كيف تقيّم ثقافتك عن القضايا الإسلامية ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
شخصيات وحوارات
عدد الزيارات : 3584
حوار مع د. مصطفى عثمان .. مستشار رئيس جمهورية السودان
15 أكتوبر, 2011 - 17 ذو القعدة 1432هـ

د. مصطفى عثمان في حوار مع إسلاميات :

وحدة المسلمين و تقديم أجوبة لأسئلة العصر من أولويات العمل و الخطاب الإسلامي

حاوره في الخرطوم: محمد بن حلي

يأسرك بدماثة خلقه وتواضعه الجم وتفكيره العميق وصوته الهادئ وابتسامته التي لا تفارق محياه ، تربى منذ صغره على حب التدين ونشط للدعوة في المملكة المتحدة فترة إكمال دراساته العليا فيها ، جمع بين دراسة الطب والسياسة والكيمياء الحيوية ، وبرع فيها تعلما وتعليما وعملا ، قاد الدبلوماسية السودانية في فترة كانت علاقات السودان الدولية تمر بأزمة غير مسبوقة تاريخيا ، ويُحمد له تحسن علاقات السودان الخارجية مع توليه لوزارتها ، إنه الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل مستشار رئيس جمهورية السودان ، ورئيس مجلس أمناء جامعة إفريقيا العالمية ، وزير خارجية السودان الأسبق ، التقيناه في الخرطوم أثناء انعقاد الاجتماع الرابع لمجلس أمناء دار مصحف إفريقيا ، فإلى نص الحوار .....

* بداية نحب أن نسأل عن النشأة والتكوين وتعريف بشخصكم الكريم ؟

ولدت في العام 1955م في الولاية الشمالية قرية البكري وهي قرية تقع في الضفة الغربية لنهر النيل على بعد 400 كم شمال الخرطوم ، تتميز القرية بكثرة خلاوي القرآن ووجود عدد من مشايخ الطرق الصوفية ، الحياة في القرية قائمة على التواصل والعمل الجماعي ، صلاة الجماعة في المساجد ، المدائح النبوية في مجموعات ، ظاهرة الفزع لدفن الموتى ولحصاد النخيل ومناسبات الأفراح والأحزان ، الوالد كان يحترف مهنة الزراعة ، تعلم في الخلوة وينتمي إلى طريقة صوفية هي الطريقة العجيمية ، والنشأة كانت في هذه البيئة الدينية .

* حدثنا عن مسيرتكم العلمية والدعوية ؟

درست المرحلة الابتدائية في مدرسة القرية مدرسة البكري ثم المرحلة الوسطى في مدرسة القولد الوسطى برئاسة محلية القولد ثم المرحلة الثانوية برئاسة المحافظة بمدرسة دنقلا الثانوية ، ثم بجامعة الخرطوم وتخرجت منها في العام 1978م من كلية طب الأسنان . بعدها عملت طبيباً بوزارة الصحة السودانية ثم مساعد تدريس بكلية الطب جامعة الخرطوم قسم الكيمياء الحيوية . ثم ابتعثت إلى المملكة المتحدة وتحصلت على درجة الدكتوراه في الكيمياء الحيوية ، وعدت إلى السودان عام 1988م محاضراً بكلية الطب جامعة الخرطوم .

ولاهتمامي بالقضايا السياسية درست (علم العلاقات الدولية) وتحصلت على درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية بتقدير ممتاز من جامعة أم درمان الإسلامية ، والآن أعمل أستاذاً في الجامعة لتدريس طلاب العلوم السياسية .

عملت بوزارة الخارجية السودانية وزير دولة ثم وزيراً للخارجية قرابة العشر سنوات حتى العام 2005م ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن أعمل مستشاراً للسيد رئيس الجمهورية.

و منذ الصبا تربينا على حب التدين واستمر هذا الحال في المراحل التعليمية وفي الاتحادات الطلابية . فترة وجودي للدراسات العليا في المملكة المتحدة كانت فترة مليئة بالنشاط في العمل الدعوي حيث أسسنا الكثير من الجمعيات الإسلامية والمنظمات الخيرية واختلاطنا مع مسلمين من مختلف بلاد المسلمين ساعدنا كثيراً في تطوير تجربتنا في العمل الدعوي.

