كيف تقيّم ثقافتك عن القضايا الإسلامية ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
آفات وعقبات
عدد الزيارات : 16717
خَفَاءُ النِّفاق
03 سبتمبر, 2013 - 27 شوال 1434هـ

إنَّ النِّفاق هو أشدُّ الأمراض سوءاً، وأعظمُها خطراً، وأكثرُها فساداً. ولعلَّ خطرَه يكمُن في استتاره وخَفائه! حتى إِنه ليَخْفى على من تردَّى بردائه وأُصيب بدائه! ولقد تمكَّن علماء الأمَّة المباركة بفَطانتهم وثاقبِ نظَرهم، من كَشْف أسرار المنافقين، وهَتْك أستارهم! ففي أول سورة البقرة ورد ذكرُ طوائف الناس: المؤمنين والكافرين والمنافقين، فذكر الله تعالى في المؤمنين أربعَ آيات، وفي الكفَّار آيتين، وفي المنافقين ثلاثَ عشرةَ آية، وذلك دلالة على خطرهم وشدة ابتلاء الناس بهم.

إن رأسَ مال المنافقين، الخديعة والمَكْر، وبضاعتهم الكَذب والغَدْر، وتجارتهم نَشْر رذائلَ طُويت ومَعايبَ نُسيت.

قد يخفى المنافقون، وتتوارى سَوْءاتُهم وخطاياهم، وتكون لهم ظواهر وبواطن، ويتعذَّر على مُعاشريهم كَشفُ خفاياهم واكتناه نواياهم! ولكن لا يخفى على اللّبيب الحاذق، وذي النظر الثاقب أن التفريق بينهم وبين أهل الصّدق والتقوى أمرٌ غيرُ متعذِّر، ذلك لأن علامات المنافقين تظهر على صفحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم، والنَّاقدُ البصيرُ يسهُل عليه أن يكتشف ذلك، والله تعالى يقول: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعرفْتَهم بِسيماهمُ ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْن القولِ واللهُ يعلمُ أَعمالَكم} (محمد: 29-30).

لقد عبَّر السابقونَ عَن كثرة وجود المنافقين الذين يعيشون في أوساط المؤمنين، أو يُجاورونهم، ما يثير العَجب، ويَبعث على الخوف والحَذر!.

يقول ابن القيّم: «لا تَسْتَقلّ أوصافَ القوم فالمتروكُ أكثر من المذكور، كاد القرآنُ أن يكون كلُّه في شأنهم لكثرتهم على ظهر الأرض وفي أجواف القبور! فلا خَلَت بقاعُ الأرض منهم لئلاّ يستوحش المؤمنون في الطرقات، وتتعطّل بهم أسبابُ المعايش، وتخطفُهم الوحوشُ والسِّباع في الفَلَوات!».

سمعَ حذيفةُ رضي الله عنه رجلاً يقول: اللهمَّ أَهْلِك المنافقين! فقال: يا ابنَ أخي لو هَلك المنافقون لاسْتَوحشتُم في طرُقاتكم من قِلَّة السّالك! لقد عبَّر السابقون من أصحاب خير البريَّة عن خوفهم من أن يُصيبهم النفاق أو شيءٌ من غُباره! فقال عمر لحذيفة صاحب سِرِّ رسولِ الله: يا حُذيفة نَشَدْتُكَ بالله هل أنا منهم؟! قال: لا ولا أُزَكّي بعدَك أحدا!.

وذكر الحسن البصريّ: ما أَمِنَهُ إلا منافق! وما خافه إلا مؤمن!.

ولقد تعقَّب الصالحون حقيقةَ نواياهم وخشوعهم مخافة أن يصحب أَيّاً منها شيء من النِّفاق فقالوا: إنا نعوذ بك من خشوعِ النفاق! قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يكون البدن خاشعاً، والقلب ليس بخاشع!.

إذا كان سادة الناس من غير الأنبياء يحذرون من مرض النفاق ويتفقدون قلوبهم ونواياهم من تسرّب النفاق إليها، ويجاهدون أنفسهم حفظاً لها من شرّ هذا الداء العَياء، أفلا يتوجب على الدعاة أن يجاهدوا أنفسهم ما دام فيهم عرق ينبض، ويدفعوا عنها كل وسواس خنّاس من الجِنّة والناس؟.

هل يخدعنا إبليس وقبيله فيصوّروا لنا أن الدعاة المتآخين على الله لا يمكن أن يُصابوا بأمراض النفاق ولو أنها تختفي فتعشِّش في الرؤوس، وتستوطن الصدور؟.

وماذا نعدّ التنازع على تولي مراكز القيادة والتصارع على مناصب السياسة؟ وماذا نسمي مجالس الغيبة الذميمة، والتجريح الصريح التي تُهشّم القيادات وتفتري السيّئات، وُتحقّر شأن الأعمال الصالحات؟!.

إن القوم الذين جعلوا لسانهم سلاحَهم، ألسنَتُهم أَشدُّ من السِّنان وأَحدُّ من السِّهام، يتسلّطون بذَلاقتها على الناس، ويستطيلون بذَرابتها على العباد، إذا تكلّموا أفحشوا، وإذا نطقوا جرحوا، يَلْوون ألسنَتهم بالسّوء لَيَّ السّوائم في مرعاها!.

«وهل يكبُّ الناسَ على وجوههم في النار إلا حصائدُ السنتِهم» رواه الترمذي.

فلا يحلّ لنا أن نسوِّد ذوي الألسنة الحِداد فوق رقاب العباد! ولا يشرع لنا أن نمحَصَ الثقة من تسرَّب النفاق من قلبه المغشوش كما يتسرَّب الماء من الإناء المَثْلوم!.

* نقلا عن مجلة "الأمان" اللبنانية.

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0