش حالة خطيرة من استنزاف قواها البشرية والمطلوبة لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وهي خسارة للقيادات الفكرية في مجالات الابتكار وعمليات التحديث".

ويمكن أن نسلط الضوء علي هذه المشكلة من خلال المؤشرات الرقمية الآتية:

أ - إن الطلاب الذين يدرسون في أمريكا تبين أن 40% منهم من المصريين، و22% أتراك، و18% من لبنان وهم لا يريدون العودة إلي بلادهم، بينما أبناء الهند وتايلاند والفلبين أقل بكثير من أبناء المسلمين ونسبهم علي التوالي 9%، صفر%، 3%، وفي تقرير علمي صادر عن حكومة باكستان 90% من أطباء بلادهم تخرجوا حديثًا تقدموا بطلبات للامتحانات في السفارة الأمريكية والبريطانية والتي يشترط عند النجاح أن يعمل الأطباء في أمريكا وبريطانيا.

ب - هاجر خلال المدة من 30/ 6/ 1967 حتي 30/ 6/ 1968 نحو من 15973 من العلماء والمهندسين والأطباء العرب وفي العام التالي هاجر 31981، وفي الثالث 16492 مهاجرًا، فيكون العالم الإسلامي قد خسر الأدمغة الفذة إلي جوار ما أنفقه عليها.

الفقر

يقول الكاتب: توجيهان يسببان الوفرة في المجتمع الإسلامي هما:

- حث الإسلام أبناءه علي إتقان العمل واستخدام الملكات الذهنية وشحذها من خلال التفكير والحوار والنقد.

- حث الإسلام المسلم علي ألا يركن إلي هذه الحياة ولا يتجاوز حد القصد في الاستمتاع بها، ونحن في هذه الأيام بحاجة إلي الوفرة أكثر من ذي قبل لكثرة الحاجات وكثرة المرافق العامة، ولكن الذي حدث عطالة في الفكر أدت إلي عطالة في اليد، ثم زادت عطالة اليد عطالة الفكر، وسيطر علي المسلمين التبذير الشديد نتيجة سيادة الشكلية والمظهرية وصاحب ذلك خمول وتقاعس عن العمل ليؤدي ذلك كله إلي أن يصبح السواد الأعظم من الشعوب الإسلامية فقيرًا، ونعاني سوء التغذية والبطالة والديون المتراكمة علي اقتصادنا.

الفقر ومؤشراته:

يعرف الكاتب الفقر قائلاً بأنه عدم القدرة علي الحصول علي الخدمات الأساسية من المسكن والملبس والغذاء والماء النظيف مما يوفر الحد الأدني للعيش الكريم ويساعده علي القيام بحدود الخلافة، وليس من اليسير تحديد مستويات الفقر، ولكن حددت مقاييس الأمم المتحدة الحد الفاصل بين التقدم والتخلف بمعدل 25% من الدخل السنوي للفرد في أمريكا، فإذا نقص دخل المواطن عن ذلك عدت الدولة فقيرة، فإذا كان دخل الفرد الأمريكي 13800 دولار في السنة علمنا أن الدول التي يقل فيها دخل الفرد عن نحو 3450 في السنة تعد دولة متخلفة ماديا، وهذا مؤشر للتقدم والتخلف وليس الفقر، لأنه قد يقل دخل الفرد عن ذلك، ولكن يعيش حياة رغدة لرخص السلع.

وتذكر بعض الإحصاءات أن حوالي 24 دولة إسلامية يسكنها نصف سكان المسلمين مصنفة ضمن الدول ذات الدخول المنخفضة حيث لا يتعدي دخل الفرد 400 دولار أمريكي  في السنة مثل: (أفغانستان - باكستان - بنجلاديش - السودان - الصومال - النيجر)، وهناك دول إسلامية مصنفة ضمن الدول ذات الدخول العالية، حيث دخل الفرد 6000 دولار مثل: (الإمارات العربية - البحرين - بروناي - ليبيا - عمان - قطر - السعودية).

وبالمقارنة بين دخول الأفراد في الدول المتقدمة ودخول الأفراد في الدول النامية يتضح الفارق الشاسع حتي تصل لحد التنافي الشديد (فرنسا 16800، بنجلاديش 170) يمثل الفارق 36 ضعفًا، بل يصل دخل الفرد في بعض الدول الإسلامية إلي 20 دولارًا في السنة.

