كيف تقيّم ثقافتك عن القضايا الإسلامية ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
حدث ورؤية
عدد الزيارات : 1334
الإرهاب.. مقاربة موضوعية
09 فبراير, 2014 - 9 ربيع الثانى 1435هـ

"مُعظمُ المعلّقينَ يحاجون بأنَّ الإرهاب الإسلامي هو انحراف عن تعاليم الإسلام الصحيحة، ويطالبون بتحديث العالم الإسلامي وفقاً لنمط الحياة الغريبة آملين في تدجين الإسلام المتطرف، إلا أن مثل هذا التحليل يبتعد عن الحقيقة، فطبيعة التهديد الإرهابي إسلامية بصورة واضحة ولا تشكل انحرافا كبيراً عن التقاليد الإسلامية" [صحيفة إنترناشونال هيرالد تربيون 28 يوليو 2005م].

"الفاشية الدينية قديمة جداً، لا تبدأ فقط بصعود التيار السلفي، بل تبدأ الفاشية الدينية بفتح مكة! نشأت حركة في مجتمع مكة سمت نفسها الإسلام، ولما كانت مستضعفة دعتْ للتعايشِ وقالت: (لكم دينكم ولي دين)، فلما تمكنتْ لم يعد هناك تعايش! بل رجوع إلى مكة وتحطيم الأصنام، وفرض فكر أحاديٍّ على الجميع" [حامد عبدالصمد، كاتب مصري، 2011].

"حين تدرِّسُ الطلاب سيرة النبيّ صلى الله عليه وسلم وقوله: (أَسْلِمْ تسلمْ) فأنتَ تعلمهم الإرهاب المناقض لقيم حقوق الإنسان" . [محمد عصيد، كاتب مغربي، 2014].

"محمد بن عبدالوهابِ تكفيريّ وهو سبب الإرهاب في هذه الأمة!" [شعار موقع انترنتّي].

"هذا بالإضافة إلى نشر الوهابيةِ لأفكار التكفير والإرهاب وليس بغريب فقد علمهم كبيرهم محمد بن عبدالوهاب كيفية استباحة دم المسلم الموحد وكيف ينتهك عرضه وتسبى نساؤه وتنهب أمواله" [بحث في موقع انترنتي، 2012م].

http://freeegyption.3abber.com/post/55584

من المؤكّدِ أن أحداً منكم لم يعتقد للحظةٍ أنني صاحبُ الكلامِ السابق!

هي نقولاتٌ من هنا وهناك.. جئتُ بها لأبيِّنَ فكرةً مركزية مهمةً.. هي أنَّ فوضى المصطلحات تُنتجُ فوضى المواقف والآراء والأحكام.

لقد أصبحَ مصطلحُ (الإرهاب) اليوم أكثر المصطلحات إرهاباً وإرعاباً، أصبح كالتعويذةِ الشيطانيةِ التي يفزعُ المرءُ من مجردِ سماعه اسمها، فضلاً عن رؤيتها تتوجّه إليه!.

أصبح (أيقونةً) محملةً بإرثٍ طويلٍ من القهر والظلمِ والدَّمِ والعدوان والهمجية والبربريةِ وكل ما ليس إنسانياً.

وحين يكتسبُ (مصطلحٌ) ما كلَّ هذهِ (الحمولةِ) الفكرية والتاريخية والاجتماعية فإنه يتحوَّلُ من مجرد (كلمة) إلى أن يكون (قنبلةً) شديدة الانفجار، ينبغي التعامل معها بحرص بالغٍ، لأنّ انفجارها في غير محلها سيورث عواقب وخيمةً بلا شك.

ولقد رأينا في الأمثلة السابقة كيف أصبح الإسلامُ من حيث هو إرهاباً، ونبيُّ المرحمةِ صلى الله عليه وسلم إرهابياً، والشيخُ المجدد محمد بن عبدالوهاب شيخاً للإرهابيين هو ومن جاء بعده من مدرسته الدعوية.

