كيف تقيّم ثقافتك عن القضايا الإسلامية ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
أعلام الدعاة
عدد الزيارات : 1030
الشيخ الشعراوي.. البرق الذي خطف الأبصار
27 مايو, 2015 - 9 شعبان 1436هـ

إن أعلام الأمم في كل عصر، يتمثلون في رجالها الأفذاذ، وقممها الشوامخ، ومخلصيها اﻷمناء، من رواد فكرها وبناة مجدها وحماة عزها، ومن أرسوا عقائدها، وأسسوا مبادئها، وشيدوا معالمها، وأصَّلُوا قيمها، ونهضوا بتاريخها وحضارتها، تلك مفخرة يحفل بها التاريخ لكل أمةٍ، بغض النظر عما آل إليه أمرها من وصولها للقمة أو سقوطها في القاع.

ولأمَّة الإسلام -بشكل خاص- أن تفاخر جميع الأمم بما حباها الله من وحي السماء وميراث النبوة، ما فجَّرَ فيها النبوغ والعبقرية، حتى أصبح فيها -بحمد الله- الخُلَّص من العلماء والحكماء والفقهاء والأدباء والأذكياء والعظماء والمفكرين والعباقرة، الذين ما بَرِحوا في كل عصر يكرسون حياتهم لخدمة دينهم وأبناء شعوبهم، بكل جدٍ وتفان، وبكل صدق وإخلاصٍ، دون أن يشغلهم عن ذلك مغنم أو سلطة، أو يحول بينهم وبين ذلك بطش أو استبداد ما داموا على قيد الحياة، فساهموا بجهد وافرٍ في وعي الإنسانية نحو العلا والمجد، والسمو والارتقاء، والسلوك والأخلاق، من خلال منهجهم الرباني، وميراثهم النبوي، وأسلوبهم العلمي، وعطائهم الروحي، الذي تفرد بمواكبة الحياة في جميع شؤونها بشكل مرن ومتجدد، فاستحقوا بذلك عن جدارة وعلى مر التاريخ أن يتربعوا في قلوب المسلمين، حباً وإعجاباً، تقديراً وإجلالاً، {فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا}.

من أولئك الأعلام المعاصرين الذين قضو نحبهم، العبقري الفذ، والملهم البليغ، والنابغة البياني، والفهامة القرآني، والمفوه الموهوب، الذي تربع في قلوب المسلمين على امتداد وطن الإسلام والعروبة وما وراءهما، العلامة الجليل، والمجاهد الكبير، والمربي العظيم، والمفسر القرآني الفريد، فضيلة الإمام الشيخ (محمد متولي الشعراوي) الذي أتقن ببراعة فائقة فَنَّ القول، وبراعة الاستهلال، وإدارة الحوار في جميع القضايا بصورة أذهلت الجميع، وكأنه أمتلك المفتاح السحري الذي استحوذ به على قلوب سامعيه ومشاهديه بمشارق الأرض ومغاربها، خصوصاً ممن لم تكن لديهم اهتمامات بالدين وعلومه، وبالأخص القرآن وتفسيره.

ولا عجب فهو إلى جانب تلقائية حركاته، وروعة التفاتاته، وتوزيع نظراته، وامتزاج إشاراته، وفنية استهلالاته ووقفاته، وجاذبية ألفاظه وعباراته، قد وهبه الله القدرة العجيبة على التأثير والإقناع، فكل من كان يجلس إليه يجد نفسه مشدوداً إليه، مُنْبَهِراً به؛ إذ يجد عنده ما يبتغيه ويتمناه دون تشدُّقٍ أو تقعر؛ وما يشبع فكره دون تشدد أو ترخص، وما ويُرْضِى خاطره دون إجحافٍ أو مجاملة؛ وما يمتع ذوقه دون خلل أو مجافاة، وما يذلل قدرته على الفهم والتلقي دون صعوبة أو تعقيد، فالأميون والمثقفون وجميع المستويات الحرفية والفنية والعليمة أقبلوا على سماعه ومشاهدته بحبٍ وإعجاب وشغف، وإجلال ووقارٍ وتقدير، دون أن يشعروا بتخصيصٍ في أسلوبه بين أميٍ أو عاميٍ او مثقف، بل ودون أن يشعروا أن لأسلوبه من المثقفين طبقة دون طبقة، فالكل أمام أسلوبه المشوق سواء، في تفكيك المعلومة وتبسيطها وتذليلها وإرسالها إلى عقل المستمع وقلبه، بأعذب الألفاظ، وأرقِّ الكلمات، وأطيب العبارات، وأجمل العروض، وأروع الأساليب، دون تكَلُّفٍ أو مشقة أو معاناة، مما يعني أنه تجاوز حدود الطبقة بأسلوبه الفريد المتميز الجذاب، وحديثة المرسل بغير كلل ولا ملل، دون أن يُرْهِقَ نفسه أو يرهق سامعه، فضلًا عن تجاوزه حدود المكان وحدود الزمان، مع ما وُجِدَ من قنوات فضائية كانت وما تزال تبث برامجه إلى الناطقين بالعربية في جميع أنحاء العالم على نحو غير مألوف، وأسلوب بلاغي وبياني وإبداعيٍ غير موروث.