المرض

يقول الكاتب: إن هناك نوعًا من التلازم بين الفقر والمرض، نظرًا لسوء التغذية وعدم توفر مياه للشرب وعدم كفاية وسائل تصريف الفضلات والزحام والقرب من الحيوانات والحشرات الحاملة للأمراض، وكل هذه العوامل ناتجة عن الفقر، إذا كان المرض كانت مشكلة أخري هي عدم توافر الإمكانات مما يسبب الوفاة وترك الأسرة محتاجة إلي عائل، أو يكون معاقًا، وهي حلقة مفرغة رديئة فقر - مرض - زيادة في الفقر - اشتداد المرض وهذه بعض المؤشرات:

1 - سوء التغذية:

يقول الكاتب: إن التغذية السيئة تقلل مقاومة الجسم للمرض، والجوع واعتلال الصحة يضعفان الإنتاجية ويحدان من قدرة الفرد علي تأمين المزيد من الغذاء.

2 - متوسط العمر المفترض عند الولادة:

يذكر الكاتب أن متوسط العمر يعد مؤشرًا من مؤشرات الصحة، وهذا استقراء للواقع فقط وليس رجمًا بالغيب، ومن هنا فإن أغلب الدول الإسلامية لا يتمتع أبناؤها بتقديرات مرتفعة للأعمار، وبالمقارنة بين الدول الإسلامية ودول من العالم الثاني والعالم الصناعي 1409هـ نأخذ الشريحة الآتية:

أندونيسيا: ذكور متوسط العمر 57 إناث 61.

أيرلندا: ذكور متوسط العمر 72 إناث 78.

اليابان: ذكور متوسط العمر 76 إناث 82 وهذه الأرقام غنية عن التعليق.

الإمكانات العلاجية: وكذلك القدرة علي العلاج هي أيضًا أقل قدرة من غيرهم، نظرًا للفقر الذي يحول دون وجود الأطباء والمستشفيات والأدوية، وهذه شريحة توضح ما يخدمه الطبيب والسرير الواحد من السكان في دول إسلامية وغير إسلامية:

بنجلاديش: سرير لكل 3573 عام 1405هـ، طبيب لكل 6996 عام 1405هـ.

إيطاليا: سرير لكل 122 عام 1406هـ، طبيب لكل 242 عام 1406هـ.

فرنسا : سرير لكل 77 عام 1406هـ طبيب لكل 405 عام 1407هـ.

ومن خلال قراءة سريعة لهذا النموذج نجد قطبي التنافي في مجال أسرة المستشفيات يتمثلان في بنجلاديش وفرنسا حيث يمثل الفارق 46 ضعفًا.

الديون الخارجية

يقول الكاتب: إن أسوأ حالات الإفلاس هي التي يستدين فيها المرء ليأكل، هذا هو حال كثير من الدول الإسلامية وتبيح انتشار الربا لتطعم شعوبها، فكانت النتيجة {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} وكانت إعلان الحرب من الله تعالي: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} (البقرة: 278: 279).

وربما بدأت الديون الخارجية بالسندات الربوية الداخلية عام 1840م في الدولة العثمانية، فبلغت ديون الدولة العثمانية خمسة ملايين ونصف من الليرات التركية، وكذا الولايات التابعة لتركيا ازدادت بها الديون نتيجة لنفس هذا المسلك (تونس - مصر) وهكذا.

التطور المذهل لديون البلدان النامية:

زادت الديون نتيجة الاستدانة والربا الملاحق لها بدرجة مذهلة عام 1955م كان إجمالي ديون (34) دولة نامية 6 مليارات دولار وقفز إلي 59 مليارا عام 1959 عام 1973 وصل إلي 119 مليارا، هكذا تضاعفت ديون ما يعرف بالعالم الثالث ما يقرب من 180 ضعفًا خلال 32 سنة، وبلغت ديون العالم الإسلامي عام 1978 أكثر من 82 مليار دولار وخلال خمس سنوات وصلت إلي 144 مليار، 1986 إلي 230 مليارا.

