كيف تقيّم ثقافتك عن القضايا الإسلامية ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
البرنامج الإيماني
عدد الزيارات : 990
الخُصومَةُ واللَّدَد
15 أبريل, 2014 - 15 جمادى الثانية 1435هـ

إنّ من أَجلّ ما ينفَعُ المؤمنَ في الحياة الدنيا ويرفعُ مقامَه في الدار الآخرة، أن يأتيَ ربَّه عزّ وجلّ بقلب سليم؛ فالمؤمنُ التقيُّ يبرأ في دار الغُرور من العِلل والأمراض قبل أن ينتقل إلى دار الخُلود.

ولعلّ ضعفَ القلب الأَجْوَف هو الذي أَغرى إبليس بصاحبه «لما صوَّر الله تعالى آدم في الجنّة تركَه ما شاء الله أن يتركَه، فجعل إبليسُ يُطيف به ينظر إليه، فلما رآه أَجوف عرف أنه خلق لا يتمالك» رواه مسلم، فقطع الذي لعنَه الله على نفسه عهداً بأن يُضِلّ آدم وذُرِّيتَه وأن يَكيد لهم: {قالَ فَبِما أَغْويتَني لأَقعدنّ لهم صراطكَ المستقيم ثم لآتينّهم من بينِ أيديهم ومن خَلْفهم وعن أَيْمانِهم وعن شمائِلهم ولا تجدُ أكثرَهم شاكرين} (الأعراف: 16، 17).

إن الأصلَ الفطريّ في قلوب المؤمنين أن تمتلئ حُبّاً وسَماحة، فإذا أرادت الضَّغائنُ أن تنزلَ بساحتِها لم تَجِدْ لها مكاناً، فانقلبت طريدةً خائبة، لا يُؤْذَن لها بالدخول إلا عابرةَ سبيل أو حالَّةً مُرْتحِلة؛ فليس أَرْوَحَ للنّفس من أن يعيش المؤمنُ متجرِّداً من وسَاوس الضَّغينة، ومن نَزَغات الغِلّ والخُصومة.

وإذا كانت النفوسُ كِباراً فإنها لا تعرفُ الحِقْد ولا الحسَد، إذ هما آيةُ صِغَرِ النفس، ولُؤْمِ الطَّبْع وسُفول المقام، والعاقلُ الحكيم من بَعُدت المساوِفُ بينه وبين هذه الأخلاق الوضيعة، يقول الشاعر:

لا يَحْملُ الحِقْد مَن تعلو به الرُّتبُ * * * ولا ينالُ العُلا من طَبعُه الغضبُ

إن مما فَشَا من قبائحِ الخِصال ومساوئ الفعال، وساد وانتشر، المِراءُ واللَّدَد المؤدِّيان إلى الخِصام وقَطْع الوصال، وإنّ هَدي الإسلام قد نهى المؤمنين عن اللَّجاج والغُلُوّ في الجدال، حتى ولو كان موقف الجدل بين المسلمين وغير المسلمين، فقد أمر ربُّنا عز وجل مجادلة أهل الكتاب باللّين والحُسْنى فقال: {ولا تُجادِلوا أَهْلَ الكِتابِ إلا بالتي هي أَحْسَن إلا الذين ظَلَموا مِنْهُم} (العنكبوت: 29).

وإذا كانت المجادلة في الباطل أو في مُدافعة الحق، أو كان جِدالاً بغير عِلم كان مَذْموماً؛ لذا تضافرت الوصايا على توجيه المسلمين إلى الكَفِّ عن الخُصُومة والغُلُّوّ في المجادلة؛ قال بعض العلماء: «ما رأيتُ شيئاً أَذْهَبَ للدين، ولا أنقصَ لِلمُروءة، ولا أَشْغلَ للقلب من الخُصومة»؛ وقد تشدَّد النبيّ الأكرم صلى الله عليه وسلم في النّهي عن هذا الشرّ، فكان من هَدْيه قولُه: «كفَى بك إِثماً أن لا تزالَ مخاصِماً» رواه الترمذي.

وفي قوله: «ما ضَلَّ قومٌ بعد هُدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدَل» ثم تَلا: {ما ضَرَبوه لَكَ إلا جَدَلاً} (الزخرف: 58).

إن الله تعالى قضى بأن تكون المجادلة «بالتي هي أَحْسن»، وقد نَزَل ذلك في كتابه العزيز مرَّتين «فالتي هي أَحْسن» أدبٌ قرآنيٌّ فَريد، من تحلّى به منطقُه ولسانُه، طوَّقَ أعناقَ مُحِبّيه وأَعدائه، وعاش راضياً يحفظ مَودَّةَ الأصدقاء، ويُطفِئ نارَ خصومة الأعداء.

عَجِبْنا لأصحاب لا يَحْلو لهم في المناقشة إلا أن تكون ساخِنةً صاخِبة، ولا يطيب لهم في منطق الكلام والجدال إلا الألفاظ القبيحة الجارحة!.

ارجع إلى الروضة النبويّة الشريفة تجد في مجادلة النبي صلى الله عليه وسلم اليهود والمشركين، وفي محاورته أصحابه أنه كان المثلَ الأعلى في طيب القول ولين الكلام، وقد وصفه ربه عز وجل في قوله: {فبما رحمةٍ من اللهِ لِنْتَ لهم ولو كنتَ فَظّاً غَليظ القلبِ لانفضُّوا من حَوْلِك} (آل عمران: 159).

إن القاعدة النبويّة الشرعيّة في منطق الأَلْسُف تقول: «لا يستقيم إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُه، ولا يستقيمُ قلبُه حتى يستقيمَ لسانُه»؛ فهلّا اتَّبَعْنا هَدْيه وأَحْيَينا سُنّته عسى أن تضعَ معاركُنا أوزارَها، فنَبْلُغَ رُتْبة القاعدة الذهبيّة التي تقول: «إنّ كَسْبَ القلوب مقدَّمٌ على كَسب المواقف».

-------------------

* المصدر : مجلة "الأمان" اللبنانية.

 

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0