وحين تُلقي ببصرك إلى قائمة الإرهاب الأمريكية -التي تضمّ قرابة مليون اسم!!!-

http://arabic.people.com.cn/31663/6450223.html

http://islamtoday.net/nawafeth/artshow-15-13487.htm

ويقال إنها في تزايدٍ بمعدل ألف اسم يومياً !!

http://www.aleqt.com/2009/11/01/article_295627.html

حين تلقي ببصركَ إلى تلك القائمة فستجدُ في تلك القائمة رجالاً ومؤسساتٍ شهد لها الناسُ بالمصداقيةِ والوطنيةِ والإنسانية، ستجدُ على سبيل المثال أسماءً مثل: نيلسون مانديلا -إلى وقت قريب- ومنظمات مثل هيئة الإغاثة الإسلامية، وحركة حماس!!

فما لهؤلاء والإرهاب؟

أمّا لو تتبعتَ ما يقوله الكتابُ والصحفيون والساسةُ وحتى بعض رجالاتِ الدين لوجدتَ ما يُزكمُ أنفك من حجم الاتهامات الموجهةِ صراحة للمملكة العربية السعوديةِ وقيادتها بأنها راعيةُ الإرهابِ على مستوى العالم!

ولوجدتَ أن دعوى رسمية رفعتْ في المحاكم الأمريكية ضدَّ أمراءَ كبارٍ من قادة هذه البلادِ منهم صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز رحمه الله، وصاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل حفظه الله!

http://www.middle-east-online.com/?id=7261

هذا والمملكةُ -بسعي قادتها- هي أول دولة توقع على معاهدة مكافحة الإرهاب الدولي، وهي المستضيفة للمؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب، والمؤسسة للمركز الدولي لمكافحة الإرهاب، إلى غير ذلك من جهود.

هذه هي نتيجة التساهل في تحديد (الإرهاب) واستسهال الرمي به، وفتح البابِ لكل مدَّعٍ ليوزّع اتهاماته كما شاء.

ولقد قال الملك عبدالعزيز في بيان موجه للحكومة البريطانية في 20/6/1938م: "وإذا قلت لكم إنه يوجد في جسمي ذرة لا تدعوني إلى قتال اليهود فإني غير صادق، وأفضل أن تفنى الأموال والأولاد والذراري ولا يتأسس ملك لليهود في فلسطين" [انظر: شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز للزركلي 3/1100].

فهل من فرق على المستوى النظري بين هذا المنطق القتاليّ الحاسم ضدّ إسرائيل ومنطق حماسٍ التي تدرجها أمريكا ودولٌ أخرى في المنطقة ضمنَ (قائمة الإرهاب)؟

إذنْ أيها السادة ...

هل معنى هذا أنه ليس في الدنيا إرهابٌ تجبُ محاربته؟ أو أنه ينبغي لنا عن مكافحة الإرهابيين؟

لا، فالإرهابُ موجودٌ، ومكافحتُهُ مطلبٌ شرعيٌّ وعقليٌّ ووطنيٌّ.

بل إننا نقول ما قاله الشيخ العلامة ابن بيه: "إن فتنة الإرهاب داهيةٌ دهياء ومصيبة شنعاء لأنها أهلكت أنفساً بريئة، واستعدت على العالم الإسلاميّ، لهذا كان لَحْيُهُ وشجبُهُ والبحث عن سبل إيقافه أمرٌ لا مناص عنه شرعاً وعرفاً" [الإرهاب التشخيص والحلول: 8 ، 9 بتصرف يسير].

ولكن المهم في هذا السياق هو (تحريرُ مفهوم الإرهاب)، وعدم الارتهان في توصيفه لقوائم شرقية أو غربية، أو لاجتهاداتٍ هنا أو هناك.

إن (تحديد الإرهاب) هو قرارٌ وطنيّ بامتياز، لا ينبغي أن يتدخل فيه الآخرون، يحددُه الوطنُ قيادةً وشعباً عبر معلوماتٍ دقيقةٍ، ورؤيةٍ صحيحةٍ، وشورى واسعةٍ، وموضوعيةٍ منصفةٍ، بعيداً عن تحريضِ كاتبٍ هنا، أو تعليقِ موتورٍ هناك، لأنَّ تجارب التاريخ علمتنا أنّ الانحيازَ وعدم الموضوعية في تحديد (مفهوم الإرهاب) تورث انشقاقاً مجتمعياً، وصراعاً طبقياً لا يمكن أن يستفيد منه أحدٌ أبداً.