فوائد الديون ونسبتها إلي الصادرات

يقول الكاتب: إن المشكلة الكبري أن هذه الديون أصبحت تلتهم نسبة كبيرة من صادرات الدول الإسلامية، بل زادت علي الصادرات مما يجعل العجز عن الوفاء بها أمرًا محتمًا وإمكان إحداث تنمية مناسبة أمرًا صعبًا.

أين  ذهبت الأموال المقترضة?!

يؤكد الكاتب أن أكبر خطر للاستدانة هو التراخي في جهود التنمية بصفة عامة والتنمية الزراعية بصفة خاصة، والديون تزيد في نهم المستدين وتزيد الإسراف وهذا يحدث لو استقرت الأموال المقترضة في خزائن الدولة، ولكن الذي يحدث مع الأسف أن كثيرًا من تلك الديون يعود إلي بنوك الدول المانحة في صورة ودائع شخصية فقد كشف اجتماع البنك الدولي أن 80 - 100% من الأموال التي أقرضتها أمريكا للأرجنتين والبرازيل وغيرهما كانت تعود مرة أخري إلي الولايات المتحدة لحسابات شخصية لمسئولين من تلك الدول، وأكبر من ذلك أن هذه القروض تتم وفق شروط المقرض، ولا تستخدم في المجالات التي تعود علي الدول المقترضة بالفائدة.

الإفرازات الاجتماعية للديون

يذكر الكاتب أن من هذه الإفرازات: زيادة الأعباء علي الفقراء، وهذا يؤدي إلي فقدان الاتزان النفسي والمجتمعي، مما يفجر ثورات في أماكن عديدة من البلاد ذات الديون المرتفعة، واشتهرت تلك الاضطرابات باضطرابات صندوق النقد الدولي علي غرار ما حدث في مصر عام 1397هـ، وتونس عام 1398هـ، والسودان وبيرو وبنما والأرجنتين.

ضعف التجهيزات للبنية الأساسية

يقول الكاتب: إن شعار دول العالم الثالث هو "الصراع من أجل البقاء" ومن ثم فإن الهموم تظل متجهة نحو توفير القوت اليومي، وهذا يصرف التفكير عن متطلبات التنمية، ودرجة الإنجاز في تجهيزات البنية الأساسية مؤشر مهم من مؤشرات التقدم المادي والتنموي، وينبغي أن يكون هناك تفاعل بين هذه التجهيزات والمرتكزات وبين البنيان الاقتصادي تتسع باتساعه، وتستفيد من نموه والتجهيزات الأساسية تشكل الرحم التي تتخلق فيه تنمية الوفرة المستهدفة.

ضعف القطاع الصناعي

يذكر الكاتب أن التخلف الصناعي مرتبط بالتخلف الاقتصادي، وتحتل الصناعة هذه الأهمية في التنمية لاعتبارات أهمها:

1 - الخلاص من تقلبات الأسواق الدولية وأسر المتحكمين فيها علي صعيد المواد الخام التي يصدرها العالم الإسلامي وصعيد السلع التي يستوردها من الدول المتقدمة.

2 - تهيئة فرص عمل لعدد كبير من الناس بمعدلات ثابتة علي مدار السنة "العمال الزراعيين".

3 - الصناعة مدخل يساعد علي تحسين شروط التبادل التجاري عن طريق تصنيع المواد الأولية محليا.

4 - الصناعة الأداة المثلي لتنويع إنتاج الاقتصاد الوطني ودعمه بنشاط جديد يخرجه من مآزق آحادية المنتج.

5 - الصناعة قناة فعّالة في رفع إنتاجية العمال وتحديث عملهم عن طريق استيعاب منجزات العلم والتقنية الحديثة.

6 - ارتباط الأمن الإسلامي الشامل والأمن القطري المحلي عن طريق تصنيع وسائل الدفاع العسكرية حيث الكرامة الإسلامية الممتهنة والأرض المغصوبة والأعراض المنتهكة.

مؤشرات اعتبار الدولة الصناعية

يقول الكاتب: إن المعلومات الخاصة باستعمال أو استهلاك المنتجات الصناعية قد يتخذ  للدلالة علي التضييع ويتخذ دليلاً علي التصنيع رغم الاستيراد، وهناك مقاييس مستخدمة في تحديد درجة التصنيع التي بلغها بلد منها: نسبة المنتجات الثانوية إلي المنتجات الأولية، إن البلد يستحق أن يطلق عليه وصف صناعي، وهناك معايير أخري اعتمدها خبراء الأمم المتحدة للتصنيع - استهلاك الطاقة - إنتاج الحديد - استهلاك القطن في الصناعة - نقل السلع بواسطة السكك الحديدية.