ولا ريب أن غزارة علمه، وواسع فقهه، وقوة حجته، ونفاذ بصيرته، وبليغ حكمته، وعميق تجربته، وطويل خبرته، وقوة ثقته، وحضور بديهته، وجميل لغته، وجاذبية طرحه، وصفاء ذهنه، ونقاء قريحته، كل ذلك أكسبه شفافيةً في تركيز الخطاب الروحي والعلمي والمعنوي الموجه إلى النفوس من أغوارها الكليلة، فأكسبها قوة ضد الكلل، وأورثها حباً بعد الملل، ومنحها دواءً من العلل، وهيأها للرغبة في المزيد من طلب العلم، وارتياد مجالس الذكر، وكأنها على موعد مع الارتواء بعد العطش، والرِّيِّ بعد الظمأ، والنور بعد الظلمة، والطمأنينة بعد القلق.

ناهيك عن مَلَكَةِ البيان والبلاغة، تلك التي امْتَنَّ الله بها عليه، فاستطاع من خلالها أن يستخرج من كنوز القرآن وعظائم أسراره، ما أذهل العقول، وأمتع الألباب، وأشبع الأرواح؛ إذ لفت الناس إلى عظمة القرآن وجلال أسراره، بطرح مدهش، وأسلوب مذهل، وعبقرية فريدة، تفرد بها عمن سواه قديماً وحديثاً، فكان رحمه الله كالبرق الذي جذب إليه الأنظار وخطف إليه الأبصار.

أناشد القنوات الفضائية في بلاد الإسلام والعروبة كافة أن تحرص على إفادة مشاهديها في كل انحاء العالم بحلقاته المفيدة في تفسير القرآن الكريم، كي يتواصل إدراك الأمة للعطاء القرآني المتجدد، الذي وهبه الله ليشيخنا الشعراوي، ولقد سأله الدكتور حسين مؤنس رحمه الله: "من أين لك بهذا العطاء؟!"، فأجابه الشيخ الشعراوي: "إنه فيض جود لا فضل موجود".

كما أناشد أبناء الشيخ "الشعراوي" -حفظهم الله- ألا يتساهلوا في اتخاذ قبر أبيهم (مزاراً) يرتاده الزوار من كل مكان، فتلك هي الجناية الحقيقية على مقام والدهم؛ إذ لو نظروا بعد مماتهم لما أمنوا أن يتحول قبر أبيهم إلى مقام لشبهة تقديسه وعبادته على أقل تقدير، بتقبيله، والتبرك به، والطواف حوله، والاستغاثة به، والتقرب إلى الله بالنذر إليه، وغير ذلك من الأمور المنهي عنها، والمحرمة شرعًا، والتي إن حدثت أوقعت فاعليها في الشرك بالله، والعياذ بالله تعالى، وتلك أعظم جناية على مقام الشيخ، مع أنه رحمه الله -فيما أعلم- بريء من كل ذلك.

وقد أثبت القرآن الكريم في سورة "نوح" أن تخليد الصالحين، والرضا بصنع المقامات لهم أياً كانت، قد أدى بالفعل إلى تقديسهم وعبادتهم مع مرور الزمن وتعاقب الأجيال، مع أن النِّيَّة بالأساس كانت متجهة إلى إحياء ذكراهم الطيبة وسيرتهم العطرة، بينما لعب الشيطان دوره، فصور لبعض الأجيال المتعاقبة، أن تلك المقامات إنما هي آلهة، فعبدوها من دون الله. قال تعالى: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً وقد أضلوا كثيراً ولا تزد الظالمين إلا ضلالا}.