* ما مجال الاهتمام والتميز في تجربتكم الدعوية ؟

تتميز تجربتي الدعوية بأنني نشأت في بيئة صوفية تميل إلى التسامح والتصوف والزهد ، ثم في الجامعات اكتسبنا تجربة العمل الحركي الإسلامي ، وفي بلاد الغرب تعلمنا كيفية العمل الدعوي وسط غير المسلمين . يتركز الاهتمام بالشباب خاصة الطلاب في الجامعات وحديثي التخرج .

* كيف تقيمون وتنظرون لواقع الدعوة والعمل الإسلامي في بلدكم السودان ؟

العمل الإسلامي في السودان عريق ، حيث دخل الإسلام من الجزيرة العربية عبر التجارة والعلماء ويقال أن أرض الحبشة التي هاجر إليها المسلمون الأوائل كانت تضم السودان الحالي. الطرق الصوفية منتشرة في السودان وهي التي قامت بنشر الإسلام وحافظت عليه ، وفي السودان حركة إسلامية حديثة ، كما توجد في السودان مختلف التيارات الإسلامية من سلفيين وصوفيين وحركات إسلامية حديثة. يُحكم السودان وفق أحكام الشريعة الإسلامية وتُطبق تعاليم الإسلام في الاقتصاد والاجتماع والسياسة وتنفذ الحدود الشرعية ويُحرم التعامل بالربا.

الدولة تشجع الشباب والفتيات على التمسك بالقيم الإسلامية ومظاهر التدين وسط الشباب واضحة من ارتياد المساجد وصيام التطوع ، وانتشار الزي الإسلامي وسط الفتيات في ازدياد.

* لو حدثتمونا عن رؤيتكم لمستقبل العالم العربي بعد الثورات على الظلم والاستبداد ؟

الثورات في العالم العربي تحرك إيجابي من أجل إسقاط ثلاثية  الظلم والاستبداد ، والفساد والمحسوبية ، والتبعية المذلة لأعداء الأمة .

نجحت هذه الثورات في إنجاز إرادة التغيير والمطلوب منها إكمال المهمة بإنجاز إدارة التغيير ، هنالك مخاطر وتحديات يجب تجنبها منها ما هو داخلي كالخلافات المذهبية والفتن الطائفية ومحاولات قوى الثورة المضادة من بقايا العهد القديم وثلة العلمانيين والشيوعيين ، ومنها ما هو خارجي مثل محاولات الغرب لاحتواء هذه الثورات وتحويل مسارها ، فهذه الثورات أحيت روح الأمة في الشعوب العربية وأحيت القضية الفلسطينية بعد موات وهذا لا يرضي إسرائيل والغرب فعلى قادة هذه الشعوب أن يأخذوا حذرهم وأن يوصلوا هذه السفينة إلى بر الأمان فإن نجحوا ففي ذلك خير كثير لهذه الأمة .

* برأيكم ما هي أولويات الخطاب والعمل الإسلامي في المرحلة الراهنة ؟

من أولويات العمل الإسلامي في هذه المرحلة : العمل على تحقيق وحدة المسلمين والبعد عن الخلافات التي تفرق ولا تجمع ، والاهتمام بالشباب والمرأة والاهتمام بالنشء ، وإعادة النظر في المناهج التعليمية ، ورفع الوعي الإسلامي بين المسلمين الشيء الذي يبعدهم عن التطرف ذات اليمين أو ذات الشمال ، والاهتمام بالإعلام الإسلامي تدريباً وتأهيلاً للكوادر .

* كيف يساهم الدعاة والعلماء في مشروع التغيير والنهضة ؟ وهل من مبادرات وأفكار عملية في هذا الشأن ؟

بداية لابد من ذكر دور العلماء في مشروع النهضة ففي المجتمعات العقائدية الدين هو المحرك الأول والأساسي ، وهو المنطلق للفعل وعدمه ، لذا فالدين إما محرك أو مثبط للمجتمعات . والدين هو مجموعة من الأفكار التي تنزل على بيئة راكدة  فتحولها إلى بيئة فاعلة تستخلف الله في الأرض ، ونجد ذلك واضحاً في الجزيرة العربية التي نزل عليها الدين الإسلامي بأفكار حية مثلت مصدر إشعاع للجزيرة العربية أولاً وللبشرية من بعدها فنهضت بها الأمة وكانت الحضارة الإسلامية .

