كيف تقيّم ثقافتك عن القضايا الإسلامية ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
آفات وعقبات
عدد الزيارات : 984
الغُلُوُّ في الخِصام
13 نوفمبر, 2014 - 20 محرم 1436هـ

إن حياة الناس في كل المجتمعات الإنسانية لا تخلُو من الاختلاف والتخاصُم، ومن النّزاع والتصادم، ولم يخلُ عصرٌ من عصور الأمة من وجود قضاء ومحاكم، وشكاوى ومظالم، وإن كان الذي تولّى القضاء في عهد الراشديّ الأول أبي بكر رضي الله عنه وهو الصحابيّ الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد بقي ما يقارب السَّنتين في دار القضاء لم يتخاصم إليه اثنان! أما المتخاصمون في أيام النبوّة فكانوا أمثلة نادرة في العفو والتسامح.

جاء رجلان إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يختصمان في مواريثَ درَسَت، وليس عندهما بيّنة، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّكم تختصمون إليّ وإنما أنا بشَر، ولعلّ بعضكم أن يكون أَلْحَنَ بحجّته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحوِ ما أسمع، فمن قضيتُ له من حقّ أخيه شيئاً فلا يأخُذْه فإنما أقطع له قطعةً من النار، فَليأخُذها أو لِيدَعْها!» فبكى الرجلان وقال كلُّ واحد منهما: «حَقّي لأخي»! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمّا إذا فعلتُما ذلك، فقوما فاقتسِما، ثم توخَّيا الحقّ، ثم اسْتَهِما، ثم ليُحْلِل كلُّ واحدٍ منكما صاحبه!» متفق عليه.

إن الخصومة المذمومة هي التي تتناول من يخاصم بالباطل، ومن يخاصم بغير علم ولا هُدىً ولا كتابٍ منير، وتتناول اللَّدَد في الخصومة واللَّجاج في الجدال، وقد ورد في الحديث: «إنّ أبغض الرجال إلى الله الأَلَدُّ الخصِم» أخرجه البخاري؛ فترى كلَّ متخاصم يهيج غضبُه ويثورُ حِقده وتبرز عداوتُه، فيفرح كلٌّ من المتنازعين بمَسَاءة صاحبه ويحزن بمسَرّته، ويُطلق اللسان بفاحش الكلام وقبيح الـمَلام.

إنه لا غنى للمرء عن الخصومة والتخاصم لحماية مُلكه واستيفاء حقِّه، وصوْن عِرضه وكرامته؛ ولولا شرائعُ الإسلام والعدل الذي أمر به القرآن، ولولا قاعدة التخاصم والتحاكم فيما يتعلق بوجوب تقديم البيّنة على المدّعي، واليمين على مَن أنكر كما جاء في الحديث الشريف: «لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى رجالٌ أموالَ قومٍ ودماءهم، ولكنّ البيّنة على المدّعي، واليمين على مَن أنكر» أخرجه البيهقي، لولا ذاك لسادت المظالم وعمّت الفوضى، وضُيِّعَت الذِّمم في حياة الأمم، فهذه قاعدة جليلة من قواعد الشريعة، وأصلٌ عظيم من أصول الأحكام في الإسلام، يصون بها القانونُ الدماء والأعراض والأموال؛ وإن القاعدة الشرعية في الحلال والحرام تتجسّد في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الحلالَ بيِّن والحرامَ بيِّن، وبينهما أمورٌ مُشْتبهات لا يعلمهنَّ كثير من الناس، فمن اتقى الشُّبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه، ومن وقع في الشُّبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى الحمى يوشِك أن يقع فيه» أخرجه البخاري.

ولكن هذه القاعدة لا تُجيز لمؤمن أن يُخاصم في باطل، كما لا تُجيز للوكيل أن يُخاصم لغيره في باطل وهو يعلم ظُلم موكِّله في الخصومة، وبطلانَ حقوقه المزعومة. لقد ورد في السنَّة الصحيحة في هذا المجال من التخويف والوعيد ما يُؤرِّق العيون وما يُقَلقل القلوب، وما يمنعُ الأنام الرّاحة والـمَنام، فقد ورد عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حالَت شَفاعتُه دون حدٍّ من حدود الله عز وجل فقد ضادَّ الله، ومن خاصم في باطل وهو يعلم، لم يزل في سَخَط الله حتى يَنزِع» أخرجه أحمد.

فما هذا الحرص على التخاصم المتبوع بالتّنادُم الذي يملأ حياة أهل الأهواء، وطُلاّب الشهوات؟ سيعلم المؤمنُ غداً، وما أحدٌ من النّدامة يَسلَم، أنْ ليس له في أُخراه إلاّ ما قدَّم، فالمفرِّط يندم أنْ لو كان أقْلَع، والمـُحسِن يندم أنْ لو كان ازداد!

يا جامع المال لقد طال رضاعُك فمتى يكونُ الفطام؟ احذر أن يَنْبُذك في الحُطَمة الحُطام، وأن يُعنِتك بطول القيام بين يدي الديّان الغُلوُّ في الخصام! فإنّ مَن نُوقِش الحسابَ يوم المآب فقد عُذِّب.

ما أعدلَك لو أنصفتَ الناس من نفسك وأقْلَلتَ من خصومك! وما أحلَمَك لو تصدَّقت ببعض حقّك على إخوانك وتجاوزتَ عنهم! فإن الله تعالى يجزي المتصدّقين، ويتجاوز عن المحسنين.

-------------------

* المصدر : مجلة "الأمان" اللبنانية.

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0