وعلمتنا التجاربُ أيضاً أن لعبَ الأطراف المتنازعة -أيا كانتْ- على وترِ استمالةِ القوي وتوظيفه في كبتِ مخالفها لم يأتِ إلا بالكوارث على الأوطانِ.

وإذا كان التوصيف الدقيق للإرهابِ يحتاج مقاماً غير هذا، فإنه يسعنا على الأقل أن نضع ثلاثة محاور يُمكن أن يُنظر من خلالها إلى تعريف الإرهاب بشكل موضوعيّ:

المحور الأول: ربطُ الإرهابِ بالمشروعية لا بمجردِ استخدامِ القوةِ.

فليسُ كل من استخدم القوة إرهابياً، بل الإرهابيُّ هو من يستخدمُ القوة غير المشروعة.

وإلا لصحّ أن جهادَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إرهاب، وجهادَ صحابته رضي الله عنهم إرهابٌ،  ودفاعَ المظلومين عن أنفسهم إرهاب.

والله يقول: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم}. فهذه الآية فيها أمرٌ صريح باستخدام القوة، ولكنها ليست قوة إرهاب مذموم، "فالإرهاب المذكور في هذه الآية هو من قبيل الردع لمنع القتالِ وهو ما عُرف في العصر الحديث باستراتيجية التهيؤ بالقوة لحماية السلام" [الإرهاب: 21].

وفي القرآن آيات صريحة في القتال: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثيرٌ}، {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنةٌ ويكون الدين كله لله}، {ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله}، {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة}، {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك}، {وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميعٌ عليم}، {فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم}، {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة}.

ومن تتبع سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وجدَ فيها أمراً صريحاً بالقتال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) إلى غير ذلك من الأحاديث.

فكيفَ يقول قائل بعد ذلك أن مجرّد القتال من حيث هو قتالٌ إرهابٌ؟ وأن مجرد استخدام القوةِ مبررٌ للوصفِ بالإرهاب؟

إنّ الرؤية الموضوعية هنا تفرض علينا التفريقَ بين قوةٍ غير مشروعةٍ جديرةٍ بأن توصف بالإرهاب، وقوةٍ مشروعةٍ لا يسوغُ وصفها بالإرهاب.

وليس المقصودُ هنا أن كل قتال لبس لبوس الدين هو مشروعٌ، بل المقصود أن هناك قتالاً مشروعاً، ليس في الشرع فقط بل حتى في القوانين الوضعية والتعريفات السياسية، فدساتير العالم وميثاق حقوق الإنسان يجعل رفض العدوان بالقوةِ قتالاً مشروعاً.

ولذلك فإن الدخولَ لقضية الإرهاب من منطلق أن كل استخدامٍ للقوة إرهابٌ هو دخول خاطئٌ مضللٌ.

كما أن المطالبة بقبول كل قتالٍ يدّعي أصحابه دفاعاً عن الحق مطالبةٌ خاطئةٌ أيضاً.

والواجبُ التدقيقُ في الحالات، والمواقف، والقضايا، ليصدرَ علماء الشريعةِ وفقهاء السياسةِ معاً رأياً حول مشروعية هذه القوة أو كونها إرهاباً لا يجوزُ.

والخلاصة: أن تعريف الإرهاب ينبغي أن يرتبط بمشروعية الممارسةِ لا بمجرد كونها ممارسةً تستخدمُ القوة.

المحور الثاني: التفريق بين التشريع للأصل والموقفِ لحادثة العينِ.

مثلاً: عندما أتحدثُ عن مشروعيةِ ضربِ الأبِ لابنِهِ على ترك الصلاة لأن الحديث في ذلك صريح، فليس معنى ذلك أنني موافقٌ على أن يقوم أبٌ بتعليق ابنه على مروحة السقف وجَلْدِه بسلك الكهرباء! كما فعله أحدُهُم.

كذلك عندما يتحدث كاتب أو مفكر أو فقيه أو واعظٌ عن أصل مشروعية الدفاع عن المستضعفين من المسلمين في كل مكانٍ فليس معنى هذا بالضرورة أنه (يؤيّد) المشاركة في قتال معيّن، أو (يؤيد) ذهاب أشخاص بأعيانهم إلى موضعٍ بعينِهِ، لأنّ حوادث الأعيان تعترضها العوارض التي قد تنقل المسموح إلى ممنوعٍ، أو العكس قد تنقل الممنوع إلى مسموحٍ.