وعندما ننظر إلى مجتمع قائم أساساً على الدين ونجد به حالة من التخلف (أي بعد ومسافة من مجتمعات متقدمة) يكون السؤال لماذا لا يلعب الدين دوره الناهض؟؟ لماذا هو مثبط هذا المجتمع ؟! وهنا يأتي دور العلماء والدعاة في نهضة الأمة الإسلامية المرجوة بإذن الله .

دور العلماء والدعاة : سأختصر الحديث على ثلاثة موضوعات هي :

النقد ، البناء ، والإجابة على أسئلة العصر.

1- النقد : نقد التراث وتنقيته مما ليس دين وله دور في عدم تحريك الناس وعدم فاعليتهم مثلا :- الجبرية وتعاملنا مع القدر.

تقديم المفاهيم فمن العدل المطلق { إن الله يأمر بالعدل والإحسان }

أصبحت كتبنا تتحدث عن العدل بطريقة مبتسرة ومقزمة ، يتحدث رب العزة عن الإحسان ويجعله سببا للخلق { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } فالإحسان في الكتابة ، في المعاملة ، في ممارسة المهنة ، في صياغة التقارير ، في الشارع ، في المنبر ، الإحسان  إلى الوالدين ... في كل شيء .

تحويل الوسائل إلى غايات : فالصلاة وسيلة لغاية كبرى هي بناء الأمة ، فرسولنا الكريم كان إذا  حزبه أمر فزع إلى الصلاة .

المرأة ودورها في المجتمع ، كيف دخلت الأعراف وصارت ديناً ؟ .

2- البناء : على الدعاة أن يساهموا في بناء المجتمع الناهض المسلم . . المجتمع ذو :

- الهوية : بمعنى الأنا الجامعة ، فالهوية دينية أو قومية والهوية قد تحوي داخلها عدة هويات .

- المجتمع المنتج للمعرفة وذلك ضرورة لتكون لك مساهمة للبشرية ومكانة بما تضيفه . ونحن في حاجة لابتكار الوسائل لجعل العلم مجاناً .

- مجتمع مهتم بعمران النظم السياسية والاقتصادية وغيرها .

- مجتمع لديه القدرة على حماية ما ينتجه بالتشريعات أو حتى بالقوة الأمنية ومنها يتجلى دور العلماء في المساهمة في تكوين المجتمع الناهض .

لم لا يُدرب علماؤنا الكبار أئمة المساجد على معنى الهوية وأهميتها  فننطلق جميعا مبشرين بها وفي جمعة واحدة نهتف بالهوية الجامعة ؟

لم لا يتحدث علماؤنا في العلوم وأهميتها وخاصة الإنسانية (والمعنية بالاقتصاد والسياسة والآداب والفلسفة) والتطبيقية (الطب والهندسة) نتفاجأ عندما نعرف أن طالباً في الطب ترك دراسته لأنه يظن أنها من غير العلوم الشريفة ؟!

لم لا نتحدث عن الأمل والنصر الذي نحن به موعودون فقط إذا عملنا ... فيبدأ العلماء في إزالة اليأس وتفعيل الناس ؟

لم لا تنتشر التكنولوجيا بين علمائنا فيقدمون نموذجا ، فنجد محاضراتهم بل حتى خطبة الجمعة بالبروجكتر ؟

لم لا يبدأ علماؤنا في الحديث عن القيم بطريقة راتبة ويبدءوا في معالجة مشاكل الواقع ، فنحن أمة الإتقان وأمة الشورى لنحول هذه القيم إلى إجراءات ؟ .

لم لا يعكف علماؤنا على الكتب فيبدؤوا بتبسيطها بلغة يفهمها غير المختصين (إنتاج كتب تفسير تناسب المرحلة الابتدائية والثانوية) ؟ .

3- الإجابة على أسئلة العصر : العلاقة مع الآخر - هـل الوطنية من الدين ؟ .

ما هو الخطاب الديني الذي يعالج القبلية مثلا في مجتمع كالمجتمع السوداني ؟ .

- إن المجتمع الإسلامي كالطائر له جناحان وقلب ، جناح  التسخير وجناح التدبير ، التسخير هو فهمنا لقوانين الكون وطرق التعامل معها (العلوم) والتدبير هو فهمنا لطرق التعامل مع أنفسنا والناس من حولنا أما القلب النابض الضاخ فهي القيم التي تمثل الإشعاع لكل المجتمع فهل من معين على الطيران ؟ .