وعلي العكس من ذلك يعد البلد أقل تصنيعًا، وفي عالمنا الإسلامي قطاع الزراعة هو الميدان الأول، وهناك بعض الصناعات الخفيفة "مواد غذائية - مواد بناء - صناعات نسيجية وجلدية - مصنوعات يدوية وبلاستيكية"، ولكنها لا تسد إلا جزءًا من الحاجات المحلية..ويعود تخلف الصناعة في العالم الإسلامي إلي أسباب:

1 - كثير من الشعوب الإسلامية لم يتحرر من نير الاستعمار إلا منذ حقب قصيرة فهي حديثة عهد بمرحلة "النهب".

2 - تحتاج تنمية الصناعة وخاصة الثقيلة والدقيقة منها إلي استثمارات مالية كبيرة، وأكثر الدول يرزح تحت الاحتياجات اليومية.

3 - قلة الإنفاق علي البحث العلمي وسيادة الأمية وضعف مستوي التعليم والتدريب المهني.

4 - قلة أعداد الفنيين والتقنيين والعمال المهرة.

5 - اجتياح التجزئة وتفتت العالم الإسلامي وعدم وجود سوق مشتركة.

6 - عدم بلورة ثقافة تدفع إلي استهلاك المنتج الوطني والإسلامي، ولو انخفضت درجة جودته.

7 - أخذ المسلمون عن الثقافة اليونانية - إبان حركة الترجمة - تمجيد الأعمال العقلية والنظرية، واحتقار التجريب والممارسة.

8 - المسلم لا يقوم بالاندفاع نحو عمارة الأرض ما لم يكن في حالة من الإقبال علي الله تعالي، ونحن في ابتعادنا عن هذا المنهج ذهبت الحماسة لاستثمار الطبيعة من أبنائنا.

تخلف قطاع الزراعة

يؤكد الكاتب أن السمة الغالبة لبلاد العالم الإسلامي "البيئة الزراعية" حتي أطلق عليها بلدان زراعية متخلفة أو "الريف العالمي" وفي ظل نجاح الصناعة صار النجاح في هذا القطاع يعتمد علي الإمكانات العلمية والصناعية، ومن هنا أصبحت بلدان العالم الثالث متخلفة زراعيا، وأصبح الإنتاج الزراعي لا يتناسب مع الأعداد المتزايدة وسادت المجاعات وسوء التغذية، بل إننا نستورد المواد الغذائية من الخارج "ما يقدر بـ 22 مليار دولار" للدول الإسلامية.

 أهم أسباب تخلف الزراعة في العالم الإسلامي.

يؤكد الكاتب أن بعض المصادر تقدر المساحات المزروعة في العالم الإسلامي بنحو 400 مليون فدان (11% من المساحات المزروعة) وما يزرعونه أقل مما ينبغي لحل المشكلة، وهناك عدة أسباب لضعف الإنتاج الزراعي:

1 - عدم القدرة علي تصدير أية منتجات صناعية ذات قيمة عالية.

2 - الخدمات تقدم في عالمنا الإسلامي للمدن بصورة رئيسة علي حين تظل الأرياف محرومة منها وهذا أدي إلي هجرة أبناء الريف إلي المدن.

3 - مقاومة المزارعين للتغيير مما يجعل عمليات التحديث تلقي الصد النفسي واللاشعوري في مجال الزراعة.

4 - ظلت الزراعة مرتبطة بظروف مناخية تصعب السيطرة عليها "الأمطار - قلة السدود - ندرة البيوت الزجاجية".

5 - البطالة الموسمية لدي السواد الأعظم من المزارعين.

6 - نظرًا لضعف الجانب العلمي والتقني ضعفت البحوث علي تحسين البذور وأنظمة الري.

7 - تلف كثير من المحاصيل الزراعية "الخضار والفاكهة" والبعض يحتاج إلي أوعية خاصة للحفظ... إلخ.