التقيتُ بفضيلته لأول مرة في مبنى وزارة الأوقاف المصرية بالقاهرة عندما كان وزيراً للأوقاف، وطلبتُ منه -باسمي وباسم شباب قريتي- أن يتصدى لمراكز القوى في أوقاف محافظتنا، إذ تعمد المسؤول في أوقافها حرمان مسجد "سيدي أيوب الأنصاري" بقريتي من ميزانية البناء والترميم لمدة اثنتي عشرة سنة، طمعًا في قبض "رشوة" من القائمين على أمر المسجد.

ومع أن المسجد المذكور تابع للأوقاف، ودورات مياهه كانت حينذاك غير صالحة "صحياً" للاستخدام الآدمي كل تلك الفترة، بموجب المعاينة من الجهات المختصة، فضلاً عما كانت تمثله " تلك الدورة " من خطر محدق كان يتهدد بعض البيوت المجاورة بإمكانية الانهيار نتيجة التسريب الضارب في أساسات وجدران اﻷبنية المحيطة، إضافة إلى أن جزءًا من سقف المسجد كان آيلاً للسقوط فوق رؤوس المصلين في أي وقت، ومصلوباً بأعمدة من الخشب، إلا إن المركز المشار إليه سابقاً كان يُصِرُّ على عدم إدراج المسجد في قائمة الميزانية من كل عام لمدة 12 سنة، حتى يتقاضى الرشوة التي صرح بها دون خجل أو استحياء.

ومن هنا تطوعتُ بعزيمة وقوة متصديا لذلك الضمير اﻹنساني الميت، مستلهمًا التوفيق والعون من الله، إيمانًا مني أنه "لا يضيع حق وراءه مطالب"، وكنت في مطلع "العشرينيات" من عمري، وينظر إليّ الكبار الذين خاضوا التجربة من قَبْلِي ويقولون: "يا ابْنِي.. كانْ غيرك أشطر"، مما زادني همة وعزيمة، لا سيما وأن الله تعالي قذف في قلبي منذ صغري حب المساجد، وعمارتها، ونظافتها، وخدمتها، والدفاع عنها، وهذا شرف لي كبير، أفخر به وأعتز، وعساه يكون خيراً وذخراً لي عند ربي، فكتبتُ شكوى باسم الرئيس السادات "يرحمه الله"، وثانية باسم سيد مرعي رئيس مجلس الشعب في ذاك الزمن "يرحمه الله" تحت عنوان "طلب إحاطة مباشر إلى رئيس مجلس الشعب، دون واسطة من عضوي المجلس من المُمَثِلَيْنِ عن الدائرة (لفشلهم في القيام بما يلزم)، وثالثة إلى المحافظ، ورابعة إلى جريدة "أخبار اليوم" المصرية، وذيلتُ كل شكوى بأربعين توقيعاً، واثني عشر خاتماً، يتقدمها توقيعات وأختام كبار المسؤولين الحكوميين بالقرية، مع بيان مناصبهم ومراكزهم بالخط الأحمر؛ لسرعة لفت الانتباه لتوثيقها بشكل صحيح وقاطع!، وأرسلتها جميعا لتلك الجهات في وقتٍ واحد، وكانت جميعها صورة طبق الأصل، من الشكوى التي سلمتها بيدي للشيخ الشعراوي "يرحمه الله" عندما التقيته بالوزارة.

وبعد لقائي به بأيام قليلة، توالت عليه الشكاوى، من تلك الجهات العليا واحدة تلو الأخرى، وعلى رأسها رئاستي الجمهورية ومجلس الشعب، مما أحدث ضجة كبرى بوزارة الأوقاف، ولا سيما بمكتب الوزير؛ إذ كانت الشكاوى على نمط غير مألوف، وطريقة غير تقليدية، تثير الرغبة في التفرغ لبحث الموضوع بروية وإمعان، مما لفت الانتباه لأهمية مضمونها بسرعة مذهلة.

وانتهى الأمر بإصدار الوزير "الشعراوي" أوامره العاجلة بإدخال المسجد فوراً في الميزانية لعمل ما كان يلزم، وإحالة مراكز القوى في أوقاف تلك المحافظة للتحقيق والمساءلة بأسرع مما كنت أتصور.

وانتصر الحق حينما وجد من يطالب به بإصرار وقوة، كما انتصر الوزير لبيت الله بحسم، دون شفاعة للمرتشين واللصوص والخونة.

رحم الله شيخنا "الشعراوي" رحمة تغنيه بها عن رحمة من سواه، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، وعوض الله الأمة فيه وفي سائر علمائنا المخلصين خيرًا، تغمده الله والجميع بواسع رحمته، وأسكنهم جميعا فسيح جناته.

------------------------------

@ أرشيف جريدة المدينة 5/6/1419 هـ، مع التحديث.

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0