ومن المغالطاتِ الكبيرةِ أن يُطلبَ من الإنسانِ السكوتُ عن الأصل بسبب خطأ التطبيقات!

هل يلزمُنا أن نسكت عن الحديث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنّ هناك من يُخطئ في تطبيق هذه الشعيرة؟

هل نمتنع عن الحديث عن دور رجال الأمن والشرطة والمرور وأهمية وجودهم لأنّ فيهم من يستغل موقعه ويتصرف تصرفاتٍ غير لائقة؟

هذا مدخلٌ مهم.. لأنّ أقلاماً (موتورة) هداها الله تحاولُ أن تتعلق بعموماتِ كلامِ الفضلاءِ لتنزله على (مواقف) قد يتفق الجميعُ على خطئها، بل قد يكونُ لهذا الذي لُوِي عُنُق كلامه العام كلامٌ صريحٌ خاصٌّ في استنكار هذه المواقف.

المحور الثالث: عدم الخلطِ بين هُويّةِ المظلوم وما وقع عليه من ظلم!.

فالظلمُ مرفوضٌ شرعاً وعقلاً {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع}، (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا) [مسلم]، (اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).

ونصرة المظلوم مطلوبةٌ شرعاً: ففي الحديث: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، فقال: رجل يا رسول الله أنصره إذ كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟! قال: (تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره).

وعند الطبراني بسنده: (لا يقفنَّ أحدُكم موقفاً يُضرب فيه رجل ظلماً؛ فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه).

وعليه فحين يحضر الظلمُ في قضية فإن مناصرة المظلوم لا علاقةَ لها بتكييفِهِ هو.. قد يكون مخطئاً، قد يكون مجرماً، قد يكون (إرهابيا)، لكنه في هذه الحالة (مظلوم)، ونصرة المظلوم مطلوبة شرعاً وعقلاً حتى إذا رُفع عنه الظلمُ الذي وقع عليه، حُوكم هو على الخطأ الذي وقع منه.

وجانب آخرُ من هذا.. هو أن مناصرة الشخص للمظلوم لا يلزم منها مشايعتُهُ له على رأيه، فالنبي صلى الله عليه وسلم دخل في حلف الفضول الذي كان نصرةً للمظلومين من الكفار الطارئين على مكة، وقال: (لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت) فأبدى استعداداً للدخول في حلفٍ ينصر المظلوم ولو كان كافراً، ولا يقول عاقل: إن هذا تأييدٌ منه صلى الله عليه وسلم للكفر أو رغبة في تعزيز أهله وتمكينهم!.

ولذلك فإن إقحام قضية (الإرهاب) في مواقف نصرة المظلوم هو إقحامٌ غير منطقي ولا عقليّ ولا شرعيّ.

إن من أعجب وقائع العصر أن يتحول الحديث عن (الإرهاب) إلى (إرهاب)!!.

لقد عاشت أمريكا في النصف الأول من القرن العشرين حالة رُعبٍ وإرهاب من مصطلح (الشيوعية)، وتحولت هذه الكلمة إلى (تهمة) لا تحتاج إلى أكثر من (توجيهها) إلى شخص لتصيبه الفظائع! تولى جوزيف مكارثي كبر هذه الحملة، ونشأ من بعد مصطلح ( المكارثية ) للدلالة على (الإرهاب الفكري) تُجاه قضية ما.

اليوم تخلق أمريكا من مصطلح (الإرهاب) حالة مكارثية جديدة لكنها على مستوى العالم هذه المرة!.

ورغم إيماننا الشديد بضرورة محاربة الإرهاب وخطره، وخطر الغلو ولاسيما الديني منه، إلا أننا نربأ بأنفسنا أن ندخل في هذه الحالة (الإرهابية)..

ويقيني بأن هذه البلاد حكومةً وشعباً لها من رصيد الإيمان والتقوى بإذن الله ما يعصمها من مثل هذه المناخات المكارثية المرعبةِ.

وقى الله بلادنا وحماها من الإرهاب وشرّ الإرهابيين في أي جهة كانوا.

---------------------------------

* خطبة جمعة بمسجد محمد الفاتح بجدة بتاريخ 7/4/1435هـ.

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0