8 - عجز المسلمون عن التواصل التجاري مع الكبار، مما أفقد المنتجات الزراعية السوق الاستهلاكي للتسويق والتصنيع، وكانت النتيجة العامة لكل هذه الأسباب ضعف إنتاجية المزارع المسلم.

البطالة

يقول الكاتب: إن البطالة تعني في أبسط صورها عطالة الإنسان عن عمل نافع، وهي في حقيقة الأمر عدم تكافؤ المنتج مع الجهد الذي بذل فيه والوقت الذي استغرقه، البطالة موجودة في كل العالم ولكنها في العالم الإسلامي هي الأخطر، فقد تصل نسب البطالة إلي 10% في فرنسا، ولكن دخل الفرد لديهم 17000 دولار، أما حين تكون نسبة البطالة 30%، ومتوسط دخل الفرد 170 دولارًا، فإن مصير العاطلين هو التسول.

أنواع  البطالة:

يذكر الكاتب أن الدول المتقدمة تعاني من البطالة "التقنية" حيث تزيد الآلات ويستغني عن الأيدي العاملة، أما البطالة في البلدان النامية لها أنواع هي:

1 - البطالة المكشوفة: تعني توفر عدد من القوي البشرية القادرة علي العمل مع عدم وجود عمل وهو أسوأ أنواع البطالة.

2 - البطالة الاحتكاكية: تعني وجود مجموعة قادرة علي العمل مع قوي أخري تتزاحم علي عمل محدود، هذا هو الموجود في الدولة الإسلامية حيث الدواوين مليئة بالموظفين، حيث يوقِّع البعض آخر اليوم وآخر الشهر وآخرون بلا كراسي.

3 - البطالة الموسمية: تعطل القوي العاملة عن الإنتاج فترة من الزمن تفرضها طبيعة العمل "المزارعين".

4 - البطالة الطبقية: مجموعة تحتل مرتبة اجتماعية عليا لا تتناسب مع إنتاجها، ومع ما تقوم به من أعمال "خريجو الجامعات، دارسو تخصصات ليست بلادهم في احتياج لها ودفعتهم اعتبارات اجتماعية إلي دراستها، والانصراف عن الدراسات الأخري".

5 - البطالة المقنعة: تعني وجود فئة تقوم بعمل لا ترقي محصلته وإنتاجيته إلي ما توفر له من قوي بشرية، وتكون النتيجة خسارة المشاريع والمؤسسات وانخفاض ربحها، فمثلاً سنغافورة تصدر خلال 6 شهور من عام 1993 ما قيمته 35 بليون دولار وعدد سكانها لا يصل إلي ثلاثة ملايين نسمة، واليهود في فلسطين يصدرون ما قيمته 60 بليون دولار وسكانها لا يزيدون علي 4 ملايين، والدولة الإسلامية أندونيسيا ذات الـ 180 مليون نسمة تصدر نحوًا من 7 بلايين دولار إن كل أنواع البطالة السابقة موجودة وبكثرة في العالم الإسلامي.

ضعف الإبداع

يذكر الكاتب أن الأمة الإسلامية أخرجت الكثير من المبدعين أمثال: أبي حنيفة والشافعي والبخاري وابن فضلان وابن حوقل وابن ماجد والرازي وابن تيمية والغزالي والإدريسي وغيرهم وكثير، ثم الآن لا نري إلا النذر القليل فهل عقمت هذه الأمة - أمة اقرأ - عن إنجاب القراء والكتّاب أم أن شروط المبدعين لم تعد متوفرة?

والمواهب والقدرات علي المستوي الجماعي متقاربة،  لكن الذكاء يتفاوت بين الأفراد فليس هناك ذكاء ياباني ولا ألماني واختلف العلماء حول نصيب البيئة الثقافية والاجتماعية في إخراج العباقرة.. ومهما كان المبدعون فإنهم متأثرون ببيئاتهم، ومهمة المبدعين ليست تقديم المخترعات وحسب، وإنما دمج المعطيات الفكرية والثقافية والعلمية لعصرهم في نظم جديدة أشمل وأرحب من خلال الأنساق الثقافية الرحبة والأصيلة، ولذا فإن قلة المبدعين في الأمة تجعل تواصل أجيالها علي المستويات العقلية والتنظيرية العليا ضعيفًا.