* كيف تقيمون انخراط كثير من الحركات والجماعات الإسلامية في العمل الحزبي والسياسي ؟ .

ذلك يعتمد إلى حد كبير على مدى تدريب وتأهيل كوادر هذه الحركات وعن التصور الواضح الذي تدخل به هذه الحركات هذا المعترك ، لذلك نجد بعض هذه الحركات قد نجح في التجربة والبعض  الآخر قد فشل (لكني عموما أرى من المهم الاستعداد لمثل هذا العمل وممارسته واكتساب الخبرة) فهذه أصبحت آليات مهمة في توجيه المجتمع فيجب علينا ألا نتركها  للعلمانيين والليبراليين يستغلونها لأجندتهم (فحتى إن كان فيها شيء من دخن فعلى الإسلاميين أن يقتحموها ويصلحوها)

* هناك صراع مرجعيات وهويات على مستوى الأقطار العربية ، كيف يساهم العلماء والدعاة في الحفاظ على ثوابت وهوية الأمة ؟ .

أولا علماؤنا في حاجة لأن يتفقوا على معنى الهوية ومعنى الدولة المدنية ، والفرق بينها وبين الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية ، ولعلنا نستكتب عددا من المختصين في هذا المجال ثم نعقد ندوة أو مؤتمراً نخرج فيه برؤية واحدة نبشر بها  جميعاً .

* ما هي أهم المشروعات الدعوية التي تشتغلون عليها في الفترة الراهنة ؟ وما أهم ملامحها ؟ .

في الفترة الراهنة أهتم : بالتعليم والكتابة والإعلام وقضايا الحكم ، خاصة موضوع العلاقات الدولية نظرياً وعملياً .

ففي التعليم ينصب اهتمامي على جامعة إفريقيا العالمية التي أرأس مجلس أمنائها ، وأعمل مع الخيرين على توفير أوقاف لها وهي نموذج للعمل الإسلامي وسط أبناء المسلمين في إفريقيا ، وأتمنى أن تزوروها وتسلطوا الضوء عليها وما قامت وتقوم به لخدمة الإسلام في إفريقيا .

كذلك فإني أقوم بالتدريس في جامعة أم درمان الإسلامية ، تدريس علم العلاقات الدولية لطلاب العلوم السياسية ، وهذه فرصة لتدريس الطلاب عن العلاقات الدولية في الإسلام القائمة على العدل والمساواة والحرية ومقارنتها مع العلاقات الدولية القائمة على القانون الدولي الوضعي .

أهتم بالكتابة وحتى الآن صدر لي أكثر من عشرة كتب بلغات مختلفة من أهمها (الأمن القومي العربي)  (النظام العالمي الجديد) (قوة القانون أم قانون القوة) (العولمة وسياسة السودان الخارجية مع مطلع الألفية الجديدة) (دارفور الماضي .. الحاضر والمستقبل) .

أهتم بالإعلام لما له من أثر بالغ في نهضة الأمة والدفاع عن قضاياها والتبشير بفكرها وتوضيح حقيقتها وذلك عبر المقالات والمحاضرات والمشاركة في إصدار الصحف والفضائيات الإسلامية مثل قناة إفريقيا الفضائية التي تبث باللغة الإفريقية الحية .

أيضا من خلال عملي كمستشار للأخ رئيس الجمهورية أقدم استشاراتي في أمور الحكم مع حرصي على تأصيلها وبيان مرجعيتها الإسلامية ومواءمتها مع العصر .

* ما دور الإعلام الجديد في الدعوة والتغيير ؟ .

الإعلام سلاح هام جداً في الدعوة والتغيير { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين }

أشعر بالارتياح للتقدم الذي حدث في مجال الإعلام الإسلامي والاستفادة من التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة ، ولكن مازال الطريق أمامنا طويل .

نحتاج لتدريب الكوادر الإسلامية لإتقان استخدام التكنولوجيا .

ونحتاج أيضا لتطوير عملية البحث العلمي في مجال تكنولوجيا الاتصالات حتى لا نكون تحت رحمة أولئك الذين يمتلكون هذه التكنولوجيا إن شاءوا أعطونا وإن شاءوا أبوا .

 

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0