كيف تقيّم ثقافتك عن القضايا الإسلامية ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
البرنامج الإيماني
عدد الزيارات : 1012
الغُلُوُّ في التَّقْريظ
07 أغسطس, 2014 - 11 شوال 1435هـ

إن الغُلوَّ في تقريظ الإخوان والخِلّان، من السّادة والأعوان، ليس من الصفات المحمودة، ولا من الخصال المعهودة.. وقد كان كبار السَّلف المعروفون بالتقوى والورع، لا يستحبون إطلاق اللسان بالمديح والتعظيم الصريح، ولقد علَّمنا الراشِديّ الأوّل الصدّيق رضي الله عنه خُلق الورَع فيما يُطلقه الناس من المدائح في قوله: «اللهمّ أنت أعلمُ بي من نفسي، وأَنا أعلم بنفسي منهم، اللهمّ اجعلني خيراً مما يظنّون، ولا تُؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون!».

وعلَّمنا الراشديّ الثاني الفاروق عمر رضي الله عنه خصال الجرأة في قول كلمة الحق، فقال: «رحم اللهُ امرأً أَهْدى إليّ عيوبي»، وقوله: «لا خيرَ فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمَعْها».

وإذا كان الحمدُ والثناء على الفضائل والحسنَات لا يُنافي الإخلاص، وإن أدّى إلى سرور الممدوح ورضاه، بل قد يكون حَمدُ الناس للمخلصين هو بُشرى عاجلة لهم في الدنيا، فإن النّصح باجتناب الذنوب والتخلّص من العيوب لا تضيق به إلا صدورُ أهل الريّاء والاستعلاء الذين ينفُث الشيطان في صدورهم حتى تنتفخ، وينفخ في أنوفهم حتى تتورّم، فتعلو فوق أديم الأرض وتجاورُ أديم السماء!.

إن المغرور بأعماله وأمجاده يُعجبه التقريظ الدائم، إذا سمع مديحاً استفزَّه العُجب والطَّرب، وإذا سمع نقداً عَبَس وبَسَر، واستشاط غيظاً وزَمْجر!

إن كل امرئ يعرف ما له من حسنات، لا يستُرها، ولا يسهو عنها، أمّا ما عليه من سيّئات، فإنه إن لم يكن يجهلها ينساها ويتغافل عنها، ومرادُه دوماً أن تُفْشى حسناتُه، وأن تُدْفَن سيّئاتُه، والشاعر يقول:

أرى كلَّ إنسانٍ يرى عيبَ غيرهِ                 ويَعْمى عن العيب الذي هو فيه

فإذا تطوّع ناقدٌ كريم أو ناصح أمين فأهدى له عيوبَه، وكشف له أَوزاره رجاء أن يَجتنبها إذا علمها، ويحاور السقوط في أوضارها، ساءه ذلك الكلم، وأخذته العزّة بالإثم!

فما قوله في هَنَاتٍ توجَد فيه وهو ذاهِل، وفي هفواتٍ تصدرُ عنه وهو غافل؟

إن كلّ امرىءٍ يحب نفسَه ويُعظّم ذاتَه، ومن أحبَّ شيئاً عَمي عن عيوبه، فلا يكاد الإنسان يعرف ما تنطوي عليه نفسُه من عيوب، فَكم ذَهَل المرء عن عيوبه، وكم أعماه الهوى عن معاينة مرآة نفسه!

كلٌّ يسلّم بأن البشر ليسوا ملائكةً أولي أجنحة، بل هو خَلْقٌ من سُلالة من طين، يُخْطئون ويُصيبون، ولكنّ عامتهم لا يرضون بأن يُنسبَ إليهم عَيب أو ذَنْب، ولا يُقرّون بسقوطهم في خطيئة أو نقيصة.

إن عمر الإنسان جدُّ قصير، فهو بمثابة «أحلام طيفٍ أو كظلٍ زائل، وإن اللبيب بمثلها لا يُخذَعُ!» وهذا العمر أقصر من أن يُمكّن المرء من اكتشاف عيوبه وذنوبه، ولهذا ستعان الصالحون لمعرفة عيوبهم بأقوال الناصحين والواعظين، فإنّ هوى النفس لذاتها يُعْميها عن إدراك عيوبها.

فلو أقرَّ ذو النفس الوازرة بذنبه، وطامَن من كبريائه، فكان ممن {اعترَفوا بذنوبهم خَلَطوا عمَلاً صالحاً وآخر، سيّئاً عسى اللهُ أن يتوبَ عليهم} (التوبة: 102) لكان خيراً لهم وأقربَ إلى النجاة والفوزِ بالدَّرجات.

------------------

* المصدر : مجلة "الأمان" اللبنانية.

 

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0