أسباب ضعف الإبداع في العالم الإسلامي:

يذكر الكاتب أسباب الضعف وهي:

1 - عدم وجود أنظمة جيدة لاكتشاف النابهين ورعايتهم.

2 - الأسر وظروفها ذات أثر في اكتشاف النابهين.

3 - بتراكم التخلف الحضاري لدي الأمة علي مدي القرون الأربعة صار المسلم بطيء الحركة فاتر الهمة،والعبقرية لن تكون إلا من خلال الحركة والعمل، فإحدي الدراسات تقول: إن الواحد من المبدعين يقرأ خمسين كتابا في السنة، وأيضًا توماس أديسون يقول: إن العبقرية 99% عرق جبين، 1% إلهام، لذا فلابد من وجود ظروف ومحفزات لحركة ثقافية نشطة وإلا ستظل الطاقات الإبداعية كامنة وخامدة.

4 - طريقة التعليم: طريقة متشابهة عمادها التلقين والحفظ والتكرار، وإن كان هذا مطلوبا لكنه يؤدي إلي خمول قدرات الخيال والإبداع، وفي الغرب عكس ذلك طرق حديثة أقرب إلي التفكير والذاكرة عند الغربي أقرب إلي الضمور إذا ما قورنت بالشرقي، فالطالب الغربي أقدر علي حل المشاكل ذات الجهد العقلي، لذا فإن التعليم الصفي المنهجي ساعد علي قتل الإبداع.

5 - القدوة والنموذج: يقول الكاتب: حين يوجد في بنية ما عدد من المبدعين علي مستويات راقية فإنهم يرفعون سوية التطلع المعرفي وحب الإنجاز لمجتمعاتهم ووجد أن 63% من المشاهير كانوا قد تعرفوا علي مشاهير في مرحلة مبكرة من العمر "القدوة" ونصف الحائزين علي جائزة نوبل تعلموا علي بعض من سبق لهم الحصول علي هذه الجائزة، إذًا القدوة والنموذج وغيابهما سببًا في ندرة الإبداع عند الأمة.

ضعف أداء النظم الإدارية

يقول الكاتب: إن لكل أمة مشاكلها ولابد حتي تحل هذه المشكلات من توظيف المبادئ في أشكال من النظم الإدارية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتربوية، وإلا فهي شعارات فقط، وأخطر عنصر في الإدارة الإنسان فهو الذي يقوم بتنفيذ تلك البرامج وتطوير النظم وتقويم أدائها ويجب توافر القوة والأمانة في هذا الإنسان {قالت إحداهما يا أبت استئجره إن خير من استئجرت القوي الأمين} (القصص: 26) والقوة كفاءة والأمانة إخلاص وصدق واستقامة القوة تعني تحقيق المبادئ وتنفيذ البرامج عبر النظم المقننة، والأمانة تعني سد الفجوات التنظيمية التي تحدث، إن الفساد الإداري والتنموي الذي تعاني منه الدول النامية أدواء عالمية نعاني منها، وهو ما يعني بالنسبة لنا مضاعفة معاناة الناس اليومية.

من مظاهر التخلف الإداري:

يذكر الكاتب أهم مظاهر التخلف الإداري كالآتي:

1 - إن الإدارة في الدول النامية تسود فيها أنظمة إدارية خليط من دول شتي فهي ثوب به العديد من الرقع.

2 - الأنظمة الإدارية ليست صالحة لأن تكون أوعية تنظيمية للتنمية الشاملة المعنوية والمادية.

3 - تعطيل الطاقات نظرًا لتكدس الموظفين في بعض الدوائر حيث تعطل الطاقات التي يمكن أن يستفاد منها.

4 - الرواتب ضعيفة مما أفرز ظواهر في منتهي  السوء منها: الرشوة وحضور الموظفين في أوقات متأخرة وانصرافهم مبكرًا... إلخ، متوسط العطاء للموظف الرسمي خلال اليوم 30 دقيقة، ودول أخري 27 دقيقة دراسة أجريت علي دولتين عربيتين.

5 - الرقابة والروتين وبطء الإنجازات للمعاملات، والإنجازات الحضارية عامة لدي الدول الإسلامية حالة: شقيقان اختلفا في مشكلة رفعاها لدي المحاكم ظلت 43 عامًا وماتا دون أن تحل.

