كيف تقيّم ثقافتك عن القضايا الإسلامية ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
البرنامج الإيماني
عدد الزيارات : 870
سُوءُ الظّنِّ مِن مُضِلّاتِ الفِتَن
30 نوفمبر, 2014 - 8 صفر 1436هـ

إن المؤمن الصادق لا يَطْوي فؤادَهُ على سوء الظنّ بالمؤمنين، ولا يجعل صدرَه مستودَعاً لوساوس الشّياطين، ولا تدفعُه النّفس الأمّارة بالسّوء إلى تتبّع العَورات وتسقّط الهَنَات، فإن الأصل بالمؤمن أن يكون سليم الصّدر بحقّ إخوانه وخِلّانه.

إن الـمقولة الشّائعة التي تزعم أن سوء الظنّ من أقوى الفِطَن، هي في حقيقتها مِن مُضِلّات الفِتَن! والله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا اجتَنِبوا كثيراً من الظّنِّ إنَّ بعضَ الظّن إثمٌ} (الحجرات: 12).

والنبيّ الأكرم صلى الله عليه وسلم يقول: «إياكم والظنّ فإن الظنّ أكذبُ الحديث» أخرجه البخاري.

وقد نَعَى كتاب الله على قومٍ جَريَهُم وراء الظنون والأوهام فقال تعالى: {إنْ يتَّبِعونَ إلاّ الظنَّ وما تَهوى الأنفُس ولقد جاءَهُم من ربِّهِمُ الهُدى} (النجم: 23)، ولا يخفى ما لِلَفْظة الاجتناب من التحريم والإبعاد لو يعلمُ العباد.

ولما كان سوء الظن من الأمراض السّارية والأدوَاء الـمُعدِية التي لا ينجو منها إلاّ مَن عصَمه الله، فما الذي يُعين المؤمن على التخلّص من فِتَن هذا الداء العَياء؟ لقد رُويَ أن الرسول صلى الله عليه وسلم سُئل عن ذلك حين قال لأصحابه: «ثلاثٌ لازماتٌ لأمّتي: الطِّيَرةُ والحسدُ وسوُء الظنّ» قالوا وما الذي يُذهِبُهنَّ مما هنَّ فيه؟ قال: «إذا ظننتَ فلا تُحقِّق، وإذا حسَدتَ فاستَغْفِرِ الله، وإذا تطَيَّرت فامْضِ».

إن سوءَ الظنّ يحمل في طيّاتِه بُذورَ الكذبِ وعَلْقَمَه، وذلك له أثر كالشّراب الحرَام الذي يُخامر العَقل، لذا كان بغيضاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بيَّنت السيّدة عائشة رضي الله عنها هذا المعنى في قولها: «ما كان مِن خُلُقٍ أبغضَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب، ما اطَّلع على أحدٍ من ذاك بشيء فيخرجَ مِن قلبه حتى يعلمَ أنه قد أحدَثَ توبةً» رواه أحمد، وذلك لأن الكذب إفكٌ وبُهْتان، يَقْلب الحقائق، ويزوِّرُ الوقائع، ويُفسدُ العلائق، وإنَّ فَتْحَ باب الشّر يأتي عن طريق سوء الظنّ.

يقول الإمام الغزالي: يجب الاحتراز عن ظنّ السّوء، وتُهمَة الأشرار، فإن الأشرار لا يظنّون بالناس كلّهم إلاّ الشرّ، فمهما رأيتَ إنساناً يُسيء الظنّ بالناس طالباً للعيوب، فاعلم أنه خَبيثٌ في الباطن، وأن ذلك خُبْثُه يترشّح منه، وإنما رأى غيره من حيثُ هو، فإن المؤمن يطلب المعاذير، والمنافقُ يطلبُ العيوب.

إنه يَحسُن بالمؤمن أن يُعينَ إخوانه على دفْعِ اتهامه والظنّ به ما استطاع، وذلك اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم حين خرج من مُعْتَكَفِه ليلاً ليردّ زوجتَه صَفيّة إلى دارها فمرّ بهما رجلان من الأنصار فلما رأيا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أسرعا، فقال لهما: على رِسْلِكُما إنها صَفيّة بنتُ حُيَيّ، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! فقال: «إن الشيطان يجري من ابنِ آدمَ مجرى الدمِ وإني خشيتُ أن يَقْذِفَ في قلوبكما شراً» متفق عليه.

تأمّل حال قوم صار ودُّ الناس فيهم خِبّاً، وأضحَى كلُّ امرئٍ مِنهم لا يثق بأخيه، بل يُشَكِّك في صِدقِه وأمانته، ويتّهمه في طَويّته، أناس يُطلِقون العَنان لمخيّلتهم في صياغة أبكار الأفكار لترجمة ظُنونِهم وآثامهم، {وإنّ ربَّك ليعلم ما تُكنُّ صُدورُهم وما يُعلِنون} (النمل: 74).

هؤلاء قومٌ مصيبتهم في الظنّ والتّفريط واحدة، وكلُّهم واقع في عينِ الخطيئة، فهم كالغُرباء في مجتمع الخير، «وكلُّ غريبٍ للغريب نسيبُ».

فلا خيرَ في اجتماع الخِلّان حتى يَدَعوا الكَذب من اللسان، ويجرِّدوا من الظنون البُهْتان، ويَنتَهوا عمّا نهاهُم عنه سيّد الأنام في تحذيره: «إيّاكم والظنّ فإن الظنَّ أكذبُ الحديث» رواه مسلم.

فعليكم أن تهذِّبوا أنفسكم بكشف الظُّنون وستْر العيوب، فإن من لم يكُن لهُ مِن نفسه واعِظٌ لم تَنفَعْهُ المواعظ.

-------------------

* المصدر : مجلة "الأمان" اللبنانية.

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0