كيف تقيّم ثقافتك عن القضايا الإسلامية ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
آفات وعقبات
عدد الزيارات : 2761
صَحائِفُ الأَقْوال
05 مارس, 2014 - 4 جمادى الأولى 1435هـ

إن من أشدّ المَغْبونين حَسرةً في الدنيا من تركَ محاسبةَ نفسِه في الحياة، واتَّكل على العفو والمغفرة بعد الممات!.

إن لكل امرئٍ صحيفةً تُدَوَّن فيها أقوالُه وأفعالُه، ومَحاسنُه ومساوئُه؛ وهي منشورةٌ ما دام حَيّاً، ثم تُطْوى وتُجعل في عُنقه حين يضمُّه التراب، ويصير القبرُ مَقرَّه، وبطنُ الأرض مُستقرَّه، ثم تُنشرُ هذه الصحيفةُ ثانيةً يوم الجزاء ويُقال له: {اقْرأْ كِتابَكَ كَفى بنفسِكَ اليومَ عليك حَسيباً}.

إن كتاب أعمال ابنِ آدم يوم القيامة ليس أدقَّ منه ولا أحصى للحسنات والسيّئات، وقد كان في الدنيا لسانُه قلمَه، وريقُه مِدادَه، وأعضاؤه قِرطاسَه، وكان الإنسان في الدنيا هو المُملي على حَفَظَتِه، ما زيد فيه ولا نُقِصَ منه، ومتى أنكرَ منه شيئاً كان الشاهدُ فيه منه عليه.

ولعلّ أَكثرَ ما يشقى به العبد ويورِدُه الموارد، ويُسوِّدُ صحائفَه يوم الحساب، هو ما يُمليه اللسان، ولا يُنْكرهُ الجنَان؛ ولقد كان أخوفَ ما يخافُه الرسول صلى الله عليه وسلم على أمته اللّسان، فكثيراً ما حذَّر من أَخطاره.. فممّا قاله لأصحابه: «أَمْسِك عليك لسانَك»! «كُفَّ عنك هذا»، «لا يستقيم إيمانُ عبد حتى يستقيمَ لسانُه».

وتُنشر سجلّاتُ هذا الكتاب يومَ القيامة أمام الخلائق، فتُكْشف الفضائح وتُبْلى السرائر، ويمتدّ كل سِجلٍّ بمثل مَدّ البصر.. والكرام الكاتبون الموكَّلون ببني آدم يَرصدون كلَّ قولٍ وفعلٍ، لا تفوتُهم لفظة، ولا تخفى عليهم حركة، كما أخبر الله عزّ وجل بقوله: {إذ يَتَلقّى المُتلقِّيان عن اليمينِ وعن الشمال قَعيد* ما يَلْفِظُ مِن قَولٍ إلا لَدَيْهِ رَقيبٌ عَتيدٌ} (ق: 17-18).

وإنّ من أشدِّ ما تخافُه النفس، ويرجُف منه القلب ما بيَّنَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم في قوله: «إنّ الرجلَ ليتكلّم بالكلمة من رِضوان الله تعالى ما يظنّ أن تَبْلغَ ما بَلغت يكتبُ الله بها رضوانَه إلى يوم القيامة، وإنّ العبدَ ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله تعالى ما يظنّ أن تبلغَ ما بلغت يكتبُ اللهُ تعالى عليه بها سَخطه إلى يوم القيامة» رواه أحمد.

قيل إن إبراهيمَ بن أَدهم أَضافَ أُناساً، فلما قعدوا إلى الطعام جعلوا يغتابون رجلاً، فقال إبراهيم: إن الذين كانوا قبلنا يأكلون الخبز قبل اللحم، وأنتم بدأتم باللحم قبل الخبز!.

لقد بيَّنت السنّة المطهَّرة حقيقة الرِّبا بياناً واعظاً في الحديث الصحيح: «إن أربى الرِّبا عند الله استحلالُ عِرْض امرئٍ مسلم» ثم قرأ الرسول صلى الله عليه وسلم: {والذينَ يُؤْذونَ المؤمنينَ والمؤمناتِ بغيرِ ما اكْتَسبوا فقد احتملوا بُهْتاناً وإثماً مبيناً} رواه ابن أبي حاتم.

والآن جُلْ بطَرْفِك في جُموع الدعاة وفي مجالسهم تجدْ أَنّ عامّة كلامهم لا يكاد يَبْرأ من أحاديث الغيبة وأَكْل لحوم إخوانهم والوقوع في أَعراضهم!.

وذلك بخلاف ما كان يرى السَّلَف الصالح المتمثل في قول الخليفة الراشديّ عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه: أَدْرَكْنا السَّلف وهم لا يرَون العبادة في الصّوم ولا في الصلاة ولكن في الكَفِّ عن أَعراض الناس!.

وياليت الذين يُحَوِّلون مجالسَ المذاكرة أو المُسامَرة إلى مجالسَ لاستحلال الأعراض ينتهون من مجالسهم بالذِّكْر والوضوء، فإن السَّلَف يَرَوْن بعضَ ما يقولون في هذه المجالس شَرّاً من الحَدَث!.

ويقول العلماء: إن الذين لا يتورَّعون عن الوقوع في أعراض الناس، ويَسْتمرئون لحومَهم أسوأُ حالاً من أَكَلة الرِّبا، فإن النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوماً: «أَتَدرون ما أَرْبى الرِّبا عند الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنّ أَرْبى الرِّبا عند الله استحلالُ عِرْض امرئٍ مسلم»؛ ثم قرأ: {والذين يُؤْذون المؤمنينَ والمؤمناتِ بغيرِ ما اكْتَسَبوا فقد احْتَملوا بُهْتاناً وإِثْماً مُبيناً} (الأحزاب: 58).

فباللهِ عليكم يا دعاةَ الإسلام، كيف يتأتّى لكم أن تُفلِحوا في هداية الناس إلى الخضوع لشريعة الإسلام وأحكامه، وأنتم تَنْأَوْن عن فضائله وتُعْرِضون عن آدابه؟!.

------------------

* نقلا عن مجلة "الأمان" اللبنانية.

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0