6 - داء الإسراف والتبذير في كثير من الدوائر والمؤسسات أهم شيء لدي الموظف "أثاث فخم - سيارة فارهة" ويعد الحصول علي ذلك نصرًا مبينًا.

التجزئة والتفرقة في العالم الإسلامي

يذكر الكاتب أن الأمة الإسلامية يقدر عددها اليوم بما يزيد عن 1200 مليون نسمة علي 27% من رقعة الأرض وكانت الدول الإسلامية أرضا مفتوحة لكل مسلم كأنها قطعة واحدة، وحين وزعت تركة الرجل المريض "الدولة العثمانية" علي الدول الاستعمارية عملت تلك الدول علي نشر ثقافاتها، وحدثت حركات التحرر الوطني في كل دولة علي حدة، وحين خرج المستعمر أوكل القيادة إلي نفر منهم علي عينه، فعملوا علي ربطهم " الأمة الإسلامية " بالسادة أكثر من ربطهم بالوحدة..

وعلي الرغم من أن محور الوحدة ظل يجذب أهل السنة والجماعة علي مدار التاريخ، إلا أن الحروب الأهلية كانت تهدم الأطر الجماعية وتبذر بذور الشقاق بين أبناء الأمة، وأثمر التفكك الذلة في الأرض، أكثر اللاجئين من العالم الإسلامي والضحايا بالملايين وأرضهم تتناقص، إن من واجب الحكومات والجماعات الإسلامية أن يقيموا مراكز دراسات الوحدة وحين يتعاظم الأمل يلم شمل الأمة ويجمع كلمتها.

التحديات الخارجية

يري المؤلف أن سبب الانكسارات التي أصابت الأمة كانت في جذورها وأسبابها من صنع المسلمين وعلاج الأخطار يتوقف علي قدرة الأمة، فالأجواء مليئة بالجراثيم و"الفيروسات" لكنها لا تغزو إلا من فقد روح المقاومة، وبإمكاننا أن نستعرض جملة من التحديات هي:

1 - الفصل بين التحديات الداخلية والخارجية هو فصل اعتباري، فكثير من التحديات الداخلية هي من صنع خارجي ويمدها الآخرون بأسباب الاستمرار، لأنها تخدم مصالحهم، وصار لكل نوع من التحديات التي تواجه المسلمين ثلاثة أبعاد "محلي - إقليمي - دولي" ويجب أن تعالج هذه المشكلات علي هذا الأساس.

2 -  العالم المتقدم يسعي أن يهمش دور كل شعوب الأرض ويشكلها كيفما يشاء، ولكن الشعوب الإسلامية هي الوحيدة التي تقاوم لما تحمل من عقيدة يصعب تحويرها، فهم وحدهم أصحاب عقيدة التوحيد، وشدة صلابة العالم الإسلامي تعكر الصورة التي يحاولون رسمها للإنسان الحديث، مما يجعله لا يشعر بالارتياح نحو المسلمين.

3 - ظل العالم الغربي في مواجهة مع الشيوعية لمدة خمسين عامًا، ولما قضي علي الشيوعية استيقظ العالم الإسلامي فجأة وراح يتحسس أماكن ضعفه، وأيضًا أماكن قوته، فكان العدو الجديد للغرب، فيقول مورو بيرجر في كتابه "العالم العربي المعاصر": إن الخوف من العرب ليس ناتجًا عن وجود البترول بغزارة عند العرب، ولكن بسبب الإسلام، وقال نائب بوش: إن العدو الوحيد المتبقي في وجه الغرب هو الإسلام، ونشرت مجلة التايم علي غلافها صورة تجمع بين المئذنة والبندقية تحت عناوين: "الخطر الإسلامي"، "هل يجب أن نخاف من الإسلام?"، "المسلمون قادمون".

4 - النظام العالمي الجديد:

يقول المؤلف: إن الفلسفة الغربية بعد سقوط الشيوعية تفردت بالساحة الثقافية الدولية، كما تفرد الغرب المهيمن علي الصناعة والاقتصاد، وأول من استخدم هذا المصطلح جورباتشوف ثم تلقفه بوش وصار يتحدث عنه، وقد نشأ هذا النظام بعد نهاية الحرب بين الشيوعية والرأسمالية بسقوط الشيوعية ومن هنا فإن الهيمنة في هذا النظام ستكون للعالم الغربي، وتأثيرات هذا النظام علي العالم الإسلامي كما يأتي:

أ - يرتكز النظام العالمي الجديد علي توسيع دور الأمم المتحدة في التدخل في شؤون الدول وحل الصراعات أو إدارتها - بعبارة أصح - ولأن الغرب هم الذين يمولون الأمم المتحدة، فإن تلك المنظمة سوف تكون قناعًا للدول الأقوي، ووضح ذلك في مشكلة البوسنة حيث لم تفلح هذه الهيئة إلا في إصدار قرار يمنع تسليح البوسنة للدفاع عن نفسها علي حين تتدفق الأسلحة علي الصرب، وكذا قرارات إدانة اليهود لم ينفذ منها شيء... إلخ.

ب - يقوم هذا النظام بتعاظم النظام الاقتصادي، مما يجعل باقي الدول تتسول علي أبواب الدول الغربية، ويؤدي إلي المزيد من الضغط من أجل خفض أسعار المواد الخام التي تمتلكها الدول الإسلامية ومزيد من التدخل في مشاكلنا.

جـ - يتعاظم دور الصهيونية العالمية - بشكل لم يسبق له مثيل - في ظلال النظام العالمي الجديد.

5 - حين يتفرق العالم الإسلامي في عالم متفرق تكون المصيبة أهون، أما حين يتفرق في وقت يسعي فيه كل العالم وبالذات الغربي إلي الاتحاد فإن الأخطار التي تهدد المسلمين تكون جسيمة، والعالم يدخل القرن الجديد بمجموعة من التكتلات الاقتصادية (الولايات المتحدة مع كندا والمكسيك) (الأرجنتين والبرازيل والأراجوي والبارجواي)، (مجموعة من النمور السبعة في جنوب شرق آسيا)... إلخ، ولكن أهمها جميعًا الوحدة الأوربية المشتركة والتي تمت بعد مباحثات 32 عامًا، إن آثار هذه الوحدة ستكون وخيمة علي العالم الإسلامي إذا ما ظل علي هذا التشتت، وإن من أكبر المشاكل أن العالم يعاملهم علي أنهم شيء واحد وهم مشتتون في خمسين دولة.

6 - دول العالم الصناعي تعاني من ركود صناعي ضخم وهذا الركود سيدفعها إلي المزيد من الضغط علي العالم الإسلامي والدول النامية من أجل إنعاش اقتصادها.

الخاتمة

يقول الكاتب: كل أملي أن يكون الكتاب قد تمكن من وضع اليد علي بعض المواجع ومصادر الألم التي تؤرق الأمة الإسلامية، ونرجو ألا نتشاءم حتي لا نفقد الهمة، ونرجو أن نضع النقاط علي الحروف، وهذه أفراح - أفراح اكتشاف الأدواء وتشخيص العلل والتماثل للشفاء، ومن خلال كتاباتي لا أسعي أن أجعل النظام العالمي والعالم الصناعي هو النموذج الذي يحتذي، فإن مسلم مبصر يتمتع بنعمة الهداية لا يرضي لهذه الأمة أن تكون ظلاً لأحد، فتعاسات الغرب أكثر من نعمائه، وربما صارت يومًا نموذجًا للتخلف الإنساني، إن إمكاناتنا ضخمة للغاية وهي موضع حسد وغبطة..

ورغم كل ذلك لم نفقد الاتجاه أو الأمل، إن تكثيف الدراسات والإحصاءات والتحليل والنقد وتوسيع مجالات الرؤية والبحث في الأسباب والجذور هي المفردات التي ينبغي أن تشكل منهجًا للمعالجة ومواجهة المشكلات، نحن بحاجة إلي عقول المهندسين ومباضع الجراحين وعطف الأمهات وشفافية الذاكرين وأيدي العمال الماهرين وآفاق المخططين والمنظرين، فإذا ما توافر ذلك ووضع في مكانه الصحيح فإن نصر الله لآت.

الناشر: دار القلم - دمشق : 1999م

 

 

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0